Ch75 | DJPWNK
ألقى شين فانغ يو الماء والسندويتش جانبًا فورًا،
وهو يشكر الحظ الجيد الذي جلبه له جيانغ شو،
ثم اندفع مسرعًا إلى الأسفل
توقفت سيارة سيدان عند مدخل الفيلا،
ونزل منها ثلاثة أشخاص
تعرّف شين فانغ يو فورًا على آخر من نزل من السيارة،
——- الطبيب ألبرت
شعره البني الفاتح مميز للغاية ،
وحتى مع ارتدائه كمامة ، تمكّن شين فانغ يو من تمييز
ملامح حاجبيه وعينيه تقريبًا تحت ضوء القمر
و دون تردد ، أسرع شين فانغ يو نحوه قبل أن يدخل
الطبيب ألبرت من الباب، وناداه باسمه من الخلف
استدار الطبيب ألبرت بدهشة، ويبدو أنه لم يتوقع وجود
أحد بالقرب من فيلته في هذا الوقت
وفي اللحظة نفسها، تقدّم الرجلان اللذان نزلا قبله بخطوتين
سريعتين إلى الأمام، متخذين وضعية دفاعية
قالا في وقت واحد:
“من هناك؟”
وعندما توقف الثلاثة عن الحركة، أبطأ شين فانغ يو خطواته،
وشغّل ضوء الكشاف في هاتفه، وتقدّم نحوهم خطوة خطوة
وما إن رأى الطبيب ألبرت وجهه بوضوح حتى هتف:
“ الطبيب شين؟ ما الذي تفعله هنا ؟”
تبادل الرجلان المرتديان السواد نظرة سريعة،
ولوّح لهما الطبيب ألبرت بيده قائلًا:
“ لا تقلقا، هذا صديقي من الدولة Z.”
ثم أشار إلى الرجلين وقدمهما لشين فانغ يو:
“ هذان حارساي الشخصيان .”
: “ حرّاس شخصيون ؟”
: “ نعم .”
قاد الطبيب ألبرت شين فانغ يو إلى داخل الفيلا وأشار نحو
الأريكة في غرفة المعيشة قائلًا:
“ تفضل بالجلوس .”
دخل الحارسان الشخصيان بعدهما،
فوقف أحدهما بجانب الطبيب ألبرت،
بينما أخذ الآخر يتفقد الفيلا غرفةً غرفة
وبعد أن تبادلا نظرة ، تراجعا معًا إلى قرب الباب ،
تاركين المجال للطبيبَين ليتحدثا
ألقى الطبيب ألبرت نظرة عابرة على الحارسين،
ثم فك ربطة عنقه،
وجلس باسترخاء واضعًا ساقًا فوق الأخرى
ورغم مظهره اللامبالي،
استطاع شين فانغ يو أن يلمح الإرهاق على وجهه
الطبيب ألبرت:
“ هل كنت تنتظر أمام منزلي طوال هذا الوقت ؟”
لم يرغب شين فانغ يو أن يلتف حول الموضوع ،
فأجاب مباشرةً :
“ نعم، جئت لأسألك عمّا حدث بعد انقطاع البث المباشر .”
ابتسم الطبيب ألبرت فجأة :
“ هذا ليس من عادتك يا طبيب شين ،
هذه أول مرة تتحدث معي بهذا الهدف الواضح .
كنت أظن أنك ستتبادل معي بضع كلمات مجاملة على الأقل ،
أو تسأل عن حالي، أو ربما تقول إنك جئت لأنك قلق عليّ .”
أدرك شين فانغ يو أنه كان متعجلًا بعض الشيء،
فتوقف لحظة محاولًا تدارك الأمر،
لكن الطبيب ألبرت لم يبدُ أنه يهتم ، وأضاف:
“ لا بأس ، لنقل إنك جئت من أجلي ….”
وتابع:
“ بعد الحادثة ، لم أرَى أيًّا من أصدقائي منذ عدة أيام .
كان من المفترض أن تكون هناك حفلة احتفال هنا في هذا الوقت ،
وكان أصدقائي من عازفي الكمان سيفتحون زجاجة شمبانيا من أجلي ….”
ثم مد يديه بابتسامة ساخرة :
“ لكن للأسف ، لا توجد حفلة الآن ، ولا شمبانيا ، ولا كمان .”
نظر إليه شين فانغ يو بصمت ، فربما في مثل هذه اللحظات ،
يكون الصمت هو أبلغ وسائل المواساة أمام طبيب فخور بنفسه
بعد لحظات ، تنهد الطبيب ألبرت بعمق ، واستعاد هدوءه ،
ثم ألقى بأربع كلمات :
“ كانت هناك جلطات دموية …
بسبب ضغط الجنين أثناء الحمل ، حدث احتقان في أعضاء المريض ،
مما أدى إلى تكوّن جلطات دموية وريدية .
وبعد إزالة المبيضين ، تسببت عملية إعادة توصيل عدد
كبير من الأوعية الدموية في تراكم هذه الجلطات وازديادها.
الجرعة التي حددناها مسبقًا من الدواء المضاد للتخثر لم تكن كافية ….”
وتابع :
“ ومع إزالة الجنين ، أدى الانخفاض المفاجئ في ضغط
الأوعية الدموية إلى اندفاع الجلطات نحو الرئتين كحصان جامح ….” ابتسم بسخرية مريرة وأشار إلى صدره :
“ وتسببت في انسداد رئوي .”
شين فانغ يو :
“ هل لا يزال على قيد الحياة ؟”
أجاب الطبيب ألبرت :
“ نعم ، لكنه ما زال في غيبوبة .”
الرئتان مسؤولتان عن تبادل الأكسجين ،
والدماغ يعتمد اعتمادًا كبيرًا على الأكسجين في نشاطه ،
حتى فترة قصيرة من نقص الأكسجين يمكن أن تسبب
أضرارًا بالغة للدماغ
تابع الطبيب ألبرت:
“ بسبب تهوري ، وضعت بلدي في موقف محرج .
وقد أمرتني الحكومة بعدم الإفصاح عن الأمر للعامة في
الوقت الحالي،
أما السبب… فأنت ذكي يا طبيب شين ،
لا بد أنك قادر على استنتاجه .”
شين فانغ يو:
“ أنت ما زلت تنتظر أن يستفيق .”
أومأ الطبيب ألبرت برأسه
كانت دولة S في الأصل دولة صغيرة لا تحظى بالكثير من الاهتمام ،
لكن النقاشات حول هذه الحادثة الطبية تصاعدت ،
مما جعلها محط أنظار الجميع ،
والآن، أضاف فشل الطبيب ألبرت الزيت إلى نار هذه الشكوك ،
ليتحول النقد الحاد إلى هجوم مباشر على دولة S،
حتى أن بعض الدول المتعجرفة بدأت تحاول التدخل في شؤونها الداخلية ،
ولن تهدأ هذه الضجة إلا إذا استيقظ المريض وتعاون مع
وسائل الإعلام لإزالة الجدل الذي سببته الحادثة الجراحية السابقة
الطبيب ألبرت:
“ طبيب شين أعلم أنك جئت لتكتسب خبرة جراحية ،
لكن دعني أقدم لك أغلى نصيحة…
لا تقترب من هذا النوع من العمليات .”
لم يكن شين فانغ يو يتوقع أن يسمع مثل هذه الكلمات من
الطبيب ألبرت ، الذي كان واثقًا بنفسه قبل وقت قصير فقط
كانت يدا الطبيب ألبرت متشابكتين بارتخاء ،
وعيناه تحملان أثر حزن خافت
قال:
“ لقد شاهدتم جميعًا النصف الأول من البث المباشر .
هؤلاء الناس لا يفهمون… أنت تعرف أن مريضي ومريض
الطبيب كين ليسا بنفس مستوى الصعوبة إطلاقًا .”
هذا النوع من الجراحة أشبه بفتح صندوق مجهول ؛
فمهما كانت الفحوصات قبل العملية شاملة ،
يبقى من الصعب التنبؤ بالنتيجة بعد فتح البطن ،
لكن بالنسبة للطبيب ألبرت ، لا أحد يهتم إن كانت جراحته
أصعب من جراحة الطبيب كين
فالناس يعرفون فقط أن العمليتين كانتا لولادة قيصرية
لحمل ذكوري ، وأن الطبيب كين نجح بينما هو فشل
وربما لمح في عيني شين فانغ يو بعض الشك،
فقال مقنعًا :
“ طبيب شين أعلم أنك أحد أفضل الأطباء في دولة Z
لكن الواقع غالبًا يكون قاسيًا .
أنا، على سبيل المثال، كنت الجراح الرئيسي لمدة عشر سنوات،
ولم يحدث أي خلل على طاولتي الجراحية.
كنت يومًا ما معجزة طبية، يمدحني الجميع في بلدي،
وكانوا يقولون إني عبقري ….”
ثم اتخذ نبرة ساخرة مبالغًا فيها:
“حتى أدركت أخيرًا أنه باستثناء الإله ، لا يحق لأحد أن يكون
مغرورًا لدرجة الاعتقاد بأنه لا يُقهر .”
شين فانغ يو:
“ أنا لا أؤمن بالإله .”
رد الطبيب ألبرت :
“ يمكنك أن تختار ألا تؤمن بالإله ، لكن من الأفضل ألا تؤمن
بنفسك أكثر مما ينبغي .”
كان الطبيب ألبرت يبدو شديد الإحباط
أعد لنفسه إبريقًا من القهوة بماء مغلي،
وصب فنجانًا لشين فانغ يو
شين فانغ يو:
“هل لديك سكر؟”
أجابه:
“ لا، المرارة تساعد على البقاء يقظًا .
كنت أشرب قهوة حلوة كثيرًا سابقاً .”
أنزل شين فانغ يو عينيه وارتشف قليلًا من القهوة السوداء
الحامضة دون أن يعلق
أما الطبيب ألبرت، فكان يشرب الكوب تلو الآخر،
وكأنه لا يشعر بالمرارة، بل يسقي حزنه بها
ابتسم بخفة :
“ هل سبق أن جئت إلى منزلي في المدينة ؟
الآن أصبحتُ فأر الشارع الذي يريد كل شخص في دولة S أن يضربه .
أنام في المستشفى يوميًا ، ولا أعود إلى هنا إلا بحجة أنني
أحتاج إلى بعض الملفات ...”
ثم أشار إلى الحارسين عند الباب :
“ هذان أرسلتهما حكومة S أيضًا ، لحمايتي أثناء رعايتي
للمريض ، وأيضًا لمراقبتي . هل تصدق ذلك يا شين ؟”
ثم لمس أذنه :
“ سماعات الأذن التي يضعانها تسجل محادثتنا ….”
كان يبدو في حالة يأس ، وأضاف بلامبالاة :
“ لكن لا يهمني إن كانوا يراقبون أم لا.
لقد جمدوا حساباتي البنكية،
وأصبحت مثل فأر أبيض صغير في قفص،
لا أستطيع مغادرة البلاد .
إذا استيقظ مريضي ، سأستعيد حريتي ،
أما إذا مات في وحدة العناية المركزة ،
فسوف يدفعونني إلى الواجهة لأعتذر علنًا .
يا إلهي أنا الآن لا أتوسل سوى أن يفيق هذا المسكين ،
وإلا فسأخسر كل شيء… المال، والمهنة ، والمستقبل .
والأسوأ أنني أنا من أجرى له التلقيح الصناعي ….
إذا مات ، فلن أسامح نفسي أبدًا …..”
وأثناء حديثه، انسابت دمعتان من عينيه ،
واضحة كخوف مكبوت منذ زمن
: “ ربما لن تفعل دولتك ما فعلته بلادي،
أو ربما طالما لم تجذب الانتباه مثلي، فلن تلقى مصيري ،
لكن يا طبيب شين ، عليك أن تفكر مليًا فيما ستتحمله إن
فشلت الجراحة .
هذه العملية ليست بالسهولة التي كنا نتصورها .”
وحين لم يجبه شين فانغ يو —- تابع بصدق :
“ أعلم أنك جئت من أجل نتيجة الجراحة ،
لكن بما أنك تكبدت عناء المجيء لرؤيتي في هذا الوقت ،
فإنني أنصحك بصدق أن تدع مريضك يذهب إلى الطبيب كين لإجراء العملية .
إنه أفضل طبيب في دولة M، ولديه أفضل الموارد الطبية
في العالم ، كما أنه يملك خبرة سابقة في نجاح العملية ،
وقدرة فائقة على التعامل مع الطوارئ .
اللعنة لقد مدحته للتو !”
فجأة، أمسك الطبيب ألبرت برأسه وقال بانفعال :
“ أنا أكره كين… أكرهه كثيرًا !”
نظر شين فانغ يو إليه ، ولاحظ أن شعره البني الفاتح قد
اختلط بالكثير من الشعر الأبيض في وقت ما
فسأله:
“ أين المريض الآن ؟”
أجابه وهو يمسح وجهه :
“ تم نقله إلى مستشفى آخر ، هل تريد أن تراه ؟”
فكر شين فانغ يو طويلًا ، ثم قال:
“ نعم "
——————
اسم مريض الطبيب ألبرت السيد بيكر —-
ذهب شين فانغ يو مع الحارسين في سيارة طوال الليل إلى
المستشفى الذي يوجد فيه السيد بيكر
ويقال إن السيد بيكر ثري جدًا ،
يملك العديد من المشاريع التجارية الكبيرة والصغيرة ،
وهو تاجر معروف في دولة S ،
في البداية ، وبعد أن رفض الطبيب ألبرت مرارًا طلبه
بالتلقيح الصناعي ، عرض عليه السيد بيكر تمويلًا بحثيًا ضخمًا ،
مما جعل الطبيب ألبرت يتردد ، وفي النهاية وافق
أما الآن ، فقد نُقل السيد بيكر إلى مستشفى يملك فيها أسهُم
وكانت وحدة العناية المركزة الخاصة لكبار الشخصيات
تضم مريض واحد فقط هو السيد بيكر ،
لكن ما لم يكن متوقعًا أن هناك امرأة تجلس أمام باب الغرفة
لم تكن تبدو من الطاقم الطبي، بل كانت أنيقة المظهر في ملابسها،
لكن ملامحها كئيبة، ويبدو أنها لم تنم منذ وقت طويل
عندما رأتهم، نهضت وحافظت على هدوء لبق وهي تحيي
الطبيب ألبرت، فأشار إلى شين فانغ يو قائلًا:
“ هذا زميلي ، يريد رؤية السيد بيكر هل يمكن ذلك ؟”
ابتسم لها شين فانغ يو بود،
فتوقفت نظرتها عليه لحظة ثم ابتسمت ابتسامة مهذبة:
“ بالطبع .”
⸻
بعد عملية تعقيم معقدة، وقف شين فانغ يو والطبيب
ألبرت أمام سرير السيد بيكر
السيد بيكر —- الغارق في نوم عميق ،
يملك شعرًا أشقر جميل ووجه لا يشبه وجه رجل أعمال ،
بل أقرب إلى ملامح فنان
لكن جسده الآن —- مليئ بأنابيب وأجهزة مختلفة الأحجام
احتلت غرفة العناية المركزة،
وجعلته يبدو ضعيفًا وهشًّا، كإناء خزفي مكسور
رؤية بعض السجلات الباردة في الملفات،
أو مشاهدة عملية فاشلة على شاشة،
لا تشبه أبدًا مواجهة الواقع
هذا المريض الذي فشلت عمليته ممددًا أمام شين فانغ يو،
وحياته معلقة بخيط رفيع
شعر شين فانغ يو —- دون سبب واضح ، ببرودة تسري في يديه وقدميه
بشرة السيد بيكر بيضاء للغاية ، تمامًا مثل بشرة جيانغ شو
كان المشهد صادمًا ، حتى إن شين فانغ يو لمح في خياله
صورة جيانغ شو ممددًا في العناية المركزة
رفع الطبيب ألبرت بطانية المريض جزئيًا دون تردد ،
وبدأ يشرح لشين فانغ يو بالتفصيل وسائل إبقاء المريض
على قيد الحياة
لم يكن بطن السيد بيكر قد تعافى تمامًا بعد من حالته السابقة ،
إذ ما زالت بشرته وعضلاته متراخية بفعل الحمل ،
والجرح مع الغرز واضحًا للعين ،
وعلى جانب بطنه فتحة صغيرة يتجمع منها سائل أصفر في
كيس بلاستيكي شفاف
لم تكن هذه أول مرة يرى فيها الطبيب شين فانغ يو مريضًا
بهذه الحالة ؛ فقد أجرى العديد من العمليات بمختلف أحجامها ،
وأدخل عددًا لا يُحصى من أنابيب القسطرة ،
وخاط جروحًا لا تُعد ،
وشق بطونًا وأرحامًا لمرضى كثيرين بكل هدوء
لكنها —— المرة الأولى التي يشعر فيها بالخوف بسبب جسد مريض
والسبب… كان جيانغ شو ——
ظل يراقب بصمت ما يفعله الطبيب ألبرت ،
وذهنه ينفجر بالأفكار ،
حتى ربّت ألبرت على كتفه ليعيده إلى وعيه ،
الطبيب ألبرت:
“ ألم تسمع ما قلته للتو ؟”
نظر إليه شين فانغ يو بنظرة شاردة وسأل:
“ ماذا قلت ؟”
تنهد الطبيب ألبرت ، وأعاد كلامه بنفاذ صبر:
“ سألتك متى تخطط للعودة إلى وطنك .
إذا كنت تحتاج للبقاء هنا عدة أيام أخرى ،
يمكنك المكوث في منزلي ، لكن ربما لا أتمكن من
استضافتك يوميًا .”
قال شين فانغ يو بصوت ضعيف :
“ أريد… أن أجلس قليلًا ، هل هذا ممكن ؟”
كان يشعر أن ساقيه ضعيفتان،
وكأن المشي بات صعبًا عليه
تابع شين : “ ما زال لدي عمل، سأعود إلى بلدي لاحقًا بنفسي ،
لا داعي لأن تشغل نفسك .”
ألبرت:
“حسنًا إذن.”
ثم ألقى نظرة على الحارسين الواقفين بالخارج :
“ سأغادر الآن ، عليّ أن أواصل البحث عن طريقة لإنقاذ هذا المسكين .”
وعند استدارته ، ربت على ظهر شين فانغ قائلًا:
“ تذكر ما حذرتك منه ، أنت طبيب بارع ومستقبلك مشرق ،
فلا داعي لتدمير حياتك من أجل عملية واحدة كما فعلت أنا "
أنزل شين فانغ يو عينيه :
“ لكن… هو شخص مهم جدًا بالنسبة لي "
رد الطبيب ألبرت وهو ينظر عبر الزجاج إلى السيد بيكر في العناية المركزة ،
ثم إلى المرأة الجالسة خارج الغرفة ، وخفض صوته:
“ إذن كان يجب ألا تتسلم القضية … إلا إذا كنت قادرًا على
تقبّل فكرة إدخاله بنفسك إلى العناية المركزة .”
قال ذلك، ثم هز كتفيه ومضى مبتعدًا
ظل شين فانغ يو واقفًا في مكانه ،
غارقًا في التفكير لوقت طويل ،
حتى أسند ظهره على الحائط ، شاحب الوجه ،
ويجلس على الكرسي خارج وحدة العناية المركزة
وعلى الطرف الآخر من الكرسي ، نادته السيدة الأنيقة التي
تحدثت معه قبل قليل بنبرة حذرة :
“ سيدي… هل يمكنني التحدث إليك ؟”
لم يكن شين فانغ يو في مزاج يسمح له بالمحادثة ،
لكن نبرة المرأة الصادقة جعلته لا يستطيع رفضها
أبعد يده عن جبهته ورفع عينيه نحوها :
" عمَّ تريدين التحدث ؟ "
قالت السيدة معرّفة بنفسها: " أنا زوجة السيد بيكر ،
يمكنك مناداتي ديزي "
ارتجفت رموش شين فانغ يو بخفة عند سماع كلماتها
حين ذكر الطبيب ألبرت سابقًا رغبة السيد بيكر المستمرة في الإنجاب ،
كان شين فانغ يو قد افترض أن السيد بيكر إما أعزب أو من مجتمع المثليين ،
ولذلك، حتى عندما كانت السيدة ديزي تتردد خارج غرفة
السيد بيكر ، كان يظن لا شعوريًا أنها مساعدته أو أخته ،
لكن لم يتوقع أنها زوجته بالفعل
سألت السيدة ديزي بتردد وشيء من القلق :
" كنت أود أن أسأل إن كنتَ مساعد الطبيب ألبرت…
لقد قمتَ للتو بفحص حالة زوجي ،
هل يمكنه… أن يستيقظ ؟ "
كان شين فانغ يو مألوفًا بتلك النظرة على وجهها
رغم اختلاف الجنسيات والمظاهر ولون البشرة ،
إلا أن ملامح أقارب المرضى في مثل هذه المواقف ،
بما فيهم أقاربه هو، كانت متشابهة تمامًا
تلك النظرة تجعل المرء يرغب في مواساتهم والقول
' سوف يتحسن حتمًا '
لكن أي شخص يمكنه قول هذه الكلمات… إلا الأطباء
لأن الأطباء عليهم أن يكونوا مسؤولين عن كل حكم يصدرونه ——-
لذا ، في النهاية ، لم يستطع شين فانغ يو إلا أن يقول لها:
" آسف ، لا أستطيع أن أقدّم أي ضمانات ،
وأنا مجرد طبيب جاء لاستشارة الطبيب ألبرت "
ربما لأنها سمعت مثل هذه الكلمات كثيرًا من قبل،
لم يظهر على عيني السيدة ديزي أي خيبة أمل كبيرة عند سماعه ،
قالت بابتسامة هادئة: " لا بأس ، شكرًا لوقتك "
وردّ عليها بأدب: " عفواً "
جلس الاثنان بصمت على جانبي الكرسي ،
غرفة العناية المركزة ذات المريض الواحد هادئة للغاية ،
ولا يُسمع فيها سوى وقع خطوات الطاقم الطبي بين الحين والآخر
ربما بسبب طول فترة عدم الحديث مع أحد ،
والشعور بالضغط النفسي ، ورغبتها في تقديم نصيحة لشين فانغ يو
قطعت السيدة ديزي الصمت بعد نحو نصف ساعة قائلة :
" فشل الطبيب ألبرت في الجراحة ، لكن قبل ذلك كان
البروفيسور كين من الدولة M قد أجرى جراحة مشابهة بنجاح .
أظن أنك تستطيع طلب المشورة منه "
أجاب شين فانغ يو: " أعلم "
بدا على السيدة ديزي شيء من الحيرة ،
وكأنها لم تفهم سبب إصراره على ما يفعل
قال: " لقد بحثتُ بالفعل في كل ما استطعتُ الوصول إليه عن حالة الطبيب كين .
أما التعلم منه شخصيًا…" وهز رأسه " فالبروفيسور كين لا
يبدو أنه يحب مثل هذه الإزعاجات "
وأضاف موضحًا : " لكن تجربة الطبيب ألبرت مهمة أيضًا ،
فعدد الحالات ذات الصلة قليل جدًا ،
وكل حالة تعتبر ثمينة .
إذا كان يوجد مئة سبب محتمل لفشل هذه الجراحة قد
أغفل أحدها ، فكلما عرفت أكثر ، زادت فرص نجاحي—
حتى إذا كان ذلك من واحد بالمئة إلى تسعة وتسعين
بالمئة ، فهذا يستحق العناء بالنسبة لي "
بعد الاستماع، التزمت السيدة ديزي الصمت قليلًا،
ثم تنهدت تنهيدة خافتة
وقالت: " ليتني كنتُ الطبيب كين ، أو أنت ، أو أي طبيب
مرخّص ، حتى أستطيع على الأقل محاولة مساعدة زوجي
كما تفعل ، بدلًا من الجلوس هنا والانتظار بلا جدوى "
صمت شين فانغ يو لحظة، ثم قال لها:
" مريضي أيضًا هو شخص عزيز علي "
قالت بدهشة: " رجل ؟ "
: " رجل "
أصابها الجواب المؤكد بالدهشة،
وبدت ملامحها فجأة معقّدة،
وامتلأت عيناها الزرقاوان العميقتان بمشاعر يصعب وصفها
بعد لحظة ، أخرجت فجأة صورة من هاتفها ومدّتها إلى شين فانغ يو
قالت: " انظر ، هذا طفلي "
كان الطفل ملفوفًا في بطانية ، ووجهه مجعّد ، لكنه بدا مع
ذلك شديد الجمال
شين فانغ يو: " إنه بصحة جيدة جدًا "
ابتسمت السيدة ديزي ابتسامة خفيفة وأومأت
ربما لم تكن ابتسامتها صادقة حقًا إلا حين تنظر إلى هذا الطفل
أعادت هاتفها إلى يدها،
ثم نظرت عبر الزجاج نحو زوجها في غرفة العناية المركزة،
وأضافت وهي تخاطب شين فانغ :
" هذا هو زوجي… وهو من أنجب هذا الطفل من أجلي "
على الرغم من أن شين فانغ يو كان قد خمّن الأمر جزئيًا ،
إلا أن تأكيدها أصابه بالذهول
فعندما يجد المرء نفسه في طريق مسدود ،
ثم يلتقي بشخص يشاركه المصير نفسه ،
تتعاظم الرغبة في البوح ،
عندها فقط أطلقت السيدة ديزي ما اختزنته في قلبها من
هموم أمام هذا الغريب المتفهم —- شين فانغ يو
قالت: " لطالما رغبت بطفل ، لكني لم أحمل قط رغم
سنوات زواجنا الطويلة .
حتى قبل خمس سنوات، حين شُخّصت بسرطان بطانة
الرحم واضطررتُ لاستئصال رحمي "
خفضت صوتها وهي تروي أصل المأساة : " كنتُ وقتها في
غاية الإحباط .
لكن زوجي واساني ، وقال إنه بإمكاننا أن نكون سعداء حتى بدون طفل .
فشيئًا فشيئًا، تخلّيت عن رغبتي في الإنجاب…
لكنني كنت أحيانًا لا أتمالك نفسي من الغيرة من الآخرين
الذين لديهم أطفال، وأحيانًا كنت أشتكي له من ظلم الإله لي ..
إلى أن جاء يوم ظهرت عليه أعراض نزيف شرجي .
أصابنا الخوف ، وظننا أنه مصاب أيضًا بالسرطان .
لكن بعد فحص الطبيب ،
أخبرنا أن ما يراه هو دم الحيض …."
أكملت بصوت ممزوج بالحزن: " قال الطبيب إن زوجي قد
ظهر فجأة رحم في جسده ،،
لاحقًا ، وجد زوجي الطبيب ألبرت،
ثم قال لي إنه يمكننا أن ننجب طفلًا عبر تقنية التلقيح الصناعي …."
توقفت لحظة : " … داخل جسده …
ثم حمل ، وكنا سعيدين للغاية ، ننتظر قدوم هذا الطفل
مثل أي زوجين عاديين، نعيش سعادة ورضى ….
لكنه لم يخبرني أبدًا أن هذه الجراحة تنطوي على مخاطر عالية إلى هذا الحد …."
بدا على ملامح السيدة ديزي الندم والأسى
: " هو لا يفهم أن سبب رغبتي في إنجاب طفل معه كان
فقط لأني أحبه كثيرًا .
وبسببه أردتُ أن أنجب طفلًا يحمل جيناتنا معًا .
ولو كان سيبقى بخير بدون طفل ، لكنتُ سعيدة أيضًا ….
لو كنتُ أعلم أن مخاطر هذه الجراحة مرتفعة جدًا ،
لما وافقت أبدًا على أن يخاطر بالحمل ….
هو رجل أعمال ، وكان يجب أن يكون أدرى الناس بتقييم المخاطر "
نظرت السيدة ديزي إلى صورة طفلها على الهاتف،
وعيناها تملؤهما الكآبة
: " أتدري؟ كل من رأى زوجي وهو راقد هنا ،
قال أنه مجنون "
في تلك اللحظة ، أدرك شين فانغ يو فجأة المعنى الخفي
وراء الصوت المنخفض المتعمد للطبيب ألبرت وكلماته الموحية :
' إلا إذا كنت مستعدًا لإدخاله إلى العناية المركزة بيديك '
إن الشعور بالذنب لمخالفة رغبتها وإيذاء من تحب كان يثقل قلب السيدة ديزي
وكان من الممكن أن يثقل قلبه هو أيضًا
……..
قبل مغادرة المستشفى ، أعطى شين فانغ يو للسيدة ديزي
جميع المناديل التي كانت معه
لكن دموعها المكبوتة منذ زمن لم تتوقف ،
فقام بإعداد كوب من الماء المملح لها حتى لا تصاب
باضطراب في توازن الأملاح
————————
بعد مغادرة المستشفى، ألغى شين فانغ يو عقد الإيجار
قصير المدة للمنزل في الدولة S،
وكتب بريدًا إلكترونيًا للطبيب ألبرت يشكره فيه على مساعدته ونصائحه
وأخيرًا، سار خطوة خطوة على الممر المغطى بالثلج في الضاحية،
متجهًا نحو نقطة انتظار سيارات الأجرة ،
الثلج سميك وعميق ، يصدر صرير تحت قدميه
وبعد أن تسرّبت البرودة إلى قدميه عبر حذائه المبتل ،
شعر بالبرد يزحف صعودًا
الهواء لا يزال يحمل رائحة الثلج النقي البارد ،
وحين يغمض شين فانغ يو عينيه ،
يتذكر عيني السيدة ديزي الزرقاوين العميقتين كالزمرد ،
ملوّثتين بحزن يصعب وصفه ،
————————
كان جيانغ شو يستعد للاستماع إلى تقرير تقدّم في تجربة
من أحد طلابه عندها تلقى اتصالًا من شين فانغ يو
وبسبب كثرة العوامل المؤثرة ،
كانت إعادة إنتاج التجارب البيولوجية أمرًا مرهقًا للأعصاب
هذا الطالب كان يجري التجربة نفسها منذ شهرين ،
لكن حتى بيانات المجموعة الضابطة لم تستقر ،
مما جعل جيانغ شو غاضبًا إلى حد أنه استدعى الطالب إلى
مكتبه لعقد جلسة جدية معه
وعندما رأى المكالمة الواردة ، نهض وأشار للطالب : " أعد
مراجعة عرضك ،
ثم قدّمه بالإنجليزية من دون النظر إلى ملاحظاتك "
بعد أن أنهى حديثه، خرج من المكتب وأجاب على اتصال شين فانغ يو
: “ مرحباً ؟”
: “ جيانغ شو…”
لسبب ما، بدا الصوت في الطرف الآخر بعيد ،
كأنه قادم من البرية ،
مما جعل جيانغ شو يشعر بالبرد بلا سبب، كما لو كان واقفاً وسط الثلج
شعر جيانغ أن شين فانغ يتحدث بنبرة غريبة
جيانغ: “ ما الأمر ؟”
سادت لحظة صمت طويلة في الطرف الآخر ،
ثم تنفّس شين فانغ يو بعمق وقال بصوت خافت :
“ أنا آسف يا جيانغ شو… آسف "
ارتعشت جفنَا جيانغ شو فجأة
ألقى نظرة من الطابق العلوي لمستشفى جيهوا على
المرضى المزدحمين في الأسفل؛
بعضهم يدفع كراسي متحركة ،
وبعضهم يستند إلى العكازات ،
وآخرون مغطَّون تماماً بالملاءات البيضاء ما عدا رؤوسهم ،
ولا أحد يعلم إلى أين سيتم نقلهم ،
لم يكن يعرف بالضبط ما الذي يحزن شين فانغ يو
لكنه فهم ما يقصده ، وخمّن ما حدث هناك
كان هناك دائماً تفاهم غير معلن بينهما …..
حين يضعف أحدهما ، يقوى الآخر ،
وحين ينهار أحدهما ، يقف الآخر ثابتاً ،
ارتجفت يد جيانغ شو التي تمسك بالهاتف ،
فأخذ نفساً عميقاً بصمت ،
وضغط بيده الأخرى على يد الهاتف ليهدّئ ارتجافها ،
قال بهدوء :
“ لو لم تكن تلك الليلة ، لما كنتُ قد حملت ،
ولكنتُ ما زلت أواجه حقيقة أن لدي رحماً ظهر فجأة
ويجب استئصاله في عملية جراحية خطيرة بعد بضعة
أشهر ، وهذا لن يكون أفضل من وضعي الحالي ….
هذه الحقيقة لا علاقة لك بها ،
ولا يمكن تغييرها ... وأيضاً…” شد شفتيه وقال ببرود:
“ لقد اعتذرتَ لي عن تلك الليلة من قبل ،
والاعتذار مراراً عن أمر حدث قبل أشهر يجعلني أشك في ذاكرتك ...”
وأضاف بنبرة حاسمة :
“ لا أريد سماع كلمة آسف من فمك مجدداً .
إذا كان لا بد أن تقول شيئاً… فاستبدلها بعبارة أنا أحبك .”
أنهى المكالمة بعد ذلك، وعاد إلى مكتبه،
وأمسك بكوب الشاي على الطاولة
كانت سخونة الماء تنتقل إلى أطراف أصابعه ، و تدريجياً هدأت رجفته
رفع رأسه فرأى الطالب الذي كان سيقدّم التقرير قد انتهى
للتو من تجهيز العرض التقديمي، وينظر إليه بتوتر
أومأ له جيانغ شو، مشيراً إلى أنه يمكنه البدء
كان الطالب يتحدث بالإنجليزية بلهجة غير متقنة ،
وجبينه يقطر عرقاً في منتصف العرض،
لكن البيانات التجريبية التي عرضها على الشريحة كانت واضحة ،
وتُظهر أن تجربته نجحت أخيراً وأعطت نتائج متطابقة
تفاجأ جيانغ شو بوضوح :
“ متى قمت بهذا ؟”
تردّد الطالب ثم قال بحذر:
“ قبل… بضعة أيام فقط .
اتبعتُ تعليماتك ، وأعدتُ مراجعة سجلات تجاربي السابقة
عدة مرات ، وبحثت عن العوامل المؤثرة المحتملة ،
وأعدت التجربة عدة مرات ،
وفي النهاية نجحت في تكرارها .”
ظل جيانغ شو يحدّق فيه بصمت طويلاً حتى بدأ الطالب
يشعر بالحرج تحت نظراته ،
ثم فجأة أخرج هاتفه والتقط صورة لنتائج التجربة
وسأله:
“ هل تمانع أن أشارك نجاحك مع طالب غبي جداً ؟”
تردّد الطالب ، وهو الذي اعتاد أن يكون مثالاً سلبياً في
أحاديث الأساتذة، ثم قال:
“ لا… لا أمانع "
أنزل جيانغ شو رأسه وأرسل الصورة إلى شين فانغ يو، وكتب له
[ قبل شهر ، كان طالبي في الماجستير في سنته الثانية يبكي
وهو يخبرني عن هذه التجربة ،
ويقول أنه لا يستطيع الحصول على النتائج مجدداً ،
ويرجوني أن أسمح له بترك هذا المشروع…]
[ …لكن الآن ، لقد نجح ]
و رسالة أخيرة بسؤال تهكّمي موجَّه إلى هذا ' الطالب الغبي '
[ هل يريد البروفيسور شين أن يبكي أيضاً ؟ ]
يتبع
تم ترجمة الفصل بواسطة : Jiyan
التدقيق : Erenyibo
تعليقات: (0) إضافة تعليق