القائمة الرئيسية

الصفحات

آخر الاخبار

ch166 tgcf

 الفصل مئة وستة وستين : القديس المولود تحت النجم المشؤوم -٢-.






ظل شي ليان صامتًا وهو يحدّق في الجدارية.


قال باي مينغ معلقًا:

"هل يستطيع فعل ذلك حقًا؟"


أجاب هوا تشينغ :

"ولمَ لا؟"


التفت الجميع إليه، فتابع:

"أليس تعيين الجنرالات يعني في الأساس رفع البشر إلى السماء؟ إن كان كل ما سيفعله هو أخذ الناس القاطنين بالقرب من العاصمة الملكية إلى السماء مؤقتًا، ثم إعادتهم بعد أن تمر الكارثة، فلماذا لا يكون ذلك ممكنًا؟"


اعترض باي مينغ:

"لا تحاول تبسيط الأمر يا المطر القرمزي الباحث عن الزهور. أنت تعلم أن تعيين الجنرالات يستهلك قوة روحية هائلة. فكم عدد الذين سيتعيّن عليه رفعهم هذه المرة؟"


في الواقع، تعيين الجنرالات يعني استخدام القوة الروحية الخاصة بالفرد لـ"رعاية" بشر في السماء ليخدموه. وإلا، لو لم تكن هناك قيود، فلماذا لا يرفع كل مسؤول سماوي جميع من يشاء؟ أو يرفع الإمبراطور حاشيته بأكملها؟ أو الجنرال جيشه كله؟


قال باي مينغ:

"بحسب ما تشير إليه الآثار، فإن مملكة وويونغ كلها لم يتجاوز عدد سكانها مئة ألف. ومنطقة العاصمة ربما لا تضم سوى عشرة آلاف تقريبًا."


تمتم شي ليان بهدوء:

"قد يكون الأمر صعبًا... لكنه يظل ممكنًا، بالكاد."


ردّ باي مينغ ببرود:

"حتى لو كان العدد مجرد عشرات الآلاف، فلا يوجد أي مسؤول سماوي تجرأ يومًا على تعيين هذا الكم. إن فعلها فعلًا، فلا أدري إن كان يستحق التهنئة على شجاعته، أم السخرية من حماقته. المؤكد أنه لم يسبقه أحد في التاريخ."


ظل شي ليان يتأمل الجسر المرسوم على الجدارية بتركيز عميق. وفي عينيه بدأت ملامح ولي العهد بملابسه البيضاء وحراسه الأربعة تتحوّل لتشبه وجهه هو، ووجوه معلميه الأربعة. تذكّر عندها الطالع السماوي المرتبط بـ"النجم المشؤوم"، وشعر أن هذه القصة أشبه بحكاية تناسخ الأرواح. لقد كان متشوقًا لمعرفة ما سيحدث بعد ذلك، لكنه في الوقت ذاته أحسّ أنه يعرف النتيجة سلفًا.


لم يجرؤ على مواصلة النظر إلى الجدارية، فاستدار بعيدًا وسأل:

"هل وُجد الماء؟"


أجابت بان يوي وهي تجرّ باي سو:

"ذاك الغاغا ذهب ليتفقد."


كانت تقصد يين يو. ألقى شي ليان نظرة على باي سو، الذي ما يزال مغمض العينين، ثم بعد لحظة تردّد قرر أن يقول:

"أعتقد أنه عندما نتوجه لاحقًا إلى الفرن، سيكون من الأفضل أن يبقى الجنرال باي الصغير هنا."


فباي سو الآن في جسد بشري، مما يجعله عاجزًا في عدة جوانب. بالإضافة إلى أنهم لا يعرفون ما ينتظرهم هناك. جثا باي مينغ ليتفقده بدقة وقال:

"أتفق معك. لكن سموك ، أرجوك ألا تخبره بالسبب أمامه مباشرة. هذا الفتى سيفهم. دعه لي، سأشرح له بنفسي."


ابتسم شي ليان بهدوء وقال:

"لا تقلق، يا جنرال باي. لهذا السبب لم أقل ذلك إلا وهو فاقد الوعي."


فباي سو كان يومًا ما مسؤولًا شابًا واعدًا بمستقبل مشرق في السماء. والآن، أن يُترك خلف الآخرين لأنه لا يستطيع مجاراتهم، أمر من الطبيعي أن يجرحه. لكن الأخطاء تستوجب العقاب، وهذا هو شعور المنفى الحقيقي، ولا خيار أمامه سوى تقبّله.


ظلّوا في المعبد يتناقشون لبعض الوقت. ثم تساءل شي ليان بقلق:

"أين يين يو؟ لماذا لم يعد حتى الآن؟ هل عجز عن إيجاد الماء؟"


في تلك الأثناء، كان هوا تشينغ يحدّق في بعض فراشات الأشباح التي استقرت على أطراف أصابعه. لقد كانت نافعة جدًا لهم سابقًا، لكنها عادت الآن لتوفّر طاقتها. رفع بصره قليلًا وقال:

"لا ينبغي أن يستغرق الأمر كل هذا الوقت."


شعر شي ليان بالقلق، فنهض قائلًا:

"سأذهب لأتفقد الأمر. جنرال باي، راقب الأوضاع هنا. سان لانغ، ترافقني؟"


وبالطبع، لم يكن هوا تشينغ ليتردد. ترك شي ليان رويي خلفه، وربطها على شكل دائرة حماية، ثم خرج الاثنان معًا من المعبد واتجها نحو أعماق المدينة الجوفية.


كان الطريق مليئًا بالبيوت المهدّمة والأشياء المتناثرة. التقط شي ليان جرة أعجبته، فضحك هوا تشينغ وقال:

"ماذا تفعل بحملها؟"


أجاب شي ليان وهو يربّت عليها بعفوية:

"إن وجدنا ماء لاحقًا، نستطيع استخدامها لإحضار بعضه للجنرال باي الصغير. ثم إنها قطعة قديمة عمرها آلاف السنين."


ضحك هوا تشينغ وقال:

"إن كنت تحب مثل هذه الأشياء، تعال عندي لاحقًا. لدي بعض القطع أيضًا، وربما تجد ما يعجبك."


بعد نحو وقت حرق بخور، سمع الاثنان خرير ماء خافت. هتف شي ليان بحماس:

"هناك!"


كان بالفعل نهرًا خفيًا يتدفق في الأسفل. وضع شي ليان الجرة في الماء وبدأ يغسلها بحماسة. تراكم رماد آلاف السنين على سطحها كقشرة سميكة، لم ينفع الغسل في إزالته، لكنه تمكن على الأقل من تنظيف الغبار. ملأها بالماء، وانحنى ليشرب بنفسه، إلا أن هوا تشينغ ، الذي كان يتفقد المكان، التفت فجأة ورآه.


صرخ محذرًا:

"لا تشربه!"


كان شي ليان قد قرّب فمه بالفعل إلى الجرة، لكنه توقّف متسائلًا:

"ماذا؟"


وفجأة دوّى صوت غريب:

"ساخن..."


ارتجف شي ليان. لم يكن هناك سوى شخصين في المكان، فمن أين أتى هذا الصوت الثالث؟ رفع رأسه نحو مصدر الصوت، ثم أدرك أنه صادر من... الجرة في يده!


نظر داخلها، فإذا بنقطتين حمراوين صغيرتين تطفوان في الماء، تحدّقان فيه.


مهلًا... عينان!


وما إن التقت عيناهما بعيني ذلك الشيء، حتى اندفع مباشرة نحو وجهه! تناثر الماء بعنف، فتصرف شي ليان بسرعة، وقذف الجرة بعيدًا لتتحطم على الجدار بصوت مدوٍّ. تحطمت القطعة الأثرية التي تعود لآلاف السنين، بينما قفز المخلوق المجهول الذي كان بداخلها واختفى مسرعًا في الظلام. لم يرَ شي ليان شكله بوضوح، سوى أنه كان كتلة كبيرة سوداء تتحرك بسرعة.


قال شي ليان بقلق:

"ما كان ذلك الشيء؟"


كان هوا تشينغ واقفًا أمامه يحميه، بينما شعر شي ليان بشيء من الانقباض في صدره.

"ذلك المخلوق... لم يكن في الجرة منذ البداية، أليس كذلك؟"


أجاب هوا تشينغ :

"لا. لقد سبح إليها من النهر. غالبًا ما تسبح في هذا النهر المخفي مخلوقات تتجمع معًا، ولهذا حذرتك من شرب الماء."


فكّر شي ليان في نفسه بمرارة:

"لكنّك كنت ستترك الجنرال باي الصغير يشرب منه..."


وفجأة، شعر بقشعريرة باردة تسري في ظهره، فصرخ:

"من هناك؟!"


لقد سمع بوضوح صوت سعال بعيد! لم يكن وهمًا. فورًا شدّ انتباهه واستعد. وبعد لحظة قصيرة، بدأت أصوات غريبة تتصاعد من حولهما، كضجيج مدّ جارف. وفي كل اتجاه، توهجت أزواج من النقاط الحمراء المضيئة، تحيط بهما من كل الجهات.


قال هوا تشينغ بهدوء:

"لا تقلق، هؤلاء ليسوا بشرًا."


لكن شي ليان فكّر بقلق:

"وكونهم ليسوا بشرًا هو بالضبط ما يدعو للقلق..."


أرهف السمع، وحاول تمييز ما تقوله تلك الأصوات:


"كُح كُح..."


"حار... حار جدًا..."


"أنا أحترق..."


"ووووو..."


"أختنق... هل من أحد هناك..."


"لا أستطيع الحركة... لا أستطيع!"


كانت تلك الأصوات صغيرة، لكنها واضحة، ومليئة بالألم، كأن نملًا يغزو أذنيه. مد يده نحو سيف فانغ شين، لكن فجأة دوّى صوت حاد:


"يا صاحب السمو! أين أنت يا صاحب السمو؟؟ أنقذني، أنقذني!!!"


قفز قلب شي ليان من مكانه، وشعر بشعر عنقه ينتصب بالكامل. في تلك اللحظة ظن أن الصوت يناديه هو بالذات.


لكن هوا تشينغ لوّح بيده، فانطلقت آلاف من فراشات الأشباح الفضية لتهاجم تلك الأعين الحمراء المتوهجة!


ومع وميضها، كشفت عن أشكال الكائنات التي كانت تهتف في الظلام. وبالفعل، لم يكونوا بشرًا... كانوا فئرانًا!


أمسك هوا تشينغ بذراع شي ليان وقال:

"قلت لك من قبل إن الفئران كثيرة هنا. فلنرحل!"


قال شي ليان مذهولًا وهو يخطو:

"هذه فئران؟! أشكالها أقرب إلى القطط..."


كان محقًا. فكل فأر أكبر من هِرّة صغيرة، وفراؤهم أسود كالمداد، كثيف وحاد مثل الإبر، وعيونهم الحمراء تلمع بشراسة في الظلام. كثير منها كان يتسلق الجدران، يراقبهم عن كثب، وينطق بلسان البشر... مشهد يبعث على الرعب.


وبينما هاجمتهم الفراشات الفضية، انفجرت الفوضى. انقضّت على الفئران، فاشتعلت معركة دامية؛ ومضات الضوء الأحمر والفضي تقاطعت، غير واضح من الغالب، لكن العنف كان واضحًا.


تمتم شي ليان بقلق:

"هل يُعقل أن يكون يين يو قد سُحب بعيدًا على يد هذه المخلوقات؟"


أجاب هوا تشينغ :

"لا أظن أنه ضعيف لهذا الحد. لا بد أن شيئًا آخر عرقله."


أراحه الجزء الأول من كلامه قليلًا، لكن الجزء الأخير شدّ أعصابه مجددًا. فقال:

"دعك من حجمها، لكن لماذا هي كثيرة بهذا الشكل؟ بماذا تتغذى لتصبح بهذه الضخامة؟"


قال هوا تشينغ ببساطة:

"بالجثث، طبعًا. هذه كلها فئران آكلة للجثث."


اتضح أنه عندما غطّى الرماد البركاني هذه المدينة، لم يجد الناس ولا الحيوانات الكبيرة مثل الثيران والخيول والماشية مكانًا يلوذون به. وحدها الفئران حفرت عميقًا في الأرض، واعتمدت على الهواء المخزن والطعام المدفون في الكهوف لتصمد.


وبعد أن استقر الغبار، خرجت من جحورها تبحث عن الطعام في مدينة صارت جحيمًا. لكن كل شيء كان مدمرًا؛ إما طُمر بالحمم أو غطّاه الرماد. قرضت أشياء كثيرة دون جدوى، وظلت جائعة.


حتى جاء يوم التقطت فيه رائحة نتنة...


رائحة عفونة تسربت من تلك التماثيل البشرية المتحجرة. بعض الجثث كان مغلفًا بطبقة رقيقة من القشرة الرمادية، فبدأ يتحلل وتفوح منه رائحة، ويتسرب منه سائل نتن.


عندها، تجمّعت الفئران الجائعة حول التماثيل، حفرت ثقوبًا صغيرة وتسللت إلى الداخل، تنهش الجثث المحبوسة في القشرة.


لكن مع الجثث، ابتلعت أيضًا الرعب والغضب واليأس، وكل تلك المشاعر القوية التي خُتمت مع الأموات. وهكذا، استطاعت أن تنطق بلسان البشر، مرددة ما لم يستطع أولئك الناس قوله لحظة موتهم.


قال شي ليان وقد استوعب:

"فهمت... لهذا كانوا يقولون تلك الكلمات. كنت أتساءل لِمَ يرددون مثل هذا..."


لكن فجأة قال هوا تشينغ بحدة:

"ماذا قلت؟"


رمش شي ليان متفاجئًا:

"ماذا قلت أنا؟"


حدّق فيه هوا تشينغ بجدية:

"ماذا كانوا يقولون؟ ما الذي سمعتَه؟"


أجابه شي ليان:

"سان لانغ، ألم تسمع؟ كانوا يقولون فقط: 'حار جدًا'، 'أختنق'، 'لا أستطيع الحركة'، 'أنقذني'... وأمثال ذلك."


لكن قبل أن يرد هوا تشينغ ، اتسعت عينا شي ليان بدهشة.


لا... هناك خطأ!


تلك الفئران الآكلة للجثث لم تكن سوى ناقلة لكراهية شعب وويونغ، ومن الطبيعي أن أصواتها تكون بلغة وويونغ.


إذًا... كيف استطاع هو أن يفهم لغتهم؟!






يتبع...

  • فيس بوك
  • بنترست
  • تويتر
  • واتس اب
  • لينكد ان
  • بريد
author-img
Fojo team

عدد المقالات:

شاهد ايضا × +
إظهار التعليقات
  • تعليق عادي
  • تعليق متطور
  • عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق

X
ستحذف المقالات المحفوظة في المفضلة ، إذا تم تنظيف ذاكرة التخزين المؤقت للمتصفح أو إذا دخلت من متصفح آخر أو في وضع التصفح المتخفي