Ch15 owng
عدتُ إلى المنزل مساءً ، و وجدُت جيانغ تشي قد أنهى لعب كرة السلة في الطابق السفلي الثاني منذ وقت طويل ،
و مضى ينتظرني في غرفة الألعاب لنلعب معاً
خرج الكلب تودو من المصعد ينتظر العاملة لتمسح مخالبه ،
فصعدتُ إلى الطابق الثالث و فتحتُ مع جيانغ تشي جهازي كمبيوتر ، بمعدل جهاز لكل منا ،
و وضعتُ بجانبهما طبق ثمار العين الاستوائية المقشرة بيد لي تشيشو ،
ثم تهيأتُ للذهاب إلى الحمام للاستحمام
أغلقتُ باب غرفة الألعاب للتو ،
ثم أعدتُ فتحه مشيراً بإصبحي إلى علبة ثمار العين الاستوائية على الطاولة : " يُحظر عليك تناولها "
أزاح جيانغ تشي جسده عن الكرسي للتو ، ثم تراجع جالساً في خيبة أمل
أنهيتُ الاستحمام و ارتديتُ مئزر الحمام ،
و وقفتُ أمام المرآة ممعناً النظر في ملامح الشخص الظاهر فيها ، تماماً كما فعلتُ في أيام كثيرة لا تحصى منذ عودتي
لم تختلف ملامح شين باوشان في سن الثامنة عشرة عن ملامحه في سن الثامنة و العشرين كثيراً ،
و بتعبير أكثر دقة ، لم تختلف عن صورته في سن الثامنة و العشرين قبل إصابة لي تشيشو بالمرض
نشأتُ شخصاً لا يحمل الهموم في قلبه أبداً ،
و سمعتُ أن هذا الصنف من البشر لا يسرع إليهم الهرم و الشيخوخة — على الأقل من حيث المظهر الخارجي
عشتُ السنوات العشرين الأولى من حياتي في يسر و سلاسة تامة ،
حظيتُ بظروف عائلية ممتازة و مواهب فطرية عالية ،
و توفرت لي أشياء كثيرة دون عناء ،
و نلتُ الصدارة ببذل يسير من الجهد
عشتُ تلك السنوات هائماً على وجهي دون قيود ،
و سافرتُ إلى الخارج بعد امتحانات القبول الجامعي لأقضي شهرين من العيش المسترخي ،
و عند عودتي اخترتُ تخصص الهندسة المعمارية البعيد تماماً عن توجهات شركة عائلتي — فلم تكترث عائلتي بكيفية تبديدي لسنوات شبابي ،
و أحاطتني بدعمها الدائم
أمضيتُ خمس سنوات في مرحلة البكالوريوس ،
و قدمتُ في السنة الرابعة طلباً للدراسة في ألمانيا و حصلتُ على القبول ،
و حينها تزامنت نهاية الفصل مع حفل تخرج كلية الهندسة الإنشائية المجاورة ، فذهبتُ لمشاركة الحاضرين بهجتهم و جلستُ بجانب لي تشيشو ،
و سألته عن خططه المستقبلية ، فأجابني برغبته في العمل لدى استوديو رشحه له أستاذه
سألته عن سبب عزوفه عن إكمال الماجستير ، فنتائجه الدراسية تؤهله للقبول المباشر دون عناء ..
طأطأ لي تشيشو رأسه مبتسماً ، و ذكر أن الرسوم الدراسية السنوية لمرحلة الماجستير تفوق عشرة آلاف يوان ،
و بعد تفكير ، رأى أن العمل المبكر يمثل الخيار الأفضل
" وماذا عنك ؟ " سألني بعد برهة ..
تلوح لي هاتان الكلمتان الخارجتان من فم لي تشيشو الآن وكأنهما نطقتا بغير اكتراث ، غير أنه استجمع لأجلهما شجاعة كبرى في حقيقة الأمر
أغلقتُ شاشة هاتفي التي عرضت إشعار القبول باللغة الألمانية ،
و قلتُ بدافع غريب مجهول : " مثلك تماماً ، أعتزم …… البقاء و العمل هنا "
بدى عليه ذهول شديد ، و رأى أنني الشخص الأجدر بمتابعة الدراسة العليا
وضعتُ الهاتف في حقيبتي ،
و قلتُ إن الدراسة تفتقر إلى المتعة والتشويق ،
فما هي إلا قضاء أيام كاملة في مساعدة الأساتذة على الرسم و إعداد المخططات ، و العمل الخاص يمنح المرء حرية أكبر
تذكرتُ لاحقاً سنوات دراستي الجامعية ،
و وصفُت علاقتي بـ لي تشيشو بكلمات مثل ' باهتة وخالية من الوضوح '
باهتة وخالية من الوضوح …… أكانت علاقتي به كذلك حقاً ؟
إذن لماذا تعودت عيناي على البحث عن طيفه كلما تدفقت حشود طلاب كلية الهندسة الإنشائية هابطة من الدرج ؟
و لماذا سارعتُ سراً في اليوم التالي لسماعي برغبته في استئجار سكن إلى إلغاء خطتي لشراء شقة مستوية ؟
و لماذا عشتُ لسنوات في ذلك المنزل الذي لا تتجاوز مساحته مئة متر مربع ؟
رغم أن ظروف العيش هناك لم تكن ممتازة ، إلا أنني قبل شهرين من انتهاء عقد الإيجار الأول ، نظرتُ إلى لي تشيشو لمرة واحدة ،
و لمحتُ في عينيه الموجهتين نحوي قدراً من القلق و التردد العاجز عن الاختباء ،
فسألته دون تفكير : " أعتزم تمديد الإيجار لعامين إضافيين ، فهل ترغب في البقاء معي ؟ "
عشنا سنوات طويلة دون أن يكشف أي منا مشاعره للآخر ، و لا أعلم أي منا تملكه خوف العشق و هيام القلب في ذلك الوقت
و في ليلة جاءت بعد زمن طويل ، لم يخلع بعد قميص العمل و بدلته الرسمية ،
و وصل إلى باب غرفتي يفوح برائحة الخمر ،
مقاوماً احمرار عينيه المتعبتين ،
و مضى يعدد لي كل المبالغ المالية التي ادخرها طوال تلك السنوات ،
لينهي كلامه بنبرة خجولة تماثل محاولته الأولى للحديث معي أيام الجامعة : " شين باوشان …… أترغب في تجربة العيش معي ؟ "
لم تخرج مشاعر الصبابة لدى لي تشيشو إلى النور إلا في ذلك اليوم ، غير أنها شكلت بداية طريق الهرم و الشيخوخة لي و له
و لعل لي تشيشو ، بعد تحقيقه لأمنيته الأخيرة تلك ، أخذ يدرك تدريجياً أنه رغم قربه من شين باوشان ، و حيازته لكل ما عجز عن امتلاكه في صغره ،
بقي عاجزاً عن تجاوز آلام ماضيه القاحل و المنفرد ،
فالأرض الفقيرة وإن غطتها تربة جديدة ، لا تقوى على إنقاذ الجذور الجافة للأعشاب البرية ..
تجرع الغصص و الآلام لسنوات طوال ،
و تمثل السبيل الوحيد لاقتلاع الماضي من جذوره في تدمير نفسه
و راح لي تشيشو يعاقبني ، بجسده النحيل الذي يلتف وحيداً على السرير معطياً ظهره لكل شيء في ليالٍ لا تحصى ،
و بعينيه التائهتين اللتين تطيلان النظر إلى أضواء المدينة المتناثرة خلف النافذة ، ليجعلني أرقب تراجعه و ابتعاده عن هذا العالم دون قدرة مني على فعل شيء
و في عشية العيد التقليدي من ذلك العام ، غافلني و شرب شيئاً من الخمر ، لتعود إلى عينيه تلك النظرة الحزينة المودعة لـ لي تشيشو الذي مات في سن المراهقة
جلس بجانب النافذة ممسكاً بكأس الخمر ، و راحت أضواء النيون في المدينة تنساب في عينيه
وجه إلي جانبه الأيسر فقط ، و قال بنبرة هادئة : " أشعر بعجزي عن مواصلة السير "
توقفت يدي الممتدة لانتزاع الكأس منه في منتصف الهواء
ثم استدار نحوي ، و ترقرقت الدموع في عينيه فجأة ،
فكلما أراد لي تشيشو وداع هذا العالم ورآني ، تملكه حزن شديد
رمقني بنظرات حائرة تشبه تساؤل الأطفال ، و سألني : " ولكن يا شين باوشان ، ألا يجدر بحياة الإنسان أن تمضي نحو الأفضل مع مرور الأيام ؟ "
عجزتُ عن الإجابة ...
و أردتُ أنا أيضاً معرفة سبب هذا الجور و الظلم ،
و لماذا أرسله القدر إلى هذه الأرض ليتجرع العذاب
فجأة ، وضع كأس الخمر ، و وقف يمعن النظر إلي لبرهة طويلة ،
ثم قال : " شين باوشان ، غزت الرأس منك شعيرات بيضاء "
و ربما جعلت هذه الشعرة البيضاء لي تشيشو يدرك أن عذاب العيش في هذا المنزل لا يقتصر عليه وحده
و سرعت هذه الشعرة البيضاء من عزيمته على الرحيل
لكنني لم أشعر يوماً بالهرم بسبب رعايتي له
أحببته حباً جماً ، فكيف للحب أن يورث المرء هِرَماً ؟
بل يورثه الشوق و الوجد
و في الليالي التي قضيتُها ساهراً بجانب جثمانه ،
كنتُ كلما نظرتُ في المرآة ، شعرتُ بتقدمي في السن عشر سنوات كاملة
و لم يخفني ذلك الهرم و التقدم في السن ، بل تمنيتُ حدوثه ، فلو جرى الأمر كذلك ، لقرّبتني كل ليلة تمر خطوة إضافية من يوم لقائي به
تملكني الشوق إليه ..
خرجتُ من الحمام و اتصلتُ بـ لي تشيشو ،
و لم يكد الهاتف يرن رنة واحدة حتى أجابني ،
و جاء صوته هادئاً وندياً ، يحمل حيوية و نضارة لا تتوفر إلا في سن السابعة عشرة : " شين باوشان ؟ "
" نعم " مشيتُ نحو الشرفة ، و تسلل ضوء الصالة في الطابق الأول ليوجه هالة دافئة نحو الحديقة الخلفية ، حيث راح تودو يركض دوراناً حول النافورة ،
" أعدتَ إلى السكن ؟ "
" ليس بعد " صدرت أصوات خفيفة من جهته ، فتبين انشغاله بجمع كتبه ، " أتهيأ للعودة الآن "
" أتناولتَ لحم فخذ الخروف المشوي الذي جلبته لك ؟ "
" …… ليس بعد " و سرعان ما أردف قائلاً : " سآكله بمجرد عودتي "
نظرتُ إلى حقيبتي السوداء القماشية الموضوعة على الأريكة ،
و أوصيته : " تناوله سريعاً ، فالأكل المتأخر يورث مغصاً في البطن صباح الغد "
كانت الحقيبة من علامة بيربري المصنوعة من القماش ،
و تتميز بلونها الأسود الكامل و سعتها الكبيرة
و لم أقتنها لأجل حمل الكتب ، بل تكمن فائدتها في سهولة جلب الأطعمة لـ لي تشيشو
اشتريتها بصحبة والدتي أثناء تجولنا في السوق في السنة الأولى من الثانوية لمجرد استكمال قيمة الفاتورة ، و لم أرتدها سابقاً إلا نادراً
أما الآن فأرتديها يومياً ، و يعود السبب الأساسي في ذلك إلى كلمات قالها لي تشيشو سابقاً أثناء مشاهدتنا لفيلم في المنزل ،
حيث أشار إلى الشاشة نحو البطل الذي يرتدي حذاء قماشياً و يمثل طالباً ثانوياً في تايوان ، و قال : " مظهره هذا يشبه مظهرك أيام الثانوية كثيراً "
فكرتُ في الأمر ، و سألته ضاحكاً : " أكنتُ أحمل حقيبة بلهاء كهذه وأدور بها في كل مكان أيام الثانوية ؟ "
" أهي بلهاء ؟ " نظر إليها بجدية أولاً ،
ثم خفض عينيه مبتسماً : " أذكر …… حملك لحقيبة شبيهة بها في مرات عدة ،
و لم تكن بلهاء …… بل بدت جميلة للغاية "
تذكرتُ هذا الأمر في ليلة من الليالي بعد عودتي ،
فبحثتُ في كل حقائبي بالمنزل ، و عثرتُ على هذه الحقيبة الوحيدة الشبيهة بالحقيبة التي حملها بطل ذلك الفيلم ،
و صرتُ منذ ذلك الحين أرتديها و أتحرك بها أمام لي تشيشو دون سبب
" تناوله سريعاً ثم عد إلى السكن "
قلتُ له ، " و أرسل لي رسالة نصية فور وصولك "
" حسناً "
عند عودتي إلى غرفة الألعاب ، كان جيانغ تشي قد أنهى جولة كاملة ،
و رفع رأسه ليرمقني بنظرة سريعة : " لو تأخرت قليلاً لبدأتُ الجولة الثانية "
" ها قد جئتُ " و ضعتُ زجاجة الكوكاكولا المفتوحة على طاولته ، " نلعب جولة واحدة الليلة ، فيتوجب علي الذهاب إلى المدرسة مبكراً غداً "
" حسناً حسناً ، علمتُ بالأمر "
اعتاد جيانغ تشي على سماع الكلام و إخراجه من الأذن الأخرى دون اكتراث ، فطلب بدء جولة ثانية فور خسارته للأولى ،
فخلعتُ سماعة الرأس و استدرتُ لأركل كرسيه ركلة خفيفة : " نلعب الأسبوع القادم "
" دائماً تقول الأسبوع القادم " أغلق جهاز الكمبيوتر وهو يتمتم غاضباً ،
و حاول مد يده لأخذ ثمار العين الاستوائية من علبتي فصربتُ يده مانعاً إياه
: " ماذا تفعل ؟ ! أهي مصنوعة من الذهب لتمنعني من تذوق حبة واحدة ؟ "
" قشرها زوجي " أدرتُ العلبة بين يدي ،
" ألا يسعك البحث عن زوجة لتقشر لك ؟ "
" …… "
أغمض جيانغ تشي عينيه و استنشق نفساً عميقاً و طويلاً ،
ثم أخرج هاتفه : " تعال هنا ، سأتصل بوالدتك الآن لتردد على مسمعها الكلمات نفسها التي قلتها لي للتو "
مضغتُ ثمرة عين استوائية و وجهتُ إليه ركلة أخرى
و ظل جيانغ تشي يلاحقني ملاطفاً و مشاكساً : " لا تعجل ، تعال و قلها …… "
و استمر الشجار والعبث بيننا لبرهة ، حتى وصلت رسالة لي تشيشو النصية
أمسكتُ بالهاتف وقرأتُ :
[ وصلتُ إلى السكن ، ولحم فخذ الخروف المشوي لذيذ للغاية ، شكراً لك . سأعيد إليك علبة الطعام وحقيبة حفظ الحرارة غداً . ]
علق جيانغ تشي ببرود من جانبي : " لا عجب في حمايتك للحم فخذ الخروف المشوي بعد الظهر ككلب يحمي طعامه ، ومنعك للجميع من لمسه "
تجاهلتُ كلامه ، وانشغلتُ بالرد على رسالة لي تشيشو
[ حسناً ]
[ نم باكراً ، وسأأتي لأتناول الغداء برفقتك غداً ]
أجاب لي تشيشو : [ حسناً ، وأنت كذلك ]
" وأنتَ —— كذلِكَ —— " تمدد جيانغ تشي فوق طاولة الألعاب الخاصة بي و راح يقلد صوته بنبرة تهكمية
أدخلتُ الهاتف في جيبي و نظرتُ إليه : " كف عن تقليد كلامه "
أخذ جيانغ تشي يقلب عينيه يميناً و يساراً
و أثناء تقليبه لعينه ، استقرت نظراته فجأة على خزانة النماذج و المجسمات الخاصة بي : " ما هذا الشيء هناك ؟
خصصت له رفاً كاملاً لتعرضه منفرداً "
و توجه نحو الخزانة متحدثاً
" لا تلمسه بعبث " لحقتُ به ، و أبعدتُ يده الممتدة نحو الخزانة ، " تعبث بيدك دائماً "
بدى هذا الفتى و كأنه لم يرَ شيئاً مماثلاً من قبل ، فاستقرت عيناه على الشيء دون حراك : " ما هذا الشيء الغريب ؟ "
نظرتُ إلى داخل الخزانة : " ألم تتبين ماهيته ؟ "
هز جيانغ تشي رأسه : " لم أره سابقاً "
" لهذا الشيء اسم علمي ، واسم دارج بين عامة الناس " عدتُ أدراجي و أخذتُ آكل ثمار العين الاستوائية ، " أيهما ترغب في سماعه أولاً ؟ "
" ألهذا الحد تبدو المسألة دقيقة ؟ " أثار الأمر فضول جيانغ تشي ،
و لمعت عيناه : " تتعدد الأسماء له حقيقة ، ابدأ بالاسم الدارج أولاً "
" الاسم الدارج ، " صمتُ لبرهة ، " طائرة ورقية "
تجمدت ابتسامة جيانغ تشي على وجهه
التفت ينظر إلى الخزانة تارة ، و إلي تارة أخرى ،
و أشار بإصبعه إليها : " هذا الشيء ، يدعى طائرة ورقية ؟ "
" ليست طائرة ورقية عادية " قلتُ بنبرة جادة للغاية ،
" وإلا فكيف حظيت باسم علمي ، و حرصتُ على حفظها و عرضها هكذا "
بدا جيانغ تشي و كأنه يفكر في مدى صدق كلامي ،
و وجد في النهاية أن الأمر يبدو منطقياً ، فقرر مواصلة الاستماع : " إذن اذكر لي الاسم العلمي "
" الاسم العلمي ، " استندتُ إلى جانب الطاولة ،
و قلتُ مبتسماً : " عربون محبة وعشق ، صنعها لي تشيشو بيده من أجلي "
" …… "
" ما الخطب ؟ ألم يصنع لك أحد شيئاً كهذا ؟ "
يتبع
تعليقات: (0) إضافة تعليق