القائمة الرئيسية

الصفحات

آخر الاخبار

ch145 tgcf

 الفصل مئة وخمسة وأربعين : انفتاح بوابات جبل تونغ لو؛ تجمّع ملايين الأشباح -٣-.


لم يشعر شي ليان إلا بموجات عنيفة من الارتجاف تهتز من كل الجهات، فيما ملأ الجوَّ عبير غريب يصعب وصفه.

لقد انفجرت جميع تلك التعويذات الصفراء!

أما الأشباح والشياطين الذين كانت ملصقة على جباههم، فالذين كانت أجسادهم صلبة تفتّتت أدمغتهم وتطاير الدم واللحم أشلاءً، والفارغين منهم تشوّهت أشكالهم وتبعثرت سحب الدخان الأسود من أجسادهم. فتحوّل سفح الجبل إلى ساحة من العويل والصرخات. 

أما هوا تشينغ ، فرفع يديه عن أذني شي ليان وكأنه لم يتأثر، فيما نهض شي ليان وقد تسلّل القلق إلى قلبه. لقد فحص تلك التعويذات سابقاً واحدة تلو الأخرى، وكانت جميعها تعاويذ طرد عادية، فكيف لها أن تُحدث أثراً مهولاً كهذا؟

في تلك اللحظة، هبطت ورقة ممزقة وسط الدخان المتصاعد. التقطها شي ليان بيده بسرعة، وبمجرّد أن نظر إليها اتّضح له الأمر:

"يا لدهائه..."

لقد كانت قطعة ممزقة من إحدى التعويذات الصفراء. ولولا تمزيقها، لما بدا الاختلاف جلياً؛ إذ كان هناك طبقتان!

الورقة العليا رُسمت عليها تعويذة عادية، أمّا تحتها فقد وُضعت طبقة رقيقة للغاية من ورق تعويذ آخر. ورغم أنّها احترقت حتى تلاشى أثرها، إلا أن ذلك لا يغيّر من كونها تعويذة شديدة القسوة والفتك.

ارتفعت الغبار وسدّ الأفق، ولم يعد بالإمكان الرؤية بوضوح، فيما ما زال بعض الأشباح يصرخون وكأن هناك من يستغل الفرصة للهجوم. فانخفض شي ليان فوراً أرضاً، بينما دوّى صياح شبح:

"انتظروا! المذبحة لم تبدأ بعد، لماذا تهاجمون الآن؟!"

"أجل! ألم نتفق جميعاً أنه بما أننا أشباح، سنتعاون لعبور الجبل بسلام أولاً؟!"

لكن صوتاً وحشياً انفجر ضاحكاً:

"حمقى مثلكم يستحقون الإبادة من الجولة الأولى! لم يُذكر قط متى تبدأ المذبحة. وبما أننا جميعاً خصوم، فمن البديهي أنّ التخلص منكم مبكراً أفضل! أتظنون أنني سأحييكم قبل أن أضرب؟"

صرخ أحدهم بفزع:

"انتظروا! انتظروا! أنا أنسحب! لم ندخل جبل تونغ لو بعد! أليس من حقي الانسحاب الآن؟!"

وبينما أخذ الدخان يتبدّد، ظهرت الرؤية تدريجياً، وما إن شاهد الأشباح ما أمامهم حتى صُعقوا.

"هاه؟! ما الذي حدث؟!"

ولم يكن شي ليان أقل دهشةً منهم.

فحين وصلوا أول مرة، كان يقف أمام الطريق جرفٌ جبلي شاهق يستحيل تجاوزه أو الالتفاف حوله، لكنه الآن... اختفى!

لا، لم يختفِ، بل انتقل خلفهم!

لقد أدركوا فجأة أنهم، دون أن يشعروا، كانوا قد دخلوا بالفعل إلى حدود جبل تونغ لو!

وهنا تذكّر شي ليان سبب قول هوا تشينغ له سابقاً إن للجبل "معالم" لكن لا ينبغي الوثوق بها. إذ أن تلك "المعالم" ليست إلا كأطفال أشقياء يعبثون، ينتقلون ويغيّرون أماكنهم كما يشاؤون.

وفجأة، سمع شي ليان صوتاً ساخراً من خلفه:

"دعوني أرى مما صُنعت هذه الدمية... أم لعلّك لست دمية أصلاً؟"

إنه "نصل الإعدام سالب الأرواح"!

استدار شي ليان بسرعة، لكن قبل أن تنطلق رويي منه، ومضة باردة خاطفة شقّت الهواء، وإذا بـ"نصل الإعدام سالب الأرواح" يُشطر نصفين من خصره قبل أن يتمكّن حتى من الصراخ!

أسرع شي ليان ليتفقده، فإذا به مقسوم بالفعل إلى قسمين، ميّت لا شك فيه. رفع رأسه، فإذا بالقاتل ليس سوى ذلك الرجل الغريب المتدثّر بالعباءة. كان يُعيد سيفه إلى غمده بخطوات ثابتة واثقة.

شعر شي ليان أن ملامحه وهيئته مألوفة بعض الشيء، فاعتدل واقفاً وقال:

"سيدي الفاضل، من تكون؟"

ابتسم الرجل وكان على وشك الرد، لكن فجأة انحنى إلى الأمام. فأثار ذلك جرس إنذار في عقل شي ليان، وأمسك به بحذر مستعداً لأي هجوم، إلا أن الرجل لم يهاجمه، بل مدّ ذراعيه ليُطوّق خصر شبحين أنثويين بجانبه قائلاً:

"هل أنتما بخير، يا جميلتيّ؟"

كانتا شبحين فاتنتين، لم تُصَبن لأنهما لم تستعملا السيوف ولا تلك التعويذات، غير أنّ الانفجارات أفقدتهما وعيهما. والآن، بين ذراعي رجل يُظهر عاطفة غامرة، أفاقتا بخجل، تشعران بالامتنان.

"أنا بخير، شكر..."

لكن قبل أن تكتمل كلمة "شكراً"، تغيرت ملامحهما فجأة، فدفعتا الرجل بعيداً بعنف.

"ابتعد عنّا!"

ثم زحفتا مبتعدتين بسرعة. ومع ذلك لم يبدُ على الرجل أي انزعاج، بل حكّ ذقنه بحيرة قائلاً:

"هذا غريب... أهذا الوجه قبيح إلى هذا الحد؟"

"...."

وعلى الرغم من أنّه ما زال متخفياً، إلا أنّ شي ليان أدرك فوراً من يكون. فقال:

"الجنرال باي، لماذا أنت هنا أيضاً؟"

ابتسم الرجل نحوه، ثم مرّر يده على وجهه ليكشف ملامحه الحقيقية. إنه باي مينغ.

قال مبتسماً:

"طبيعي أن أكون هنا. لقد أمرني الإمبراطور بأن أمدّ سموّك يد العون."

ردّ شي ليان:

"حقاً؟ أشكرك جزيل الشكر. أعتذر لإزعاجك، لكن كما ترى، المكان خطير للغاية."

لكن هوا تشينغ علّق ببرود:

"لا داعي لشكره، غاغا . من الواضح أنه فاوض جون وو على كامل الامتيازات."

اقترب باي مينغ وتوقف أمام هوا تشينغ ، ثم انحنى وقاس طوله بإيماءة بيده وهو يضحك:

"أأخدعني بصري؟ أهذا هو ،ملك الأشباح 'المطر القرمزي الباحث عن الزهرة '؟ لقد تغيرتَ كثيراً للأفضل مع مرور الوقت. فما الذي تناولته حتى تنمو بالعكس؟ ها..."

لكن لم تكد ضحكته "ها" تخرج حتى انطلقت ضمادة شي ليان الحريرية كالسوط، لتكاد تطيره بعيداً، لولا أنه تراجع بسرعة فائقة وتفادى الضربة.

قال باي مينغ ساخرًا:

"سموك، كم تُقدِّر حقًا هوا تشينغ ؟ ألا تستطيع تحمّل مزحة بسيطة؟"

فأجابه شي ليان بجدية:

"هل أنت حقًا الجنرال باي؟"

ربّت باي مينغ على سيفه المقدس المعلّق عند خصره وأبرزه له قائلاً:

"أصلي وحقيقي، يُستبدل إن كان مزيفًا."

قال شي ليان:

"لا حاجة للاستبدال، إن كان مزيفًا فليُعاد فورًا."

تدخّل هوا تشينغ ببرود:

" غاغا ، اقتله، إنه مزيف."

"هيه!" اعترض باي مينغ.

لكن شي ليان سأله بنبرة حادة:

"إذا كنتَ فعلًا الجنرال باي، فلماذا تركت تلك التعويذة الصفراء أثرًا رماديًا على جبينك قبل قليل؟"

ابتسم باي مينغ وقال:

"الأمر بسيط، وهذا بفضله."

ثم رمى شيئًا صغيرًا باتجاه شي ليان. وبما أنّه كان متيقظًا، لم يلتقطه بيده بل استعمل طرف سيفه ليثبته ويرفعه أمام عينيه.

"حلوى؟"

على نصل السيف كانت هناك حلوى صغيرة سوداء لامعة. وبينما هو يتفحّصها، وضع باي مينغ أخرى في فمه وقال:

"إنها حلوى رائحة الأشباح، اشتريتها من مدينة الأشباح. ما إن تمضغ واحدة حتى يتدفّق من داخلك جوهر الشر، وكأنك كائن غير بشري. مفيدة جدًّا عند التظاهر بأنك شبح."

أدار شي ليان الحلوى بين أصابعه بدهشة:

"أيمكن حقًا شراء أشياء سحرية كهذه في مدينة الأشباح؟"

أجاب باي مينغ وهو يمضغ:

"اسأل هوا تشينغ بجانبك، فهو الأعلم. في مدينة الأشباح يمكنك شراء أي شيء إن عرفت كيف. الطعم ليس سيئًا يا سموك، هل تودّ تجرِبة واحدة؟"

نظر شي ليان إلى هوا تشينغ بفضول وقال:

"إن كان الأمر كذلك، كان ينبغي أن نأخذ بعضًا من هذه الحلوى قبل أن نأتي."

لكن هوا تشينغ انتزعها من يده وقال بهدوء:

" غاغا ، إن رغبت بشيء من مدينة الأشباح، فاطلبه مني فقط. لكن لا تأكل مثل هذا."

سأله شي ليان:

"ولماذا؟"

عندها، ومن دون أن يُظهر قوة، صرخت الحلوى فجأة وذابت لتتحول إلى خيط من الدخان الأسود. ثم أوضح:

"كل شيء في مدينة الأشباح محفوف بالمخاطر. هذه الحلوى مثلًا تُصنع في أماكن مشبوهة، ومكوناتها في الغالب أرواح حقيرة مجهولة الأصل. أكلها يضر الجسد."

لم يُعر باي مينغ الأمر اهتمامًا وقال:

"لا بأس، أحتفظ بها فقط للحالات الطارئة، ولستُ آكلها بانتظام."

أضاف هوا تشينغ :

"والرائحة كريهة للغاية. المسؤولون السماويون والبشر لا يشمونها، لكن كلما كان الشبح أوضع وأحقر، ازدادت نتانتها."

باي مينغ:"...."

ساد الصمت، ثم ضحك هوا تشينغ ساخرًا:

"أتفهم الآن لماذا طردتك الشبحان الأنثويان؟"

"...."

إذ إن جوهر الشر الذي شموه منه كان بالغ القذارة والاشمئزاز!

تنحنح شي ليان بخفة وقال بلطف:

"الجنرال باي، لنتوقف عن أكل هذا."

فأخرج باي مينغ ما تبقى لديه من حلوى رائحة الأشباح ورماها بعيدًا:

"حسنًا. لكننا لم نتوغل بعد سوى في أطراف جبل تونغ لو، وكلما تقدّمنا ستزداد الوحوش والشياطين قوة، وسيشكون فينا بمجرد نظرة. فماذا سنفعل حينها؟"

في هذه الأثناء، تجمّعت بعض الأشباح الإناث حول هوا تشينغ كما لو كن بطّات صغيرة، فقد أعجبن برائحته الفريدة. فجوهر الشر الذي بثّه كان من أرقى الأنواع، فلا حاجة حقًا لمثل تلك الحلوى. إلا أن شي ليان تذكّر للحظة أنه لو أراد إخفاء حقيقة أن ذلك الجوهر ليس سوى قشرة سطحية، فقد يضطران كما في المرة السابقة إلى تبادل أنفاس وسوائل... وسرعان ما قطع أفكاره عن ذلك.

فقال بجدية:

"لا أعلم. أنا مجرد دمية."

أي أنه سيواصل التمثيل.

قال باي مينغ:

"حسنًا، إذن من الأفضل لسموك أن يبقى قريبًا من سيّده الآن."

تظاهر شي ليان أنه لم يسمع، وأخذ يتأمل من حوله متنهّدًا:

"لم أتخيّل أن تكون الخسائر فادحة هكذا منذ البداية."

فالعدد الذي اجتمع هنا أولاً كان أكثر من أربعمئة شبح، ومعظمهم قُتل أو جُرح. وتذكّر شي ليان المشهد الذي أراه إياه هوا تشينغ تلك الليلة، فإذا به ليس مبالغة. كان الأمر أشبه بعاصفة عاتية اقتلعت كل الأعشاب في طريقها. ومن تبقى بالكاد أحياء، أذرعهم وأرجلهم متناثرة، يأنّون بوجع.

فقال هوا تشينغ ببرود وهو يقف أمامهم:

"هل تدركون الآن طبيعة جبل تونغ لو؟"

لم يجرؤ أحد من الأشباح الباقين على الكلام.

قال لهم شي ليان بلطف:

"ما زلتم حتى الآن في الأطراف الخارجية فقط، وما زالت هناك فرصة للانسحاب. إن لم ترغبوا في مواجهة ما هو أفظع، فانتظروا هنا وابحثوا عن فرصة للرحيل."

وقد كانوا بالفعل عازمين على ذلك، وحين تأكدوا أن شي ليان ورفاقه لا ينون القضاء عليهم، أسرعوا يسندون بعضهم بعضًا ويبتعدون قدر ما يستطيعون.

وبينما يتابع ظهورهم الهاربة، قال شي ليان بنبرة ذات مغزى:

"قد يكون اسم نصل الإعدام سالب الأرواح مبالغًا فيه، لكنه كان بالفعل خطيرًا وشرسًا."

أومأ باي مينغ موافقًا:

"ذلك المخلوق بارع للغاية في إثارة الفتنة، وكان يحرض منذ البداية، كما أنه سريع الحركة. سموك، ضربتك أنت منحتْه فرصة مثالية ليستغل إصاباته في الخداع."

رمش شي ليان بدهشة:

"مهلاً، ضربتي؟ أي ضربة؟ أنا لم أسل سيفي أصلًا."

قال باي مينغ مستغربًا:

"ألم تكن تلك الشقّة الصغيرة على بطنه من سيفك؟ لو لم يستغلها لخلق الذعر، ومع وجود أثر من ضوءك الروحي عليها، لما صدّقه الأشباح ولما ألصقوا تلك التعويذات على جباههم."

قال شي ليان بحيرة:

"بصراحة، كنتُ أظن تلك الضربة من عملك، أيها الجنرال باي."

ابتسم باي مينغ ببرود وقال:

"سموك، هل لديك انطباع خاطئ عني؟ أنا لا أُجيد الكمائن ولا الهجمات الخفية."

تجهّم شي ليان وقال:

"إن لم تكن أنت، ولم أكن أنا، فهل كان هناك مسؤول سماوي ثالث حاضرًا؟ أم أنّ ضوء الروح في جرح ذلك الشيطان مشوب بشيء آخر..."

استدار ليتفقد الجثة ويتحقق، لكنه وجد المكان الذي كان يرقد فيه "نصل الإعدام سالب الأرواح" خاليًا!

صرخ بقلق:

"أين جثة ذلك الشيطان؟!"

حتى باي مينغ بدا مذهولًا:

"لقد شطرته نصفين بوضوح قبل قليل."

لكن هوا تشينغ قال بنبرة مظلمة:

" غاغا ، كن حذرًا. في جبل تونغ لو، كلما زاد القتلى على يد خصم، ازداد هو قوة."

وكان "نصل الإعدام سالب الأرواح" قد ذبح قبل لحظات فقط ما يقارب أربعمئة من الوحوش والشياطين!

يتبع...

  • فيس بوك
  • بنترست
  • تويتر
  • واتس اب
  • لينكد ان
  • بريد
author-img
Fojo team

عدد المقالات:

شاهد ايضا × +
إظهار التعليقات
  • تعليق عادي
  • تعليق متطور
  • عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق

X
ستحذف المقالات المحفوظة في المفضلة ، إذا تم تنظيف ذاكرة التخزين المؤقت للمتصفح أو إذا دخلت من متصفح آخر أو في وضع التصفح المتخفي