Ch47 Toya
أضواء البلدة القديمة خافتة ، حتى إن الأرض بالكاد تُرى ،
أضاء شيا شينغهي مصباح هاتفه نحو كاحله — فرأى قدمه
كاملة عالقة في مصيدة فئران ——
{ كيف يمكن لشيء كهذا أن يكون هنا أصلًا ؟ }
تأوّه من الألم وانحنى ، محاولًا فتح المصيدة بيديه
الدم يسيل —- وفي هذه اللحظة ، وصل باي شينغتشو إليه بسرعة
صاح باي شينغتشو ببرود :
“ لا تتحرّك !”
تجمّد شيا شينغهي للحظة ، ثم رأى باي شينغتشو يركع أمامه
: “ أمسك هذا " ناولَه باي الهاتف ، فأطاع شيا شينغهي
ووجّه الضوء الخافت إلى الأسفل
و لأول مرة —- الذعر واضح على وجه باي شينغتشو
“ هل يؤلمك هنا؟”
“ هل تستطيع تحريك هذا الجزء ؟”
“ وهنا ؟”
يضغط بحذر حول موضع الإصابة ، وأسئلته تتلاحق دون توقف
“ لا بأس .”
“ أستطيع تحريكه .”
“ هنا يؤلمني قليلًا .”
أجاب شيا شينغهي واحد تلو الآخر ، إلى أن ارتخت حواجب
باي شينغتشو المعقودة قليلًا
بنبرة حازمة : “ يبدو أن العظم لم يُصب ،،
لكن المصيدة غائرة بعمق
نزعها بتهوّر سيزيد النزيف — نحتاج إلى إسعاف .”
و اتخذ باي شينغتشو قراره بسرعة ، أخذ الهاتف واتصل
بـ120، وشرح الوضع باختصار ودقة
كانت ردود فعله سريعة ومنظمة ، يتعامل مع كل شيء خطوة بخطوة
جلس شيا شينغهي يحدّق فيه شاردًا ، غير قادر على قول
كلمة واحدة أو مقاطعته
و بعد أن أنهى المكالمة ، أعاد الهاتف إليه
“ أمسك هذا "
الدم لا يزال يتدفق من الجرح —- وقبل وصول الإسعاف ،
لا بد من إيقاف النزيف
وفي هذا المكان المقفر بلا أدوات ، خلع باي شينغتشو
معطفه الخارجي ، لواه على شكل رباط ، وربطه بإحكام حول
ساق شيا شينغهي، على بعد نحو عشرين سنتيمترًا فوق
مكان الإصابة ، لتقليل تدفق الدم
شعر شيا شينغهي بشدٍّ قوي في ربلة ساقه ، وعندها فقط
عاد إلى وعيه ، فحرّك ساقه لا إراديًا
“ هل يؤلمك ؟”
عقد باي شينغتشو حاجبيه مجددًا ، ويده لا تزال ممسكة بساقه
هزّ شيا شينغهي رأسه ، يريد أن يقول إن الأمر لا بأس به،
لكنه سمع باي شينغتشو يتحدث بنبرة جليدية :
“ طبعًا يؤلم !
هل أنت طفل في الثالثة ؟
أغفل عنك لحظة فتقع في هذا !”
بحدّة :
“ حتى طفل في الثالثة يعرف كيف يعتني بنفسه أكثر منك ،
ألم ترَى هذه المصيدة الكبيرة ؟
احسبها بنفسك — منذ أن التقينا ، كم مرة أُصبت ؟
نزلة برد حادّة انتهت بك في المستشفى ،
حساسية طعام بسبب الإهمال ،
جرح في وجهك بدافع التهوّر ،
والآن هذا… ألا تستطيع أن تكون أكثر حذرًا قليلًا ؟”
قسوته لم تترك مجالًا للّين ، فأطلق فورًا كل ما كان شيا شينغهي يكبته في صدره
لقد جاء فقط ليبحث عن باي ——
قبل قليل —- وأثناء حديثه مع شنغ تيانيي —- شعر شيا أن مزاج باي ليس على ما يرام
لكن شنغ تيانيي ظل يلحّ عليه بالكلام ، فلم يستطع الانسحاب
وحين انتبه أخيرًا ، كان باي شينغتشو قد اختفى
قال ني شينغتشاو إنه خرج يتمشّى وحده ، لكن شيا شينغهي لم يطمئن
و انتظر طويلًا في الأسفل دون أن يراه يعود ، فقرّر في النهاية
أن يسلك الطريق ويبحث عنه بنفسه
…ومن كان يدري أنه سيدوس مصيدة فئران ——-
{ كيف لي أن أتوقع وجود شيء كهذا هنا أصلًا ؟! }
“ لماذا تصرخ عليّ ؟!” شهق شيا شينغهي ، وتكلّم بصوت مرتجف مظلوم :
“ هل تظنّ أنني أردتُ أن أُصاب ؟
لولا إصرارك على المجيء إلى هذا المكان في منتصف الليل،
لما حدث كل هذا أصلًا !
لم تردّ على الهاتف ! ولم تجب رسائلي !
جئت لأنني كنت قلقًا عليك ، وفي النهاية صار الخطأ خطئي ؟”
كلما واصل شيا شينغهي الكلام ، ازداد غضبه
ولأول مرة شعر أن غضب باي شينغتشو المفاجئ غير معقول تمامًا
و كادت مشاعر الغضب والغيظ أن تنفجر في صدره
و فجأة سحب شيا شينغهي ساقه من يد باي شينغتشو
محاولًا الوقوف ، لكن يد باي شينغتشو شدّت عليه ومنعته
: “ لا تتحرّك "
باي بحزم —-
: “ اتركني !” حدّق فيه شيا شينغهي بحدة ، وصوته يرتجف وكأنه على وشك البكاء :
“ نعم ، أنا طفل في الثالثة ! لا أفهم شيئ !
لا تتعب نفسك بالقلق عليّ
يبدو أن نيّتي الجيدة ذهبت هباءً
من الآن فصاعدًا ، كلٌّ منّا — مـمـم!”
انقطع صوته فجأة ——
باي شينغتشو قبّله ——-
أمسك بمعصمه ، وسحبه إلى حضنه ، وضغط على شفتيه—
لا، بل كان أشبه بالعضّ والالتهام ——
اضطرب نبض قلب شيا شينغهي، وتسارع نَفَس باي شينغتشو
حتى هو لا يعلم لماذا فعل ذلك ،
و كل ما في الأمر أن الغريزة تولّت السيطرة عليه ——
لم يرغب أن يرحل شيا شينغهي ——
لم يرغب أن يغضب ——
لم يرغب أن يكون قريب من الآخرين ——
وفوق كل شيء ، لم يرغب أن أن يُصاب بأذى ——-
تشابكت في صدره مشاعر لا تُحصى ،
وانفجرت في هذه اللحظة ،
متحوّلة إلى عاصفة من القبلات ،
حطّمت القناع البارد الهادئ الذي اعتاد ارتداءه
حين كان صغير ، في السنّ التي كان البكاء فيها يجلب
الحلوى ، لم يخبره أحد قطّ أن من يُحبّ شخصًا عليه أن
يقاتل من أجله بصوت عالٍ
لذا حين كبر —- مهما أحبّ ، كان يُخفي مشاعره خلف
اللامبالاة ، خوفًا من الخسارة
يعلم أن لديه مزاج سيئ —متقلّب ، غير منطقي
يعلم أنه لا يُجيد التعبير عن الحب ، وقد تذوّق مرارته ،
ومع ذلك لم يستطع التخلّي عن شيا ——-
تمتم باي شينغتشو بصوت مرتبك : “ لا ترحل…
آسف ...”
بهدوء :
“ لم أقصد أن أصرخ عليك …
كنت فقط… قلقًا عليك —-
الأمر خطير ….. و لم أعرف ماذا أفعل .”
شيا شينغهي :
“ أليست مهنتك أنك طبيب ؟ ألا تعرف ماذا تفعل ؟”
“…”
بعد صمتٍ قصير ، جاء صوت باي شينغتشو خافتًا، مثقَلًا بالهزيمة :
“ لأنه أنت .”
كان قادرًا على الحفاظ على هدوئه ورباطة جأشه أثناء أخطر العمليات الجراحية ،
لكن أمام شيا شينغهي —- إصابة صغيرة كافية لأن تُفقده كل اتزانه —
تجعله يقلق ، وتجعله يخاف —
لأن أي قدر من المعرفة لا يستطيع أن يتغلّب على غريزة واحدة صادقة
هواء الليل ثقيل ، يحرّك أوراق الشجر بهسيس خافت
و مرّت أطراف أصابع باي شينغتشو على شعر شيا شينغهي،
وعيناه الفاتحة تحدّقان فيه بحنان لا يُخفى
بصوت خافت :
“شيا شينغهي… كن مطيعاً —- لا تجعل قلبي يتألّم بعد الآن ، حسنًا ؟”
صوته خفيف ، تلاشى مع نسيم الليل ،
لكن في قلب شيا شينغهي، دوّى كإعصار ——-
و كأن رذاذ مطر ربيعي انهمر في صدره ، خفف الألم المتجعّد ، وملأ قلبه حتى كاد يفيض
مع أن باي شينغتشو قد قال صراحة أنه يلاحقه ،
إلا أن شيا شينغهي لم يشعر بذلك حقًا من قبل
كان الأمر أشبه بالوقوف فوق سحابة—حلمًا غير حقيقي،
هشًّا إلى درجة لا يجرؤ على تصديقه
جراح الماضي عميقة ، ولم يكن قادرًا على رؤية مشاعر باي
شينغتشو بوضوح —- إلى هذه اللحظة فقط—
حين كان محاطًا بذراعيه بإحكام ،
وحين كانت تلك العينان تنظران إليه مباشرة —
عندها فقط ، شعر بصدقِه
أخذ شيا شينغهي نفسًا عميقًا ، وناداه بهدوء :
“ باي شينغتشو "
: “ مم؟”
: “ حين قلتَ من قبل إنك تلاحقني… هل كنتَ جادًا ؟”
رفع عينيه —- عيناه الجميلة — عيني الخوخ ، تتلألآن بضوء النجوم—
لامعة كما كانت قبل سنوات
نظرة واحدة فقط كانت كافية ليقع باي شينغتشو في أَسره من جديد
بلا سيطرة —- بلا مقاومة —-
فانحنى باي شينغتشو —- وقبّل شفتي شيا شينغهي مرة أخرى
تشابكت الشفاه والألسنة ، وانتشر طعم الدم بينهما ،
واختلطت أنفاسهما المضطربة
صرير الحشرات ، نداء الطيور ، حتى ألم ساقه —كل ذلك تلاشى
انفجرت المشاعر المكتومة في هذه القبلة
لمع نور أبيض ، وأغمض شيا شينغهي عينيه ، منجرفًا، غارقًا مع باي شينغتشو
صار الهواء نادر ، حتى كاد شيا شينغهي يختنق ،
عندها فقط أفلت باي شينغتشو شفتيه
سأل بصوت مبحوح :
“ هل تصدّقني الآن ؟”
كانت شفاههما متورمة ، ولسعتها لا تزال باقية
مرّت أصابع باي شينغتشو برفق على شفتي شيا شينغهي
قلبه يخفق بقوة ، وعندها فقط — حسم شيا شينغهي أمره
رفع رأسه قليلًا ، وبادر بتقبيل باي شينغتشو على شفتيه
واندمج صوته الهادئ في القبلة وهو يقول :
“ لنعطِي الأمر فرصة أخرى .”
{ هكذا فقط
هذا يكفي …
ربما اندفاع ، وربما قدر محتوم …
لم أعد ذلك الفتى الساذج المتهوّر كما في السابق ….
لقد تأذّيت ، وبكيت ، وتعلّمت الخوف ، وتعلّمت التراجع
لكن قلب شاب الذي تأثر يومًا —- سيبقى شعوره خالدًا —
ولم أكن قادرًا ، ولن أكون ، على كبت مشاعري تجاه باي شينغتشو … }
يعلم أنه لا تزال هناك العديد من المشاكل بينهما — اختلاف في الشخصيات ،
واختلاف في طرق التعبير ،
وندوب الماضي التي تقف بينهما — تذكرهما بالفشل
الكثير من الأسباب التي تجعلهما غير متناسبين
لكن في هذه اللحظة — الحب الذي يشعر به حقيقي وواضح للغاية ،
لدرجة أنه منحه الشجاعة للمحاولة مجدداً
وصلت سيارة الإسعاف متأخرة ، وصوت صفارتها الفريد يرن من بعيد
فجأة أضاءت مصابيحها الأمامية الساطعة عليهم ، مبهرة كوصول الفجر
تحركت تفاحة آدم باي تشينغتشو قليلاً وهو يقول :
" حسنًا "
يتبع
تعليقات: (0) إضافة تعليق