Ch18 Toya
كانت نظرة باي شينغتشو عميقة وبعيدة — كأنها أمواج تتحرّك في محيط شاسع —-
و هذه الأمواج ارتطمت بقلب
شيا شينغهي — فأربكت إيقاعه ، وجعلت نبضه يخطئ ضربتين
ثانية…
ثانيتان…
ثم انحنت شفتا باي شينغتشو بابتسامة خفيفة
انتبه شيا شينغهي فجأة ، وكأنه أُعيد إلى الواقع —-
تنحنح بسرعة ، وكبح ابتسامته بسرعة ،
وهو يفرك أنفه بإحراج ، قال :
“ لقد عدت إلى المنزل مبكرًا اليوم ”
عبس باي شينغتشو بحاجبيه قليلًا ، وكأنه غير راضٍ عن تغيّر
موقف شيا شينغهي المفاجئ —- لكن ذلك لم يدم سوى
لحظة ، ثم عادت ملامحه إلى بروده المعتاد
“ ليس مبكرًا ….”
تفحّص هاتفه متعمّدًا مجدداً ، ثم قال بدقّة :
“ الوقت الآن الثامنة وثلاث عشرة دقيقة مساءً —-
وقت انتهاء الدوام الطبيعي الثامنة تمامًا —-
تغيير الملابس يستغرق خمس دقائق —-
المشي من المكتب إلى هنا ثماني دقائق —
هامش الخطأ : أقل من دقيقة .”
شيا شينغهي: “…….…”
{ حسنًا ، هذا القدر من الدقّة لم يكن ضروريًا فعلًا ….
لو كان عليّ أن أصف حالتي الآن ، فستكون :
' محرج ' — لا — بل محرج جدًا }
عادةً ، كان شيا يغادر عند الثالثة عصرًا ويعود إلى منزله بين
الخامسة والسادسة ، ونادرًا يصادف باي شينغتشو
و هذه المرة انجرف خلف حماسه ونسي الوقت تمامًا
ولم يدرك أن الظلام حلّ إلا الآن
و أن يلتقيا هكذا ، في وضع غير واضح ولا محدد… الرجل
الذي أمامه مألوف وغريب في آنٍ واحد
شد شيا شينغهي شفتيه ، ولم يعرف ماذا يقول
لقد تقاربا يومًا ، ثم اختلفا ، ثم افترقا أربعة سنوات
الفجوة بينهما لم تكن جسدية فقط ، بل شعورية أيضًا
لم يستطع شيا شينغهي يومًا أن يفهم قلب باي شينغتشو
ولهذا بعد أن أحبّه ثم افترق عنه ، تلاشت شجاعته كلها
في الماضي كان يتعلّق بباي شينغتشو بحماس صافي ،
أمّا الآن —- فحتى مع مسافة لا تتجاوز خمسين سنتيمترًا
بينهما ، لم يعد يملك الجرأة على الكلام
كان الجو ثقيلًا وراكد —- والهواء مشحونًا بتوتر صامت
بدا أن باي شينغتشو غير راضٍ عن هذا الصمت ، فكسره أخيرًا :
“ قلتَ قبل قليل إن ساق تشي الخلفية تستطيع لمس الأرض ؟”
“… نعم ….” تنهد شيا شينغهي ، ثم تابع :
“ معظم الوقت ما تزال مرفوعة ، لكن أحيانًا… تشي
يستطيع إنزالها .”
لوّح شيا شينغهي بيده نحو تشي ، ورمى القرص بيد واحدة ليُريه عمليًا :
“ تشي ! تعال ! هل تريد أن تلعب؟ ”
حين كان يكلّم تشي ، عادت الابتسامة تلقائيًا إلى وجهه و ركض تشي بسعادة ،
يلهث بمرح ، وأعاد القرص بسرعة
: “ أحسنت يا فتى ...” ربّت شيا شينغهي على عنقه وأطعمه
بضع مكافآت : “ مجدداً ؟”
رمش تشي بعينيه ، ثم اندفع بحماس مرة أخرى
و بعد عدّة مرات ، بدأ تشي يلهث من التعب
شجّعه شيا شينغهي بربتة خفيفة ، ولم يُجبره على المتابعة
تشتهر كلاب السامويد بابتسامتها الدائمة ، و تشي لم يكن استثناء
يكون متحفّظ مع الغرباء ، لكن ما إن يطمئن حتى يصبح لعوبًا ومحبًا
ككرة كبيرة من القطن الأبيض ، وحين لم يعد يطارد
القرص ، وقف بين الرجلين يهزّ ذيله — يدلّل ساق باي
شينغتشو مرة ، ويشدّ طرف بنطال شيا شينغهي مرة أخرى
بوجود هذا الملاك المبتسم بينهما ، بدأ الإحراج يذوب ببطء
وبعد بضع اندفاعات ، بات وضع تشي واضح —ساقه
الخلفية تستطيع فعلًا لمس الأرض
رغم أنه ما زال يركض وهو يعرج في أغلب الأحيان ، إلا أنه
حين يتحمّس ، تعود ساقه الخلفية إلى طبيعتها بشكل لا
واعٍ—تمامًا كما قال الطبيب سابقًا
إصابة تشي قد شُفيت منذ زمن ؛ العرج المتبقي كان نفسيًا فقط
وهو ما يزال يحتكّ ببنطال شيا شينغهي كطفلٍ مدلّل ،
بدا تشي لطيفًا على نحو خاص
تغيّر تعبير باي شينغتشو قليلًا ، وارتسمت ابتسامة خفيفة عند طرف شفتيه : “ هذا رائع ….”
توقّف لحظة ، ثم أضاف بصوت منخفض :
“…كنتُ مخطئ .”
تجمّد شيا شينغهي لثانية قبل أن يدرك أن باي شينغتشو
يقصد خلافهما السابق و شعر بالحرج من أن ينسب الفضل لنفسه وحده ، فقال:
“ في الحقيقة سألتُ شخص آخر أيضًا .”
والحقيقة أن طريقتيهما في البداية لم تكونا صحيحتين تمامًا
كان باي شينغتشو يعتقد أن لا حاجة للتعبير عن أي شيء لـ
تشي ، لذا لم يحاول أصلًا
أما شيا شينغهي فرغم حماسه للتواصل ، كان يتصرّف بناءً
على افتراضاته وحدها—وحين لم يتلقَّى استجابة ، كاد يستسلم ،
لم يخطر بباله أن المشكلة ربما لم تكن في النية ، بل في
اختلاف أسلوب التعبير ، وأن المشاعر ببساطة… لم تصل كما ينبغي
تردّد شيا شينغهي قليلًا غير متأكد كيف يشرح ما علّمته له
العمة تشانغ، لكن باي شينغتشو لم يبدُو وكأنه يهتم
ثبت عيناه الفاتحة على شيا ، وانحنت شفتاه قليلًا :
“ أنت مذهل .”
خفق قلب شيا شينغهي خفقتين متتاليتين و همهم
بخفوت: “مم”، ثم أبعد نظره لا شعوريًا
نادرًا يسمع من باي شينغتشو مديح مباشر كهذا ، وفي هذه
اللحظة ، تبخّر كل ما كان ينوي قوله
وحتى لو طُلب منه الشرح ، فغالبًا لن يستطيع أن يقول شيئًا
بشكل متماسك —فالتواصل لم يكن يومًا سهلًا ، لا بين
إنسان وكلب ، ولا بين إنسانين
—————
ما إن تُخطى الخطوة الأولى ، حتى يصبح الطريق بعدها أكثر سلاسة
كان هذا ينطبق ليس فقط على تدريب تشي ، بل على العلاقة بينهما أيضًا
بعد ذلك اليوم ، واصل شيا شينغهي المجيء للمساعدة في إعادة تأهيل تشي ، لكنه لم يعد يتعمّد تجنّب باي شينغتشو و أحيانًا حين يتصادف لقاؤهما ، كانا يتبادلان ابتسامة خفيفة —-
ثم يعود شيا شينغهي للّعب مع تشي ، بينما إمّا
يعود باي شينغتشو إلى غرفته للعمل، أو يقف قريبًا يراقب بصمت
لم يكن بينهما كثير من الكلام ، لكن تفاهم صامت بدا وكأنه
تشكّل بينهما دون قصد
ظلّ الماضي عالقًا في ذاكرتيهما ، لكن أياً منهما لم يعد يفتحه من جديد
بعد انفصالهما شعر شيا شينغهي بندمٍ عابر على اندفاعه ،
لكن باي شينغتشو قد قرّر بحزم السفر للخارج لنيل الدكتوراه ، ولم يترك أي مجال لإقناعه بالبقاء
في الحقيقة كان باي شينغتشو يخطط للدراسة في الخارج منذ البداية و كان يملك رؤية واضحة لمستقبله ،
وكان شيا شينغهي يدرك جيدًا أنه لم يكن جزءًا من تلك الخطة
إدراك ذلك كان مؤلمًا — كأن آلاف النمل تزحف على قلبه ،
مرّة وحامضة في آنٍ واحد
لكن حين تخلّى عنه حقًا ، شعر بالسلام
ومع تقدّمه في العمر ، ازداد فهمه أن الحب ليس سوى جزء صغير من الحياة
قد يجلب الفرح ، والألم ، والتعلّق ، لكنه ليس أمرًا لا غنى عنه
و أحيانًا حين يسترجع الماضي ، يتنهّد أو يشعر بشيء من
الحنين—لكن الحياة لا بد أن تستمر
و مرّ الوقت سريعًا ، وحلّ عطلة نهاية الأسبوع في الأسبوع الثاني
خلال هذه الفترة كان شيا شينغهي يحافظ على نظام نوم مبكر واستيقاظ مبكر
حين استيقظ كانت الساعة قد تجاوزت السادسة بقليل
سخّن كوب من الحليب في المايكرويف ، وقلى بيضة
ووضعها داخل قطعة خبز ، وأثناء الانتظار ، فتح اللابتوب على مكتبه
كان شيا شينغهي معتاد على السهر حتى الظهر ، لكن مؤخرًا،
مع ضبط روتينه ، أصبح يكتب جزءًا من عمله ليلًا ويكمل البقية في الصباح
ازدادت كفاءته ، وتحسّن نومه أيضًا
أنهى إفطاره بسرعة ، وفتح مشروعه ليستكمل كتابة الرواية
التي لم يُنهيها ليلة البارحة
لم تكن هذه الرواية الجديدة الأسهل في الكتابة — ليس
بسبب الحبكة ، بل بسبب التفاصيل
من ناحية الحبكة ، كانت تعليقات القراء ممتازة
فكثيرون قالوا: [ هذه أول مرة أقرأ شيئًا كهذا ،
لكنني انجذبت له فورًا ]
[ التفاصيل الصغيرة مختلفة — فوضوية ودقيقة ، وتتعلق
بمعرفة مهنية لا يمكن اختلاقها ببساطة ]
لقد أمضى أكثر من نصف شهر في المستشفى من قبل،
وشهد تقلبات الحياة فيها—دفئها وبرودتها
لذا قرر أن يكون صاحب الكلب في القصة طبيب
لكن الطب مجال عالي الاحترافية ؛ إذا لم تكن من داخل المجال ، فيصعب الكتابة بدقة
قضى شيا شينغهي نصف أيامه في البحث عن المعلومات
و أحيانًا كان القراء الدقيقون يلاحظون الأخطاء ، فلا يجد
أمامه سوى أن يصبح أكثر حذرًا في كتابته
جلس أمام الجهاز لساعات ، و ارتفعت الشمس في السماء
و بعد مراجعة الفصل الجديد والتأكد من سلامته ، رفعه
إلى مجلد المسودات في نظام الخلفية
أبلغ النظام بأنه تم حفظ الملف بنجاح و تنهد تنهيدة ارتياح
أخيرًا ، أغلق اللابتوب ، واستلقى نصف استلقاء على الأريكة
الناعمة القريبة ، متصفحًا هاتفه في وضع مريح
في اللحظة التي أضاء فيها هاتفه ، ظهرت رسالة على ويتشات في نفس الوقت
[ باي : مرحبًا ؟]
[ باي : سأأخذ تشي للفحص غدًا — هل تريد القيام بتدريب اليوم معًا ؟]
[ باي : لم تنهض بعد ؟] —- أُرسلت هذه الرسالة قبل دقيقتين فقط
حتى في هذا النبرة العادية ، كان هناك لمحة من الاستياء
شيا شينغهي يعرف هذا الإصدار من باي شينغتشو جيدًا جدًا
ابتسم ابتسامة معرفة ، وكاد أن يتخيل حاجبيه معقودين قليلًا بتعبير منزعج
{ عليّ أن أعترف — حتى حين يعبس باي شينغتشو يكون لا يزال يبدو رائع }
تذكر شيا شينغهي مرة حين أغضبه دون قصد —-
و حين عبس باي وكان على وشك الانفجار ،
قال شيا شينغهي بلا تفكير :
" حتى وأنت عابس تبدو وسيم ! "
" ……"
تجمد باي شينغتشو للحظة ، أدار رأسه بعيدًا ولم يقل شيئ بعد ذلك
ظن شيا شينغهي أن اللحظة قد مرت — إلا أنه في تلك
الليلة لاحقًا ، قرر باي شينغتشو الانتقام منه بوضوح
و عبث معه طويلًا ، ولم يتوقف إلا بعد أن بكى شيا شينغهي
وتوسل قائلاً : " لن أكررها مجدداً "
{ التفكير في الماضي يكون ممتع أحيانًا — لكن ذلك كل ما
يمكن أن يكون الآن ، مجرد ذكرى ، لا شيء يمكن عيشه مجددًا }
عاد شيا شينغهي بأفكاره المتجولة وأجاب على رسالة باي شينغتشو
[ شياو تشي : لقد استيقظت منذ فترة ... كنت مشغول بالكتابة .]
[شياو تشي: إذا كنت بحاجة لي، أنا مستعد للانضمام إليك .]
للنزاهة و بعيدًا عن علاقتهما السابقة ، كان باي شينغتشو شخص مثيرًا للإعجاب جدًا
على الرغم من بروده وانعزاله العاطفي ، إلا أن كل ما يتعامل معه يكون مثالي تمامًا
أحيانًا يطلب شيا شينغهي من باي شينغتشو تسجيل بيانات
تدريب تشي —المدة ، عدد اللفات، الخطوات… كل الأرقام المعقدة
لكن باي شينغتشو ينظم كل شيء بدقة ، دون أخطاء.
ولم يكتفي بذلك ، بل جعل السجلات عملية أيضًا —
استخدم جداول بسيطة لترتيب وتصنيف البيانات الأساسية
و كان من السهل قراءتها — حتى لشخص من قسم الأدب الحر مثل شيا شينغهي —- الذي عادةً يصاب بصداع
لمجرد النظر للأرقام ،،، لذا لم يكن لديه أي مانع من العمل
معه في تدريب تشي
و بعد ثانية من إرساله رسالته ، رد باي شينغتشو :
[ باي : حسنًا .]
—————-
بحلول الساعة الرابعة عصرًا ، بدأ الظلام يخيّم على السماء
الشمس اختبأت خلف الغيوم
تحقق شيا شينغهي من النشرة الجوية وأدرك أن الطقس
سيتجه نحو المطر اليوم
لكن بما أنه قد وضع خطط بالفعل مع باي شينغتشو ، لم يرغب في التراجع
فغير ملابسه ، أخذ مظلة ، وتوجه إلى منزل باي شينغتشو
في الموعد المعتاد
كان باي شينغتشو ينتظره بالفعل في الفناء
و بعد تبادل سريع للكلمات ، بدأ شيا شينغهي مباشرةً بتدريب تشي
كان تشي مألوف جدًا بالروتين
و لحظة رؤيته لشيا شينغهي يسحب القرص الأصفر من
حقيبته ، بدأ ينبح بحماس ، وذيله يهتز مثل زهرة بيضاء ناعمة
لم يكن الطقس جيدًا — غيوم داكنة تخيم في السماء ورياح
الخريف تثير الغبار على الأرض—لكن بفضل تعاونهم
السلس ، سارت الأمور على ما يرام
تولى شيا شينغهي التدريب ، بينما حرص باي شينغتشو على تسجيل البيانات
و مر الوقت دون أن يلاحظاه ، واكتمل التدريب اليومي
بسلاسة ، دون أن يؤثر الطقس الكئيب على سيره
و بعد الانتهاء من آخر جولة ، جعل شيا شينغهي تشي
يستلقي كالمعتاد ليتمكن من تدليك ساقيه
لكن لحظة بدء التدليك ، انفجر صوت رعد مدوٍ بالقرب من أذنه
و هبت رياح قوية وأثارت الغبار بينما وصل المطر الغزير
المتنبأ به في الوقت المحدد
قطرات المطر عنيفة وسريعة ، تتساقط كالأنهار
ركض الثلاثة—شيا شينغهي وباي شينغتشو و تشي—تحت
المظلة لتجنب المطر ، لكن المظلة كانت ضيقة ومكشوفة من الجوانب ،
فاستمرت بعض قطرات المطر في الوصول إليهم
عبس باي شينغتشو قليلًا وسأل : " هل تريد أن تدخل للحظات ؟ "
تردد شيا شينغهي للحظة قبل أن يوافق : " إذاً … شكرًا "
استلقى تشي تحت المظلة يراقب المطر ورفض الدخول،
لكن شيا شينغهي تبع باي شينغتشو إلى الداخل
لم يتوقع شيا حقًا أن يستمر المطر كل هذا الوقت—لدرجة
أنه لن يتمكن من العودة إلى منزله طوال الليلة —-
يتبع
تعليقات: (0) إضافة تعليق