الفصل مئة وثمانية وستين : قمة نار الأشباح؛ التعويذة الكاشفة -١-.
لقد جاؤوا إلى جبل تونغ لو أيضًا!
تساءل شي ليان: "بما أن غوزي هنا، هل هذا يعني أن شي رونغ قد جاء أيضًا؟"
أجاب هوا تشينغ : "انظر إلى تلك الكرة من اللهب الأخضر فوق رأسها، لا شك في ذلك".
"...."
بدا أن غوزي كان خائفًا قليلًا من شوان جي، فظل جسده الصغير ساكنًا في ذراعيها لا يتحرك. لكن ربما لأن جسد شوان جي بارد ولم يكن مريحًا، فقد تململ سرًا بضع مرات. فورًا زجرته قائلة:
"لا تتحرك!"
في اللحظة التي فتحت فيها فمها، ومع توهج تلك الكرة من نار الأشباح الخضراء، بدت عضلات وجهها أكثر التواءً. كانت نار الأشباح هذه تعتبر الآن العلامة المميزة لـ "الشبح الأخضر"، شديدة القبح، ورأى شي ليان أن أي شبح أنثى ذو ذوق طبيعي ويهتم بصورته لن يقبل أبدًا بوضع مثل هذه الكرة الفاقعة من نار الأشباح فوق رأسه. بلا شك، كان شي رونغ هو من أجبرها على ارتدائها. كان اللهب الأخضر مع ثوب العرس الأحمر مشهدًا صادمًا يهاجم العيون، أكثر يأسًا حتى من إجبار أحد على ارتداء زي بشع للغاية.
توسل عوزي والدموع تملأ عينيه: "جيجي، بطني تؤلمني بعد أن شربت من ذلك الماء".
ماء؟! شعر شي ليان بعرق بارد. كان في تلك المياه الجوفية أسراب من الجرذان الآكلة للجثث تسبح. ورغم أنه قد لا يكون سامًا، فإن الأطفال أضعف بنية وقد يصابون بالإسهال بعد شربه.
كانت شوان جي بوضوح من النوع الذي لا يحب الأطفال، فلم يكن لديها صبر عليه. قالت: "تحمّل قليلًا، نحن عائدون بالفعل".
اختفت ظهورهم وذابوا في الظلام. لم يكن هناك داعٍ للمزيد؛ تبعهم شي ليان وهوا تشينغ بهدوء. وبعد أن لحقوا بشوان جي، انعطفوا عدة زوايا ودخلوا شارعًا رئيسيًا آخر. وفي نهاية الشارع كان هناك منزل فاخر بشكل خاص، وسمع صوت قادم من داخله؛ فلا شك أنه الوجهة.
في ظل الظلال، اندفع شي ليان وهوا تشينغ أولًا وقفزا فوق سقف المنزل، ومن خلال الشقوق تجسسا إلى الداخل. وبالفعل، كان شي رونغ جالسًا في وسط القاعة الكبرى لذلك القصر.
كان قد جلب عشرات من التماثيل الحجرية، وجعل رؤوسها تتجه نحوه؛ ولأن تلك التماثيل البشرية كانت ممددة على الأرض، فقد بدا وكأنها في خضوع كامل له. وهكذا استمتع بهذا "السجود" وهو يقضم ذراعًا، راضيًا عن نفسه. وفي الزاوية جلس عدد من المزارعين؛ أحدهم، رأسه منخفض، لا يكاد يُلحظ وجوده، كان يين يو!
كما اشتبهوا، فقد أسره شي رونغ. ورغم أن أحدًا لم يُقيد بالحبال، فقد كانت كرات من نار الأشباح الخضراء الدهنية تحوم فوق رؤوسهم جميعًا. وعند التدقيق، بدت مختلفة عن تلك البهرجة فوق رأس شوان جي. كانت هذه قد نمت لها الحواس الخمسة كاملة، وعيونها ضيقة إلى الأسفل، وتعلو وجوهها تعابير شريرة، تراقب بحزم الأشخاص أدناه.
همس شي ليان: "لابد أن لتلك الكرات من النار سرًا ما".
أجاب هوا تشينغ : "تلك أقفال نار الأشباح الخاصة بشي رونغ. متى ما ركزت عليك تلك النار، إن حاولت الهرب ستفعل تعويذة تحرقك حتى الموت فورًا".
كان شي رونغ يستمتع بقضم ذلك الذراع حين دوّى صوت شوان جي فجأة من الخارج:
"سيدي، لقد عدت".
على الفور رمى ذلك الذراع بعيدًا ومسح فمه الملطخ بالدماء. اندهش شي ليان قليلًا؛ ما كان ذلك التصرف؟ هل يخشى أن يراه أحد؟ هل من الممكن أن يأتي يوم يخجل فيه شي رونغ من أن يُرى وهو يأكل بتلك الطريقة؟
قبل أن تدخل شوان جي، أنزلت غوزي. هرول غوزي تا-تا-تا إلى الداخل، مسرعًا نحو شي رونغ. لكنه ما إن رآه حتى أشار إليه بإصبعه صارخًا:
"أبي يأكل أشياء سيئة بالسر مرة أخرى!"
"أنا لست كذلك!" رد شي رونغ.
اتهمه غوزي: "لقد شممت ذلك! فمك تفوح منه رائحة حين تأكله!"
رفع شي رونغ يده ونفخ عليها بضع مرات؛ لا بد أنه أدرك أن فمه مليء برائحة الدم والعفن. ولما لم يجد وسيلة لإنكار الأمر، غضب.
"اللعنة!! شوان جي! لماذا أحضرتيه فجأة؟ ألم أقل لك أن تُبقيه يتجول فترة أطول بينما آكل؟!"
دخلت شوان جي عائمة وشرحت: "كان يثير ضجة بسبب ألم بطنه بعد شرب الماء، فأعدته مبكرًا. سيدي، أرجوك لا تجعلني أعتني بالأطفال مرة أخرى، لا أعرف كيف أتعامل معه!"
رمقها شي رونغ بنظرة غاضبة وقال: "ماذا؟! ألستِ شبحًا أنثى؟! كيف لا تحب الأشباح الإناث رعاية الأطفال؟!"
لكنها ردت: "لكنه ليس طفلي أصلًا!"
شد غوزي طرف ثوب شي رونغ وقال: "أبي، لا تأكل تلك الأشياء بعد الآن، إنها ليست جيدة لك..."
ضاق شي رونغ ذرعًا بتذمره وزجره: "اذهب اذهب! لا تبق هنا لتزعج الناس. ما هذا؟ الأطفال يعظون الكبار؟ اخرج والعب وحدك!"
فلم يجد غوزي إلا أن يجر قدميه خارجًا ليلعب بالطين وحده. قبل أن يخرج، ألقى نظرة حزينة على الآخرين في المنزل.
ما إن غادر حتى قالت شوان جي: "سيدي، لا أفهم حقًا، لماذا تأخذه معك إن كنت تراه مزعجًا؟ لقد كان جائعًا، عطشًا، باكيًا، ومريضًا طوال الطريق. لو لم نصادف روح الجبل التي حملتنا، لظل يبطئنا".
ضحك شي رونغ بمرارة: "ابني الرخيص مُصمم على مناداتي أبي، فليكن! تِف، هراء، بالطبع السبب أنني سألتهم ذلك الغبي الصغير! لحم الأطفال طري جدًا، حتى من دون توابل سيكون شهيًا بما يكفي!"
سألته شوان جي: "ولماذا لم تأكله بعد إذًا؟"
تألق ضوء أخضر في عينيه وقال: "أنت لا تفهمين شيئًا! سأقتله بعد أن أسمنه! الأفضل دائمًا يُترك للنهاية! ثم إن لدينا الكثير من المؤن بعد، فلا داعي للعجلة!"
ثم رمقت يين يو وقالت: "أظن أن هذا الجديد الذي قبضت عليه مشبوه. مشبوه جدًا جدًا. سيدي، هل عرفت من أين جاء بالضبط؟"
لو عرف شي رونغ أن يين يو تابع لهوا تشينغ ، لأكله على الفور. لكن شي رونغ أجاب: "نعم، عرفته. هذا الوغد جاء مع سيدة المطر ليساعدها أيضًا".
أحيانًا يكون ضعف الحضور والشخصية المسطحة أمرًا جيدًا؛ فالناس عادة لا يربطون بين يين يو وزهرة المطر القرمزي. يبدو أن يين يو قد كذب بنجاح بشأن هويته. تنفس شي ليان الصعداء. لكن وجه شوان جي ازداد كآبة.
"هل لحقت بنا يوشي هوانغ إلى هنا بالفعل؟!"
قال شي رونغ: "لا، هذا الوغد وجد المدينة الجوفية صدفة، مثلنا. لم تعثر علينا سيدة المطر بعد. اللعنة!!! لماذا يصعب التعامل مع سيدة المطر هكذا؟ لاحقتنا بشدة حتى اضطررنا للاختباء هنا! لم نخطف سوى عدد قليل من هؤلاء المزارعين لنأكلهم، لماذا كل هذا البخل؟! مسؤولة سماوية أيضًا، كنت أعلم أن أي مسؤول سماوي ليس بخير! كلهم ضيقو الأفق وبخلاء!"
دائمًا ما يضر الآخرين أولًا ثم يتظاهر بالأهمية بعد ذلك. أنت أول من خطف مزارعين مساكين لم يتعرضوا لك، ثم تتذمر من أنهم لم يكونوا كرماء بما يكفي ليعطوك المزيد؟! كلامه جعل قبضتي شي ليان تحكم .
قالت شوان جي: "لماذا لا نطلق سراح هؤلاء الناس إذًا؟"
لكن شي رونغ بدا وكأن الفكرة نفسها مخزية، فحدق: "لا! لقد أكلت نصفهم بالفعل، لذا حتى لو أطلقت النصف الآخر فلا فائدة. إن أجبرتموني، سأحرقهم جميعًا حتى لا يستفيد أحد!"
ثم تمتم: "لم أظن أن الأمور ستؤول إلى هذا. سيدة المطر التي كنت أعرفها، سهلة التنمر، لم تكن هكذا من قبل. كنت أظن أنه حتى لو خطفنا أشخاصًا من مملكة يوشي، فسوف يُسدل الستار على الأمر وتُبتلع الإهانة؛ وهذا السبب الوحيد الذي جعلني أتجرأ. من كان يعلم أنه سيثير كل هذه المتاعب، بلا نهاية!"
اتضح أن شوان جي كانت تعرف سيدة المطر فعلًا، ولم تبدُ أنها تكن لها احترامًا كبيرًا. يبدو أنهما ربما عرفتا بعضهما حين كانتا بشرًا.
متذكرًا كل الأساطير، همس شي ليان: "هل يمكن أن تكون شوان جي قد كانت جنرالًا في مملكة يوشي؟"
قال هوا تشينغ : "لقد أصبت غاغا ، هذا صحيح".
احتار شي ليان: "لكن هذا غريب، أليست سيدة المطر من سلالة ملكية في يوشي، بمكانة رفيعة؟ أما شوان جي فلم تكن سوى جنرال، موظفة وضيعة، فكيف تجرؤ على احتقار ملكتها؟ بل وتقول شيئًا مثل "سهلة التنمر"..."
وقتها أجاب شي رونغ: "من يهتم بسيدة المطر الكلبة، فقط انتظروا حتى يصل هذا الملك الشبح إلى مستوى السيادة في الفرن! سأولد حينها بقوة تهز السماوات، وسيضطر الجميع إلى السقوط عند قدمي! سيركعون أمامي ويلعقون الطين تحت قدمي! بعدها، سأهدم مدينة الأشباح، وأغرق جزيرة المياه السوداء، وحتى جون وو سيتحتم عليه أن ينتبه أين يخطو. هاهاهاهاها..."
"...."
بينما كان ينسج الأكاذيب بسعادة متخيلًا قوته المستقبلية؛ لم يشعر شي ليان سوى بالرغبة في الضحك، لا شيء غير ذلك. أما هوا تشينغ فلم يكلّف نفسه حتى عناء السخرية.
ثم تابع شي رونغ قائلًا لشوان جي: "بعدها، سأقطع قضيب باي مينغ لأعطيكِ إياه لتلعبي به، وأجعله عبدك".
عند سماع هذا الاسم، قبضت شوان جي قبضتها، وومضت حياة على وجهها الشاحب: "لا حاجة! طالما وعدني سيدي أن يسلّمه لي لأتولى أمره بنفسي، سأكون ممتنة للغاية!"
حين لا يتعلق الأمر بباي مينغ، بدت شوان جي مثل شبح أنثى عادية بعض الشيء. لكن ما إن ذُكر الجنرال باي حتى رأى شي ليان ظل تلك الشبح المجنونة المهووسة من جبل يوجون. لقد وضعت أملها السخيف في شي رونغ؛ تصرف لا يوصف إلا بالجنون.
بالطبع، كان بإمكانهما الدخول مباشرة وضرب شي رونغ وشوان جي، لكن المزارعين ويين يو كانوا رهائن. وشخصية شي رونغ وقحة؛ لو أنه مع كل لكمة يحرق شخصًا، فسوف يخسران. وكما قال، إن أجبر على ذلك قد يحرق الجميع.
لم يكن هوا تشينغ قلقًا البتة، وقال: "هناك تعويذة لفتح أقفال نار الأشباح لشي رونغ. دعنا نفكر في طريقة لخداعه ليبوح بها أولًا".
قال شي ليان: "لكن من سيفعل ذلك؟ كيف نخدعه؟ نحن بالتأكيد لا يمكننا أن نكون من يفعل".
وما إن قال ذلك، حتى وقعت أعينهما في نفس اللحظة على غوزي، الذي كان يلعب بالطين خارج القصر.
بعد صمت قصير، قال شي ليان: "لا يصلح. هذا خطير جدًا. شي رونغ بالفعل يفكر في أكل غوزي، ماذا لو كشف الخداع..."
قال هوا تشينغ : "سواء كان دماغه أصلًا قادرًا على فهم الخدع أم لا، فإن خطط لفعل أي شيء بالطفل، يمكننا أن نتدخل وننقذه. لماذا لا يقلق غاغا بدلًا من ذلك بشأن ما إذا كان هذا الطفل، بعد أن بقي مع شي رونغ طويلًا، قد تأثر به وما إذا كانت حالته العقلية ما تزال طبيعية".
فبعد أن تبع شي رونغ طويلًا، من الصعب فعلًا الجزم ما إذا لم يكن قد أصبح مشوهًا نفسيًا.
قال شي ليان: "لنجرّب إذًا؟"
ففتح هوا تشينغ أصابعه وأطلق فراشة فضية صغيرة جدًا من راحة يده. راحت ترفرف ببطء.
كان شي رونغ وشوان جي لا يزالان يتحدثان في الداخل، بينما كان غوزي في الخارج يرسم أشكالًا في الطين؛ صورة لشخص كبير يمسك يد شخص صغير. فجأة، رأى فراشة فضية تبعث ضوءًا خافتًا. رفع رأسه فورًا، واتسعت عيناه، وكان على وشك أن يقول "واو!" حين جاءه صوت هامس من الفراشة:
"غوزي، لا تتكلم. إن تكلمت سأختفي فورًا. إنه أنا. هل تتذكرني؟"
لو أنه صرخ، لكان هوا تشينغ قد استخدم الفراشة ليلخبط عقله. لكن غوزي غطى فمه بنفسه، مطيعًا بالفعل.
همس مجيبًا: "أتذكر. إنه صوت الأخ جامع الخردة".
ضحك شي ليان محرجًا: "هاهاها، يا لذاكرة الجيدة. نعم، أنا هو، الرجل جامع الخردة. تسلل قليلًا إلى الجانب هنا، لا تدع شي... لا تدع أباك يلاحظ".
أومأ غوزي. وقف على قدميه وكان على وشك التسلل بعيدًا، لكن شي رونغ، الذي كان داخل القصر، انتبه.
صرخ: "هي! لا تركض هكذا بلا وعي، تسمعني؟ ابقَ هنا ولا تذهب لأي مكان، الجرذان الكبيرة ستأكلك! عد إلى هنا!"
يتبع...
تعليقات: (0) إضافة تعليق