القائمة الرئيسية

الصفحات

آخر الاخبار

ch149 tgcf

 الفصل مئة وتسعة وأربعين : ذُعرٌ من الشرق والغرب، وحيرة في القرار -١-.




سأل شي ليان:

"هل انتصر الجنرال باي أم هُزم؟"


أجاب باي سو:

"انتصر... وهُزم."


فقد قُتل جميع المتمرّدين بسيف باي مينغ، وكان بينهم رفاق قدامى قاتلوا معه لعقود طويلة. والسيف مينغ غوانغ الذي اعتاد أن يقاتل بجانبهم، صار هذه المرّة الأداة التي ذبحتهم.


وحين شارفت المجزرة على نهايتها واتّضح مصير المعركة، أصدر حاكم "شولي" أمره بمحاصرة باي مينغ المُنهك والملطّخ بالدماء، متهمًا إيّاه بالخيانة العظمى.


كان باي مينغ بارعًا في الحروب، لكن إن لم يكن الميدان ساحة قتال حقيقية بالسيوف والحراب، فقد لا يكون نصره مضمونًا. قاتل أعداءً ودافع عن العرش، لكنه في النهاية لم ينل إلا حكمًا: يُقتل أينما وُجد!


أمسك باي مينغ بالجرّة في يده. لم يكن أنه لم يسمع النقاش، بل لم يكن لديه وقت للاكتراث. وقال بهدوء:

"كان عليَّ أن أعرف أنّه أنت. هذا بالضبط من أسلوبك."


وبالعودة إلى الوراء، فقد كان الغالب أنّ حقد رونغ غوانغ قد تلبّس في ذلك السيف المكسور، المشبّع بدماء الملايين. اتصاله بمرارة ذلك السيف هو ما سمح له بالبقاء حتى الآن. لكن الصوت داخل الجرّة ظلّ باردًا وقاسيًا:


"إخوتك جميعًا ماتوا منذ زمن بعيد. أنا لست سوى سيف."


أدرك شي ليان أنّه لن يعترف أبدًا، وأن مواصلة السؤال لا فائدة منها، فقال:

"دع الأمر، أيها الجنرال باي ."


أومأ باي مينغ برأسه وأعاد الجرّة إلى باي سو.


وبهذا تمكّنوا من السيطرة على اثنين من أشدّ الأشباح خطورة. وبغضّ النظر عن البقية، فقد كان هذا بداية جيدة.


قال شي ليان:

"سأتابع أنا والجنرال باي التقدّم في جبل تونغ لو. بان يوي ، ماذا عنكما؟ هل ستبحثان عن سيّد المطر؟"


أجاب باي سو:

"سيّد المطر سبقنا ليلحق بالأشباح التي اختطفت الفلاحين. وإن ذهبنا في نفس الاتجاه، فمن الأفضل أن نرافقكم ونساعد صاحب السمو والجنرال."


عاد باي مينغ إلى وعيه وقطّب جبينه قليلًا:

"إذن لنعجّل الخطى. فحاكم يوشي ليس مسؤولًا عسكريًا ، وإن سبقنا قد يواجه خطرًا في الأمام."


حمل شي ليان هوا تشينغ بين ذراعيه، وأخفت بان يوي الجرتين، وسار الجميع مسرعين في عمق الغابة الكثيفة.


وبما أنّهم ما زالوا على أطراف جبل تونغ لو، لم يلتقوا بمخلوقات خطيرة، بل مجرد أشباح ضعيفة كالأعشاب الضالة. لم يكن الفريق راغبًا بالقتال، فتجاوزوا معظمها. أما من تجرّأ على مهاجمتهم، فقد فرّ هاربًا من أفاعي بان يوي وباي سو. وبعد يوم كامل من السير، غادروا الغابة ودخلوا المستوى الثاني من جبل تونغ لو.


هناك، أخذت الأشجار تتباعد، والطرقات تتسع، وظهرت آثار سكن بشرية. لمح شي ليان على جانب الطريق كوخًا متهدّمًا أسود اللون، فاستغرب قائلاً:

"لماذا توجد بيوت هنا؟"


هزّت بان يوي وباي سو رأسيهما نفيًا. وأجاب باي مينغ:

"يبدو أنّ عليك أن تسأل ملك الأشباح الذي تحمله بين ذراعيك."


كان شي ليان قد توقّع أنّ هوا تشينغ ، لو كان مستيقظًا، لامتلك الإجابة. نظر إليه، فرأى أنّ حرارته المرتفعة بدأت تهبط تدريجيًا، لكن عينَيه بقيتا مغمضتين، فاشتدّ قلقه.


ذكّره باي مينغ:

" سموك ، نحن ندخل المستوى التالي الآن. ما سنواجهه هناك سيكون أقوى. هل نتوقّف قليلًا وننتظر أن يستيقظ هوا تشينغ ؟"


وصلوا إلى مفترق طرق؛ أحدهما يتجه شرقًا والآخر غربًا. تردّد شي ليان قليلًا وقال:

"الليل اشتدّ، فلنخيّم هنا الليلة."


فبعد يوم كامل من السير، كان الوقت قد حان للراحة وحماية هوا تشينغ حتى يتعافى.


قالت بان يوي :

"باي سو-غاغا يحتاج إلى الراحة أيضًا."


عندها تذكّر الجميع أنّ باي سو الآن بشري، ويحتاج للنوم والطعام، لكنه ظلّ صامتًا طوال الوقت. أما شي ليان، فمع أنه يملك أصفادًا ملعونة تكبّله مثل البشر، فقد شغله القلق على هوا تشينغ عن نفسه.


أقاموا معسكرهم عند المفترق. أوقدت بان يوي النار، وذهب باي سو للصيد. وبينما كان الجميع منشغلًا، عاد شي ليان يتأمّل وجه هوا تشينغ . وفجأة أحسّ بنظرات عليه، فالتفت ليجد باي مينغ يراقبهما.


تبادلا النظرات، ثم ضحك باي مينغ ضحكة جافة وقال:

"حسنًا، سأرحل."


قال شي ليان:

"لا، لا بأس."


لم يكن يفعل شيئًا يستوجب الإخفاء، فلماذا بدا وكأنه لصّ يُضبط متلبّسًا؟


في هذه اللحظة جاءت بان يوي تحمل جرّة سوداء بداخلها دجاجة برية مذعورة ومربوطة، وقالت:

"الجنرال هوا..."


التفت كلا من شي ليان وباي مينغ إليها.


سأل شي ليان:

"ما الأمر؟"


رفعت بان يوي الجرّة وقالت:

"باي سو-غاغا اصطادها لطبخها، لكنني لا أعرف كيف."


كان باي سو قد مضى للاستطلاع بعد الصيد، بينما راح باي مينغ يرمق بان يوي بعدم رضا، وقال بتعجرف:

"ألستِ فتاة؟ تقاتلين وتذبحين طوال الوقت، لا تضعين مساحيق ولا حتى تعرفين الطبخ؟"


ساد الصمت. لم تفهم بان يوي ما يقصده، فهي لم تنشأ كفتيات البيوت، ولم تعرف معاييره للجمال. أما شي ليان، فقد أدرك أنّ باي مينغ رجل يصعب وصفه في شؤون النساء.


قال شي ليان:

"ضعيها هنا يا بان يوي ، سأعلّمك."


وبما أنّها كانت تُعجب به كثيرًا، تبعته بحماس. وبعد وقت قصير، كان شي ليان ينزع الريش الملوّن من الدجاجة، بينما رفع باي مينغ يديه الملطختين بالدماء قائلًا مازحًا:

"الجنرال قاتل الدجاج والأمير ولي العهد نازع الريش، مشهد يستحق أن يُخلّد."


فقد رأى شي ليان باي مينغ وهو يذبح الدجاجة بيديه العاريتين، مشهد دموي ومنفّر، فقال له:

"أيها الجنرال، أما كان بإمكانك استخدام سكين؟ لكان أنظف."


فردّ باي مينغ:

"وهل لدينا سكين أصلًا؟"


وبينما كان يتكلّم، وقعت أنظارهما على الجرتين الموضوعتين على جانب الطريق. وإذا بصوت رونغ غوانغ يصرخ من داخلها، فاهتزّت بقوة:

"ابتعدوا عني! إن لم تفعلوا، لطّختُ نصلي بالسم وسممتكم جميعًا!"


ابتعد الاثنان على الفور. وحين ابتعدا بما يكفي، هزّ باي مينغ رأسه وقال:

"وما زال ينكر. هذا طبعه منذ القدم."


كان شي ليان قد سمع شتائمه ضد باي مينغ، وشعر بشيء من التعاطف. وقال:

"أتفهّم الأمر. لديّ ابن عم يشبه الجنرال رونغ، لا يعرف سوى السب، ولا يجيد أي شيء آخر."


على الأقل، كان رونغ غوانغ يقاتل بجانب باي مينغ. أما لو ساعد شي رونغ شي ليان في القتال، لكان دمّره قبل أن يفتك به الأعداء. بدا أنّ باي مينغ تخيّل رونغ غوانغ عاجزًا عن القتال ولا يجيد إلا الشتيمة، فقال بجدية:

"هذا بالفعل أمر مرعب."


ألقى شي ليان الدجاجة منزوعة الريش في القدر، وملأه بالماء، ثم بدأ الطهي على النار، مضيفًا ثمارًا وأعشابًا بريّة لإضفاء النكهة. وبان يوي أخذت تقلّده بحماس، تجمع ما تجده صالحًا للأكل وتضعه في القدر. أما باي مينغ، فلم يفهم شيئًا مما يفعلونه، لكنه لم يرَ بأسًا، فجلس يضيف الحطب إلى النار.


ثم التفت نحو شي ليان وقال:

" سموك ، لطالما وددت أن أسألك سؤالًا، لكن لم يكن مناسبًا بما أننا لم نكن مقرّبين..."


صحيح أنّ العلاقة بين شي ليان وباي مينغ لم تكن وطيدة من قبل. فصورة باي مينغ في ذهنه كانت لا تتجاوز كونه جنرالًا قوي البنية، شهوانيًا، لا يحسن التصرف مع النساء. بل إنهما التقيا من قبل في مواقف حادة. لكن بعد عدة لقاءات متتالية، تغيّرت نظرته له من دون أن يشعر، وأصبح بينهما شيء من الودّ والتفاهم.


قال شي ليان بهدوء:

"تفضل أيها الجنرال، اسأل."


فقال باي مينغ:

"لقد نُفيت مرتين، وعلى جسدك قيدان ملعونان. وبعد أن صعدت للمرة الثالثة، كان بإمكانك أن تطلب من الإمبراطور أن يرفع عنك هذه القيود. لماذا لم تفعل؟"


وبينما كان يتحدث، كانت بان يوي تفتش بجدية، ثم أخرجت بعض الأفاعي العقرب الحمراء وألقتها في القدر المغلي كمن وجد الحل.


ابتسم شي ليان وقال:

"إذن، لديّ أنا أيضًا سؤال لك، أيها الجنرال."


أجابه باي مينغ:

"تفضل."


سأله شي ليان:

"بعد أن تحطّم سيفك مينغ غوانغ، لماذا لم تصنع سيفًا روحانيًا جديدًا؟"


قطّب باي مينغ حاجبيه:

"سؤال غير مريح."


ابتسم شي ليان بنفس الطريقة:

"وكذلك سؤالك."


فضحكا قليلًا معًا.


ثم قال باي مينغ فجأة:

"لم أرَ يومًا أن تلك كانت قصة جميلة."


أجابه شي ليان بتفهم:

"أفهم قصدك."


وكان سيكمل حديثه، لكنه شعر بحركة خلفه. ارتجف قلبه والتفت بسرعة:

"سان لانغ؟"


وبالفعل، كان هوا تشينغ قد نهض وجلس!


هرع شي ليان نحوه سعيدًا ومندهشًا ليسنده من كتفيه:

"سان لانغ! استيقظت! أنت... تبدو أكبر سنًا؟"


فقد بدا قبل قليل كطفل في العاشرة، أما الآن فقد بدا كمراهق في الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة، حتى صوته أصبح أعمق قليلًا.


ابتسم هوا تشينغ وقال:

"نعم. شكرًا لك، غاغا ، لقد منحتني راحة."


علّق باي مينغ بابتسامة:

"حقًا، خبر سار."


لكن كلمة "راحة" جعلت ابتسامة شي ليان تتجمّد. "هل يقصد ما أفكر فيه؟" تساءل داخليًا.


وفي اللحظة التالية، أمسك هوا تشينغ بكتفيه بقوة وقال بجدية قاتمة:

" سموك ، اسمعني جيدًا. هناك شيء يقترب بسرعة من الشرق. يجب أن نغادر فورًا!"


تفاجأ شي ليان، لكنه نظر معه نحو الشرق، وكأنهما يحاولان اختراق ظلام الليل. لم يشعر بشيء، لكنه قال بحزم:

"حسنًا! سنرحل فورًا."


سأله باي مينغ:

"إلى أين؟"


لم يكن أمامهم سوى طريقين، فأجاب شي ليان:

"إلى الغرب!"


في تلك اللحظة، ظهرت بان يوي وهي ترفع القدر من على النار محاولةً اصطحابه، وقالت بقلق:

"لكن باي سو-غاغا لم يعد بعد!"


وقبل أن تنهي كلامها، ظهر باي سو مسرعًا من طريق الغرب، عائدًا من الاستطلاع، وهو يلهث:

"جنرال! لا تسلكوا هذا الطريق! هناك مئات الأشباح قادمون نحونا الآن!"


سأله هوا تشينغ بسرعة:

"كم عددهم؟"


تفاجأ باي سو للحظة حين أدرك من سأله، ثم قال بجدية:

"بحسب اهتزازات الأرض، لا يقلون عن خمسمائة!"


كان التراجع آخر خيار يفكر فيه أي مسؤول عسكري . فقال باي مينغ بحدة:

"إذن، إلى الغرب أم الشرق؟"


أجاب هوا تشينغ بثقة:

"الغرب!"


وأضاف شي ليان أيضًا:

"الغرب."


رغم أن الغرب يعجّ بالأشباح والشرق بدا خاليًا، إلا أن إحساس شي ليان أخبره أن الغرب أكثر أمانًا. فانطلقوا بسرعة.


لكن بعد أن ركضوا عدة أميال، لم يظهر لهم أي شبح، فاستغرب شي ليان وقال:

"جنرال باي الصغير، متى وأين سمعت عن قدوم خمسمائة شبح؟"


قال باي سو:

"كانوا خلفي بخمسة أو ستة أميال فقط، ويتحركون بسرعة كبيرة."


قال شي ليان بدهشة:

"إذن لماذا لم نلتقِ بهم حتى الآن؟"


قال باي مينغ:

"ربما عادوا أدراجهم."


لكن باي سو هز رأسه:

"لا، خطواتهم كانت أشبه ما تكون..."


أكمل هوا تشينغ ببرود:

"هربًا للنجاة بأرواحهم."


فجأة توقف الجميع. فقد كان الطريق أمامهم مغطّى بجثث متناثرة: أشخاص، وحوش، وأرواح محطمة، ونيران أشباح تتطاير في الجو... مشهد مروّع.


انحنى شي ليان ليفحصهم وقال:

"كانوا يفرّون فعلًا... لكنهم لم ينجحوا."


قال هوا تشينغ :

"هذا من فعل شخص واحد."


أومأ شي ليان. أن يُقتل أكثر من خمسمائة شبح بهذه السرعة والسهولة... لا بد أنه خصم يتفوق حتى على أقوى الأسلحة.


قالت بان يوي بخوف وهي تضم القدر:

"أتمنى أن لا يكون سيّد المطر قد سلك هذا الطريق..."


طمأنها باي سو:

"لا تقلقي، سموه يملك ثورًا حارسًا يحميه."


وفي هذه الأثناء، سمع شي ليان طقطقة غريبة. اقترب، فإذا بجمجمة ترتجف أسنانها. وحين رأت أنهم انتبهوا لها، صرخت:

"النجدة! لن أعود مرة أخرى! أريد العودة للديار!"


التقطها شي ليان برفق وقال:

"اهدأ، نحن مجرد عابرين. قل لنا، ما الذي حدث هنا؟"


ارتجفت الجمجمة وقالت:

"أنتم عابرون؟ لا تكملوا الطريق! أمامكم شخص مرعب... لقد قتل أكثر من ألف شبح بالفعل، وما زال غير مكتفٍ... ما زال..."


قال شي ليان مذهولًا:

"ألف؟! من هذا؟ هل تعرف اسمه أو شكله؟"


قالت الجمجمة:

"لا... لم أر بوضوح. كل ما لمحته أنّه شاب يرتدي السواد، وجهه شاحب جدًا..."


قال باي مينغ بجدية:

"أمر مقلق...سموك ، سيّد هوا تشينغ ، هل أنتما متأكدان أننا يجب أن نتابع غربًا وليس شرقًا؟"


لكن الجمجمة صرخت فجأة:

"لا تذهبوا شرقًا أيضًا! لا شرق ولا غرب!!!"


سألها شي ليان:

"ما الذي هناك في الشرق؟"


قالت الجمجمة برعب:

"لم نجرؤ على التوجه شرقًا، لذلك اخترنا الغرب. لأن في الطريق الشرقي هناك شاب يرتدي الأبيض... في يوم واحد فقط قتل أكثر من ألفي شبح. إنه أفظع بكثير ممن في الغرب..."






يتبع...

  • فيس بوك
  • بنترست
  • تويتر
  • واتس اب
  • لينكد ان
  • بريد
author-img
Fojo team

عدد المقالات:

شاهد ايضا × +
إظهار التعليقات
  • تعليق عادي
  • تعليق متطور
  • عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق

X
ستحذف المقالات المحفوظة في المفضلة ، إذا تم تنظيف ذاكرة التخزين المؤقت للمتصفح أو إذا دخلت من متصفح آخر أو في وضع التصفح المتخفي