Ch22 بانغوان
تفاجأ وين شي للحظة ، ثم أنكر ببرود : " لستُ جائع ."
لم يصدّقه شيه وون : " حقًا لست جائع ؟ أم أنك تتظاهر فقط ؟"
لم يقل وين شي شيئ
في الحقيقة، لم يكن هذا ما أراد الحديث عنه، لكنّه لم يجد
وسيلة لردع شيه وون عن سؤاله
ربما كان السبب أنّ درج الطوارئ مظلم وصامت،
أو لأن شيه وون كان يقف قريبًا جدًا، وصوته منخفض إلى
حدّ لا يُحتمل
و الآن بالذات ، لم يعد وين شي قادرًا على تحمّل سماع صوته
لكن شيه وون تكلّم مجددًا
: " حسنًا، سأتوقف عن إغاظتك. ما دمت لست جائعًا فلا بأس ...
أنا—"
قاطعه وين شي: " توقف عن الكلام ."
تفاجأ شيه وون : " لماذا ؟"
فرك وين شي أسفل أذنه ، التفت قليلًا إلى الجانب
وبعد صمتٍ طويل، عاد وأدار رأسه، عابِس الحاجبين ،
وفي صوته أثر خفيف من الضيق: "لأنك كلما تكلمتَ أكثر ،
ازددتُ جوعًا ."
ساد الصمت فجأة في الدرج
و تردّدت أصوات خافتة قادمة من الطابق الثالث ، غير واضحة ، أشبه بالهمس البعيد
رفع شيه وون بصره إلى الأعلى لحظة ، ثم أعاده إلى الأسفل
ظلّ يحدّق في وين شي للحظة ، ثم قال : " إذن لِمَا عليك أن تكبح نفسك ؟"
وفي لحظة —— ، اندفعت طاقة شيه وون الخبيثة مندفعة،
تحمل معها شعورًا هائلًا بالضغط،
كأنّ جميع الأرواح الشريرة قد تشابكت معًا
ومع ذلك، كانت تلك الطاقة خفيفة، ناعمة، مثل ضبابٍ
هبط في عُمق الليل
كان وين شي غارقًا تمامًا داخل ذلك السواد
وفي مثل هذه اللحظة ، كثيرًا ما يراود المرءُ وهمٌ غريب :
وكأنه يُحتضَن برفق من قِبل أحدهم
لكن الشيء الوحيد الذي كان يلمس وين شي لم يكن سوى الضباب
تلك الطاقات قد اعتادت عليه بالفعل ، وسرعان ما اندفعت
إلى جسده عبر أطراف أصابعه ، تُهدّئ جوعه المجنون قليلًا فـ قليلًا
وخلال كل ذلك ، ظل شيه وون واقفًا مكانه دون أن يتحرك،
على بُعد درج واحد من وين شي —- لم يقترب ولم يبتعد
لسببٍ ما، كانت الطاقة الخبيثة داخل شيه وون في تلك
اللحظة أعظم من أي وقت مضى
حتى إنّ وين شي لم يعد قادرًا على رؤيته بوضوح حتى وعيناه مغمضتان
لم يكن يتبيّن سوى العلامات الذهبية الشبيهة
بالسنسكريتية، تدور في صمت، متجذّرة وسط ديون الكارما
رفع وين شي يده ، راغبًا في إزاحة ذلك السواد الكثيف ،
لكنه اصطدم عرضًا بشيء بارد قليلًا
ارتبك للحظة ، ثم أدرك فجأة أنّها يد شيه وون المتدلّية إلى جانبه
بدا وكأن شيه وون تردد قليلًا ثم سحب يده بخفة
تم امتصاص الطاقة الخبيثة ، واستفاق وين شي ، فسحب يده بسرعة
الدرج لا يزال غارق في الظلام ،
وأصوات الناس من الطابق الثالث ما زالت مسموعة ،
مبهمة ، كأن كل ما حدث للتو لم يكن سوى وهم
لم ينطق وين شي بشيء
اليد التي سحبها ما زالت ملفوفة بخيط قطني أبيض
و شيه وون لم يكن يرتدي قفازات داخل القفص،
وأطراف أصابعه التي لمسها وين شي بدت حقيقية جدًا
تلك البرودة الطفيفة ما زالت عالقة على أصابعه
عبس بحاجبيه قليلًا ، ومسح المكان بإبهامه عدة مرات
كانت الخيوط الرفيعة المتشابكة مشدودة بين مفاصل
أصابعه ، متداخلة بشكل فوضوي
تحدث شيه وون أولًا: " هل شبعت الآن ؟"
أجاب وين شي بصوت منخفض: " همم."
في الحقيقة لا يمكن اعتباره مشبعًا تمامًا في كلتا المرتين،
لأنهما انقطعتا على عجل
لكن كلا الانقطاعين كان يحمل دلالات غامضة لا يمكن
شرحها ، لذا بطبيعة الحال لم يرد التطرق إليها
أنزل وين شي بصره وهو يستخدم أسنانه لتمزيق الخيط حول أصابعه
وأثناء إعادة ربط الخيط ، بدأ ينزل الدرج قائلًا : " ننزل ؟"
شيه وون: "حسنًا." أومأ وتبعه ، متأخرًا بعدة خطوات
سار وين شي مسافة قصيرة ثم تذكر أنه نسي أن يشكر شيه وون هذه المرة
لكن لو قالها الآن لبدت خارج السياق ، فلم يجد حلاً غير التجاهل
نزلا بسرعة دون توقف ، وفي رمشة عين ، خرجا عبر باب الطوارئ في الطابق الأول
الضوء عند مكتب الاستعلامات في المركز التجاري هو
مصدر الإضاءة الوحيد
لا ينير سوى نصف المكان
العجوز منحنية هناك ، و كتفاها مرفوعان وهي تعبث بشيء ما
و لأنها هزيلة جدًا، بدا جسدها فارغ ، وكأن أحدًا ألقى ثوب دفن على شماعة ملابس
( تخيلوا شخص مائل لدرجة الرقبة مو موجودة / كأنه
قطعة ملابس معلقة بالهواء )
كان منظرًا كافيًا ليُفزع شخصًا ضعيف القلب
لكن شجاعة وين شي كانت أوسع من السماء
حدّق في هيئتها لبضع ثوانٍ، وتذكّر أخيرًا السؤال الذي أراد
أن يطرحه منذ قليل
قال لشيه وون: " هل رأيت بوضوح ذلك الخاتم في علبة طعامها ؟"
شيه وون: " إلى حدٍّ ما رأيته . بصري ليس سيئًا ."
وين شي: " ألا تظن أن في الخاتم مشكلة ؟"
شيه وون: " أي مشكلة ؟"
تأمل وين شي ملامحه بريبة ، و بعد لحظة قال: "الخاتم مزيف."
أبدى شيه وون دهشة صادقة : " مزيف ؟ ماذا تقصد ؟"
نظر إليه وين شي ببرود
وبعد أن تبادل النظر معه لثوانٍ ،
ضحك شيه وون واستسلم : " حسناً …. أعترف بصراحة . الخاتم من صنعي ."
كانت عبارة ' كنت أعلم ذلك ' مكتوبة على وجه وين شي
فهو سيّد دمى، وماهر للغاية. وفي نظره، لم يكن من
الممكن إخفاء زيف الخاتم
تقنية الخاتم من إحدى تقنيات الدمى ، من أبسط الأنواع ،
معرفة سطحية يمكن لأي شخص ذكي قليلًا أن يجدها في
نص قديم—وهي ' خلق جماد '
الخاتم الذي كادت العجوز أن تبتلعه كان بالفعل جمادًا مُصطنعًا
ومن بين الحاضرين حينها، كان من الواضح أن تشانغ بيلينغ
قد اختارت طريق التعاويذ وليس طريق الدمى في بانغوان ،
ولم يكن هناك حاجة للتفكير في العاجزان عديم الفائدة أو شيا تشياو الجبان
الشخص الوحيد الذي قد يفتعل عبثًا ، وكان على استعداد لذلك ، هو شيه وون
فسأله وين شي: " ولماذا صنعت خاتمًا مزيفًا ؟ لتخيف شبحًا ؟"
والحقيقة أنّه كان فعّالًا بشكل مذهل
حتى الآن لم يرَى وين شي سوى الكائنات في الأقفاص تُفزع
البشر حتى يتقيؤوا ،
ولم يرَى يومًا إنسانًا يُفزعها حتى التقيؤ ~
وكان شيه وون أول من يفعل ذلك
شيه وون : " انظر كم هي عجوز ، لماذا أخيفها ؟"
لم يعرف إن كان عليه أن يضحك أم يبكي
فبمظهره الأنيق الرزين ، كان من الصحيح أنه لا يبدو
كشخصٍ قد يُرعب العجائز ، لكن…
على أي حال لم يكن وين شي يراه شخصًا حسن السلوك
أوضح شيه وون: " كنتُ فقط أختبر أمرًا ما."
سأله وين شي: " تختبر ماذا ؟"
سأله شيه وون بدلًا من الإجابة : "حين كانت تطاردنا السائقة ، هل تذكر كيف كان شكل خاتمها ؟"
وين شي: " لا "
شيه وون: "؟"
تفاجأ للحظة ثم “ آهاا” خافتًا وكأنّه تذكّر شيئ
قال: “ هذا صحيح أنت لم تلتفت برأسك فعلًا بما أنّك كنت تحملني
حسنًا، بينما كانت لا تزال قريبة منا ، نظرتُ إليها بضع مرّات .”
وين شي بحدّة : “ وماذا بعد ؟”
شيه وون: “ خاتمها أيضًا خاتم ذهبي ، لكن على هذا الجانب يوجد نقش .”
: “ نقش ؟ أليس خاتمًا عاديًا ؟”
: “ لا ”
كان ذلك يستحق التفكير فيه
ألقى وين شي نظرة نحو مكتب الاستعلامات ثم تقدّم فجأة
وربّت على كتف العجوز
ارتجفت العجوزة والتفتت خلفها ، تحدّق بوين شي بعينيها الغائمة دون أن ترمش
وبعد ثانية ، أعادت رأسها ببطء لتواصل نبشها داخل مكتب
الاستعلامات وحوله
كان هناك فراغ ضيق أسفل المكتب
انخفضت المرأة على ركبتيها ودسّت وجهها داخل الفراغ
حركاتها ملتوية بشكل غير طبيعي،
حتى كادت أن تدير رأسها بزاوية 180 درجة وهي ملتصقة بالأرض
وبعد لحظات ، امتدّ وجهها المفلطح من الجهة الأخرى
للمكتب ، ليواجه وين شي وجهًا لوجه
العجوز: “…”
وين شي: “ ما الذي تفعلينه ؟”
فتحت العجوز فمها وأغلقته ثم همست : “ أبحث عن خاتم …
خاتم ذهبي .”
نظر وين شي إلى سطح المكتب
كان منديلها مفروشًا عليه، لكنه فارغ تمامًا
حيلة شيه وون كانت محدودة ، ولذلك لم يستمر الخاتم
المزيّف طويلًا ، وقد اختفى بالفعل الآن
لكن العجوز ما زالت تبحث عنه
و قالت : “ ربما فقدته هنا ، أنا أحاول أن أجده لها .
لا شيء آخر ، فقط فُقِد ، فُقِد ،،،
إهمال ، إهمال ...” سحبت رأسها مجددًا ووقفت ، مغطّاة
بالغبار ، وهي تتابع بحثها المتعثر : “ كيف يمكن أن تفرّطي
في خاتم زواجك؟ لا بد أن أجدَه .”
ألقى وين شي نظرة نحو شيه وون
شيه وون بهدوء: “ هل اكتشفت الخلل بعد ؟”
عبس وين شي بحاجبيه وأجاب: “ إذا كانت المرأة السائقة
التي لاحقتنا هي سيّدة القفص ، والخاتم ليس في إصبعها ،
فهي أدرى بذلك من أيّ شخص آخر .
بينما هذه العجوز ما هي إلا امتداد لوعي سيّد القفص…”
صحيح أنّها لم تكن هي سيّدة القفص الحقيقية ، لذا قد يتأخر رد فعلها قليلًا ،
لكن ليس إلى حدّ أنّها حتى الآن لا تزال تظنّ أنّ الخاتم
المزيّف حقيقي وتبحث عنه بجنون
وهذا لا يترك سوى احتمال واحد—
قال وين شي بصوت خافت: “ شخص آخر هو سيّد القفص .”
{ أحد أولئك التجّار الذين يبدون مسالمين }
⸻
في الطابق الثالث ، داخل متجر البناطيل
صاحب القميص المربّع والبقية جالسين أرضًا متقاربين
كأسراب السمان ، متلاصقين خشية أن يُترك أحدهم وحده
قال أحدهم بخوف : “ يوجد فتحة أسفل باب المتجر المعدني .” وسحب قدميه بسرعة
تشو شو بضيق : “ أراها ، فعل مقصود . أنا تركتُه مفتوح من
قبل أيضًا ، لماذا لم تقولوا شيئًا حينها ؟”
قال الرجل محرجًا : “ لم ألاحظ سابقًا .”
كان شيا تشياو قصيرًا ، لذا لم تكن ساقاه طويلتين
و عندما جلس على الطاولة ، لم تلمس قدماه الأرض
ولمّا رأى كيف يتصرّف تشو شو بوقاحة ، لم يتمالك نفسه
وقال: “ يبدو أنّك تعرف الكثير ، أيّ طريقٍ تسلك ؟
هل تستخدم التعاويذ مثل والدتك ؟”
قال تشو شو غاضبًا : “ وما شأنك أنت؟!”
لا أحد يعرف ما الذي أثار غضبه لكنه صرخ : “ اهتم بشؤونك فقط .”
قال شيا تشياو مذهولًا قليلًا : “ أنا فقط طرحت سؤال ،
لماذا أنت هكذا ؟ هل أنت روح مفرقعات نارية ؟”
قال تشو شو بسخرية و صوته مرتفع متهكّم : “ أوه نعم ،
مجرد سؤال ، تختار عمدًا موضوعًا حساسًا، يا له من هراء "
وبعد أن أنهى شتيمته ، جلس وأدار ظهره للجميع، يعبس و يتجهّم
بعد أن أُهين بلا سبب ، صمت شيا تشياو شاعرًا بالظلم
لكنه بالفعل كان قد لمس جرحًا عميقًا
…
حين وُلد تشو شو ، كان لديه موهبة عالية في هذا المجال
وفي طفولته ، أقام لعدة سنوات في منزل عائلة تشانغ الرئيسي ،
يتجوّل يوميًا مع أقوى شخصين في العائلة
كان يستمع دائمًا إلى خالته تشانغ لان وهي تروي الشائعات
والأخبار المتعلّقة بالبانغوان، وإلى عمّه ، تشانغ يالين وهو
يستعرض معرفته حول ما يجوز وما لا يجوز للبانغوان
لقد كان ملمًّا جدًا بأمور البانغوان
ومنطقيًا ، كان ينبغي أن يكون وريثًا جيدًا لمهنة العائلة ،
لكن والدته قطعت عليه هذا الطريق
لم تسمح له تشانغ بيلينغ أن يتعلّم أي شيء عملي
لم تُدخله القفص قط، ولا سمحت لأحدٍ آخر بذلك ، مهما ألحّ أو احتجّ
لذا كانت مرحلته المتمرّدة أشد من الآخرين
لم يكن يُبدي احترامًا لأي شخص ، وخصوصًا تجاه والدته تشانغ بيلينغ
…..
لم يتكلّم أحد
جلسوا جميعًا في المتجر صامتين، والأجواء متوتّرة خانقة
وفجأة لمح شيا تشياو ظلًا خارج فتحة الباب المعدني في الزاوية
كان مشوّهًا قليلًا بسبب الحافة ، لكنه بقي ساكنًا تمامًا ،
كأنّ شيئًا يقف خارج المتجر يراقبهم بصمت
وقف شعر جسده كلّه ، وضمّ ساقيه المرتجفة ثم نكز بمرفقه الشخص الجالس خلفه
قال تشو شو بغضب: “ ما الذي تدفعني من أجله ؟!”
أشار شيا تشياو وهو يضع إصبعه على فمه : “شش—”
ثم ربت على كتف تشو شو وأشار نحو الظل وهو يهمس: “ هل هذه أمك ؟”
ردّ تشو شو : “ أمك أنت .”
كان شيا تشياو قد بدأ يرتجف ، لكن بعد ردّ تشو شو الساخر، شعر بالغيظ أكثر من الخوف ، فاختفى بعض ارتعابه
تشو شو : “هناك سلة مهملات ، ليس غريبًا أن يظهر ظل.
انظر لنفسك كيف ترتجف من الخوف .”
كان شيا تشياو على وشك الرد ، لكن فجأة دوّى صوت من
الجهة الأخرى للباب المعدني
التفت برأسه بسرعة، فرأى يدين شاحبة تمتدان من أسفل الباب ، بأصابع متورمة قليلًا
وعلى الإصبع الرابع —— خاتم مشدود بإحكام لدرجة أنه
ترك علامة حمراء
صرخ شيا تشياو بفزع: “ اللعععععععنننننننة !”
قفز تشو شو مذعورًا هو أيضاً
وما إن أمسكَت تلك اليدان الشاحبة بحافة الباب حتى
رفعته بصوت معدني صاخب ، كاشفةً عن وجه تشانغ بيلينغ
دحرج تشو شو عينيه بتنهيدة طويلة وقال لشيا تشياو: “ إنها أمي هذه المرة فعلاً .”
قالت تشانغ بيلينغ وهي تعقد حاجبيها: “ ما قصة أمك وأمي ؟”
بدا أنها اعتقدت أنه يفتعل مشهدًا آخر
دخلت المتجر حاملةً كيس قماشي على مرفقها وغلاية ماء
كهربائية قديمة لكنها نظيفة نسبيًا
وضعت الكيس على الطاولة ، وأخرجت منه أكواب ورقية
للاستعمال مرة واحدة ، وزجاجة مطهر يود ،
وعلبة لاصقات جروح ، ورزمة صغيرة من أوراق التعاويذ الصفراء
ناولَت زجاجة المطهر للرجل ذو القميص المربّع قائلة :
“ من الأفضل أن تعالج إصابة أنفك .”
كان المصعد قد بتر قطعة صغيرة من لحم أنفه، والدم
يسيل باستمرار تاركًا خلفه أثرًا أحمر على ملابسه
بدا مظهره مرعبًا بعض الشيء من بعيد
قال الرجل بقلق: “ النزيف لا يتوقف .” كان وجهه شاحبًا جدًا
أجابت تشانغ بيلينغ: “ هذا طبيعي ، هكذا هو الحال في هذا القفص .
ولهذا يجب أن تحذروا من التعرض لأي إصابات أخرى .”
ثم جلست خلف الطاولة ، وأمسكت بأوراق التعاويذ مع قلم ،
وبدأت ترسم الرموز بسرعة
حدق شيا تشياو قليلًا إلى ما ترسمه ، لكنه لم يفهم شيئ
ابتسمت له تشانغ بيلينغ قائلة: “ الجد شين تشياو لم يكن
يستخدم التعاويذ ، لذا أنت لست معتادًا عليها .
عندما جئت إلى هنا لم أحضر ما يكفي من أوراق التعاويذ
لأنني لم أظن أن هذا القفص سيكون صعبًا ، لذا سأرسم
المزيد الآن لحماية هذا المتجر ، وبذلك لن تقع حوادث أخرى .”
رسمت بسرعة ، وكل ورقة تعويذة كانت تُنجز بسحبة قلم
واحدة ، مما دلّ على أنها متمرسة منذ صغرها
و بعد وقت قصير ، التقطت أربع تعاويذ ولصقت واحدة
على كل جدار من جدران المتجر
سأل شيا تشياو: “ وما فائدتها؟”
أسرع تشو شو بالجواب: “ قديماً كانت تُسمى تعاويذ ختم المدينة .
وبالطبع الأقوى يمكنها ختم مدينة بأكملها ، أما الأضعف
فيمكنها ختم غرفة.
ما دمت تلصقها فلن يتمكن أي شيء من الدخول من الخارج .”
عند سماع ذلك شعر المختبئون في المتجر ببعض
الطمأنينة ، وتحسّنت وجوههم القلقة
الغلاية التي أحضرتها تشانغ بيلينغ ممتلئة بالماء
وصلتْها بمقبس الكهرباء ،
وبعد دقائق بدأ الماء بالغليان مطلقًا صوت صفير خافت
وبينما شيا تشياو يصغي ، شعر بحاجة ملحة للتبول
قاوم قليلاً ، لكنه سمع تشو شو يقول فجأة: “ أريد الذهاب إلى الحمام، ماذا عنك ؟”
أجاب شيا تشياو بحماس : “ لنذهب ، لنذهب .”
ترددت تشانغ بيلينغ قليلاً بقلق ، لكنها لم تستطع مرافقة شابان إلى الحمام
لذا ناولتهما ورقتي تعويذة وأوصتهما: “ اذهبا وعدا بسرعة .”
ولكن ما إن خرج تشو شُو من المتجر ،
حتى جعّد ورقة التعويذة في يده إلى كرة ورماها أرضًا
ارتعد شيا تشياو خوفًا حتى كاد يفقد عقله ، لكنه لم يستطع منعه ،
فتمسّك بتعويذته جيدًا دون أن يجرؤ على تركها
————
حمّام المركز التجاري في نفس الممر الذي يؤدي إلى مخرج الطوارئ
وحين استدارا عند الزاوية ، كان الممر مظلمًا تمامًا ،
تكسوه إضاءة خضراء قوية متوهجة
ولأن الممر طويل وضيّق ، ترددت أصداء خطواتهما فيه بوضوح
واصل شيا تشياو الالتفات وراءهما أثناء السير ، كان يشعر بشيء ما يلاحقهما
قال تشو شُو بانزعاج: “ اللعنة ألا يمكنك التوقف عن النظر خلفنا ؟
ألم تشاهد فيلم رعب من قبل؟
ألا تعلم أن الأشباح لا تظهر إلا عندما تلتفت إلى الوراء ؟”
تمتم شيا تشياو: “ وإذا لم ألتفت ، هل يعني ذلك أن الشبح
لن يكون موجود ؟” ثم تذكر فجأة أمرًا وقال: “ صحيح ، لقد
سمعت من وين غـ … كح كح!”
كاد ينطق بما لا ينبغي ، فسعل بسرعة ليُغطي على زلته
ارتجف تشو شُو من فزعه وكاد أن ينهار جاثيًا، كاشفًا أنه هو الآخر خائف
وقال بتوبيخ ليُخفي ارتباكه : “ لماذا تسعل فجأة ؟!”
شرح شيا تشياو: “ حلقي كان يحكّني .”
فانفجر تشو شُو غضبًا : “ اشرب سمًا ولن تحكّك بعد الآن !
ما الذي كنت ستقوله قبل قليل ؟”
قال شيا تشياو ببطء : “ سمعت من غا من قبل أن الأحياء
عندما يدخلون الأقفاص يكونون بأجساد غير مادية ،
لكن لماذا نشعر بالجوع أو بحاجة لدخول الحمام ؟”
وصلا إلى حمام الرجال
لم يجرؤا على الابتعاد عن بعضهما ، فوقفا أمام مبولتين متجاورة
قال تشو شُو: “ هل شعرت بالجوع من قبل في أحلامك ؟
أو رغبة في التبول ؟”
كان شيا تشياو في وسط فك أزرار بنطاله ، لكنه تجمّد حين
سمع ذلك : “ نعم، شعرت . هل هذا يشبه الحلم إذن ؟”
تشو شُو: “ بالضبط .”
فتراجع شيا تشياو خطوة إلى الوراء بصمت :
“ في هذه الحالة ، سأحبسها.”
تشو شُو: “؟”
قال شيا تشياو بصوت مرهق : “ هل وجدت حمامًا من قبل
في أحلامك حين احتجت للتبول ؟”
فكّر تشو شُو قليلًا وقال: “ في الواقع لا أظن .”
ردّ شيا تشياو بضعف : “ أنا وجدت .”
تشو شُو: “ وماذا حدث بعد ذلك؟”
شيا تشياو: “ غسلت فراشي وملابسي في اليوم التالي .”
تشو شُو: “…”
لم يزد شيا تشياو على ذلك ، بل انسحب بهدوء لينتظر
تمنى تشو شُو لو ينهال عليه بالشتائم
أمام حوض الغسيل في الحمام — يوجد مرآة كبيرة ،
وبجانبها ضوء دائري أصفر مثبت في الحائط
انتظر شيا تشياو قليلًا ، ثم بدا ذلك الضوء وكأنه يومض فجأة ،
كأنّه متصل بشكل مرتخٍ أو معطوب
لكنه أغمض عينيه للحظة ، فلم يتأكد مما إذا كان ما رآه حقيقيًا
صاح بصوت مبحوح : “ انتهيت أم لا؟ أسرع!”
كانت مخيلته قد بدأت تنسج له صورًا مرعبة ،
وشعر أن رأسه تقشعر ، والعرق البارد يتصبب منه
لكن تشو شُو لم يرد
تملكه التوتر أكثر ، فسأل مجددًا : “هيييه ، هل انتهيت أم لا؟”
ومع ذلك لم يرد
في تلك اللحظة ، شعر شيا تشياو وكأن دلواً من الماء
المثلج قد انسكب على وجهه، فتجمد جسده من الرعب
{ لا تفزع… لستُ بشريًا أنا أيضًا ، لا تفزع…}
ظلّ شيا تشياو يكرر هذه العبارة في ذهنه،
يحاول جاهدًا كبح غريزته التي تدفعه للهرب مسرعًا من المكان
أرغم نفسه على التقدم خطوتين إلى الأمام
لم يكن بجوار حوض الغسيل أحد
لقد اختفى تشو شُو من موقعه الأصلي
وفجأة صدر صوت صرير من جهة النافذة ، تبعته نسمة
باردة تسللت إلى الحمام ، خفيفة وباردة ، لامست عنقه
قفزت قشعريرة على جلده،
فالتفت ليرى شخصًا يرتدي قميصًا أحمر مستلقي على
حافة النافذة في وضع غريب
عنقه ممدود إلى الخارج ، بيننا رفع إحدى ساقيه على حافة
النافذة كعنكبوت ملتوي ضخم
و كلمة FUCK مطبوعة على ظهر القميص
تعرّف شيا تشياو عليه فورًا : إنه القميص الذي يرتديه تشو شُو
ابتلع وصرخ :
“ هيه! هل جننت ؟!”
ارتجف عنق تشو شُو فجأة وكأنه يتشنج ، ثم بدأ ببطء يدير
رأسه إلى الخلف حتى استقر وجهه بالكامل مائلًا على كتفه
و عيناه مفتوحة على اتساعهما ، تحدقان في شيا تشياو دون أن يرمش
اللعننننة …
كاد قلب شيا تشياو يتوقف من الرعب
التقط عشوائيًا أي شيء أمامه ورماه بقوة باتجاه النافذة
و ارتطم الشيء بجانبه بصوت عالٍ ، وتطاير الزجاج متناثرًا
لم يدرك إلا بعد فوات الأوان أنه قد التقط كوب زجاجي
تردّد صدى تحطّم الزجاج في الحمام الفارغ،
وتناثرت بعض الشظايا على وجه تشو شُو،
فشهق الأخير بين أسنانه وكأنه استعاد وعيه قليلًا
و في اللحظة التالية ، صدرت خطوات من خلف شيا تشياو
شعر بنسمة هواء باردة تعصف بوجهه ، تحمل معها رائحة
خفيفة تشبه عبير أشجار البرقوق الأبيض في حديقة منزلهم
ثم دوّى صوت وين شي ببروده المعتاد:
“ يا لكم من باحثين عن المتاعب .”
رغم برود نبرته ، جعل صوته عيني شيا تشياو تمتلئان بدموع ساخنة :
“ غاااااا …”
و رآى وين شي يمسك بنهاية ياقة تشو شُو ويرفعه عن حافة النافذة بسهولة
كاد يتنهد بارتياح ، لكن فجأة أحسّ بيدين تهبطان على كتفيه
صرخ مذعورًا ، ليأتيه صوت شيه وون من خلفه :
“ ششش… ما كل هذا الصراخ ؟
أخوك أمرني أن أمسك بك "
{ وما فائدة أن تُمسكني أصلًا ؟! }
كاد ينهار
بعدها ربت شيه وون بخفة على ظهره ثم أطلق سراحه
وبينما لا يزال شيا تشياو في دوامة حيرة ، رأى شيئًا يهبط ببطء على الأرض
نظر إلى الأسفل… فإذا بها خصلة شعر معقودة
كان واضحًا من النظرة الأولى أن تلك الخصلة لم تكن شعره ،
فقد صبغ شعره بالرمادي الفاتح من قبل ، لذا شعره حالياً
ليس داكن أو خشنًا بهذا الشكل
والأسوأ أنّ بين تلك الخصلة توجد شعرة بيضاء متداخلة أيضًا
ارتجف صوت شيا تشياو وهو يقول:
“ من أين جاءت هذه الشعرات ؟”
ردّ شيه وون ببرود :
“ لقد نمت من عنقك .”
انهارت قوى شيا تشياو العقلية على الفور ،
وارتجفت أصابعه وهو يمد يده ليلمس مؤخرة عنقه
ولحسن الحظ أضاف شيه وون:
“ لا داعي لكل هذا الارتجاف ، لقد اختفت الآن .”
شيا تشياو:
“ ماذا حدث ؟”
قال وين شي وهو يسحب تشو شو بعنف نسبياً :
“ لم يحدث شيء سوى أن الحذر كان موجَّهًا للشخص الخطأ .”
ثم رفع مقبض الصنبور بعنف وغسل وجه تشو شو بيديه الممتلئتين بالماء
انتفض ' عديم الفائدة' من غفوته وأفاق بالكامل
ما يزال يتذكر ما حدث قبل قليل ، وقد أرعبه الأمر لدرجة
أنه نسي كيف يتحدث بشكل طبيعي،
ولم تخرج من فمه سوى سلسلة متكررة من: “ما اللعنة… ما اللعنة…”
وبعد لحظة طويلة أشار مذعورًا إلى شيا تشياو وقال:
“ أنت… لم تكن تبدو مثل نفسك قبل قليل ، بدوتَ مثل رجل .”
شيا تشياو: “أنا—”
كان على وشك أن يبكي، لكن حين سمع ذلك جفّت دموعه في الحال
“ كيف لا أبدو مثل رجل ؟!”
تمتم تشو شو وهو يهذي:
“ لا أقصد هذا… بل بدا أنك رجل غريب لا أعرفه .
فقط… كان وجهك منتفخًا قليلًا ، لا أستطيع وصفه .
على أي حال ، لقد أرعبتني حتى الموت .”
سأل شيا تشياو بقلق:
“ غاا قلت إن الحذر كان موجّهًا للشخص الخطأ ، ماذا تقصد بذلك ؟”
أزاح وين شي قطرات الماء عن يديه وقال ببرود:
“ قبل قليل كنا مستمرين بالاختباء من تلك المرأة السائقة
ظنًا أنها سيدة القفص ، لكن اتضح أن هذا لم يكن صحيح .”
تشو شو صرخ مذهولًا :
“ هاااه ؟! كنا مخطئين ؟! إذن من هو؟”
أجاب وين شي :
“ في البداية لم أكن أعلم . لكن بما قلته قبل قليل ، الأمر صار أوضح .
من بين أصحاب المتاجر ، ينبغي أن يكون هناك رجل ذو
شعر متلبّد ووجه منتفخ قليلًا .”
ارتجف قلب شيا تشياو :
“ بين أصحاب المتاجر ؟ هذا يعني أنه كان يراقبنا طوال
الوقت ونحن نتجول في الممر جيئة وذهابًا ؟”
لم يُضِيع وين شي وقتًا في الشرح ، بل أشار برأسه نحو الباب ،
آمرًا إيّاهم بالعودة بسرعة إلى المتجر والتوقف عن التسكع
في مكان كهذا ،
ثم التقط غطاء الكوب من قرب النافذة
⸻
عندما عاد الأربعة إلى المتجر ، كانت تشانغ بيلينغ قد انتهت
لتوها من رسم آخر تعويذة ، فخبّأت الأوراق المكتملة في جيبها
الزجاج المتناثر قد ترك جروحًا رفيعة على وجه تشو شو
وبدأ الدم ينساب في خطوط حمراء طويلة ،
مما جعل مظهره مرعبًا للغاية
ولهذا السبب، ما إن خطا إلى الداخل حتى قفز كل من كان
متجمّعًا على الأرض واقفًا بفزع
علّق شيه وون بسخرية خفيفة :
“ يا له من استقبال مهيب .”
لم يجد وين شي ما يقوله إزاء فم هذا الرجل
احمرّ وجه تشو شو وهو يصرخ بحدّة :
“ ألم يسبق لكم أن رأيتم وجهًا مشوّهًا من قبل ؟!
لستُ شبح ، فما الجدوى من كل هذا الذعر ؟!”
أسرعت تشانغ بيلينغ نحوه وهي تحمل مطهّر ولاصقات طبية ، تسأله بقلق :
“ماذا حدث ؟ ماذا واجهت ؟ ألم أعطيك تعويذة ؟”
انتزع تشو شو زجاجة اليود من يدها وتفادى لمسها ،
ثم ذهب عابسًا إلى أحد الأركان وجلس يعالج جراحه بنفسه بمساعدة المرآة
رفعت تشانغ بيلينغ رأسها وسألت :
“ ما الذي صادفتموه؟ وأين الآنسة شو ؟”
سأل وين شي بدهشة:
“ الآنسة شو؟”
أوضحت تشانغ بيلينغ:
“ آووه تلك العجوز التي نزلت إلى الطابق الأول ،
على متجرها مكتوب ' الخياطة الآنسة شو ' فمن الأسهل أن نناديها هكذا .”
وين شي:
“ لقد فقدت الخاتم ، فعادت إلى متجرها .”
وحين كانوا في طريق العودة صعودًا ، استغلوا الفرصة لتفقد المكان
في الأصل يوجد خمس متاجر ما زالت مفتوحة في الطابق الثالث بعد أن أُغلق متجر إطارات الصور ، لكن الآن ،
ولسبب مجهول ، لم يبقَى أي متجر مفتوح
مع أن تلك المرأة السائقة لم تبدأ بعد بالبحث عنهم ، إلا أن
أصحاب المتاجر أقفلوا أبوابهم على أنفسهم بإحكام
حتى ' الخياطة العجوزة شو ' أسرعت لإغلاق متجرها
وغرقت في صمت تام ، وكأنها تختبئ من شيء ما
كان الأمر غريبًا للغاية
لم يكن وين شي يحب أن يكرر الشرح نفسه مرارًا لأشخاص مختلفين ، إذ كان يجد ذلك مزعجًا ،
ولحسن الحظ أن تشو شو وشيا تشياو لم يجدا مانعًا من التحدث ،
ومع تدخل شيه وون بين حين وآخر في الشرح ، كانوا يُلقون
الرعب في قلوب الحاضرين داخل المتجر مرة بعد مرة
أغلقت تشانغ بيلينغ الباب المعدني بإحكام ،
ثم تفقدت التعويذة المعلقة على الباب بينما تنصت لحديثهم
وأخيرًا بدا وكأنها استوعبت الأمر:
“ إذن هذا هو السبب . لا عجب أن هذا القفص بدا متناقضًا في أوجه عدة .
ولا عجب أن السائقة لم تعثر على أحد كل مرة تصعد فيها إلى الأعلى .
لقد كانت تفشل في العثور على أصحاب المتاجر لأنهم كانوا
دائمًا ينجحون في إغلاق أبوابهم في الوقت المناسب .”
قال تشو شو موافقًا أمه لأول مرة :
“ بالضبط . فلو كانت هي سيدة القفص فعلًا وتبحث عن
شخص ما، لكان هدفها سيأتي إليها من تلقاء نفسه .
أما إذا لم تكن هي، فكل شيء يصبح منطقيًا !”
ظنّوا أنهم توصلوا للحل بعد هذا التلخيص ، لكن فجأة تكلّم
شيه وون بنبرة هادئة محسوبة:
“ هل يبدو لكم كل شيء منطقيًا فعلًا ؟
لماذا أشعر أن الأمر ما زال غير واضح .”
امتلأ وجه تشو شو بعلامات الاستفهام :
“ ألم تكونا أنتما من قلتما إننا كنا مخطئين ؟!
ما الذي لا يبدو منطقيًا الآن ؟”
شيه وون:
“ ما قلناه هو أن بين أصحاب المتاجر سيد قفص ، والأرجح
أنه رجل ذو شعر أشعث ووجه منتفخ قليلًا .”
يبدو أن ذلك ذكّر تشانغ بيلينغ بشيء ما، فبدأت تفكر بعمق ،
ثم أومأت برأسها قائلة:
“ إن كان هو — فأنا أتذكره .
إنه يبيع مستلزمات القرطاسية بالجملة ، لكنني لم أجد متجره ،
فهو لم يُفتح منذ فترة .”
نظر إليها شيه وون وأومأ أيضاً :
“ إذن لا بد أنه هو "
سألت تشانغ بيلينغ باستغراب:
“ وفي هذه الحالة أليست الأمور كلها واضحة ؟
هل ما زالت هناك مشكلة ؟”
شيه وون:
“ بالطبع هناك . صحيح أنني قلت إنه سيد القفص ، لكنني
لم أقل أبدًا إن المرأة السائقة ليست كذلك .”
عقدت تشانغ بيلينغ حاجبيها :
“ ماذا تقصد ؟”
: “ أنا لا أملك القدرة على فك الأقفاص ، ولهذا نادرًا أدخلها
ولا أعرف عنها الكثير .
لذا أريد أن أطرح سؤالًا ساذجًا على وين شي:
هل من الممكن أن يكون للقفص سيدان معًا ؟”
كان وين شي لا يزال واقف ، مسندًا ظهره إلى الباب ومتشابك اليدين
وما إن سمع السؤال حتى ضاق عينيه قليلًا وفرك جانب عنقه
لم يُجب مباشرةً ، بل ألقى نظرة إلى تشانغ بيلينغ
بدا على تشانغ بيلينغ الذهول
لكن تشو شو لم يتمالك نفسه وقفز متحمسًا للإجابة ، مثل
طالب يسارع لحل سؤال أمام المعلم:
“ أنا أعرف ! لقد سمعت خالتي تقول من قبل إن هذا ممكن .
إنه تمامًا مثل البيضة التي يخرج منها صفاران
بعض الأقفاص بالفعل يكون لها أكثر من سيد .”
سأله شيا تشياو حائرًا:
“ وهل يمكن أن يحدث شيء كهذا ؟ ولماذا ؟”
فأجاب تشو شو وهو منفوخ الصدر راضيًا عن نفسه :
“ عادةً يحدث هذا حين يكون بين سيدَي القفص علاقة
وثيقة جدًا ، ويتقاطع الحدث أو المشهد الذي لا يستطيعان تجاوزه .
في هذه الحالة ، يسهل جدًا أن يولد قفص بسيدين معًا .”
لم يكتفِ تشو شو بتلك الإجابة البسيطة ، بل بدأ يضيف
وكأنه يلقي درسًا خاصًا :
“ لكن خالتي قالت إن مثل هذا النوع من الأقفاص نادر ،
لأن وعي سيدي القفص سيدخلان في صراع ،
وبمجرد أن يبدأ القتال ، فلا بد أن أحدهما سيتفوّق ،
ومن الطبيعي حينها أن يختفي الآخر تمامًا .”
ربط شيا تشياو كلامه بما يجري الآن ، وتمتم بصوت متردد:
“ يبدو… يبدو أن هذا يشبه وضعنا قليلًا…
إذن، كيف لا يختفي سيد القفص الأضعف ؟”
أجاب تشو شو بنبرة منطقية :
“ بالاستحواذ .
إذا لم يستطع الانتصار على سيد القفص الآخر ، فسيتجنب
المواجهة مع السيد الأخر عن طريق الاتصاق بشيء آخر .
مثلًا —- يمكن أن يتقمص بدمى العرض المانيكان ،
أو المرايا ،
أو حتى بالبشر الأحياء… آه…”
لكن عند نطقه بالكلمتين الأخيرة ، خفت صوته فجأة وساد
صمت ثقيل قاتل داخل المتجر
فالواقع أن جميع البشر الأحياء في هذا القفص مجتمعون هنا، في هذه الغرفة ———
{ وإن كنا محقين ، وإن كان صاحب المتجر الرجل هو سيد
القفص المتفوّق حاليًا ،
إذن… تلك المرأة السائقة ذات العينين الفارغة …
ألم يكن من المحتمل جدًا أنها موجودة هنا بيننا ؟! }
تجمد تشو شو لحظة وكأنه تذكر شيئ ، ثم قال بصوت خافت :
“ بالمناسبة… تلك المرأة السائقة كانت تصعد إلى هنا بين
فترة وأخرى… أما الآن – منذ متى لم تظهر ؟”
قال الرجل ذو القميص المربّع ، وصوته يرتجف من الخوف:
“ لا أعلم لكن مضى وقت طويل .”
خيم الصمت لثوانٍ بين الحاضرين الذين كانوا متكدسين في زاوية المكان
ثم فجأة اندفعوا جميعًا مبتعدين عن بعضهم ، لا يجرؤ أحد على الاقتراب من الآخر
في مثل هذا الجو المشحون، بدا كل واحد منهم مريبًا في نظر الآخر
حاول أحدهم التخفيف من حدة الخوف وقال مطمئنًا:
“ ر-ربما لا… لا تقلقوا .”
في البداية ، حاول تشو شو أيضًا أن يواسي نفسه بالطريقة ذاتها ،
لكن فجأة تذكّر الممر المظلم المؤدي إلى الحمام ،
وتذكّر أولئك التجار الذين اختبؤوا منذ قليل ،
وتذكر كيف قال أحدهم : “متجر سيد القفص الرجل لم يُفتح أصلًا .”
وكأن أصحاب المتاجر استشعروا منذ البداية أن المرأة
تخفي نفسها بين الأحياء، ولهذا اختبؤوا جميعًا
{ إذاً … لحظة !
من الذي قال الآن إن ' متجر ذلك الرجل لم يُفتح ' ؟
ومن الذي قال أيضًا ' لم أستطع العثور على متجره ' ؟
فالأشخاص العاديين – مثلي – لا يستطيعون تذكّر كل هذه
التفاصيل بدقة ، خاصةً في لحظة ذعر
من الصعب أن تلاحظ شكل صاحب المتجر ،
وما الذي يبيعه ، وإن كان متجره مفتوح أم لا …
إن تمكن أحدهم من ملاحظة كل ذلك ، فهذا يعني أن
المشهد قد ترك في نفسه أثرًا عميقًا جدًا
لكن… إن كان الأثر عميقًا إلى هذا الحد
فكيف يعقل أن يقول في الوقت نفسه : ' لم أستطع العثور على المتجر ' ؟ }
توقف مشدوهًا للحظة،
ثم ارتجف جسده بقوة حين تذكر فجأة أن من قال هذا كله
لم تكن سوى… أمه —- تشانغ بيلينغ —-
تصلّب تشو شو في مكانه ، لا يجرؤ على الحركة ،
بينما تسرب عرق بارد من فروة رأسه
وبالصدفة كسر أحدهم الصمت قائلًا :
“ توقفوا عن إخافة أنفسكم !
ألم تضع تلك الأخت الكبيرة تعويذة على الباب ؟
تعويذة ختم المدينة أو شيء من هذا القبيل ،
على أي حال إنها تمنع هذه الأشياء من الدخول
تلك المرأة السائقة محجوزة بالخارج ،
ولا يمكنها الدخول أبدًا !”
بدا أن ذلك منطقي بالفعل ، وردّد عدد من الناس موافقتهم
لكن ما إن قالوا هذا ، حتى اكتشفوا أن وين شي، الذي كان
قبل قليل متكئًا على الجدار في الزاوية ، قد اعتدل واقفًا
واقترب في وقتٍ ما من التعويذات الملصقة على الباب ،
ثم مدّ يده فجأة ونزع إحداها
ارتج المكان كله بصوت الذعر:
“ ماذا تفعل ؟! لماذا تنزعها ؟ هل جننت ؟!”
نظر إليهم وين شي ببرود وقال :
“ من أخبركم أصلًا أن هذه تعويذة ختم المدينة ؟”
رمش تشو شو بارتباك وأجاب بآلية :
“ أنا "
اتسعت عينا شيا تشياو بصدمة :
“ لا… لا تقل إنها ليست كذلك ؟!”
قال وين شي بهدوء :
“ تشبهها قليلًا ، لكنها مرسومة بشكل مقلوب .”
ارتبك الجميع ، فسأله أحدهم :
“ مقلوبة ؟ وماذا يحدث إن كانت مقلوبة ؟”
أجابه وين شي بصرامة :
“ سؤال غبي . النتيجة عكس الختم تمامًا .”
فإن كان ختم المدينة يعني حماية المكان ومنع أي شيء من
الدخول… فإن عكس ذلك هو… فتح أبواب المدينة على مصاريعها
في هذه اللحظة ، شعر تشو شو بأن الدم في عروقه تجمّد
من رأسه حتى قدميه
رمقه شيا تشياو بنظرة مرتعبة ، ثم حوّل نظره إلى تشانغ بيلينغ برعب أكبر
وفجأة انتبه الجميع —— ، فقفزوا بعيدًا عنها وهم
يتدافعون بجنون للاختباء خلف وين شي وشيه وون
أما تشانغ بيلينغ فقد بقيت جامدة في مكانها ،
تحدّق فيهم بعينين سوداء لا ترمش
فتحت فمها وكأنها تريد أن تشرح شيئ ،
لكن بعد ثانية واحدة فقط ، تدفق السواد من عينيها كبركة من الحبر ،
و صارت تكبر وتكبر حتى غطت نصف وجهها تقريبًا
شحُب لون بشرتها حتى صار كالرماد ،
وبدأ عنها يتلوى وترتجف ثم تحولت ملامحها بالكامل إلى شخص آخر
دوّى صراخ الناس في المتجر ،
وحاول أحدهم رفع باب المتجر المعدني لكن أصابعه ضعيفة فلم يستطع رفعه أبدًا
ومع الفوضى تناثرت الأشياء على الأرض ، وغرق المكان في فوضى عارمة
أما المرأة —- ، فتحدّق مباشرةً في وين شي بعينين سوداء ،
وتقدّمت خطوة للأمام قائلة بصوت مبحوح متقطع:
“ هل يمكنك أن تعيد لصقها ؟”
ألقى وين شي نظرة إلى التعويذة في يده وسأل:
“ ولماذا ؟”
قالت المرأة السائقة وهي تتنهد تنهيدة خفيفة :
“ أنا أبحث عن شخص… لا بد أن أجده .
لقد ظللت أبحث طويلًا جدًا ، لكنه لا يريد أن يقابلني .”
سألها وين شي:
“ ولماذا لا يريد أن يقابلك ؟”
رفعت المرأة يدها تتحسّس وجهها ، ثم ابتسمت ابتسامة حزينة
لكنها متيبّسة لدرجة أن ملامحها بدت مشوّهة :
“ لأنه… يخاف مني ….”
تمتمت بهمس متكرر:
“ إنه يخاف مني…”
سألها وين شي بحدة :
“ ممَّ يخاف تحديدًا ؟”
قالت المرأة :
“ إنه يخاف من مظهري الحالي… يخاف لأنني ميتة .”
وين شي:
“ إذن لماذا تصرّين على البحث عنه ؟”
قالت المرأة بهدوء: “ وعدته …. كل يوم ، أمر من هنا في
طريقي لإعادة التاكسي ، ويصادف أنني أستطيع تناول
العشاء معه ،، ثم أذهب لأعيد السيارة ، وهو يراقب المتجر ،،،
و عند التاسعة يُغلق المتجر ويعود إلى المنزل .
هكذا كل يوم ، فكيف لي ألا آتي ؟”
إلا أن ذلك اليوم لم يمر حسب المخطط ——-
هطلت أمطار غزيرة فجأة على نينغتشو
الأرض تحت الجسر المؤدي إلى طريق وانغتشوان انهارت قليلًا ،
وغمرت المياه ذلك الجزء من الشارع
جاءت مسرعة ، وردّت على مكالمة هاتفية ، وبالصدفة
انطلقت مباشرة في الماء
كان الماء عميقًا جدًا…
بعد ذلك اليوم ، كما اعتادت دائمًا ، كانت تمشي إلى أطلال وانغتشوان عند الغروب
الردهة الرئيسية باردة وفارغة ، لكن بعض المتاجر الجملة لم تكن سيئة الأداء
كانت أطلال وانغتشوان في ذاكرتها عالقة دومًا عند السادسة أو السابعة مساءً
أشعة الضوء القادمة من المباني خارج النوافذ الزجاجية
كانت متفرقة وبعيدة جدًا ،
مما جعل هذا المركز التجاري يبدو معزولًا ومهجورًا
معظم الأنوار لم تُشغّل أبدًا في المركز ،
والمتاجر المفتوحة أحيانًا توزعت بين الطابقين الثاني والثالث،
بينما بقي الباقي إما مغلقًا منذ زمن طويل أو عليها لافتات
للإيجار أو نقل الملكية، مغطاة بطبقات سميكة من الغبار
كان متجر لاو سونغ يقع في الطابق الثالث
كل يوم عند الغروب ، كانت تمشي إلى هذا المركز وتستقل
الدرج المتحرك ببطء إلى الطابق الثالث
لكن أمامها مباشرةً ، كانت جميع المتاجر تُغلق بسرعة
وتُسدل أبوابها المعدنية إلى الأرض
ورغم أن الممر كان نفسه ، إلا أنه كان مليئ بالغربة
لسبب ما، انتقل مطعم الأرز الشعيرية في الزاوية إلى الجهة الأخرى ،
ومتجر الخياطة الخاص بالسيدة شو يتغير موقعه يوميًا
لم تعد تجد لاو سونغ
كان لاو سونغ يختبئ منها
كانت نيتها الأصلية بسيطة جدًا : تمر وتلقي نظرة ، ثم ترحل
لكن كل ليلة تأتي، وكل ليلة لا تستطيع رؤيته
سأل وين شي: “ هل كنتِ أنتِ من جلب كل هؤلاء ؟”
تفاجأت المرأة للحظة ، ثم أجابت بهدوء : “ مم ”
سأل مرة أخرى: “ لماذا جلبتِ كل هؤلاء الأشخاص ؟”
وقفت المرأة ، وحيدة تمامًا ، وبعد وقت طويل ، قالت: “ لأنني أردت شخص يساعدني . يساعد على تحريره ،
ويساعد أيضًا على تحريري .”
الأيام الممطرة غزيرة البرودة بالفعل
: “ هل يمكنك مساعدتي ؟”
نظر وين شي إليها ، ثم أعاد لصق التعويذة الممزقة على
باب المتجر المعدني
قبل سنوات عديدة ، بدا أن شخصًا ما قد أخبره بشيء
قال : " كونك بانغوان هو عمل شاق ، لا بد أن تشهد فيه
كثيراً من البؤس والمعاناة ،،،
مع مرور الوقت ، ستدرك أن معظم ذلك ينشأ عن رفض وداعٍ الأحبة ...
وحين تفهم هذا ، ستكون قد دخلت عالم البشر "
يتبع
تعليقات: (0) إضافة تعليق