الفصل مئة واربعة وخمسين : لماذا ليس شولي ؛ لماذا جينغ وين -٢-.
عندما ظهر الدخيل فجأة، ارتبك جينغ وين وصرخ:
"مَنْ أنت؟!"
لكنّ من كان يواجه شي ليان لم يكن رجلًا في الحقيقة، بل تمثالًا حجريًا غليظ الصنع على هيئة رجل، عارٍ إلا من قطعة قماش تلف جسده؛ مظهره كان غريبًا وفي الوقت نفسه مثيرًا للسخرية.
ولذلك لم يُسمع صوت خطوات حين كان يتحرك، بل فقط أصوات ضربات ثقيلة متقطعة. ولهذا أيضًا بدا باي مينغ ولينغ وين مذهولين عند رؤيته، ولمَ قال باي مينغ إن لينغ وين يتفوه بالهراء وعيونه مفتوحة. فالشيء هذا، من رأسه حتى قدميه، لم يشبه أي شبح أنثى.
كان باي مينغ ولينغ وين مقيّدين بالكامل بمادة شبيهة باللفائف، محبوسين بإحكام في قبضة جينغ وين، عاجزين عن الحركة. وأخيرًا استوعب شي ليان الموقف.
"؟؟؟ أنا؟؟؟"
لكن جينغ وين سأله: "أأنت ولي عهد شيان لي ؟"
تفاجأ شي ليان. هاه؟ أنت تعرفني فعلًا؟ حسنًا، هذا بالفعل...
لكن لم يكن الأمر غريبًا؛ فعندما صعد شي ليان أول مرة، كان حدثًا يهزّ السماء. صحيح أنه لم يعرف كل المسؤولين السماويين في البلاط الأعلى، لكن كل المسؤولين هناك كانوا يعرفونه. كما الآن، لم يتذكر ملامح جينغ وين على الإطلاق، بينما جينغ وين لم ينسه.
قال جينغ وين: "بالطبع. مسيرة سموّك في الألوهية مرت بمثل هذه المنعطفات، سيكون من الصعب أن لا يتذكرك المرء!"
شعر شي ليان ببعض التأثر الغريب وأجاب: "أنا ممتنّ، ممتنّ... لكن، كيف أصبحتَ..."
أكمل جينغ وين: "كيف أصبحتُ هكذا؟"
أطرق شي ليان برأسه قليلًا وأومأ، وقد شعر أنّ سؤاله كان فظًا. لكن جينغ وين استغل الفرصة لينفجر:
"أليس هذا بفضل تلك العاهرة نان غونغ جي؟! بعد أن انهار قصر جينغ وين، ضعفت قواي الروحية شيئًا فشيئًا، ثم جاءت هي لتزيد الطين بلّة، محاولة القضاء عليّ! لم أجد سبيلًا آخر للبقاء سوى أن أمتلك هذا التمثال الحجري حتى أعيش إلى الآن!"
ردت لينغ وين ببرود: "بالنسبة إليك، وضعي لم يكن أسوأ. أنت كنت تُجبرني أن أبقى في قصر جينغ وين حتى منتصف الليل، ثم تدّعي أنني أتسكع بلا حياء لإزعاجك. كلماتك كانت تقتل دون شكل؛ ردي بالعنف المباشر كان ألطف بكثير".
وفجأة، رفست برجِلها وضربت مباشرة أسفل جسد جينغ وين. بدا لشي ليان أن الركلة لن تؤثر كثيرًا، فالتمثال حجري لا جسد حي، وأقصى ما يمكن أن يحدث أن تتمزق قطعة القماش. لكنّ جينغ وين أطلق صرخة مروعة، وكأنها أصابته فعلًا في موضع حساس، وسرعان ما غطّى أسفل جسده بيديه.
لكن الأوان كان قد فات. فقد طارت قطعة القماش البيضاء التي كانت تغطي وسطه، ورأى شي ليان المشهد بوضوح.
لم يكن هناك شيء!
أي أنّ هذا التمثال العاري لم يكن يملك ما يُفترض أن يكون هناك.
لقد كان تمثالًا مخصي!
"إذن هو تمثال عبد مخصي!" فكّر شي ليان.
مثل هذه التماثيل غالبًا ما توضع في قبور المحظيات، باعتبارها من اللوازم الجنائزية المغمورة بجوهر الـ'يين'؛ وهو خيار مناسب فعلًا للتلبس. لكن المفارقة العجيبة أنّ مسؤولًا سماويًا مثل جينغ وين، الذي كان يضيق صدرًا لمجرد أن امرأة تغلبت عليه ، انتهى به المطاف إلى أن يسكن تمثال مخصي!
انفجرت لينغ وين ضاحكة: "والآن فهمت سبب عصبيتك وجنونك! لهذا السبب! كنتَ تقول إنني لا أستطيع أن أرتقي عاليًا؟ انظر إلى نفسك، إلى أي علو يمكنك أن تصل؟! لا أطيق الانتظار لأرى! هاهاهاها..."
مزق جينغ وين بقية القماش بعنف وداسه، كالمجنون من شدة الغضب. ثم قبض على شعر لينغ وين وصرخ:
"اصمتي! كم من المسؤولين السماويين نِلتِ منهم بجسدك لتصلي إلى ما أنتِ عليه الآن؟! لا تفرحي بنفسك! اعتذري حالًا!"
كاد ينتزع خصلة كبيرة من شعرها، لكن لينغ وين تحمّلت الألم دون أن تستجدي أو تعتذر.
قال باي مينغ باشمئزاز: "أتراك فعلًا مسؤولًا مدنيًا؟ أي انحطاط هذا! حتى نساء الشوارع أكثر رقيًا منك!"
في داخله، صرخ شي ليان متذمرًا، خائفًا من أن يقتل جينغ وين الاثنين في لحظة غضب . فلم يتمالك نفسه وصاح: "مهلًا!" رافعًا يده.
قال بسرعة: "اهدأ! جينغ وين! صدقني، لا يهمّ إن كان لديك ذلك الشيء أو لم يكن! حقًا! هذا صحيح!"
كان جينغ وين ممسكًا بلينغ وين بيد، ويغطي وسطه باليد الأخرى، وهو يزمجر: "كذب! كيف لا يهمّ؟! جَرِّب أنت أن تتخلى عنه ثم قُل إن الأمر لا يفرق!"
أجاب شي ليان بجدية: "حقًا! صدقني! مع أنني أملك ذلك الشيء، لكنه مثل العدم! لأني... أنا ذلك!"
مرة أخرى ضحّى بنفسه ليبرهن.
تساءل جينغ وين وقد هدأ قليلًا: "أنت ماذا؟!"
قال شي ليان: "أنا... ذلك! أنت تفهم قصدي. وحتى لو كان لدي، فأنا لا أستخدمه أبدًا! في الواقع، سواء كان المسؤول ذكرًا أو أنثى... أو من أي صنف آخر، فهذه الأمور كلها سطحية. لا داعي لأن تنشغل بها..."
قاطعه جينغ وين غاضبًا: "إذا كنتَ تزعم أنّ الأمر لا يهم، فاقطعْه إذن لتثبت ذلك!"
شي ليان: "؟؟؟"
أضاف جينغ وين فورًا: "ألم تقل إنه لا فرق؟ منافق! من الواضح أنك لا تطيق أن تفقده، فلا تحاول خداعي! لستُ صبيًا صغيرًا سيتوب لمجرد أنك أعطيتني حبتين من الحلوى! لا بأس إن لم تقطعه أنت، سأقطعه هو!"
وكان يقصد باي مينغ. فتجمد هذا الأخير مذهولًا: "ماذا بحق الجحيم؟!"
بدأ الموقف ينفلت تمامًا. صحيح أنّ كثيرين تمنّوا لو يقطعوا 'ذلك' عن الجنرال باي، لكن لم يكن في نية شي ليان أن يترك جينغ وين يحقق هذا.
فقال على عجل: "جينغ وين! صحيح أنّ لينغ وين أساءت إليك بعد أن ضعفت، لكنك أنت أيضًا أسأت إليها، وبذلك صرتما متعادلين. لا داعي لكل هذه المبالغة!"
وبينما كان يحاول تهدئته بالكلام، أطلق سرًّا رويي خلف ظهر جينغ وين، فانسابت مثل الأفعى من ورائه.
لكن جينغ وين ردّ بعصبية:
"متعادل؟! الأمر ليس بهذه السهولة. وبما أنك ذكّرتني... هناك سؤال يجب أن أوجهه لتلك الحقيرة! ـ نان غونغ، هل كان لكِ دور في سقوط مملكة شولي؟!"
كان جينغ وين هو المسؤول المدني الذي تُقدّسه مملكة شولي، أي أن شولي كانت أساس سلطانه ومصدر قوته. فإذا انهار الأساس، فمن الطبيعي أن يتضرر هو نفسه ويضعف سلطانه. لذا بدا من المنطقي أن يشكّ في لينغ وين. ومع ذلك، حين طرح السؤال، بقيت لينغ وين صامتة تمامًا، رافضة الإجابة.
صرخ جينغ وين بغضب:
"أجيبي! هل كنتِ أنتِ التي تعبثين من وراء الستار؟ كنت أعلم أنه أنتِ! لا بد أنك السبب! لولاكِ لما انهارت المملكة بهذه السرعة! كل هذا بسبب تلك الأفعى الخبيثة! حتى ذلك الجنرال الأحمق وقع بين يديكِ!"
فكّر شي ليان بدهشة:
"لينغ وين لم تقل شيئًا، وهو يجيب عن أسئلته بنفسه... انتظر، أي جنرال يقصد؟"
في الجهة الأخرى، بدأت لينغ وين تضحك بخفوت، ساخرة. ولو لم يكن جينغ وين متلبّسًا بتمثال حجري يخفي ملامحه، لكان من المؤكد أنه يطحن أسنانه من الغضب.
"ما الذي يضحككِ؟!" صرخ.
رفعت لينغ وين رأسها قليلًا وقالت بهدوء:
"هل تدرك ما العاقبة لو ناديتَه بالأحمق وجهًا لوجه؟"
لم يفهم جينغ وين قصدها بعد، لكن في اللحظة التالية تمزّق اللفاف الذي كان يقيّد لينغ وين فجأة. ومن بين الشقوق خرجت يد سوداء من كمّين مظلمين، أمسكت رأسه بقوة!
لم يجد جينغ وين حتى فرصة ليتكلم، قبل أن يُشلّ تمامًا. وعلى وجهه الحجري الخشن بدأت الشقوق تظهر... واحدة تلو الأخرى...
ومع ثلاث طقطقات مدوية، تهشّم جسده بالكامل وتناثر إلى قطع!
أما لينغ وين فقد تحررت من قيودها ووقفت في مكانها، يتصاعد من حولها دخان أسود، بينما تراكمت كومة من الحجارة المحطمة عند قدميها.
اتضح إذن أن 'المملكة القديمة' في أساطير الديباج الخالد لم تكن سوى مملكة شولي، وأن باي جينغ كان أحد أبنائها. وبينما كان شي ليان يحاول ترتيب أفكاره، سمع باي مينغ ـ الذي ما يزال مقيّدًا باللفاف ـ يقول:
"لينغ وين... توقفي."
لكن لينغ وين كانت قد استدارت وبدأت تتقدّم نحوه بخطوات بطيئة وثقيلة. تذكّر شي ليان قولها لباي مينغ سابقًا: 'هو حقًا لا يحبك'، فارتعد في نفسه:
"اللعنة... هل تنوي قتله؟"
قالت لينغ وين بصوت مهدّئ وهي تقترب:
"باي جينغ، لقد مات فعلًا. ما قاله جينغ وين مجرد هراء، لا تصدّقه."
لكن كلماتها لم تجدِ، فالتفتت إلى باي مينغ وقالت:
"أيها العجوز باي، لا أستطيع منعه. لقد سمع ما قاله جينغ وين عن كونك عشيقي، وصمّم على قتلك. سموك ، ساعدني!"
لم يكن هناك وقت للتفكير. فقد سحب شي ليان سيفه وشقّ به اللفاف الذي يقيّد باي مينغ، فوثب الأخير واقفًا. قفز الاثنان معًا خارج الكهف المظلم، عائدَين إلى السطح. وحين التفتا إلى الخلف، رأيا لينغ وين تسدد لكمة عنيفة إلى المكان الذي كان باي مينغ ممددًا فيه قبل ثوانٍ فقط. تطاير الركام في كل اتجاه، وكانت قوتها أشد من ضربات شي ليان حين كان يحفر الأرض للعثور عليهم!
أعاد شي ليان رويي ولفّت حول معصمه، فيما بدأ باي مينغ يحرّك ذراعيه المتورمتين بعد طول التقييد. التورّم في ذراعه اليسرى بدأ يخف قليلًا، فصار أشبه بلدغة خمسين ألف دبور بدلًا من مليون.
"أي حقد جهنمي هذا..." تمتم باي مينغ.
لكن قبل أن يُكمل، ظهرت لينغ وين أمامه فجأة!
تبادلا ضربة قوية، فتراجع كلاهما عدة أمتار. تبادل شي ليان وباي مينغ النظرات، وأدركا أن الأمر يتعقد أكثر فأكثر، فانطلقا بالركض معًا. التفت شي ليان وهو يصرخ أثناء فراره:
"لينغ وين! ألا يمكنك تهدئة الجنرال باي مجددًا؟!"
صرخت لينغ وين وهي تطاردهما: "حاولت! لكنه لم يعد يصدقني!"
قال باي مينغ: "لا بد أنه غضب لأنك كذبتِ عليه!"
هتف شي ليان: "لينغ وين! ألا يمكنك العودة لهيئتك الأنثوية؟ ربما تخف قوته القتالية في جسد امرأة!"
أجابت: "مستحيل!"
"ولماذا؟!"
"لأنه لا يسمح لي بالتحول مجددًا!"
قال باي مينغ ساخرًا: "اللعنة! يخاف من لمس جسد امرأة! يا له من جبان!"
دوّى صوت انهيار، وسقط سقف ضخم كاد يسحقهما.
صرخت لينغ وين: "لم أفعل أنا هذا! لكن بسبب شتائمكم ازداد غضبه! والآن أنتما في خطر!"
قال شي ليان بفزع: "مهلًا! وما ذنبي أنا؟ لم أقل شيئًا! لينغ وين، قولي له ألا يحسبني معهم!"
فأجابت: "الأفضل أن تُحسب معًا، أهون عندما يتوزع الخطر! سموك ، أين الصغير باي ؟ أين الغوشي بان يوي ؟ أين زهرة المطر القرمزي؟!"
صرخ شي ليان: "لا تعتمدي عليهم، لقد ذهبوا في الاتجاه الآخر للبحث عنكما. لقد ركضنا لمسافة طويلة بالفعل؛ فلنهرب أولًا ونتحدث لاحقًا! لقد ابتلع أكثر من ألف شبح، ومواجهته مباشرة الآن ضربٌ من الجنون!"
لكن فجأة، وقبل أن ينهي كلامه، شعر بجسده يُرفع في الهواء. وكذلك باي مينغ! وحين نظرًا حولهما، وجدا نفسيهما محاصَرين في شبكة ضخمة تتأرجح عاليًا.
لقد سقطت المصيبة من حيث لم يتوقعوا. كانت الشبكة مصنوعة من مادة خاصة يستحيل تمزيقها بالأيدي. وما إن علِقا بها، حتى اندفع من بين الأشجار المحيطة مئات من الوحوش والشياطين الصغار، يصفقون بفرح ويهتفون:
"أمسكنا بهم!!!!"
"هاهاهاها، كم صار عددنا الآن؟ هذا الفخ عبقري!"
"دعونا نرَ ما اصطدناه هذه المرة، كم رأسًا معنا؟!"
هكذا، وبسبب لحظة من الارتباك، وقعوا في فخ تلك الحثالة الصغيرة. مدّ شي ليان يده ليمسك بفانغ شين ويقطع الشبكة، لكنه اكتشف أن ظهره خالٍ؛ فقد سقط السيف من يده عندما رُفع فجأة. وفي هذه اللحظة وصلت لينغ وين إلى الشبكة، وتحت قدميها كان فانغ شين ملقى على الأرض. أما الوحوش الصغيرة فلم تستوعب بعد ما الذي يقفون أمامه، وظلوا يضحكون مبتهجين.
"واحد آخر!!!!"
رفع لينغ وين يديه، فانبعثت في كفيه كرتان من لهب الأشباح الأسود. رفع رأسه ناظرًا إلى شي ليان وباي مينغ وقال:
"أنتما الاثنان... هذا الأمر حقًا لم يعد بيدي."
تنفّس شي ليان بعمق وسأله:
"لينغ وين، هل يمكنني أن أعرف ما الذي سيحدث لو أصابنا هذا الشيء؟"
أجاب لينغ وين:
"في المرة السابقة حين أطلقت نيرانًا بهذا الحجم وأصابت سمو الأمير تشي يينغ، أُصيب فعلًا، لكنه لم يتأذى كثيرًا. ما زال قادرًا على القفز والجري."
بدا أن الأضرار لن تكون جسيمة، حتى لو أصابتهما. تنفّس شي ليان وباي مينغ الصعداء معًا.
"حسنًا... حسنًا..."
لكن ما إن نطقا بالكلمة الثانية، حتى تضاعف حجم لهب الأشباح في يدي لينغ وين عشر مرات، متحوّلًا إلى عمودين هائلين من النار المتأججة تصعدان نحو السماء!
شي ليان: "..."
باي مينغ: "..."
قال لينغ وين: "...أما ما الذي سيحدث لو أصابتكم هذه النيران الآن، فلا أستطيع الجزم."
زمجر باي مينغ: "انتظري! لكني لستُ عشيقك أصلًا؟!"
ردّت لينغ وين: "أعلم ذلك! لكن ما الفائدة إن كنا نحن فقط من يعرف؟!"
كانت عصابة الوحوش والشياطين الصغار مذهولة من ألسنة اللهب المشتعلة، فسحبوا أسلحتهم وأحاطوا بهم، يصرخون بغطرسة:
"أيها الحقير! كيف تجرؤ على سرقة فريستنا وأنت لا شيء! اقتلوه!!!"
لكن مثل هؤلاء الأتباع التافهين لم يشكلوا أي تهديد لـ الديباج الخالد ، ولم يكونوا سوى غذاء جديد يزيده قوة. أمال لينغ وين رأسه قليلًا، وعيناه تعكسان وهج النيران، متهيئًا لاستقبال الرؤوس الجديدة التي تستعجل حتفها. وفي تلك اللحظة، هبّت عاصفة عاتية!
وفي غمضة عين، وبين صرخات ذعر حادة، طارت جموع التوابع الصغار إلى السماء!
ولم يكن الأمر وكأن الرياح حملتهم، بل أشبه بيد هائلة غير مرئية قبضت عليهم وقذفت بهم عاليًا!
ارتجف الديباج الخالد وقد شعر بالخطر، فانخفضت حدة اللهب في يدي لينغ وين، وأخذ يمسح المكان بعينيه الحادتين. حاول شي ليان أن يرفع رأسه، لكن الأغصان الكثيفة حالت دون رؤيته. توقفت صرخات الأشباح فجأة، فلم يتمكن من معرفة ما الذي جرى في الأعلى.
قال باي مينغ بقلق: "من الذي جاء؟"
ظلّوا في حالة ترقّب حذر، حتى قال شي ليان فجأة:
"ألا تشمّان شيئًا؟"
سأله باي مينغ: "ماذا؟"
أجاب شي ليان: "رائحة زهور."
تقطّب جبين باي مينغ متعجّبًا: "زهور؟!"
أغمض شي ليان عينيه للحظة، ثم قال بيقين:
"نعم... إنها رائحة زهور."
كانت الرائحة هادئة، غريبة، منعشة وباردة، آتية من مكان مجهول لا اسم له. خفيفة جدًا، وناعمة جدًا، كأنها لا وجود لها.
قال باي مينغ: "لا أشم الزهور... لكني أشم بالتأكيد..."
قبل أن يُكمل، شعر بقطرات تسقط على وجهه. مسح بيده بلا وعي، فاتّسعت عيناه بصدمة.
لقد كان دمًا!
بضع قطرات أخرى سقطت فوق لهب الأشباح في يدي لينغ وين، فانخفضت قوته فجأة، وارتسمت على ملامحه علامات الذعر، فرفع رأسه بسرعة. وفي تلك اللحظة—
انهمر من السماء مطر غزير من الدماء!
كان باي مينغ معلقًا أعلى من شي ليان، فارتطم به المطر الدموي فجأة، محوّلًا إياه إلى فأر غارق بالدماء ، لم يبقَ من هيئته سوى عينين متسعتين سوداوتين وبيضاوين. أما نيران الأشباح في يدَي لينغ وين فانطفأت بالكامل، واختفى هو تحت الأشجار اتقاءً للمصير نفسه. وفيما يخص شي ليان، فقد تمزقت الشبكة التي تقيده، وسقط جسمه إلى الأسفل. تقلّب في الهواء قبل أن يهبط بثبات على الأرض في اللحظة ذاتها التي هطل فيها المطر الدموي.
لم يكن هناك وقت للهروب. رفع شي ليان كمّه محاولًا أن يتقي ما يستطيع. وفجأة، سمع ضحكة منخفضة رخيمة.
امتلأت الأجواء بعبير غامض فاتن من رائحة الزهور.
رفع شي ليان رأسه قليلًا، ولم يشعر بأي قطرات دماء تسقط على وجهه؛ بل كان هناك شيء لطيف وناعم يلامس بشرته.
مد يده والتقطه. نظر فإذا ببتلة زهرة حمراء زاهية تستقر في كفه.
رفع رأسه مجددًا، وتوقف نفسه في صدره. لم يصدق ما يراه.
فقد تحوّل المطر الدموي الذي كان يغطي السماء إلى وابل من بتلات الزهور المتطايرة!
لم يحتج حتى للتخمين من القادم. قبض أصابعه حول البتلة، وهتف باسمه دون تردّد:
"سان لانغ!"
استدار، فرأى لينغ وين وقد هوى صامتًا إلى الأرض.
وهناك، واقفًا وحيدًا، ذلك الشاب الطويل النحيل، ذو الشعر الأسود الليلي والثوب القرمزي، الذي يضحك بخفوت، لم يكن سوى "هوا تشينغ".
تساقطت الأزهار مثل قطرات الدم، ورقص الدم مثل بتلات في مهب الريح. كان وجهه وسيمًا متألقًا كما يوم التقيا أول مرة، وعينه الوحيدة متقدة بالحياة. أعاد بسكينة سيفه الفضي الرفيع إلى غمده، وقال بصوته العميق:
"سموك ... لقد عدت."
يتبع...
تعليقات: (0) إضافة تعليق