القائمة الرئيسية

الصفحات

آخر الاخبار

ch173 tgcf

الفصل مئة وثلاثة وسبعين : كهف عشرة آلاف إله؛ وجوه عشرة آلاف إله مخفيّة -١-.





كان نفس هوا تشينغ دافئاً، لكن كلماته جعلت القلب يبرد.


الاختباء داخل القاعة الكبرى؟


ومضت فكرة في ذهن شي ليان، فعانق هوا تشينغ على الفور.


بالطبع، لم يكن يعانقه لأنه خائف. إن كان هناك بالفعل شخص يختبئ ولم يلحظاه، فهذا يعني أنّه قوي للغاية. ولو لاحظ ذلك الشخص أي حركة مريبة، فقد يُجبر على الهجوم. لذلك، لو كان هوا تشينغ وحده هو من يُمسك به بتلك الحميمية، فسيثير الأمر الشكوك. أما إن كانا يعانقان بعضهما، فسيبدو الأمر طبيعياً أكثر.


أخذ شي ليان يتفحّص المكان خلسة وهمس:

"أين تعتقد أنّ ذلك الشخص يختبئ؟"


لم يكن هناك سوى باب ضخم واحد للقاعة الكبرى، وهو الباب الذي دخلا منه. داخل القاعة كان المكان فارغاً تماماً، بلا أي شيء خارج عن المألوف، ولا حتى منصة أو صندوق يمكن لأحد الاختباء فيه. باستثناءهما، لم يكن هناك سوى خَدَم المعبد المتحوّلين إلى حجارة.


قال الاثنان في الوقت ذاته، همساً:

"التماثيل!"


فأجساد هؤلاء الأشخاص الحجريين كانت مجوّفة من الداخل، ما يعني أنها تصلح كمخابئ. البشر لا يمكنهم الاختباء هناك، لكنّ الأشباح بالتأكيد يمكنهم ذلك!


وبينما كانا يتيقّنان من الأمر، شعر شي ليان بشيء وجفل، رافعاً رأسه. عندها رأى شخصاً حجرياً يقف على بعد ستة أمتار خلف هوا تشينغ، فتقلّصت حدقتاه.


كان يبدو وكأنه شاب ذو مكانة أعلى، ملامحه هادئة. وبما أنّ هذه التماثيل كانت تسجّل لحظات موت شعب وويونغ، فإن معظمها كانت تُظهر أشخاصاً يحتضنون رؤوسهم صراخاً أو متكوّرين ألماً، وهذا كان أحد القلائل الذين وقفوا منتصبين. لكن ما لفت نظر شي ليان لم يكن وضعه، بل وجهه.


رغم أنّ ملامحه ضبابية، استطاع شي ليان أن يميّزها: النصف الأيسر يبتسم هلالياً، أما الأيمن فيبكي!


صاح شي ليان:

"إنه ذاك!"


ثم سحب سيفه وضرب، فيما ناداه هوا تشينغ:

"غاغا ؟"


تحطّم ذلك التمثال الحجري إلى قطع متناثرة، تناثرت شظاياه على الأرض. لكن، لم يكن هناك شيء بداخله. لم يجرؤ شي ليان على الاستهانة، وراح يقلب كل شظية. أمسك هوا تشينغ بيده قائلاً:


"غاغا ! ماذا رأيت قبل قليل؟"


رفع شي ليان بعض الشظايا وأراها له قائلاً:

"سان لانغ، هذا التمثال الحجري... وجهه كان قناع 'الأبيض عديم الوجه'."


تغيّر وجه هوا تشينغ قليلاً، لكنه قال:

"انتظر لحظة."


ثم جمع كل القطع وأعاد تركيب الوجه. وعندما نظرا إليه، بقيا صامتين.


قبل قليل، رأى شي ليان بوضوح نصف قناع شيطاني مبتسم ونصف باكٍ. لكن الوجه الذي أعاد هوا تشينغ تركيبه لم يكن سوى وجه ضبابي مشوّش، كوجوه التماثيل الأخرى.


هل كان وهماً؟ أم سقط في تعويذة إيهام؟


الجلوس بلا فعل لن يجيب، فانطلق الاثنان يحطّمان كل تمثال في القاعة، لكن لم يعثرا على شيء. وبعد تفكير، خطرت لهما فكرة أن أحداً سبق وصعد الجبل قبل وصولهما. فقررا عدم انتظار باي مينغ، وتوجّها مباشرةً نحو القمة.


جسد جبل الفرن العظيم بدا وكأنه يملك جاذبية غريبة، تمنعهما من التحليق بخفة، فأجبرا على التسلق سيراً على الأقدام. وكلما صعدا، أصبح الطريق أشد انحداراً، والجو أكثر برودة. في البداية كانت طبقة رقيقة من الثلج، ثم صارت أكثر سمكاً حتى غمرت نصف الحذاء. وبعد أربع ساعات، صار الثلج يصل إلى ركبتيهما تقريباً، فزاد التسلق صعوبة.


وبسبب سيره المستمر، لم يشعر شي ليان بالبرد، بل غطّى العرق جبينه، ووجنتاه محمرّتان. مسح عرقه بظهر يده والتفت ليتحدّث إلى هوا تشينغ، لكن فجأةً وقع خطوة في فراغ، فهبط بجسده مسافة مترين!


غاص في الثلج الثقيل. ولحسن الحظ، كان هوا تشينغ خلفه مباشرة، فمد يده وانتشله سريعاً.


قال:

"غاغا ، كن حذراً."


وقف شي ليان بجواره، ينظر إلى الحفرة التي سقط فيها. كان المكان قد انهار كاشفاً عن حفرة عميقة مظلمة لا يُعرف مداها. لو لم يمسك بالحافة في الوقت المناسب أو لو تأخر هوا تشينغ، لسقط حتماً.


أضاف هوا تشينغ:

"هناك الكثير من الحفر المجوّفة في هذه المنطقة. ما زلت أتذكر مواقعها تقريباً، لذا اتبعني عن قرب. خذ وقتك ولن يحدث شيء. لقد أسرعتَ قليلاً للتو."


إذن، جسد الجبل تحت الثلج كان هشاً، مليئاً بالحفر الكبيرة والصغيرة، ولا أحد يعلم كم عددها ولا عمقها. لكن هوا تشينغ كان يتذكر مواقعها أثناء التسلق.


تنفّس شي ليان وقال:

"حسناً. لنبقَ قريبين من بعضنا. لا يمكننا الصراخ أو إحداث ضوضاء في جبل ثلجي على أي حال، فلو حصل شيء فلن يكون النداء سهلاً..."


لكن فجأة، دوّى صراخ غاضب من الأعلى:


"ألم تنتهي—؟!"


"...."


أي "رفيق صالح" يجرؤ على الصراخ هكذا في جبل ثلجي شديد الانحدار والخطر؟!


نظر شي ليان نحو الصوت، مذهولاً. رأى، وسط العالم الأبيض، نقطتين سوداوين تتشاجران. أحدهما يحمل قوساً طويلاً، يطلق السهام بلا توقف. والآخر يمسك بسيف ضخم، يلوّح به كالنمر، يصدّ كل سهم. كل من السيف والسهام يتلألآن بضوء روحي. كان الطرفان يتبادلان الشتائم، وصرخ صاحب السيف:


"قلتُ لك بالفعل إن ذاك الحقير لم أقتله أنا، أنا أيضاً أبحث عنه!"


كانا نان فنغ وفو ياو!


من دون التفكير لماذا وجدا هنا أيضاً، كان شي ليان على وشك أن يصرخ: "اصمتا!" لكنه تدارك نفسه قبل أن يرفع صوته. فلو صرخ هو أيضاً، وصاحوا جميعاً في وجه بعضهم، كيف سيبقى الثلج على الجبل متماسكاً؟!


عقد هوا تشينغ ذراعيه ورفع حاجباً:

"ألا يعلمان أن الصراخ على جبل ثلجي قد يسبّب انهياراً جليدياً؟"


قال شي ليان:

"لا يمكن أن يكونا بتلك الحماقة! ربما يعرفان، لكن... عندما يغضبان، لا يعودان يهتمان بشيء!"


كان نان فنغ وفو ياو غارقين في الغضب، يلعنان ويقاتلان بضراوة. لكن لبعد المسافة، كانت الكلمات متقطعة، ولم يُفهم سبب شجارهما، ولم يلاحظا إطلاقاً أنّ هناك آخرين قد وصلوا.


أراد شي ليان أن يركض ليفصل بينهما، لكن الثلج الكثيف كان يعيق خطواته، والحفر تحته تمنعه من الإسراع. ركض خطوتين، فسقط في حفرة أخرى، فتوقف.


قال بقلق:

"لا يمكن أن نتركهما يتقاتلان هكذا!"


وما إن قال ذلك، حتى حلّقت فراشة فضية كالسهام. ارتبك شي ليان قليلاً، ثم اطمأن.


فكرة رائعة! إن لم يتمكنا من الوصول في الوقت المناسب، فلتذهب فراشة شبحية لنقل الرسالة بسرعة!


كانت الفراشة الفضية سريعة كالبرق، وما إن أطلقت ثلاث صرخات حتى وصلت للطرف الآخر. لكن، قبل أن ينقل شي ليان أي كلمة، لاحظ تغيّر ملامح هوا تشينغ إلى برود قاتل.


أدرك أن هناك خطباً وقال بقلق:

"ما الأمر؟"


اختفى الابتسام عن شفتي هوا تشينغ تماماً، وحلّ محلّه وجه بارد كالجبل الثلجي.


ضغط شي ليان قائلاً:

"سان لانغ، ما الذي يحدث؟"


ارتجفت شفتا هوا تشينغ دون إجابة. وفجأة شعر شي ليان بذعر غامض، فالتفت بعنف نحو القمة، واتسعت عيناه.


في الأعلى، عند المنحدرات الثلجية، اهتزّت كتلة هائلة من بياض الجبل، ثم انهارت.


هناك، شعر نان فنغ وفو ياو، المنغمسَين في القتال، بالضغط الصامت. رفعا بصرهما وأدركا أخيراً ما سيحدث.


وفي اللحظة التالية، تحطّم الجبل كما لو كان سدّاً بطول ألف ميل. ومع انهياره، انطلقت موجة هائلة من الثلج، كالتسونامي، تدحرجت مزمجرة نحوهم!


لقد تسببوا بانهيار جليدي حقيقي!!!


أمسك شي ليان بيد هوا تشينغ، استدار وركض. لكن بعد خطوات قليلة فقط، تذكّر أن الاثنين الآخرين كانا أقرب بكثير إلى الانهيار، فتوقف فجأة ونظر للخلف. وكما توقّع، فقد توقّفا عن القتال وبدآ بالهرب معاً. لكن فو ياو لم يركض بعيداً قبل أن يسقط في حفرة، غاص نصف جسده، والثلج غطّى صدره. أما نان فنغ فقد ركض أسرع، لكنه التفت وتردّد للحظة، وكأنه يريد إنقاذه. لكن الموجة البيضاء الهائلة كانت قد هاجمت بالفعل!


قبل لحظة من أن يبتلعهم الانهيار، أطلق شي ليان رويي. فانطلقت تلك العصابة البيضاء كالحرير بعيداً، وفي لمح البصر التفت بدقة حول فو ياو ونان فنغ، وسحبتهما بقوة.


قال هوا تشينغ بصوت مظلم:

"غاغا ! اتركهما، لا تشغل نفسك بهما!"


لكن شي ليان تمسّك برويي بكل قوته، وهو يجرّ الاثنين بينما يركض:

"لا أستطيع! قد يسقطان في حفرة ويُدفنان بالثلج!"


فأجابه هوا تشينغ:

"فات الأوان!"


صاح شي ليان مذهولاً:

"ماذا؟ بهذه السرعة؟!"


رفع بصره، وإذا بظل جبّار ينهار فوق رأسه مباشرة.


وفي اللحظة التي التفت فيها لإنقاذ نان فنغ وفو ياو، أضاع وقتاً قصيراً سمح لموجة الثلج بابتلاعه تماماً. اندفعت تلك الموجة الباردة الثقيلة بلا توقف، مفرّقة إياه عن هوا تشينغ. ظلّ شي ليان يتقلب وسط العاصفة البيضاء، يحاول المقاومة قدر المستطاع، لكن الثلج كان كثيراً، والاندفاع قوياً جداً، يغمر رأسه مراراً وتكراراً، حتى صار يختنق فجأة مرة بعد أخرى.


وأخيراً، صرخ شي ليان:

"سان لانغ!"


لكنه لم يستطع الصمود أكثر، فدُفن بالكامل في تيار الثلج الجارف، وغاب عن الأنظار.



———



مضى وقت مجهول قبل أن يهدأ الجبل الثلجي أخيراً.


وبعد فترة، وسط السهل الأبيض المستوي، اخترقت يد فجأة سطح الثلج! راحت اليد تتحسّس، ثم ظهرت ذراع، ثم كتف، وأخيراً رأس. وسرعان ما خرج شخص يزحف من الثلج، يهز رأسه ويطلق تنهيدة طويلة. كان ذلك شي ليان.


أن يحفر نفسه بالقوة من تحت تلك الطبقات الثقيلة من الثلج، كان أشبه بحفر نفسه للخروج من قبر. كانت يداه ووجهه محمرّين من الصقيع، فاقدين الإحساس تقريباً، لكنه مسح وجهه بضع مرات فقط، ثم رفع رأسه ونظر حوله بتشتّت.


لم يكن في ذلك البياض الممتد أي أثر للون الأحمر.


لكن لم يستطع أن يصرخ عشوائياً، فلو تسبب في انهيار آخر، لكانت نهايتهم جميعاً. لذلك، نهض على قدميه وبدأ يتجول وحيداً في عالم الثلج، ينادي بصوت خافت وهو يسير:


"سان لانغ؟ نان فنغ؟ فو ياو؟"


كان يسير في نفس الاتجاه الذي كانوا متجهين إليه من قبل، لكن الجو بدا أبرد بكثير مما كان عليه حين كان مع هوا تشينغ. حتى رويي لم يعد ملفوفاً على يده. ارتبك شي ليان؛ رويي لا يفترض أن ينفك أبداً، فحتى إن أفلتَه، فهو يلتفّ حوله تلقائياً. فماذا حدث؟


عرف أن هناك خطباً ما، لكنه لم يستطع تحديده، فاستمر بالمشي شارداً. وفجأة، وسط الرياح الثلجية أمامه، برز شخص قادم. رداء أبيض، شعر أسود، أكمامه تتمايل في الريح، يمشي ببطء ورأسه منحني.


ما إن رآه شي ليان حتى انفرجت أساريره، فتقدّم نحوه قائلاً:

"يا صديقي! أنت..."


لكن قبل أن يكمل كلامه، رفع ذلك الرجل رأسه. وعلى وجهه قناع أبيض جليدي، نصفه يبتسم ونصفه الآخر يبكي.


كأن خنجراً انغرس في صدره، فصرخ شي ليان صيحة مدوّية.


وبعد تلك الصرخة، فتح عينيه فجأة ونهض مذعوراً. أخذ نفساً عميقاً مرتجفاً، ثم أدرك أنّه في تلك اللحظة لم يكن يمشي على جبل ثلجي، بل كان مستلقياً في مكان مظلم غامض.


إذن كان حلماً.


لا عجب، فدائماً ما يبدو في الأحلام شيء غير صحيح. أطلق شي ليان زفرة طويلة، ومسح العرق البارد عن جبينه. وبعد أن تحسّس الأرض تحته، وجدها صخوراً مغطاة بالعشب. فانغ شين معلّقة على خصره، ورويي ملفوفة بوضوح حول ذراعه. هدّأ نفسه وأشعل شعلة بكفه، مضيئاً المكان حوله، ونادى فوراً:


"سان لانغ؟ هل أنت هنا؟"


لكن فجأة، ما إن أضاءت النار المكان، حتى اكتشف على مقربة منه مباشرة شخصاً آخر واقفاً في الظلام، صامتاً بلا حراك.


فوجئ شي ليان بشدة، وغمره العرق البارد، وامتدت يده فوراً إلى فانغ شين. كيف يمكن لشخص أن يقف على مسافة قريبة جداً منه دون أن يشعر به؟!


لكن عندما نظر عن قرب، زال بعض خوفه. اتضح أن ذلك لم يكن حياً، بل تمثال حجري.


وكان مختلفاً عن تماثيل ضحايا انفجار البركان التي رآها من قبل؛ فقد بدا بوضوح أنه منحوت كتمثال إلهي.


أمسك الشعلة بيده، ودخل يتفحص المكان، فاكتشف أنه كهف. في داخله، كان ينتصب تمثال إلهي للعبادة، وقفته أنيقة، وتجاعيد ثيابه وخطوطه المنسابة منحوتة بدقة بالغة. لكن كان هناك أمر غريب.


وجه التمثال مغطى بوشاح رقيق.


ذلك الوشاح الخفيف كان يتماوج كالضباب، يغطي وجه التمثال بطريقة غريبة، لكنها لم تكن قبيحة، بل منحت التمثال جمالاً غامضاً. ومع ذلك، لم يسبق لشي ليان أن رأى تمثال إله سماوي بوجه مغطى. مدّ يده دون وعي ليزيل الوشاح، لكن صوتاً جاء من خلفه:


"غاغا ."


استدار شي ليان بسرعة، وإذا بشخص يرتدي الأحمر يقف عند مدخل الكهف، ظهر فجأة من العدم. كان هوا تشينغ. نُسي أمر التمثال على الفور، وأسرع شي ليان نحوه قائلاً:


"سان لانغ! الشكر للالهة ، كنت أتساءل أين اختفيت. هل أنت بخير؟ هل أصبت؟ ذلك الانهيار كان مفاجئاً جداً."


دخل هوا تشينغ وقال:

"أنا بخير. ماذا عن غاغا ؟"


أجاب شي ليان:

"أنا دائماً بخير. لكن... ما هذا المكان؟"


بعد أن خرجا من الكهف، لاحظ شي ليان أن هناك ممراً طويلاً بالخارج، لا يبدو قصيراً، ولا يُعرف إلى أين يؤدي. بدا وكأنهما في فضاء واسع تحت الأرض.


كان شي ليان قد اعتاد أن يجد لدى هوا تشينغ إجابة لكل شيء، لكن هذه المرة قال:

"لا أعرف. الأغلب أننا تحت الجبل الثلجي."


انبهر شي ليان وقال:

"ظننت أن هذا ملجأ عثر عليه سان لانغ. لم أتوقع أن حتى أنت لا تعرف ما هذا المكان؟"


قال هوا تشينغ:

"كلا."


كان هذا بالفعل أول مرة.


كان هوا تشينغ قد حفظ مواضع جميع الحفر على طريق الجبل، لكنه لم يكن يعرف ما هذا المكان. كما أن الكهف لم يكن صغيراً؛ فهل يعقل أنه لم يكتشفه من قبل؟


لم يستطع شي ليان أن يمنع نفسه من الارتباك قليلاً، لكنه لم يُلح بالسؤال، وبدلاً من ذلك رفع شعلة كفه أعلى.


قال:

"كيف وصلنا إلى هنا؟"


استدعى هوا تشينغ بعض الفراشات الفضية، لتضيء بخفوت وهي ترفرف حولهما، وأجاب بهدوء:

"ربما تعثرنا جميعاً وسقطنا في حفرة. لا يمكن أن يكون أحد قد وضعنا هنا عمداً."


عندما سمعه، لم يستطع شي ليان إلا أن يتذكر الحلم الذي رآه قبل قليل، فشعر بقشعريرة باردة تسري في ظهره.


ثم تذكّر شيئاً آخر وسأل:

"إذا كنا نحن هنا، فأين نان فنغ وفو ياو؟"


رد هوا تشينغ بلا مبالاة:

"على الأرجح دُفنوا تحت الثلج. لا يهم، فهم مسؤولون سماويون، هذا لن يقتلهم."


لم يعرف شي ليان إن كان عليه أن يضحك أم يبكي. وقال:

"حتى لو لم يقتلهم ذلك، فليس من اللطيف أن يُدفن أحد لعدة عقود من غير أن ينقذه أحد. ربما سقطوا هنا أيضاً؟ فلنبحث عنهم. أوه، بالمناسبة سان لانغ، عندما أرسلتَ الفراشة الفضية في وقت سابق، ماذا سمعت يقولون؟"


قهقه هوا تشينغ:

"لا شيء سوى شجارات بلا معنى، ماذا غير ذلك؟"


لكن شي ليان لم يعتقد أن الأمر بتلك البساطة، وإلا لما تغيّر وجه هوا تشينغ فجأة عندما طارت الفراشة إليهما. وحتى الآن، وبينما كان هوا تشينغ يضحك، كانت عيناه تحملان قسوة. ومع ذلك، إن لم يرد أن يقول، فلن يسأله أكثر. واصل الاثنان السير في الممر الطويل داخل الكهف الحجري.


بعد قليل من المشي، اكتشفا أن تكوين هذا الكهف تحت الثلج أكثر تعقيداً مما تخيلا. لم يكن مجرد ممر واحد ممتد إلى النهاية، بل كان هناك الكثير من التفرعات المؤدية إلى كهوف أخرى، كبيرة وصغيرة.


وفي كل كهف، كان هناك تمثال إلهي؛ بعضها طويل، وبعضها قصير، بعضها يشبه الفتيان، وبعضها يبدو شاباً، والملابس مختلفة دوماً، وكذلك الوضعيات: متكئ، أو واقف، أو جالس بهدوء، أو ممسك بسيف، أو راقص... كل الأشكال. حتى مستوى النحت كان متفاوتاً؛ بعض الأعمال خشنة بسيطة، وأخرى متقنة بشكل استثنائي كأنها من عالم آخر. على الأرجح لم ينحتها شخص واحد.


وبينما يتأمل شي ليان التماثيل في الطريق، لم يتمالك نفسه من التعليق بإعجاب:

"هذا... هذا المكان أشبه بكهف يضم عشرة آلاف إله. من شيّد هذا الكهف لا بد أنه كان مؤمناً تقياً للغاية."


لكن جميع التماثيل كانت تحمل نفس الغرابة: وجوهها مغطاة بوشاح رقيق.


بعضها كانت أجسادها كلها مغطاة، وهو أمر غريب للغاية. شعر شي ليان بفضول شديد، ومد يده لينزع أحد الأوشحة عن وجه أحد التماثيل، لكن هوا تشينغ قال من خلفه:


"غاغا ، أنصحك ألا تفعل."


التفت إليه شي ليان سائلاً:

"لماذا لا؟ أعتقد أن هذه التماثيل غريبة نوعاً ما."


اقترب هوا تشينغ منه وفسر:

"بالتحديد لأنها غريبة، فمن الأفضل ألا تفعل. الرأس هو موضع تجمع الطاقة الروحية للإنسان. إذا أزيل هذا الغطاء، فلا أحد يعلم ما قد يحدث مع كل تلك الطاقة المجمعة داخل هذه التماثيل الغريبة."


قد يبدو كلامه بعيداً بعض الشيء، لكنه منطقي. فلو أن إزالة الغطاء أيقظت شيئاً بداخل التماثيل، فلن يكون الأمر ممتعاً. فكّر شي ليان قليلاً، ثم أسقط يده في النهاية.


قال:

"كنت فقط فضولياً لأعرف أي إله هذا، لا أكثر."


رد هوا تشينغ بخفة:

"هذا مملكة وويونغ، لذا على الأرجح إنه ولي عهد وويونغ. لا شيء مميز."


لكن شي ليان قال:

"لا أظن ذلك."


رفع هوا تشينغ حاجبه:

"أوه؟ ماذا تقصد؟"


تأمله شي ليان قائلاً:

"من كل الجداريات التي رأيناها في الطريق، فإن أسلوب لباس ولي عهد وويونغ يختلف تماماً عن أسلوب هذه التماثيل. لذا، أعتقد أن هذه التماثيل ليست لها علاقة بولي العهد، بل ربما لم ينحتها أحد من وويونغ أصلاً."


ابتسم هوا تشينغ ابتسامة مشرقة:

"حقاً؟ غاغا لديه عين ثاقبة فعلاً."


ابتسم شي ليان أيضاً وقال:

"لا. فقط أسلوب هذه التماثيل، سواء النحت أو الملابس أو تفاصيل الخطوط المنحوتة، كلها تبدو أقرب إلى أساليب الفترات المتأخرة. مثلاً... أسلوب شيان لي ."


رفع هوا تشينغ حاجبيه:

"يبدو أن غاغا موهوب بعمق في هذا المجال أيضاً."


رد شي ليان:

"لا. إنما من يرى الكثير من التماثيل سيكتسب معرفة ولو قليلة، هذا كل ما في الأمر."


ومع أنه لم يستطع أن يحدد السبب، إلا أن إحساسه الداخلي أخبره أنه منذ وقت، هناك شيء غير طبيعي في تصرفات هوا تشينغ. وبعد أن وصل الحوار إلى هذه النقطة، بدا أن هوا تشينغ بدأ يشعر بتوتر خفي.








يتبع...

  • فيس بوك
  • بنترست
  • تويتر
  • واتس اب
  • لينكد ان
  • بريد
author-img
Fojo team

عدد المقالات:

شاهد ايضا × +
إظهار التعليقات
  • عادي
  • متطور
  • ترتيب حسب الاحدث
    عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق

X
ستحذف المقالات المحفوظة في المفضلة ، إذا تم تنظيف ذاكرة التخزين المؤقت للمتصفح أو إذا دخلت من متصفح آخر أو في وضع التصفح المتخفي