القائمة الرئيسية

الصفحات

آخر الاخبار

ch151 tgcf

 الفصل وواحد وخمسين : ذُعرٌ من الشرق والغرب، وحيرة في القرار -٣-.







قال شي ليان بهدوء:

"حقًا؟ وكيف عرفت ذلك؟"


كان هوا تشينغ على وشك أن يجيب، لكن باي سو ــ بصوت متقطع وجسد مرتجف ــ مدّ إصبعه نحو الأرض، ورسم بخط مهتز كلماتٍ غير متوازنة. اجتمع الجميع حوله بصمت، كأنما يدفعهم احترام غامض لمشاهدة ما يكتبه. وما إن أنهى حتى ظهرت أمامهم كلمتان: "تشكيل معركة". بدا وكأنه استهلك آخر ما بقي له من طاقة، فأغلق يده في قبضة وسكن مكانه.


رفع هوا تشينغ نظره وقال بثقة:

"هذا صحيح تمامًا. ثور الحماية الخاص بسيد المطر هو ثور أسود، أصله من ذلك الوحش الذهبي المثبّت على باب قاعة التدريب الملكية في مملكة يوشي. في الأحوال العادية لا يترك أثرًا حين يسير، لكن إذا دخل القتال يبدّل هيئته. لذلك تبدو حوافره في المعركة أعظم حجمًا مما هي عليه عادة."


قال باي مينغ ساخرًا:

"ملك الأشباح واسع الاطلاع حقًا."


وأشار هوا تشينغ إلى العلامات على الأرض، والتفت نحو شي ليان:

"غاغا ، انظر هنا."


اقترب شي ليان، وأمعن النظر:

"نعم... معك حق. هذه الآثار ظهرت فجأة، ما يعني أنهم اصطدموا بالعدو فجأة أيضًا."


أومأ هوا تشينغ :

"بالضبط. وانظر جيدًا، هذا الأثر غائر بعمق... مما يدل على أن العدو لم يكن ضعيفًا. لقد قاتل الثور بقرونه، وغاصت حوافره في الأرض أكثر من بوصتين."


كانا يعيدان رسم مشهد القتال في خيالهما، ولم يتأخر باي مينغ عن المداخلة:

"لكن في النهاية، النتيجة تعادل."


فابتسم شي ليان وقال:

"صحيح."


إذ لم يكن هناك دماء متناثرة، ولا بقايا طاقة شريرة، بدا جليًا أن القتال اشتدّ لحظة، ثم ترك الطرفان الساحة حين وجدا بعضهما صعب المراس.


أخبرهم هوا تشينغ أن المخلوق القادم من الشرق قد غيّر مساره، فتابعوا غربًا، لكن بخطوات متباطئة. 


ولم يمض وقت طويل حتى ظهر على جانب الطريق مبنى ضخم يختلف عن كل ما حوله. ورغم أن بعض أجنحته وأسواره قد تهدمت، إلا أنه ظل مهيبًا، يبعث في النفوس رهبة صامتة. فتوقف شي ليان دون وعي وسأل:

"ما هذا المكان؟"


أجاب هوا تشينغ بعد نظرة عابرة:

"إنه المعبد الإلهي لوويونغ."


كان باي مينغ يجرّ باي سو المتعب على كتفه، فسأل وهو يلهث:

"وكيف تجزم بذلك يا هوا تشينغ ؟"


ابتسم هوا تشينغ وقال:

"لأن ذلك مكتوب على بابه."


رفع الجميع أبصارهم، فرأوا على العارضة الحجرية فوق البوابة نقشًا من الكلمات الكبيرة. ورغم ما نالها من تآكل وخدوش مع السنين، بقيت واضحة.


لكن شي ليان قال بعد لحظة صمت:

"بالفعل هناك كتابة... ولكن..."


لكنه لم يفهم منها شيئًا!


ولم يكن هذا ليستعصي على هوا تشينغ . فقال بهدوء:

"خلاصة هذه السطور: نزول ولي العهد المهيب بالنور ليضيء أرض وويونغ إلى الأبد. مجرد كلمات تمجيد فارغة. غاغا ، انظر، أليست الحروف الأخيرة شبيهة بـ 'وو' و 'يونغ'؟"


عند سماع عبارة "ولي العهد المهيب" ارتعش وجه شي ليان بخفة. أمعن النظر من جديد، ورغم أن الخط بدا أشبه برسوم طفل مليئة بالدوائر والمنحنيات، إلا أن كلمتي وويونغ بدتا مألوفتين له، وكأنها مجرد اشتقاق من كتابتهما الأصلية.


قال باي مينغ متعجبًا:

"أن يتمكن هوا تشينغ من قراءة لغة مملكة اندثرت منذ قرون... هذا أمر يثير الإعجاب فعلًا."


ابتسم هوا تشينغ ابتسامة ساخرة وقال:

"لقد عشت في جبل تونغ لو عشر سنوات. ما يمكن تعلمه في شهر، يمكن إتقانه في عشر سنوات. فإن لم أستطع فهم بعض الكلمات بعد كل ذلك، فما قيمة وجودي أصلًا؟"


حتى أعظم المسؤولين المدنيين لم يجرؤوا على قول مثل هذا، فما عسى مسؤول عسكري مثل باي مينغ أن يقول؟ لم يجد سوى أن يبتسم بتكلّف ويرد:


"ربما."


تنفّس شي ليان براحة وقال:

"الشكر للالهة أن سان لانغ معنا."


أجاب هوا تشينغ :

"أستطيع فقط تفسير بعض العبارات البسيطة بلغة وويونغ. أما إن واجهنا نصوصًا أعقد، فسأحتاج إلى مساعدتك، ونبحثها معًا."


تردّد شي ليان قليلًا وقال:

"أنا متأكد أنني لست بمستواك يا سان لانغ. لكن... الإله الذي عبدته وويونغ، أهو ولي عهدهم فعلًا؟"


قال هوا تشينغ وهو يضم ذراعيه:

"أعتقد ذلك، نعم."


قطّب شي ليان حاجبيه:

"لكن إن كان معلمي يعرف عن ولي عهد وويونغ، فلا بد أنه كان يعلم أنه صعد. فلماذا إذن أخبرني أنه مات؟"


رد هوا تشينغ :

"هناك ثلاث احتمالات: إما أنه لم يكن يعلم حقًا، أو أنه كذب عليك، أو أنه لم يكذب... وأن ولي العهد مات فعلًا، لكن موته لم يكن موتًا عاديًا."


تدخل باي مينغ قائلًا:

"لو كان الإمبراطور حاضرًا، لربما سألناه عن هذه المملكة وذلك الرجل."


لكن هوا تشينغ هزّ رأسه:

"ربما لا. فمملكة وويونغ اندثرت قبل أكثر من ألفي عام. أما جون وو فلم يمضِ على صعوده سوى ألف وخمسمئة سنة، أي أنه ما يزال 'شابًا' بالمقارنة. إنهما من سلالتين مختلفتين تمامًا."


لقد صعد جون وو قبل نحو ألف وخمسمئة عام، وكان جنرالًا عظيمًا في عصر الحروب، أعلن نفسه ملكًا ثم صار خالدًا بعد فترة من حكمه. وبصفته المسؤول العسكري الأعظم على مدى ألف عام، كانت خلفيته معروفة للجميع. أما السلالات التي قصدها هوا تشينغ ، فهي سلالات السماء ذاتها.


فاليوم، يحكم جون وو ومعه المئات من المسؤولين السماويين الذين يشكلون البلاط العلوي، وهذه هي السلالة الراهنة. وما سبقها كان سلالة أخرى. تمامًا كما تتغير الممالك في عالم البشر، كذلك في عالم السماء . الزمن أطول، لكن الجوهر واحد: عباد جدد يحلون محل القدامى، وآلهة جديدة تطغى على القديمة.


وأحيانًا لا يزول المسؤول لأنه أخطأ أو نُفي، بل لأن مسؤولًا أعظم ظهر، أو ببساطة لأن الناس غيّروا حياتهم ومعتقداتهم، فلم يعودوا بحاجة إليه.


فمثلًا، المسؤول السماوي المسؤول عن الخيول كان يعيش في رغد، إذ لا غنى للناس عن الخيول والعربات للتنقل. ومن ذا الذي لا يرغب بخيل قويّة وسفر آمن؟ ولهذا، لم تنقطع عنه النذور أبدًا.


لكن، ماذا لو اكتشف البشر يومًا ما شيئًا جديدًا يركض أسرع من الخيول؟ عندها، وحين يتفوق هذا الاختراع على الخيول، فإن المؤمنين بذلك المسؤول السماوي المسؤول عن الخيول سيتضاءلون لا محالة. مثل هؤلاء الآلهة، الذين يلمعون لحظة ثم يخفتون كالشهب، كانوا يشكلون أغلبية السماء.


وهذا النوع من الأفول هو الأقسى على الإطلاق، لأنه مسار لا عودة فيه. ما لم يهبط ذلك الإله من السماء مختارًا، ويعود بشرًا ليعيد شق طريق جديد نحو الألوهية، فسيظل محكومًا بأن يشهد تلاشيه بأم عينه حتى يختفي تمامًا. لكن ليس كل أحد يملك تلك الجرأة أو ذلك الحظ.


ويُقال إن آلهة السلالة السابقة قد تلاشت بهذه الطريقة. ويُقال أيضًا إنهم تسببوا في كارثة عظيمة وخاضوا معركة مضطربة، ولهذا سقطوا جميعًا في وقت واحد. لكن لم يثبت ذلك أبدًا، ولم يعد مهمًا؛ فبعد قرون قليلة وُلد جون وو، وأقام سلالة سماوية جديدة. تلاه عدد كبير من الآلهة الجدد الذين صعدوا تباعًا، ليملؤوا فراغ العبادة، ويشكلوا مع الوقت البلاط السماوي المستقر الذي نراه اليوم.


بمعنى آخر، ما لم يوجد إله أقدم من جون وو ذي الألف وخمسمئة عام، فلن يكون هناك أحد يعرف كيف اختفى الإله الذي عُبد في مملكة وويونغ من صفحات التاريخ بصمت.


تجاوزوا السور المنهار ودخلوا القاعة الكبرى المظلمة. وما إن خطا شي ليان بضع خطوات حتى شعر بشيء غريب.


كان يظن أن ظلمة القاعة سببها انغلاق النوافذ وغياب الضوء عنها سنين طويلة، لكن كلما تأمل أكثر، ازداد الأمر غرابة. اقترب من الجدار، ومد أصابعه تلامسه برفق، ثم رفعها أمام عينيه وقال بدهشة:

"هذا..."


قال هوا تشينغ بهدوء:

"أسود."


لم تكن الإضاءة خافتة وحسب، بل إن جدران المعبد الإلهي بأكملها كانت سوداء!


قال هوا تشينغ :

"على حد علمي، معظم المعابد في جبل تونغ لو على هذه الحال."


كان المنظر باعثًا على القشعريرة. كيف يمكن أن تُطلى جدران المعابد بلون حالك كالجحيم؟ مجرد النظر إلى هذا السواد يبعث الضيق في القلب، فكيف للناس أن يعبدوا بصدق في مكان كهذا؟


قال باي مينغ متعجبًا:

"كلها هكذا؟ لعلها اسودّت من الإهمال والتقادم؟"


فأجاب شي ليان وهو يواصل تحسّس الجدران:

"لكن البيوت التي مررنا بها لم تكن كذلك. ومنطقيًا، فهي من العمر نفسه."


ثم عقد حاجبيه وقال:

"هذه الجدران ليست فقط سوداء، بل خشنة الملمس، كوجه امرأة مشوه تغطيه الندوب، وصلبة للغاية... هذا المعبد تعرض للحريق من قبل."


سأله باي مينغ:

"وكيف عرفت؟"


قال شي ليان:

"عادة ما تُغطى جدران المعابد بلوحات جدارية سميكة من طلاء خاص. حين يلتهمها الحريق، تسودّ وتذوب وتتغير أشكالها. ثم إذا تصلبت مجددًا صارت وعرة وصلبة كهذه."


ابتسم باي مينغ ساخرًا:

"يبدو أن علم سموك واسع، حتى أكاد أنحني إعجابًا."


مسح شي ليان جبينه وقال بخفة:

"ليس أمرًا يدعو للإعجاب... إنما أعرف ذلك لأن قصور ولي العهد التي كنت أملكها في الماضي احترقت مرارًا، وكان مآلها مشابهًا."


"...."


ساد الصمت بينهم، حتى تذكر شي ليان فجأة شيئًا آخر وقال:

"وتلك العارضة الحجرية بالخارج! النقوش التي كانت تمدح ولي العهد كانت مخدوشة بشدة، ولم يكن ذلك تآكلًا طبيعيًا، بل آثار سيوف تمزقها."


قطّب باي مينغ جبينه:

"ولماذا يفعل الناس ذلك؟"


أجاب هوا تشينغ ببرود:

"لأنهم لم يؤمنوا بتلك الكلمات."


قال شي ليان:

"نعم، مثلما يُحطم لوح اسم مؤسسة حين يسقط."


شهقت بان يوي بدهشة:

"إذًا... أهل وويونغ أنفسهم هم من أحرقوا معابدهم؟"


وقبل أن يجيب شي ليان، صرخ باي مينغ فجأة:

"ما معنى هذا؟!"


التفت شي ليان، فإذا بباي مينغ يرفع ذراعه اليسرى، وأفعى العقرب قد غرز أنيابه في يده، وذيله يتأرجح محاولًا أن يطعنه.


هتفت بان يوي وهي تكاد تركع مجددًا:

"آسفة! الأفاعي تملأ جسدي..."


أمسكها شي ليان مانعًا إياها وقال مبتسمًا بمرارة:

" بان يوي ، لا تجعلي الركوع عادة في كل اعتذار. جنرال باي ، كيف سمحت لنفسك أن تلدغك أفعاها؟"


قال باي مينغ بوجه متجهم:

"كيف لي أن أعلم؟ وضعت ذراعي حولها لا غير، وإذا بي على هذا الحال!"


سأله شي ليان بهدوء:

"وهلّا أخبرتني، جنرال، ما الذي دفعك لتضع ذراعك حول كتفيها أصلًا؟"


"... " بدا أن باي مينغ لم يدرك ذلك حتى الآن. وبعد لحظة صمت قال متفكرًا:

"عادة. في مكان مظلم وموحش كهذا، أليس طبيعيًا أن يضم الرجل النساء ليريح قلوبهن ويبعد الخوف عنهن؟"


قالت بان يوي ببساطة:

"لكنني لم أكن خائفة."


"...."


عندها فهم شي ليان. لم يكن هذا سوى مصيبة جرّها باي مينغ على نفسه بيديه. وانتزع الأخير الأفعى أخيرًا، لكن يده اليسرى كانت قد تورمت بشدة.


قال بانفعال:

"هاتوا الترياق بسرعة!"


أجابت بان يوي معتذرة:

"آسفة، لقد نفدت أعشاب السان يوي مني كلها."


ابتسم شي ليان مطمئنًا:

"لا بأس. الجنرال باي مسؤول سماوي، وسيتراجع الورم سريعًا."


ثم استدار ليتفحص الجدران مجددًا. وإذا بعينيه تقعان على بقعة متفحمة، فتجمد في مكانه.


ناداهم:

"تعالوا وانظروا! هنا... ما زال هناك وجه مرسوم على هذا الجدار!"




يتبع...

  • فيس بوك
  • بنترست
  • تويتر
  • واتس اب
  • لينكد ان
  • بريد
author-img
Fojo team

عدد المقالات:

شاهد ايضا × +
إظهار التعليقات
  • تعليق عادي
  • تعليق متطور
  • عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق

X
ستحذف المقالات المحفوظة في المفضلة ، إذا تم تنظيف ذاكرة التخزين المؤقت للمتصفح أو إذا دخلت من متصفح آخر أو في وضع التصفح المتخفي