Ch43 GHLCS
ظلّت المصابيح في فناء جينيان تانغ مضاءة حتى الصباح —
وعندما دخلت الخادمة تشان يي حاملةً الماء ليغسل
وجهه ، فوجئت بأن شو هانغ كان نائمًا جالسًا على الطاولة
و لا يزال يرتدي ملابس الأمس ، وقد احترقت الشموع على
الطاولة كلها حتى نهايتها
: “ السيد الشاب ؟”
نادته بصوت خافت ، فاستيقظ شو هانغ فجأة
رفع رأسه بسرعة ، وفرك عينيه ، وسأل :
“ هل عاد ؟”
: “ من؟ القائد دوان ؟” وضعت تشان يي حوض الغسل جانبًا :
“ لا، لم يأتِي الليلة الماضية .”
نظر شو هانغ إلى الخارج ، فرأى أن الشمس قد ارتفعت بالفعل
شعر بأن هناك أمرًا غير طبيعي ، فنهض وخرج —-
نادته تشان يي بسرعة :
“ سيدي الشاب لم تغسل وجهك بعد ، إلى أين تذهب ؟”
أعاده النداء إلى وعيه للحظة ، لكنه استدار فورًا ، أخذ
حقيبة الأدوات الطبية من الرف ، دسّها في حقيبته ،
ثم اندفع خارجًا من جديد
ومهما نادته تشان يي من خلفه ، لم يلتفت
استوقف شو هانغ عربة ريكشا، وتوجّه مسرعًا إلى شياوتونغ غوان
لم يعترضه الحراس ، فدخل مباشرةً
ركض إلى غرفة دوان ييلين ، وكاد يقتحمها دون طرق ، لكنه وجد الباب مقفلًا
—— ودوان ييلين…
لا يغلق بابه أبدًا —-
لم يجد أمامه إلا أن يطرق الباب
وبعد لحظات ، سُمع صوت طقة خفيفة من القفل ، وانفتح الباب ببطء
كان دوان ييلين مرتّب الهيئة ، وما إن رأى شو هانغ حتى رفع حاجبيه بدهشة :
“ لماذا أتيت إلى هنا ؟”
دخل شو هانغ الغرفة مائلًا ، وأمسك بكمّ دوان ييلين محاولًا نزعه
تراجع دوان ييلين خطوتين وهو يمسك بيده مبتسمًا :
“ ماذا تفعل ؟
أتيت لتتشاجر معي في هذا الصباح الباكر ؟”
: “ ماذا فعلتَ الليلة الماضية؟”
: “ ذهبتُ إلى منزل العم تشياو الرابع لنتذكّر بعض الأمور ...
تأخّر الوقت ، ولم أرغب إزعاج نومك ، لذا لم أذهب إلى فناء جينيان تانغ .”
قال ذلك وهو يُخرج قلادة الفراشة من جيبه ، ثم أضاف:
“ أتيت من أجل هذا أليس كذلك ؟ احتفظ بها جيدًا
ولا تدع أحدًا يراها .”
كان شو هانغ يريد القلادة فعلًا ، لكن هذا ليس هدفه الحقيقي الآن
مدّ يده متظاهرًا بأنه سيأخذها ،
وقبل أن تلمسها أصابعه ، غيّر اتجاهه فجأة ، و أمسك
بقميص دوان ييلين وشدّه بقوّة —-
صوت تقطيع
تمزّق القميص ، كاشفًا عن جرح ملفوف بضماد على عجل،
وقد تسلّل الدم عبر القماش—إصابة حديثة بلا شك
تقلّصت حدقتا شو هانغ للحظة ،
وكأنه كان يتوقّع ذلك :
“ كما ظننت… توقّعي كان صحيح ”
تجمّد دوان ييلين من الصدمة بعد أن كُشف تمويهه ،
ومدّ يده بسرعة ليغطي قميصه الممزّق بذعر
لكن شو هانغ دفع كتفيه ، وأجبره على الجلوس ،
وأخرج حقيبة الأدوات الطبية من بين ذراعيه ، وقال بنبرة لا تقبل الرفض :
“ اخلعه . سأعيد تضميده "
تنهد دوان ييلين تنهيدة طويلة ، ثم خلع قميصه الممزّق
على مضض ، بينما فكّ شو هانغ الضماد القديم بحذر شديد
أدار دوان ييلين ظهره له وسأله:
“ كيف عرفت ؟”
قال شو هانغ وهو يعمل بهدوء :
“ أنت من حدّثتني عن العم تشياو الرابع من قبل .”
شقّ شو هانغ الأماكن التي تعذّر تمزيقها ، فرأى أن الجروح
كانت آثار جلد بعصا من خيزران
نحو عشرين أو ثلاثين أثر ، كبير وصغير ،
لم تصل إلى العظم ، لكن الجلد واللحم كانا ممزّقين تمزيقًا شديد
تابع شو هانغ : “ و قلتَ إن عمّك الرابع كان في شبابه متجوّل ،
خاض كل شيء — من الغشّ والخداع إلى السرقة
— ثم التحق بالجيش لاحقًا ،
وقبل وفاة والدك ، أوكلك إليه ، فظلّ وفيًّا له إلى النهاية .
كان يراقبك بصرامة ، وإن أخطأت ، عاقبك بيده .”
كان دوان ييلين قد ذكر هذا لشو هانغ على سبيل الحديث العابر
ولولا وجه تشياو داوسانغ القاتم المرعب في الليلة
الماضية ، لما تذكّر شو هانغ الأمر أصلًا
وبخبرة الرجل العجوز في دهاليز العالم السفلي ، كيف
يمكن لحِيَل دوان ييلين الصغيرة أن تخفى عن عينيه الحادّتين ؟
عدم مواجهته علنًا — كان — أولًا — حمايةً لضعفه ،
وثانيًا — تأديبًا له على انفراد —
ومع ذلك ، صُدم شو هانغ من شدّة الضرب
ابتسم دوان ييلين وقال بخفّة:
“ كان العم تشياو خائفًا أن أصبح مفرطًا في الحماية ، وأن أفقد الإحساس بالحدود ، فأراد أن يؤدّبني
لا تنخدع بشكل الجروح ، لقد كان حذرًا جدًا في ضربه
لا تؤلمني ، وليست أمرًا خطير .”
نثر شو هانغ مسحوق الدواء على الجروح وقال ببرود :
“ أنا طبيب . أعرف مدى خطورة هذه الإصابات .”
سكت دوان ييلين ، و شعر بضيقٍ عاجز ، بينما واصل شو
هانغ معالجة جميع الجروح ، كبيرها وصغيرها ، ثم لفّها بضمادات جديدة
ولكي يربط الضمادات ، طلب شو هانغ من دوان ييلين أن يمدّ ذراعيه
و انتقل من خلفه إلى الأمام ، وجثا أمامه ، ثم مدّ يديه خلف
ظهره ليعقد الرباط
في هذه الوضعية — استقرّ ذقن شو هانغ بخفّة على كتف دوان ييلين
و همس قرب أذنه ، بصوتٍ لا يكاد يُسمَع :
“…أنا آسف ”
بدت كلّ الجروح وكأنها بدأت تحكّ —-
وتلك الجملة كانت كالنمل ،
تزحف على صيوان الأذن ، ثم تتسلّل إلى جسد دوان ييلين،
وتُحدث رجّة خفيفة داخله
هذه أول مرّة يعتذر فيها شو هانغ له
واحتاج دوان ييلين لحظةً كاملة ليقنع نفسه بأن ما سمعه
لم يكن مجرّد وهم سمعي
شبك دوان ييلين يديه معًا، واستغلّ الوضع ليجذب شو
هانغ بقوّة إلى صدره
التصقا ببعضهما ، حتى صار خفقان قلبيهما متقارب ، كأنه ينبض بإيقاع واحد
قال دوان ييلين وهو يدفن رأسه في عنق شو هانغ
ويستنشق بعمق كقطٍّ كبير يتدلّل على من يحب:
“ أجئتَ لأنك كنتَ قلقًا عليّ ؟”
: “ أنا من تسبّبتُ لك بالمشاكل ،،
و لم يكن عليك أن تتحمّل هذا .”
: “ لأنك تحبّ ذلك ...” قالها دوان ييلين وهو يقبّله قبلة خفيفة على عنقه :
“ سأبذل جهدي لأعطيك ما تريد ، ما دمتُ قادرًا ”
تحرّر شو هانغ من بين ذراعيه ، ونظر إليه مباشرةً :
“ أنت لا تعرف أصلًا لماذا فعلتُ ذلك ،، ألا تشكّ بي؟”
لمس دوان ييلين وجهه ، و عيناه صافية إلى حدّ يسمح
للمرء أن يرى ما في قلبه بلا حواجز و قال بصراحة :
“ ألم تقل إنك تأمل ألّا أسألك ؟ أنا لا أشكّ بك "
كان وقع هذه الكلمات على قلب شو هانغ كجرسٍ ضُرب بقوّة ———
وظلّ صداه يتردّد طويلًا ———
حدّق في دوان ييلين باحثًا عن أي أثر للتصنّع أو المجاملة…
لكن لم يكن هناك شيء
أنزل رأسه وأمسك بمعصم دوان ييلين ، وارتجفت أصابعه قليلًا ،
كأنه يختبر شيئًا ما
وحين رفع رأسه من جديد، ارتخت يده
قال بهدوء:
“ تلك القلادة… كانت زينةً ترتديها والدتي الراحلة ،
جاءت بها من منزل عائلتها ،،
عندما عمّت الفوضى في شوتشنغ نُهب منزل عائلتها على يد زعماء الحرب
و ربما أُعطيت لاحقًا لليابانيين كهديّة "
: “ لهذا كنتَ تراقب كوروميا كيكو طوال الليلة الماضية ؟”
: “ ممم .”
ضحك دوان ييلين
{ اتّضح أنني كنت أغار بلا سبب من قلادة لا غير }
لكن فرحته كانت أكبر—
لأن شو هانغ أخبره — لأول مرة — بشيءٍ من ماضيه
حتى لو كان جزءًا صغيرًا ،
فقد شعر دوان ييلين وكأنه نال نعمة ثمينة ——-
عانقه :
“ كان بإمكانك أن تخبرني ،، وسأجد طريقة لاستعادتها لك "
شو هانغ:
“ لا أريد أن يعرف أحد . لهذا كان هذا أفضل حل ”
وضع دوان ييلين شو هانغ مستلقيًا على ساقيه
تحرّك شو هانغ قليلًا :
“ جرحك…”
شدّه دوان ييلين إلى صدره : “ لا تشغل بالك به "
ولم يشعر ولو لوهلة أن ضرب تشياو داوسانغ له في الليلة الماضية كان هدرًا ———
{ فالآن …
تمكّنتُ أخيرًا من جعل شو هانغ يفتح قلبه قليلًا ،
وهو ما كنتُ أتوق إليه طوال السنوات الأربعة الماضية }
تقبّل شو هانغ هذا القرب ، و هدأ بين ذراعيه
وبعد لحظة ، تذكّر أمرًا آخر وسأل:
“ من الذي حاول قتلك الليلة الماضية ؟ هل أمسكتم به؟”
: “ ليس بعد ،، سأواصل التحقيق
عاجلًا أم آجلًا سيظهر شيء ”
في زمن الفوضى ، الأخطار في كل مكان ،
لا يهمّ من يمسك بالسكين ،
بل المهمّ أن تكون قادرًا على الصمود أمام السهام الخفيّة والرماح العلنية —
والآن، صار لدوان ييلين نقطة ضعف ،
لذا عليه أن يكون بلا ثغرات
لكن شو هانغ أخفى أمرًا واحد في قلبه ——
—- في الليلة الماضية …
قد تعرّف على أحد القتلة —-
يتبع
تعليقات: (0) إضافة تعليق