Ch33 GM
استفاق آن بينغ من شروده فجأة
كانت ذكريات القرن الماضي في حلمه حية أمام عينيه، تكاد تندمج مع المشهد الماثل أمامه.
نظر إلى وو بي يو وهو يرقص تحت المطر، ولولا وجود مو جيشينغ بجانبه يغني، لظن أنه يشهد وو زيشيو في شبابه
المطر ينهمر الليلة بغزارة تماماً كما حدث في ذلك العام،
وشعر آن بينغ بوضوح باضطراب غامض يصعب وصفه يملأ الهواء
وُضعت الطبلة الكبيرة التي يرقص فوقها وو بي يو في نهاية الشارع الطويل؛ ورغم تغير المحيط قليلاً عبر الزمن،
إلا أن آن بينغ أدرك يقيناً أن هذا هو نفس الشارع الذي شهد هيجان جيش الأشباح قديماً
قال مو جيشينغ إنه بعد القضاء على جيش الأشباح آنذاك، تبقت بعض الضغائن والأرواح العالقة التي أُعيد ختمها بواسطة عملات روح الجبل
ومع مرور مئة عام، ضعف الختم، ولا أحد يعلم ما الذي قد يخرج من درج الين-يانغ
وبما أن هذه المنطقة أصبحت الآن حيوية ومكتظة، فإن وقوع أي حادث ستكون عواقبه وخيمة
{ لكن يبدو أن مو جيشينغ قد اتخذ احتياطاته مسبقاً؛ فالشارع الطويل كان ساكناً وخالي تماماً من المارة }
تحرك جسد وو بي يو بحركات سريعة وخاطفة،
وكانت رقصته تشبه استلال سيف لخرق صفوف الأعداء
ورغم أنه لا يزال فتى، إلا أن هالة من الفروسية والجسارة كانت تنساب حوله بوضوح
وقع المطر على سطح الطبلة يدوي كأنه زحف لآلاف الخيول والجنود الذين يشدون من أزره
وسط ضجيج المطر، تسارعت أنغام البيبا أكثر فأكثر
كان الفتى يقفز ويدور حتى أصبح ظلاً غامضاً،
لكن آن بينغ، وهو يصغي للبيبا، أدرك بحدسه أن حركات وو بي يو بدأت تنفصل قليلاً عن الإيقاع
فآن بينغ قد شهد بأم عينيه تلك الرقصة الأسطورية التي هزت المدينة قديماً،
ويعرف الفرق بين الأصلي والمحاكي؛
فرغم أن مو جيشينغ لم يملك سوى بيبا واحدة،
إلا أن زخم عزفه لم يقل عن عزف سونغ وينتونغ في الماضي،
لكن وو بي يو في النهاية لا يزال صغير ، ورقصة الجنرال نوو
التي يؤديها كانت لا تزال دون مستوى سلفه
علاوة على ذلك، فإن رقصة الجنرال نوو قبل مئة عام لم يؤدها وو زيشيو وحده ، بل كانت معه ووني
تعرف آن بينغ على الطبلة التي تحت قدمي وو بي يو؛ لقد تحولت من كرة الزهور
الخاصة بـ ووني، وتحمل في طياتها ممارسة وقوة تايسوي التي تمتد لخمس مئة عام
توقف حلم آن بينغ فجأة عند لحظة سقوط المدينة،
وظل يجهل المصير النهائي لأولئك الرفاق القدامى
تذكر وجه ووني الذي كان يشبه وجه الفتيات حين نفدت قوتها؛ كانت تلك المرة الأولى التي تمسح فيها الأصباغ
عن وجهها، فبدا وجهها كزهرة اللوتس، بعينين جميلتين يسكنهما وقار المشيب
شرد آن بينغ قليلاً .. { في سوق الأشباح ومسارحه اليوم ،
هل لا يزال هناك مَن يحني ظهره فوق الطاولات الاثنتي عشرة ليلعب بالكرات ؟ }
فجأة ، ارتفع صوت الأوتار بحدة ووصل إلى ذروته ،
ثم انقطعت الأوتار بفرقعة مفاجئة
ترنح وو بي يو فوق الطبلة وسقط على الأرض بقوة ، متسبباً في تطاير رذاذ الماء حوله
حرك مو جيشينغ يده بحركة قاطعة ، فانقطعت أوتار البيبا جميعاً في لحظة واحدة
وضع مو جيشينغ آلة البيبا جانباً،
ونهض ليفتح مظلة: "لقد كانت رقصة جيدة، لكن ياللأسف ،
لا تزال تفتقر إلى النضج والقوة الكافية ."
ثم ناول المظلة لآن بينغ قائلاً : " ساعد ابنتي للوصول إلى المعبد ،
هناك ماء مغلي بالسكر الأحمر على الموقد ."
أسرع آن بينغ بأخذ المظلة وركض نحو وو بي يو ليساعده ،
لكن الشاب دفعه بعيداً بقوة ، ونهض وهو يصر على أسنانه:
" لا أزال أستطيع الرقص !"
: " كف عن العبث ،،،" قال مو جيشينغ بنبرة هادئة: " انظر
إلى عمرك أولاً ، عُد إلى سريرك ونم ."
لم يكد ينهي جملته حتى هزت الأرض هزة عنيفة ،
ارتجت مباني الشارع بأكملها ، وكأن شيئاً ما يوشك على الخروج من باطن الأرض
آن بينغ قد آلف هذا المشهد ؛ فذات الزخم حدث حين اقتحم جيش الأشباح درج الين-يانغ قديماً
تغير لون وجه وو بي يو حين رأى ذلك ، وشتم بغضب عارم،
ثم سحب آن بينغ من يده : " اللعنة، اتبعني ."
جره وو بي يو على طول الطريق وصولاً إلى معبد إله المدينة،
أغلق الأبواب بالأقفال، ثم نظر إليه قائلاً: "ألا تشعر بالخوف ؟"
آن بينغ { خوف؟
لقد رأيتُ ما هو أهول من هذا بكثير ، ولو أخبرتك لارتعدت }
بدا معبد إله المدينة وكأنه حاجز منيع ؛
فقد اختفت اهتزازات الأرض داخله ،
وأُضيئت الفوانيس المتدلية من الحواف في لحظة غامضة،
وساد المكان هدوء وسلام، حتى المطر صار ينهمر برقة ودون صوت
أما وو بي يو فكان هائجاً ، بدأ يدور في مكانه للحظة ، ثم ضرب الأرض بقدمه ،
وأعاد فتح الأقفال ليفتح بوابة المعبد قليلاً
في تلك اللحظة ، اقتحم صوت المطر والرعد المكان مجدداً
التصق الاثنان بشق الباب ليرقبا الخارج ؛
ما وراء الباب وما داخله عالمين منفصلين تماماً
وقف مو جيشينغ وحيداً في الشارع ، وسط عاصفة تضرب رأسه
الرياح العاتية تقتلع أسقف المنازل المحيطة ،
والأرض تتشقق، وانتشرت الصدوع كالأفاعي الزاحفة، وكأن هناك ثورة عارمة في الأعماق
امتدت التصدعات من الطرف الآخر للشارع الطويل وصولاً إلى قدمي مو جيشينغ،
لكنها توقفت هناك وكأنها اصطدمت بحائط سد؛ وبدويّ هائل، انهارت القشرة الأرضية تماماً
ومع ذلك، ظل مو جيشينغ واقفاً في مكانه، ثابتاً كالجبل
وبسببه، انقسم الشارع الطويل إلى نصفين؛
نصف تحول حطاماً وركاماً، ونصف ظل سليماً تماماً
قوة مرعبة يحاول كبحها بجسده ، صراع مستمر بين قوتين،
بينما انبعث من أعماق الأرض زئير مكتوم وضخم
وفي وسط المطر ، لمع وميض أخضر باهت — عملات روح الجبل في يد مو جيشينغ
ارتعد قلب آن بينغ من المشهد : "هل سيصمد؟"
: " عليه أن يصمد ، سواء استطاع أم لا،" جاء صوت وو بي
يو من فوق رأسه ، وكأن الكلمات تخرج من بين ثنايا أسنانه المشدودة : " الآن يعتمد حاجز الشارع بأكمله عليه ،
إذا تراجع خطوة واحدة ، ستكتسح الضغائن والأرواح العالقة
معبد إله المدينة ، وستنتهي المدينة بأكملها ."
: " إذاً ما فائدة رقصة الجنرال نوو التي كنت تؤديها منذ قليل ؟"
صرخ وو بي يو في أذن آن بينغ حتى أصابه بالطنين :
" اللعنة لقد قمتُ بقمع نصف الضغائن الموجودة في درج الين-يانغ مباشرةً ، ولهذا تأخر ظهور هذا الهيجان !
لكنني لم أكمل الرقصة ، فاستفزت الأرواح المتبقية ، وسيكون الهجوم القادم أكثر رعباً... لحظة ..." عبس
بحاجبيه فجأة ، وسحب آن بينغ من شعره :
" كيف تعرف رقصة الجنرال نوو ؟
هل أخبرك ذلك العجوز الخالد ( مو جيشينغ ) بهذا أيضاً ؟"
بدأ آن بينغ يقلب عينيه من شدة الألم :
" أنت.. أنت.. اتركني أولاً..."
وبينما الاثنان يتدافعان ويتجاذبان، دوى فجأة رعد صاعق في الأفق،
وانفتحت بوابة معبد إله المدينة بقوة هائلة ،
مما أدى إلى سقوط الاثنين أرضاً
نهض آن بينغ مسرعاً وهو يصرخ : "ماذا حدث؟.. ما هذا الشيء ؟!"
من خلفه ، ارتفع وو بي يو بركلة طائرة طرحته أرضاً مرة أخرى، وهو يزمجر: " اللعنة، لقد وصلوا في الوقت المناسب أخيراً ."
امتلأت السماء بالغيوم الكثيفة ، وخرق صمت الليل صوت نداء طويل لطائر الكركي،
وفي تلك اللحظة توقف المطر الغزير فجأة،
واخترق شعاع من الضوء السحب السوداء
ضيق آن بينغ عينيه محاولاً الرؤية بجهد، وسط ذلك الضوء سقط شيء ما من السماء،
كان عبارة عن منشة ( نفس حقة هوا بوتشنغ من طائفة شيان بنغلاي )
نفض وو بي يو قطرات المطر عن رأسه ، وكأنه تنفس الصعداء أخيراً : " بوجود هذين الاثنين ، يمكننا النوم الليلة ."
ترنح آن بينغ وهو ينهض واقفاً، محدقاً في الأطياف التي بدأت تظهر وسط الضوء في الأفق: "من هذا؟"
: " المنصب الحالي لـ تشانغشنغزي، زعيم بنغلاي —
لين جوانشينغ " ( الأخ الأكبر في الطائفة لـ مو )
أراد آن بينغ الاستمرار في المشاهدة، لكن وو بي يو أغلق الباب دون نقاش ،
وأخرج من الغرفة الجانبية قدراً كبيراً من ماء السكر الأحمر
جلس الاثنان تحت حافة السطح ، كل منهما يحتضن كوباً كبيراً
ساد صوت رذاذ المطر ، وأراد آن بينغ أن يسأل عن لين جوانشينغ، لكن الكلمات توقفت في حلقه وابتلعها
بدأ وو بي يو يشرب ماء السكر بنهم ، وتردد صدى صوت ابتلاعه للماء في الممر
اختلس آن بينغ النظر إليه ، وشعر أن الشاب الذي أمامه يمثل تناقضاً غريباً ؛ فهو يشتم مو جيشينغ كلما رآه ،
لكنه في أحيان أخرى يطيعه تماماً
{ دماء وو زيشيو، وتربية مو جيشينغ، وإدارة مطعم يي شوي تشو هوا الخاص بـ سونغ وينتونغ؛ ورث وو بي يو شيئاً من كل واحد منهم
طباعه تشبه سونغ وينتونغ، حادة كالسيف ،
لكنه يفتقر إلى ذلك التحرر واللامبالاة التي كان يتمتع بها وينتونغ ،
لذا تحولت حدته إلى أشواك تجرح من يلمسها، وتخفي تحت ثورتها عزلة وقسوة الشاب الذي لا يجد لنفسه مكان
يبدو أنني لم أره أبداً مع أقران في مثل عمره ،
يبدو أن وو بي يو لا يذهب إلى المدرسة
تلك العقبات التي تجاوزها مو جيشينغ ورفاقه قديماً وهم معاً، اضطرّ هذا الشاب الآن لمواجهتها وحيداً
في نهاية المطاف ، من المستحيل العثور على أكاديمية جنكة ثانية
لو ناديته بـ ' الأخ الأصغر ' أتساءل إن كان سيضربني حتى الموت؟ }
بدا أن ماء السكر كان يحتوي على شيء يساعد على النوم،
حيث هاجم النعاس آن بينغ، وفكر وهو يغفو
{ إنه لا يزال صغيراً في النهاية
هذا الشاب لا يزال في مقتبل العمر }
---
عندما استيقظ آن بينغ مرة أخرى، كان صباح اليوم التالي
بعد المطر الغزير ، صفت السماء ، ففتح النافذة واستنشق نفساً عميقاً
توجد عدة أصص للزهور في الفناء ، تفوح منها رائحة النباتات العبقة
تذكر قول مو جيشينغ بالأمس: "حين تمطر وتصفو السماء، ستكون كل الأمور بخير "
: " هل استيقظت؟"
قاطع أحدهم حبل أفكار آن بينغ، فرأى شخصاً يقف على مقربة منه، كان لين جوانشينغ —-
التلميذ الأكبر في طائفة تيانشوان قديماً، وزعيم بنغلاي الحالي
قال مو جيشينغ إن بنغلاي تطلب طريق الخلود ،
وتلاميذها أنصاف آلهة ،
وللمتعبدين ملامح توحي بطول العمر
وباعتباره تشانغشنغزي، لم تتغير ملامح لين جوانشينغ طوال السنوات الماضية ،
ولا يزال يبدو كذلك الشاب الذي كان يلعب الشطرنج عند الجناح المائي قديماً
لكن هذا الشاب كان يرتدي بنطال مبطن وسترة ثقيلة،
ويحمل كوب من الخزف يشبه الذي يملكه مو جيشينغ،
أبيض اللون وعليه كلمات حمراء : [ في خدمة الشعب ]
{ هل أصبح الخالدون في هذه الأيام متواضعين وقريبين من الناس إلى هذا الحد ؟ } بينما آن بينغ لا يزال شارداً ،
اقترب لين جوانشينغ وناوله الكوب : "حساء فول الصويا، هل تفضله حلواً أم مالحاً ؟"
لم يستوعب آن بينغ الأمر فوراً ، فقال بعفوية : " مالح."
ابتسم لين جوانشينغ، وطرق بإصبعه على غطاء الكوب ثم
فتحه مجدداً ؛ كان بداخله حساء فاصوليا مالح يتصاعد منه البخار ، ومنثور فوقه كرفس مفروم وسمسم
أخذ آن بينغ الملعقة بذهول، وتذوق لقمة؛
كانت النكهة غنية وفواحة { حياة الخالدين مريحة للغاية }
وقف لين جوانشينغ خارج النافذة ، و صوته دافئ :
" لقد سمعتُ أخي الأصغر يتحدث عنك ،،،
هناك قدر يربطك به، وفي الآونة الأخيرة كانت التيارات
التحتية هائجة ، وقد بذلتم الكثير من الجهد ."
كاد حساء الفاصوليا أن يعلق في حنجرة آن بينغ من الارتباك ، فبدأ يسعل وهو يلوح بيده : " لا أستحق هذا الثناء أبداً !
أنا مجرد عبء عليه ، لا بد أنك تسخر مني يا حضرة الكاهن ."
ضحك لين جوانشينغ بخفة ، وناوله علبة من المناديل الورقية : " لا تستعجل، تناول طعامك بتمهل ."
لم يرَ آن بينغ لين جوانشينغ في حلمه إلا مرة واحدة،
ولم يستطع تخمين طبيعة شخصية ' تشانغشنغزي هذا،
ولم يجرؤ على اختلاق عذر للهرب،
فاضطر للبقاء ممسكاً الكوب الخزفي وهو يتجاذب أطراف الحديث معه
ولحسن الحظ، كان الشاب يتمتع بشيء من هدوء وبساطة مو جيشينغ،
ولكنه يبعث في النفس راحة أكبر، كأنك في حضرة نسيم ربيعي
أشار لين جوانشينغ إلى شجرة الجنكة في منتصف الفناء :
" شجرة الجنكة هذه نُقلت من الأكاديمية قديماً
وهي أكبر مني سناً حتى — أخي الأصغر لم ينجح يوماً في تربية أي كائن حي،
باستثناء هذه الشجرة التي اعتنى بها جيداً ."
…..
تحدث لين جوانشينغ في مواضيع مختلفة ،
فبدأ آن بينغ يسترخي تدريجياً،
وسرعان ما وصل إلى قاع الكوب
تحدث آن بينغ عن المرة التي جاء فيها لتسليم الواجب لمو جيشينغ : " في المرة الأولى التي رأيت فيها 'النبي' ( مو جيشينغ )
كانت هذه الشجرة لا تزال ذهبية اللون .
حتى أن الحارس عند البوابة خدعني وأخذ مني ثمن التذكرة ."
كانت تلك الذكريات الآن تثير الضحك والغرابة
وبالفعل، ضحك لين جوانشينغ: "حارس البوابة الذي تتحدث عنه ، على الأرجح هو إله المدينة هنا .”
: “ إله المدينة ؟”
شرح لين جوانشينغ بهدوء : “ إله المدينة من الأرواح الحارسة ،
يحمي المدينة ويرعى أهلها—يمكنك اعتباره بمثابة مكتب حكومي تابع للعالم السفلي في عالم البشر.
يتولى شؤون المدينة، ويدفع الكوارث، ويوزع البركة والرزق ،،
إن كنت مهتماً، يمكنك قراءة ‘لياو تشاي’ أو ‘تايبينغ غوانغجي’، ففيهما الكثير من القصص عن إله المدينة.
من بين مختلف الأرواح ، يُعد إله المدينة الأقرب للناس، ويحمي سلامة المنطقة .”
تذكر آن بينغ تمثال الإله البائس في المعبد، وبدا فقيراً لدرجة مزعجة. “ إذا كان إله المدينة ، فكيف أصبح حارس بوابة ؟”
ابتسم لين جوانشينغ بشيء من العجز : “ استولى على مكان غيره ،،
أخي الأصغر هو تيانسوانزي، ولا أحد يستطيع مجادلته.
آن بينغ: "تماماً كما توقعت."
تغيرت نبرة لين جوانشينغ: " لكن شارع غرب المدينة هو مكان ختم درج الين-يانغ —
وتمركز أخي الأصغر هنا له أسبابه الوجيهة — في السنوات الأخيرة قلّ البخور والقرابين ،
ولو كان في مكان آخر لربما تلاشى إله المدينة منذ زمن.
لكن إله المدينة هنا استمد شيئاً من حظ وقدر تيانسوانزي
فاستطاع البقاء حتى اليوم، لذا تركه أخي الأصغر يقيم هنا
دون أن يدفع له مقابل السكن ."
بينما يتحدثان، فُتح باب معبد إله المدينة فجأة،
ودخل هوانغ نيو وهو يرتدي شارة حمراء على ذراعه :
" يا تشانغشنغزي." انحنى هوانغ نيو للين جوانشينغ،
ثم التفت نحو آن بينغ وهو يلوح بكيس بلاستيكي في يده:
" نلتقي مجدداً أيها السيد الشاب ، هل تناولت فطورك ؟"
شمّ آن بينغ رائحة فطيرة الجيانبينغ من بعيد
{ هؤلاء الآلهة والأشباح قريبين من الناس بشكل لا يصدق } : "هل وضعت فلفل حار ؟"
هوانغ نيو: " وضعته —- وأضفتُ نقانق أيضاً."
لم يكد ينهي كلامه حتى دخل شخص آخر من الباب،
وكان هذه المرة وو بي يو، يمسك خوذته ويرتدي زي عمال التوصيل،
رمى كيس ورقي لآن بينغ قائلاً : " ادفع الثمن "
بداخل الكيس فطائر بالكاسترد وعصيدة ،
وعليها ملصق طلب التوصيل ،
سأل آن بينغ بحيرة : " لم أطلب أي طعام؟"
: " أنا من طلبه ..." فتح وو بي يو شاشة هاتفه ووضع رمز
الاستجابة السريعة للدفع أمام وجه آن بينغ : " عمل إضافي ،
ساعدني في زيادة عدد الطلبات المسجلة ."
جلس آن بينغ في الفناء يلتهم أكوام من الطعام حتى كاد ينفجر ،
ثم تبع لين جوانشينغ لممارسة رياضة ' التاي تشي ' لتهضيم الطعام ،
وفي منتصف التمرين، تذكر فجأة أنه لم يرَ مو جيشينغ اليوم : " يا تشانغشنغزي أين النبي ؟"
: " أخي الأصغر في الطابق العلوي، لم يستيقظ بعد ..."
ساعده لين جوانشينغ في تصحيح وضعيته :
" جسده ذو طبيعة خاصة ، وقد استنزف الكثير من طاقته ليلة أمس ،
ومن المتوقع أن ينام لفترة من الوقت ."
تذكر آن بينغ قول مو جيشينغ سابقاً بأنه شخص مات بالفعل ،
فنظر بتعابير معقدة نحو الغرفة في الطابق الثاني،
وذهب خياله بعيداً.. تساءل إن كان هناك تابوت في الداخل
{ لحسن الحظ أننا في فصل الشتاء ، وإلا لربما تعفن الجسد }
بسبب أعمال الصيانة في مبنى المدرسة الثانوية الأولى،
بدأت عطلة الشتاء مبكراً،
فقضى آن بينغ معظم وقته مقيماً في معبد إله المدينة؛
مرة يتعلم الشطرنج مع لين جوانشينغ،
و مرة يلعب ألعاب اونلاين مع وو بي يو
وفي أحد الأيام ذهب إلى مطعم يي شوي تشو هوا لتناول الطعام ، وصادف أن المطعم كان مكتظاً بالزبائن ،
فتم الإمساك به للعمل كـ عامل للمساعدة في إدارة المحل
بما أن عائلة آن تعمل في التجارة منذ أجيال، فقد تأثر آن بينغ بوالديه منذ صغره،
فقام بترتيب حسابات وو بي يو للأسابيع الماضية بسهولة
ومنذ ذلك الحين، بدأت مسيرته كعامل مجاني، يتردد يومياً بين مطعم يي شوي تشو هوا ومعبد إله المدينة ،
لدرجة أن أحلامه أصبحت عبارة عن أصوات الآلة الحاسبة وهي تعيد ضبط الحسابات إلى الصفر
لاحقاً، اكتشف آن بينغ أن مطعم يي شوي تشو هوا يعمل في الواقع طوال الليل ،
لكنه لا يستقبل الأحياء بعد منتصف الليل
و في المطعم مصعد لا يظهر في النهار ، ولكن بعد الساعة الثانية عشرة ليلاً ،
يأتي مباشرة من الطابق الثامن عشر تحت الأرض إلى الصالة الرئيسية ،
والزبائن جميعهم من وحوش وأشباح فنغدو
في البداية ظنه أحد الأشباح مكوناً من مكونات الطعام وكاد أن يضعه في القدر لطبخه ،
لكنه لاحقاً أصبح وجهاً مألوفاً في المحل ، وصار بإمكانه استقبال وتوديع الزبائن بملامح هادئة ،
وفي يده رزم من العملات الورقية الخاصة بالعالم الآخر
كان موظفو يي شوي تشو هوا مزيج من أشباح تم توظيفهم من فنغدو ومن أفراد عائلة الين-يانغ
وبفضل شخصية آن بينغ الودودة ، سرعان ما انسجم مع الجميع
وفي إحدى جلسات الدردشة ، ذكر أحدهم فجأة أن العمل مؤخراً أصبح أكثر ازدحاماً بكثير من المعتاد
قال آن بينغ بتأثر : " إنه مزدهر حقاً." فقد كان مشغولاً لدرجة أنه لا يجد وقتاً للراحة ، لكنه أردف بتعجب :
" هل العمل عادةً لا يكون جيداً ؟"
تدخل نادل قادم من فنغدو قائلاً : " إنه جيد ، لكن مؤخراً هناك أمر غير طبيعي ،،
أنت لا تعلم ، مطعم يي شوي تشو هوا يستقبل الشخصيات المرموقة وذوي النفوذ في فنغدو،
الأشباح العاديون لا يمكنهم المجيء إلى عالم البشر بسهولة
عادة يوجد نحو عشر طاولات في النصف الأخير من الليل،
ولم يسبق لنا رؤية هذا الزخم الهائل الذي يشبه أمواج البحر ."
تذكر آن بينغ أنه رأى توي زييو قبل بضعة أيام ؛
و كان الأخير هو المضيف وقد دعا عدة طاولات كبيرة من الضيوف ،
ومَن تتم دعوتهم من قبل أحد القضاة الأربعة العظيمين ، بالتأكيد لن يكونوا مجرد مأمورين عاديين
قال أحدهم بصوت خافت : " ألم تسمعوا بما حدث قبل فترة...
فنغدو نفسها كانت منشغلة لدرجة تجعل الرؤوس تدور."
مازحهم آن بينغ: " هل هو تقييم نهاية العام ؟
هل لدى مأموري الأشباح أيضاً أهداف أداء ومكافآت سنوية ؟"
ضحك الجميع ، وبدأوا يشرحون لآن بينغ القواعد واللوائح في فنغدو؛
فمع مرور الزمن، أصبحت الجحيم تواكب العصر أيضاً
استمع آن بينغ بذهول، وانتقل الحديث بسلاسة إلى مواضيع أخرى
آن بينغ يدرك أنه في النهاية مجرد بشري حي،
وخلفيته غامضة نوعاً ما، لذا كان عليه تجنب الشبهات
لكنه استطاع أن يخمن بذكائه أن ما يتحدث عنه الجميع له علاقة باضطراب درج الين-يانغ في ذلك اليوم
ومع ذلك، بما أن مو جيشينغ لا يزال غارقاً في نومه، لم يكن هذا أمراً يستطيع هو التدخل فيه
————————-
سرعان ما حلّ الشهر الأول من السنة القمرية،
وبما أن والدي آن بينغ كانا مشغولين بأعمالهما في الخارج ولا يمكنهما العودة،
قرر آن بينغ ببساطة البقاء في معبد إله المدينة للاحتفال برأس السنة
فترة العيد هي المرة النادرة التي يزدحم فيها المعبد؛
حيث أقيم مهرجان في شارع غرب المدينة، وازدان الشارع
بأكمله بالفوانيس الحمراء الزاهية، وكان هوانغ نيو يعد
أموال البخور والقرابين يومياً بابتسامة عريضة،
حتى أن تمثال الإله بدا وكأنه اكتسب بعض الهيبة والثراء
نظراً للازدحام الشديد، كان الفناء الأمامي يغص بالدخان والبخور طوال اليوم،
لذا انتقل آن بينغ والبقية للعيش في الفناء الخلفي
منذ الصباح الباكر يبدأ المهرجان، وتستمر الجلبة طوال اليوم؛
من رقص التنين والأسد إلى العروض المسرحية والألعاب البهلوانية
امتلأ الشارع بالأكشاك المتنوعة ؛ من باعة حلوى السكر واللوحات السكرية ،
حتى أن البعض نصبوا خياماً للتنبؤ بالمستقبل
ضحك آن بينغ عند رؤيتهم، فبينما كان مو جيشينغ لا يزال غارقاً في نومه،
تساءل إن كان هؤلاء يعتبرون زملاء مهنة جاءوا لسرقة رزقه
——- في ليلة رأس السنة ، تساقطت الثلوج
استيقظ آن بينغ في الصباح الباكر على صوت الطبول والصنوج الصاخبة ،
وخرج يتمشى وهو يتثاءب
توجد أكشاك طعام كثيرة في المهرجان، فاشترى بضع قطع من كعك الأرز بالسكر الأحمر (تسيبا)،
وملأ كوب الخزف بحساء بذور اللوتس، وعاد بخطوات كسولة وهو يدفع باب الفناء الخلفي
وفجأة، تملكه الرعب وارتعد
رأى شاب يقف في الفناء ، يرتدي معطف أسود ويقف وسط الثلج ،
ويمسك في يده ورقة لقصاصات النوافذ وبدا هادئ الملامح تماماً
استغرق آن بينغ وقتاً طويلاً ليستعيد رباط جأشه،
ثم لاحظ أن لافتات الربيع قد عُلقت بالفعل على الباب؛ مما يعني أن هذا الشخص ليس لصاً،
كما أنه بدا مألوفاً بشكل غريب
كان آن بينغ لا يزال يشعر بالنعاس ولم يستجمع قواه ليتذكر من يكون، وفجأة هبت ريح باردة، وحملت معها عبيراً خفياً وفواح
حينها فقط لاحظ آن بينغ أن زهور البرقوق الحمراء في الفناء قد تفتحت
تلاقت أعينهما، فانتفض آن بينغ واستيقظ تماماً، وأدرك حينها هوية الشخص الواقف أمامه
وبينما يتلعثم ولا يعرف ماذا يقول ،
فُتحت نافذة الغرفة في الطابق الثاني فجأة، وانبعث منها صوت ضحك
كان مو جيشينغ يسند ذقنه بيده ويتكئ على حافة النافذة، بملامح لا تزال تحمل أثر النوم:
"يا للروعة، الرائحة شهية لدرجة أنها أيقظتني حتى وأنا ميت "
ثم نظر إلى آن بينغ مداعباً: " آن بينغ
هل تعرف متى تتفتح زهور البرقوق ؟"
كان آن بينغ في حالة من الصدمة لدرجة أنه لم يستوعب السؤال: "هاه؟"
ابتسم مو جيشينغ وهو يستند على الحاجز ، وتردد صدى صوته المتكاسل في أرجاء الفناء :
" يزهر البرقوق في الشهر الأخير ،
ويأتي معه سانجيو ( تشاو شوشين ) "
يتبع
تعليقات: (0) إضافة تعليق