Ch27 Toya
لم يكن شيا شينغهي مستعدًا إطلاقًا لهذه الرسالة القادمة
من ذلك القارئ ذو الاسم العشوائي
صحيح أن هذا القارئ رافقه لعدة سنوات ، لكنهما بالكاد كانا يتحدثان
باستثناء الفترة الأولى ، حين كان يتلقى منه كلمات تشجيع
متكررة ، فإنهما خلال العامين الماضية نادرًا تواصلا
كان شيا شينغهي يفكر به دائمًا ، ويرسل له رسالة من حين
لآخر ، لكن الرد كان يأتي متأخرًا في كل مرة ،
وغالبًا لا يتجاوز بضع كلمات مختصرة ، باردة إلى درجة أن
المسافة كانت تُحَسّ من خلف الشاشة
و كان من المستحيل ألا يشعر بخيبة أمل بسيطة ، لكنه كان
يواسي نفسه دائمًا بأن العلاقة بين الكاتب والقارئ هشّة بطبيعتها ،
و أن يسير شخصان معًا لفترة من الزمن هو أمر نادر أصلًا ،
ومن الطبيعي أن يتفرّق الناس في النهاية
لذا حين رأى هذه الرسالة فجأة ، كان أول رد فعل لديه هو عدم التصديق
بل إنه تفحّصها أكثر من مرة ، قبل أن يتأكد أنها حقيقية
أخذ نفسًا عميقًا ليهدّئ نفسه ، ثم ردّ:
[@تشوتشي: لماذا سألت فجأة ؟]
شيا شينغهي يعرف أن هذا القارئ يردّ دائمًا ببطء ،
لذا بعد أن أرسل رسالته ، همّ بمغادرة المحادثة
لكن ، وكأن الطرف الآخر كان ينتظره—كان متصلًا، وجاء الرد
بسرعة شبه فورية
[@nsxhss0905: يبدو أنك لست في مزاج جيد.]
[@تشوتشي: ؟]
[@تشوتشي: كيف عرفت؟]
[@nsxhss0905: ربما هو مجرد إحساس.]
الحدس—ذلك الشيء الغامض الذي لا يمكن الجزم بوجوده من عدمه
ظنّ شيا شينغهي أنها مجرد ملاحظة عابرة ، لكنه مع ذلك
شعر بدفء واضح في اهتمام الطرف الآخر
ذلك الإحساس النادر ، الذي كاد يضيع ثم عاد فجأة ، جعل قلبه يدفأ
ابتسم بصدق ، أنزل رأسه ، وكتب على الشاشة :
[@تشوتشي: شكرًا لك.]
[@تشوتشي: حدث شيء ما فعلًا ، لكن لا بأس الآن .
سأتكيّف وأعود إلى المسار الصحيح ~]
في النهاية لم يكن الأمر شيء يبعث على الفخر ،
ولم يستطع شيا شينغهي أن يجبر نفسه على إخبار هذا
القارئ القديم بالحقيقة ،
و كان لديه قدر من ' عقدة الصورة المثالية '
كان يريد لقرّائه أن يروا جانبه الإيجابي والمشرق فقط
و في العادة —- المحادثة ستنتهي هنا
لم يأتِي أي ردّ من القارئ لفترة طويلة ، لذا أغلق شيا
شينغهي هاتفه على عجل، واتجه ليجد مقعد في المترو ،
مستغرقًا في معالجة خيبة الأمل التي لم تزل عالقة في صدره
بدأ يحدّق شارد الذهن في الناس صعودًا ونزولًا ، إلى أن
شعر فجأة باهتزاز هاتفه مجدداً
لقد أرسل القارئ رسالة جديدة ——
[@nsxhss0905: إن كنتَ ترغب ، يمكنك أن تخبرني بما حدث .]
[@nsxhss0905: (إيموجي التربيت على الرأس)]
وبعد قليل، أرسل ملصق آخر
بطريق صغير ممتلئ القوام جالس على الأرض، منكمشًا على
نفسه ككرة ، وبجانبه بطريق أكبر يمد يده بتردّد ويربّت على
رأسه بحركة خرقاء
كان ملصق بسيط بأسلوب كرتوني ، لطيف للغاية—ولا يشبه
هذا القارئ على الإطلاق
ضغط شيا شينغهي عليه ليراه بوضوح ، ولاحظ وجود
'علامة مائية' كبيرة عليه ، مما يعني على الأرجح أنه بحث
عنه خصيصًا في هذه اللحظة
حين رأى الرسالة لأول مرة ، تجمّد شيا شينغهي قليلًا
لكن في اللحظة التي ظهر فيها ذلك الملصق الصغير ، شعر
فجأة أنه لم يعد قادرًا على التحمل
و ربما لأنه كبت الكثير في داخله وكان بحاجة ماسّة لمن يتحدث إليه ،
أو ربما لأنه يعرف أن الشخص في الجهة الأخرى قارئ رافقه طوال الطريق ،
و فجأة عاد شيا شينغهي بذاكرته إلى بدايات علاقتهما
لم تكن رحلته في الكتابة سهلة —— عندما حاول التوقيع
لأول مرة ، قوبل بالرفض مرارًا من المحررين
ثم تعرّض لاحقًا للانتقاد بسبب ' سذاجة أسلوبه ' وتلقّى
هجمات لاذعة ، ورُفضت أعماله من دور النشر لأسباب لا تُحصى
وفي أحلك فتراته — حين جفّ إلهامه ، بل وفكّر جديًا في
التوقف عن الكتابة— ظهر هذا القارئ بهدوء ، وسأله :
[ ما بك ؟ ]
ثم قال له —-
[ أنا أحب كتابتك حقًا ]
الإنسان قويّ وهشّ في آنٍ واحد —- أمر صغير قد يجعله
ينهار بالبكاء ، وجملة بسيطة قد تمنحه القوة ليواصل السير مسافة طويلة
عندما بدأ شيا شينغهي الكتابة لأول مرة ، لم يكن هناك أحد يقرأ له
—- لم يكن لديه أي قرّاء —- أصدقاؤه لم يفهموا ما الذي
يكتبه طوال اليوم ، ووالداه لم يقولا له سوى أن يركّز على دراسته
وحده هذا القارئ قال له:
[ إن كنت تحبّ ذلك ، فواصل ]
ولهذا السبب بالذات—لأنه كان يحبّ الكتابة—واصل السير
حتى هذه اللحظة
لاحقًا ، ومع ازدياد عدد قرّائه ، صار ذلك القارئ أكثر صمتًا ،
وكأن المسافة بينهما اتّسعت شيئًا فشيئًا —-
لكن المشاعر التي وُلدت في تلك الأيام الأولى بقيت حيّة ،
واضحة في ذاكرته ، لم تخفت يومًا
لسعه أنفه ، واحترقت عيناه ، ( دموع )
وتوقّفت أصابعه يرتجف فوق شاشة الهاتف
كان الأمر أشبه بطائر تائه ، حلّق طويلًا بلا اتجاه ، ثم عاد أخيرًا إلى عشه
هبطت أصابعه ، وهي ترتجف ، وبدأ يكتب—أسرع فأسرع
[@تشوتشي: أنا… حزين جدًا ….]
[@تشوتشي: هل أنا فعلًا عنيد وغير ناضج إلى هذه الدرجة ؟]
ما إن وجد الكبت منفذًا —- حتى انهار السدّ دفعة واحدة
مشاعر متراكمة اندفعت كالسيل ، لا يمكن إيقافها
وبدأ شيا شينغهي يفرغ كل ما حدث في الفترة الماضية —
كيف اندفع بتهوّر إلى مقر شركة الإنتاج ،
وكيف قُيِّم عمله بازدراء من ' المختصين ' ،
وكيف رفض التنازل ، لكن في الوقت نفسه كان يتمنّى من
أعماقه أن يرى قصته تُقدَّم كما هي، بصدقها وروحها
وفي النهاية لم يعد يعرف حتى عمّا يتحدث
لكنه مع كل نقرة على الشاشة ، كان شيء ما ينفلت من
صدره—ثم يهدأ ، شيئًا فشيئًا
و في مرحلة ما، غامت رؤيته تمامًا ( دموع )
تنفس قليلاً ، وسقطت الدموع على شاشة الهاتف ،
فطمست الكلمات
و جدّة ذات شعر أشيب كانت تجلس بقربه نظرت إليه
بقلق ، ثم ربّتت على كتفه وقدّمت له منديل
: “ يا بني ما بك؟ هل أنت حزين ؟”
صوتها أعاده فجأة إلى وعيه —— و بعد هذا الانفجار
العاطفي ، شعر بالحرج
أخذ المنديل بسرعة ، وابتسم ابتسامة متصنعة :
“ لا شيء ، شكرًا لكِ يا جدّة .”
مسح دموعه ، ورفع رأسه ، ليلاحظ أن بعض الركّاب في
العربة كانوا ينظرون إليه بنظرات فضولية
سخن وجهه على الفور
وعندما رأى انعكاسه في الزجاج المقابل—عينان محمرّتان
وأنف أحمر—ازداد ارتباكه
كان ينتظر إعلان المحطة التالية بقلق ، وما إن دوّى الصوت ، حتى نهض فجأة ،
و قال للجدّة الطيبة على عجل: “ شكرًا ”، ثم اندفع خارج القطار وكأنه يفرّ هاربًا
و بعد خروجه من المحطة ، خفّ الزحام ،
وبدأ الاحمرار على وجه شيا شينغهي يتلاشى ببطء
أخرج هاتفه ، وعندها فقط انتبه —
من دون أن يشعر ، كان قد أرسل عشرات الرسائل المتتالية
في البداية كان القارئ يردّ برسائل قصيرة مثل :
[ مم ]
أو: [ ثم ماذا ؟ ]
ليُظهر أنه يستمع —
لكن لاحقًا ، تحوّل الحديث إلى مونولوجٍ طويل…
عرض منفرد أدّاه شيا شينغهي وحده
بعد أن كتب هذا السيل الطويل من الرسائل ، هدأ أخيرًا
وشعر بقليلٍ من الإحراج
فكّر لحظة ، ثم أرسل رسالتين أخيرة :
[@تشوتشي : آسف… يبدو أنني تكلمت أكثر من اللازم .]
[@تشوتشي: شكرًا لأنك استمعت لي ،
أشعر بتحسّن كبير الآن ، سأكون بخير ، لا تقلق ~]
افترض أن القارئ لم يعد موجود
ففي النهاية، من يحبّ الاستماع إلى شكاوى لا تنتهي ؟
لكن بعد وقتٍ قصير من إرسال رسالته ، جاءه ردّ جديد
[@nsxhss0905: فهمت.]
[@nsxhss0905: عملك ممتاز فعلًا ،
ستأتي شركة إنتاج للبحث عنك .]
ماذا كان يقصد بـ”فهمت”؟
رمش شيا شينغهي —- ثم قرأ الرسالة التالية
ظنّ أن القارئ يحاول فقط مواساته ، فابتسم وردّ :
[ شكرًا ]
لم يأخذ الأمر على محمل الجد
و بعد ذلك لم تصل أي رسالة أخرى
وانتهت المحادثة عند هذا الحد
تصفّح ويبو قليلًا ، وتأكد أنه لن يأتي ردّ جديد
فأعاد الهاتف إلى جيبه ، ومشى عائدًا إلى المنزل بخطوات سريعة
……
قساوة الواقع تكمن في حقيقة واحدة :
العالم لا يتوقّف لأنك حزين أو متألّم ——
بعد أن تبكي ، وتمسح دموعك ،
لا بدّ للحياة أن تستمر
التقييم العام لرواية [ حياة وانغ بين البشر ] جيد
وفي الأيام التالية ، أبدت شركات إنتاج أخرى اهتمامها بحقوق الاقتباس
لكن الردود كانت متشابهة
أعجبتهم القصة ،
لكن إن أرادوا تحويلها إلى عملٍ مرئي ،
فلا بدّ من إضافة بطلة أنثى ،
و خط عاطفي رومانسي
الشركات لم تكن مستعدة للمجازفة
وشيا شينغهي لم يكن مستعدًا للتنازل
ربما كان ذلك عنادًا
لكنه رفض كل عرضٍ يغيّر البنية الأصلية للقصة
وفي النهاية ،
توقّف عن توقّع أي اقتباسٍ سينمائي ——
الحماس —-
الأمل —-
الإحباط —-
الندم —-
كل تلك المشاعر المتداخلة ،
ذابت ببطء تحت وطأة الواقع ، ومع مرور الوقت —-
ولم يبقَ سوى… قبولٍ هادئ —-
مرّ الزمن ———
ودون أن يشعر أحد ، حلّ آخر العام ——-
رغم بعض الأمور غير السارّة ،
إلا أن سنة شيا شينغهي كانت — في المجمل — سلسة
كتب روايتين ،
وحصلت على تقييمات جيدة وعائد مرضي —
وكل الأهداف التي وضعها في بداية السنة ،
تحقّقت واحدة تلو الأخرى
ومع بقاء أقلّ من شهر على رأس السنة ،
قرّر ببساطة أن يمنح نفسه إجازة
كان يأكل
ينام
يتصفّح ويبو
وأحيانًا… يزور تشي
كانت الحياة هادئة ،
ومريحة على نحوٍ جميل
و على عكس روتين شيا شينغهي المريح ، كانت حياة باي
شينغتشو اليومية أكثر ازدحامًا
و مع نهاية العام ، كان هناك الكثير من الملخصات والتقارير
التي يجب إنجازها —- ومع أخذ زملائه في القسم إجازاتهم
بالتناوب ، تضاعف عبء عمله عمليًا ——
و في وقت متأخر من الليل ،
بينما شيا شينغهي نائم ملتف في بطانية ناعمة ،
كان باي شينغتشو في الطرف الآخر من المدينة ،
داخل غرفة عمليات مكيفة ، مركزًا بالكامل ممسكًا
بالمشرط في يده
بعد نصف ساعة ، انتهت العملية بسلاسة
و بعد خلع اللباس الجراحي الثقيل—و ملابسه تحته مبتلة
تمامًا—جلس هو والآخرون الذين خرجوا لتوّهم من غرفة
العمليات في غرفة الاستراحة ، منهكين
و بعد استراحة قصيرة بدأوا بتغيير ملابسهم والاستعداد
للعودة إلى المنزل
انتهى عمل اليوم أخيرًا — و معظمهم كانوا حريصين على
المغادرة فتوجّهوا مباشرةً إلى المصعد
أما باي شينغتشو فارتدى معطفه الأبيض مجدداً ومشى في
الاتجاه المعاكس نحو مكتبه —- و عند انعطافه في الزاوية ،
توقف زميل كان على وشك المغادرة وسأله :
“ طبيب باي أنت لن تغادر بعد ؟”
رد باي شينغتشو بهدوء: “ بعد قليل .”
: “ هل لديك وردية ؟”
: “ مجرد كتابة شيء ما .”
هز الزميل رأسه بدهشة : “… أنت غير معقول ،،،
تعمل طوال اليوم على العمليات الجراحية وما زلت نشيطًا
هكذا—أنت حقًا شيء آخر .”
: “… أنت تبالغ ،” أجاب باي شينغتشو بأدب ، ثم عاد
بخطوات سريعة إلى مكتبه
رفع معطفه وجلس أمام الكمبيوتر ، مستأنفًا عمله بسرعة
الليلة عميقة وضبابية ، والسماء كسِتَار داكن لا يكاد يظهر فيه نجم
و بائعي الشوارع في الأسفل قد جمعوا بضاعاتهم وذهبوا منذ زمن ،
و أجنحة المستشفى هادئة — حتى صوت الرياح نادر
لا أحد يعرف كم من الوقت مضى حتى توقف باي شينغتشو أخيرًا عن الكتابة
ثم رفع يده ليمسح على جبينه المتعب
على الشاشة المضيئة أمامه يوجد مستند ——
و المؤشر يحوم فوق الصفحة الأولى ، وشريط العنوان يعرض بوضوح بعض الكلمات :
[ تحليل القيمة التجارية لتكييف فيلم ' حياة وانغ بين البشر' ]
شعر ببعض التيبّس في معصمه
سحب باي شينغتشو يده عن الفأرة ودوّرها برفق
حدّق في الشاشة بعينين مظلمة ، نظراته غير قابلة للفهم ،
وتمتم لنفسه ، وكأنّه غير راضٍ :
“… ماذا أفعل بالضبط ؟”
رنّ صوت إشعار من هاتفه ،
أضاءت الشاشة بإشعار من ويبو
{ اووه … إنه مجرد إعلان }
رفع باي شينغتشو إصبعه ليمسحه ، لكنه فتح تطبيق ويبو عن طريق الخطأ
لم يكن يتابع أحد ، فكانت صفحته الرئيسية مليئة
بموضوعات المشاهير الرائجة، لا شيء مثير للاهتمام
وبينما يمرّر ليخرج من التطبيق ، انزلق إصبعه إلى علامة
التبويب الخاصة بالرسائل—وكأن القدر أرشده ، ضغط على محادثة خاصة
و في أعلى المحادثة كان الاسم : [ تشوتشي ]
ما أن فتحها ، حتى امتلأت الشاشة بسيل كثيف من الرسائل
مرّر باي شينغتشو بصمت عبر كل شيء مجدداً ، ثم تنهد مستسلمًا
{ انسَى الأمر …. طالما أن هذا سيجعله سعيد … }
أبعد هاتفه عن ناظريه وأعاد توجيه نظره إلى شاشة الكمبيوتر
لم يكن من خلفية مهنية ذات صلة بالتجارة أو الميزانية ،
ووظيفته اليومية مرهقة بالفعل ،
استغرق البحث وتجميع البيانات وكتابة تقرير التحليل هذا
ما يقارب الأسبوعين ——
و بعد عدة أيام ، في منتصف الليل تحت سماء قليلة
النجوم ، جلس باي شينغتشو على مكتبه وكتب أخيرًا الكلمة الأخيرة في المستند ——
أزال نظارته بتعب ، وفتح ويتشات، ووجد جهة اتصال معينة ، وأرسل الملف
[باي: [ملف]]
[باي: هل ما زلتِ تعملين في استثمار الأفلام هذه الأيام ؟]
[باي: ربما يهمك هذا العمل .]
يتبع
🥹 ……
تعليقات: (0) إضافة تعليق