القائمة الرئيسية

الصفحات

آخر الاخبار

Ch31 GM

 Ch31 GM



نام آن بينغ في معبد إله المدينة تلك الليلة ، يتقلب في فراشه عاجزاً عن النوم


تراكمت الأحداث مؤخراً بشكل يفوق الاحتمال ، 

وتداخلت الخيوط في ذهنه لدرجة جعلته يخشى النوم؛ فخيول الحرب ودروعها تقتحم أحلامه، لتتحول مجدداً إلى جبال من الجثث وبحار من الدماء


أراد خلال النهار سؤال مو جيشينغ عما حدث لاحقاً، لكن الكلمات انحبست في حلقه


وسواء أكان الطرف الآخر يتذكر أم لا، فبعض الذكريات جروح غائرة عبر السنين، تلتئم من الخارج وتظل متعفنة من الداخل


انتشرت الفوانيس الحمراء الكبيرة داخل المعبد وخارجه، بعضها يعمل بالكهرباء

 والبعض الآخر بالشموع. علق فانوس خارج الغرفة الجانبية التي يسكنها آن بينغ، يتأرجح بخفة مع الريح


ظل آن بينغ يراقب الفانوس حتى انفجر ذبال الشمعة مخلفاً شرارة صغيرة


مضت ليلة أخرى مع ذبول شعلة الشمعة وسط ريح ومطر كئيبين


فجأة، أمسك شخص بمقص وقص جزءاً من ذبال الشمعة، فازداد الضوء سطوعاً


رمش آن بينغ بعينيه، ليكتشف أن الفانوس أصبح فجأة قطعة فنية فاخرة؛ 

إطار خشبي سداسي مطلي باللك ومرصع بالحرير، 

وتفوح منه رائحة عطرية غامضة


تغير أثاث الغرفة أيضاً ؛ شموع حمراء ساطعة ، أغطية 

مطرزة بطيور المندرين ، ستائر حريرية ، وعلى طاولة صغيرة 

من خشب الورد وُضع قدحان من الخمر المصنوع من 

المينا المزخرفة بحواف ذهبية


رأى آن بينغ ملصق [ السعادة المزدوجة ] على النافذة ، 

فأدرك فجأة أن هذه هي غرفة الزفاف التي رآها في حلمه سابقاً


و على مقربة منه، لا تزال بقايا المزهرية التي حطمها في زيارته السابقة ملقاة على الأرض كقطع من الخزف الأزرق المكسور


أدرك آن بينغ شيئاً ما فجأة، فالتفت ليرى شخصاً آخر في الغرفة إضافة إلى العروس


كان ذلك الشخص يعطيه ظهره، يغطي الشمعة بغطاء فانوس، مرتدياً ملابس زفاف حمراء زاهية،

 بقامة ممشوقة كشجرة يشم شامخة في الريح


انحنى الشخص وأمسك بيد العروس، ومن خلف خيوط غطاء الرأس، بدأ يهمس بكلمات خافتة

"... بما أني وجدت سيدي …"


كان الصوت خفيفاً، يحمل أملاً يكاد ينكسر بلمسة، وعاطفة عميقة دامت لسنوات


" فلا يهجرني أبداً "


حبس آن بينغ أنفاسه ؛ الشخصان يواجهان بعضهما داخل الغرفة ، وغطاء الفانوس المزخرف يعكس ظلالاً ملونة ، 

بينما امتلأت الجدران بصور أشجار الجنكة الذهبية


في هذه اللحظة ، سكن الضوء وصمت البشر ، وغمر ضوء القمر المكان


فجأة ، دفعت الريح الباب فانفتح محدثاً ضجيجاً عالياً، ففتح آن بينغ عينيه فزِعاً


لقد غلبه النوم وهو متكئ على السرير


تملكه شعور بالارتباك ؛ فالمشهد في الحلم يشبه دخوله 

الأول لغرفة الزفاف ، لكنه يختلف تماماً؛ فقد كانت الشموع 

الحمراء تضيء الغرفة في جو مفعم بالمودة العميقة


لكن حين فكر ملياً ، شعر بوجود لمحة من الغرابة في الأمر


انطفأ الفانوس خارج النافذة في وقت غير معروف ، 

والباب مفتوح على مصراعيه ، والرياح الباردة تعصف في الداخل فتخترق العظام


انتفض آن بينغ ونهض ليغلق الباب ، لكنه رأى معبد إله المدينة غارقاً في الظلام الدامس ؛ فالمباني القديمة اختفت 

في عتمة الليل ، وبالكاد تظهر عوارض السقف الحمراء


كان المشهد يبعث على القشعريرة بشكل لا يوصف


ارتجف آن بينغ وهمّ بإغلاق الباب بسرعة ، لكنه سمع صوت ارتطام قوي من مكان قريب ، كأن شيئاً ما سقط


أراد تجاهل الأمر وإغلاق عينيه ، لكن فضولاً غامضاً أو حدساً دفيناً دفعه للتقدم بجرأة ، ليكتشف غرفة بابها مفتوح


أخرج آن بينغ هاتفه وشغل الإضاءة ، فتبين له أن الغرفة ليست كبيرة ؛ و جدران بيضاء وطوب أزرق ، وتخلو من الأثاث ، 

بل يمكن وصفها بالبساطة الشديدة


فقط أمام أحد الجدران وُضعت طاولة عليها مبخرة وفواكه، 

و عليها لوح تذكاري


بدا أن الريح فتحت الباب ، فسقط اللوح التذكاري على الأرض ؛ والصوت الذي سمعه قبل قليل نبع من هنا


تنفس آن بينغ الصعداء ؛ فوجود قرابين في معبد إله المدينة ليس أمراً غريباً


تقدم وأعاد اللوح إلى مكانه ، وبمساعدة ضوء الهاتف، قرأ الكلمات المحفورة عليه


في اللحظة التالية ، سرت برودة شديدة في جسده كأن ماءً ثلجياً سُكب فوق رأسه ، وتصلب في مكانه من شدة الصدمة


دوى رعد مفاجئ في الأفق ، ولمع برق ساطع ، ثم انهمر المطر بغزارة ، وعصفت الرياح في الخارج مهتزة بظلال الأشجار


من النادر أن يرعد الجو ويمطر في الشتاء ، لكن مو جيشينغ قال إن هناك مطراً في الليل ، وبالفعل انهمر المطر في منتصف الليل


سمع صوت ولاعة وسط المطر ، ثم أضاء مصباح


استعاد آن بينغ وعيه ، وأعاد اللوح التذكاري إلى مكانه بسرعة وخرج


عند نهاية الممر ، كان باب معبد إله المدينة مفتوحاً ، ووسط صوت المطر الغزير، جلس وو بي يو على عتبة الباب يدخن


أضاء مصباح تحت الباب ، وبفضل ضوئه ، رأى آن بينغ ما يحمله الشاب في يده ؛ إنه غليون غو وانغ 


يدخن الشاب ببطء، وتظهر عليه لمحة من الهدوء؛ 


{ لقد هدأ هذا الشاب المشاكس بشكل نادر } 


ومن خلال سحب الدخان وبخار الماء ، 

خُيل لآن بينغ أنه يرى ذلك القوام الممشوق الرقيق من الماضي مجدداً


ذلك الشخص الذي أنهى تبغ غليونه بنفس الطريقة ، ثم مضى ليواجه الموت


….



وو زيشيو : " دائماً ما تذره الرياح والأمطار أمجاد الماضي "


وقف وو زيشيو عند نهاية الشارع الطويل ، 

ومن بعيد كانت الغيوم السوداء تضغط على المدينة ، وأصوات المدافع تصم الآذان


جلس سونغ وينتونغ على حافة السطح يشرب الخمر : 

" الموت يداهمنا ، وأنت يا لعين لا تزال تثرثر بالشعر هنا

تفوح منك رائحة المثقفين العفنة ."


: " هذا كلام لا يليق بـ 'لاو إير' مثلك ..." أمسك وو زيشيو 

الغليون ووقف بهدوء وسط المطر ؛ 

لقد عاد الآن ذلك النبيل الراقي الشبيه باليشم الأبيض، 

لم يعد ذلك الشاب الهستيري الذي يقاتل سونغ وينتونغ، 

ولا ذلك العاجز الذي يجادل مو جيشينغ ،

وكأنه عاد صبياً لفترة وجيزة قبل أيام ، والآن وهو يواجه 

الجيوش ، استعاد وقار وهدوء ووتشانغزي ( سيد طائفة الين-يانغ)


و على مقربة منهما يقع مخرج درج الين يانغ المغلق ، 

ومع تواصل قصف المدافع خارج المدينة ، بدأت الأرض تهتز بانتظام


فجأة ، شق برق سماء الليل ، وتبعه انفجار مدوٍ شقق الأرض، وانبعث من أعماقها صهيل آلاف الخيول


انهمر المطر كالشلالات


أشعل وو زيشيو عود ثقاب، وأوقد الغليون، محدقاً في الفجوة السوداء عند مدخل الشارع: "لقد بدأ الأمر."


قفز سونغ وينتونغ من فوق السطح، واستل سيفه شيهونغ

ووقف في المقدمة، وقال بصوت عميق: "أتمم مهمتك."


ربت وو زيشيو على كتفه ، ثم استدار ومشى نحو النهاية الأخرى للشارع الطويل


خلفه ، اقترب صهيل الخيول المتسارع ، فصرخ سونغ وينتونغ صرخة مدوية ، وانطلق ضوء سيف هائل من الأرض كأنه قمر ثانٍ


تحطمت جرار الخمر على الأرض، واختلطت أصوات اصطدام الأسلحة في ضجيج عارم، وامتلأ الهواء برائحة دم نفاذة


لم يلتفت وو زيشيو، بل سار بخطى ثابتة نحو الجهة المقابلة من الشارع، وأطلق أول نفخة دخان في تلك الليلة الماطرة


وفي الوقت ذاته، تحولت أسوار المدينة إلى تلال من الجثث وبحار من الدماء


بُح صوت مو جيشينغ وهو يصرخ: "اثبتوا! انقلوا الجرحى للأسفل! أزيحوا الجثث! اضغطوا بطلقات المقدمة! 

لا تسمحوهم باقتحام السور أبداً!" 


تضررت حنجرته بشدة، فرفع رأسه وشرب قطرات المطر، ثم رفع يده وأطلق النار على جندي معادٍ كان يتسلق السور ففجر رأسه


تناثرت الدماء على وجهه بالكامل، ولم يجد وقتاً لمسحها، بل نزع صمام قنبلة يدوية بأسنانه ورماها للأسفل


هجم العدو فجأة، واستمرت معركة الدفاع يوماً وليلة كاملين ؛ ولم يبقَ من الثلاثة آلاف جندي سوى أقل من ألف


القوة غير متكافئة والذخيرة قليلة ، والجميع وصلوا إلى أقصى حدود طاقتهم


لكنه مجبر على الصمود؛ فـ درج الين يانغ لم يُفتح إلا الليلة، 

ويجب عليه الصمود حتى الفجر على الأقل ليمنح لاو إير 

ورفاقه فرصة للنجاة


لو كان الأمر يتعلق بالربح والخسارة فقط، لكان تمرد الجنود الأشباح عوناً كبيراً ؛

 فاستدراج العدو للمدينة والهلاك معهم ببطولة خيار مطروح


لكنه يدرك جيداً أن لا المدافعين ولا آلاف الأعداء خارج المدينة يقدرون على مواجهة الجنود الأشباح


بمجرد السماح للعدو بدخول المدينة ، ستكون النتيجة إبادة الجميع ، 

وستمتص الأرواح الضغينة مزيداً من الحقد ، وعندها لن 

يبقى أحد ليوقفهم— سيخرج الجنود الأشباح ويجتاحون 

البلاد ، ووقتها ستنتظر الأرض كارثة حقيقية


ربما كانت المدارس السبعة تنتظر هذه النهاية ؛ 

استخدام قوة الجنود الأشباح لتطهير الأرض المضطربة ، 

كعلاج السم بالسم ، لقلب الموازين تماماً ، ثم تتدخل 

المدارس السبعة في لحظة الضعف العام لإعادة تنظيم عالم البشر


إنه تخطيط دقيق حقاً ؛ فبالنسبة للمدارس السبعة ، هذا هو الحل الأمثل ، 

وربما لمن هم في السلطة أيضاً


لكنه لا يستطيع فعل ذلك


مسح مو جيشينغ المطر عن وجهه وابتسم بسخرية ؛ 

{ أنا حقاً لا أصلح لأكون تيانسوانزي ( حاسب القدر)

أنا مجرد جندي بسيط لا يطيق رؤية مدينة تسقط ، 

ولا يتحمل رؤية الأرواح تزهق والخراب يعم البلاد وتملأ 

الأشباح ضفاف نهر النسيان


أنا أهتم بمصير كل شبر من أرض الوطن ، 

وأحسب حساب حياة كل طفل و عجوز ؛ 

ليس لديّ قلب يستهين بكل شيء ، ولا أستطيع النظر إلى هذا العالم ببرود وترفع }


الرصاص ينهمر كالمطر على السور ، 

والمدافعون في الأسفل سدوا بوابات المدينة بجثثهم



صرخ جندي جاء ممتطياً حصانه بأنفاس مقطوعة نحو مو جيشينغ: " تقرير—! رئيس الأركان يبلغك ! 

الجهة الجنوبية من المدينة تكاد تسقط !"


صرخ مو جيشينغ: " انقلوا آخر دفعة من البارود إليه ! 

أخبره أن يصمد حتى لو اضطر لربط حزامه بحصانه !"


للمدينة أربع بوابات ، أغلق القائد مو إحداها العام الماضي ببعد نظر ، 

ومن البوابات الثلاث المتبقية ، أجبر مو جيشينغ سونغ وينتونغ قبل أيام على العمل الشاق لإغلاق واحدة أخرى


بقيت بوابتان ، واحدة في الشرق وأخرى في الجنوب ، 

وقد أصدر مو جيشينغ أوامر صارمة قبل المعركة : 

يمكن للرؤوس أن تسقط ، لكن لا يجوز فقدان أي بوابة


لم يكد ينهي كلامه حتى انطلقت رصاصة طائشة نحو رأسه ، 

لم يجد وقتاً لتفاديها، لكن شخصاً ارتمى عليه فجأة وثبته تحت جسده


حين دفع مو جيشينغ الشخص بعيداً ، وجد يديه ملطختين بالدماء ، والتراب يتطاير فوقه ، والوجه مغطى بالغبار


ذُهل للحظة ثم تعرف فجأة على الشخص : 

" شياو فينغ؟! 

من اللعين الذي سمح لك بالانضمام للجيش؟ 

عمرك أربعة عشر عاماً فقط !"


. " سـ... سيدي الشاب مو." قال شياو فينغ وهو يلفظ أنفاسه بصعوبة والدماء تغطيه : " لا... بل يجب أن أناديك بالقائد الآن ."


صرخ مو جيشينغ بفقدان أعصاب : " ألم تفكر في والديك ؟!

تأتي هنا لتموت، فمن سيعتني بأختك؟"


: " عائلتي عاشت بفضل كرمك ؛ 

أنت من طردت المسؤول الفاسد الذي استولى على منزلنا، 

وعائلة تشاي هي من رعت والدي في مرضه... 

أنت والسيد تشاي لم تغادرا ، ووالدي قال إن على المرء أن يحفظ الجميل...

كنتُ أتبعك منذ صغري ؛ وحين كان الأوباش يحاولون الاستيلاء على حارتنا ، كنت تقودنا لطردهم . 

والآن جاء أوباش أكبر لسرقة مدينتنا ، فبالطبع سأتبعك... 

سأتبعك لنطردهم..."

بصق شياو فينغ دماً وأمسك بيد مو جيشينغ وهو يبتسم : 

" في ذلك اليوم ، 

أرسلتُ الملابس التي طلبتها من دكاننا إلى مطعم يي شوي تشو هوا 

للأسف استمتع الجميع بالطعام تلك الليلة لكنك لم تحضر حفل استقبالك... لا... لا بأس …

حين تنتصر، سنشرب خمر النصر معاً... وارتداؤك للقميص الطويل الذي خطته لك سيكون رائعاً بلا شك..."


مسح مو جيشينغ الدماء عن وجهه : " كفى كلاماً ، سأرسل من يأخذك للعلاج ."


سلم شياو فينغ لجندي المراسلة الذي جاء على حصانه ، 

حيث يقع المخيم الطبي في مكان قريب داخل المدينة: 

" اصمد يا فتى ..." ضغط على جرح شياو فينغ وقال بحزم: 

" حين أعود ، سأدعوكم لخمر النصر ، 

وسنأكل في 'يي شوي تشو هوا' حتى يفلس المطعم ."



الدخان يتصاعد في كل مكان، ولا أحد يجد لحظة للراحة


استدار مو جيشينغ ومضى ؛ الدرج امتلأ بالموتى ، 

فخطا فوق أشلاء رفاقه ليصعد من جديد سور المدينة الملطخ بالدماء


ركض جندي المراسلة بشياو فينغ بأقصى سرعة حتى وصل للمخيم الطبي ، 

حيث استقبله تشاي شوشين الملطخ بالدماء : " سلمه لي "


حمل شياو فينغ عن الحصان ، فانطلق الجندي مسرعاً


أخذه تشاي إلى داخل الخيمة ، حيث تملأ رائحة الدم المكان وتتعالى صرخات الألم


صرخت الفتاة التي تساعد تشاي حين رأت من يحمله : 

" أخي!"، واحمرت عيناها وهي تساعد في وضع شياو فينغ 

على أرضية خالية : "سيد تشاي هل يمكن إنقاذ أخي؟"


رأت الفتاة خلال اليومين الماضيين من الموت ما يعادل أعماراً كاملة ، 

فلم تسأل عن مدى خطورة الجرح ، بل سألت مباشرة إن كان هناك أمل في النجاة


إن كان هناك أمل فستفعل المستحيل ، وإن لم يكن ، فالموت السريع أفضل من العذاب


كانت تجر الجثث الواحدة تلو الأخرى ، ولا تزال تملك القوة 

لحمل أخيها للخارج بكرامة


نظر إليها تشاي شوشين، وأمسك بحقيبة أدويته وقال بهدوء: " لا بأس "


انفجرت الفتاة بالبكاء ، وخوفاً من التأثير على تركيز تشاي أثناء استخدام الإبر ، 

ركضت جانباً لتعتني بجرحى آخرين وهي تنوح بصوت خافت


أصوات الريح والمطر والرصاص تصم الآذان ، 

وقطرات المطر الضخمة ترتطم بالخيمة ، والقذائف تنفجر في مكان قريب


المخيم كله يهتز ، 

لكن يد تشاي شوشين ظلت ثابتة وهي تغرس الإبر


نظف الجرح بهدوء ، وأخرج الشظايا ، وأوقف النزيف وخاط 

الجرح ، ثم قال للفتاة : " أذكر أن هناك بقية من الأعشاب ، 

استعملي الوصفة القديمة مع إضافة قشر البرتقال 

المجفف والراوند ، واغلي له كوباً ليشربه ."


أسرعت الفتاة لتنفيذ الطلب وركضت خارج الخيمة


نظر تشاي شوشين إلى شياو فينغ : 

" أختك رحلت ، يمكنك الصراخ إن شعرت بالألم ."


تمتم شياو فينغ: "المطر ينهمر في الخارج، أخبرها أن تلبس ثياباً ثقيلة..."


: " حسناً ..." فحص تشاي شوشين نبضه وقال بعد فترة: 

" كيف هو الوضع فوق السور ؟"


: " لا أفهم كثيراً... لكن الكثيرين ماتوا قبل الوصول للمخيم، الجميع يقاتلون حتى الموت..."


: "... ومو جيشينغ؟"


"القائد مو بخير، أصيب بجروح لكنه لا يزال صامداً..."


: " فهمت ." قال تشاي شوشين بهدوء: "لقد أبليت حسناً ."


: "... هل تشعر بالبرد ؟"


: " أنا بخير ..." خلع تشاي شوشين معطفه الخارجي وغطى به شياو فينغ: " ارتح جيداً ، أنا هنا ."


خلال تلك المحادثة القصيرة ، لم تتوقف يده عن الارتجاف، بل كان ارتجافها أسرع من نبض الفتى



…..



اصطفت جرات الخمر على جانبي الشارع الطويل ، 

والجنود الأشباح يتدفقون من درج الين يانغ لكنهم لم يتمكنوا من تجاوز الجرات خطوة واحدة


امتلأ الشارع بالخيول والجنود، وسونغ وينتونغ يقاتل بجنون، يحصد الرؤوس كأنه يقطع الخضار


والجنود الأشباح الذين قطعهم بسيفه تحولوا فوراً إلى دخان أزرق ورماد متطاير


تلطخت ثياب سونغ وينتونغ بالرماد الأبيض الذي جرفه المطر الغزير فوراً


ازداد عدد الجنود الأشباح المتدفقين ؛ 


ورغم وضع عملات روح الجبل داخل جرات الخمر لإنشاء تشكيل دفاعي ، 

إلا أن شارع واحد لا يمكنه صد جيش لفترة طويلة


مدخل الشارع ضيق ، فعجز الجنود الأشباح عن الانتشار ، 

فبدأوا يتسلقون فوق رؤوس بعضهم البعض ، 

وتراكمت دروعهم لتشكل جداراً برونزياً هائلاً


نفخ أحدهم في بوق الحرب ، فأطلق الجنود الأشباح عويلاً مبحوح


نظر سونغ وينتونغ ببرود إلى هذا العويل ، وتوترت عضلات جسده ، 

وأصدرت عظامه أصواتاً حادة


حرك رقبته وكأنه ازداد طولاً فجأة ، وخلع قميصه الخارجي، 

فانبعث العرق والبخار من مسامه دون توقف ؛ 

حتى المطر عجز عن الاقتراب من جسده وتبخر في الهواء


هذا هو سر طائفة شيان (بنغلاي) ' احتراق الثلج ' —-

قضى في برج السيف ثلاث سنوات كاملة ليتعلمها


يعتمد على تحريك مسارات الطاقة لتعديل العظام 

والأطراف ، واستخراج كامل طاقة الإنسان الكامنة


في اليوم الذي أتم فيه التدريب ، كانت الثلوج تغطي الجبال ، فزرع بذرة ،

 وبعد إنهاء تنفسه ، نبتت زهرة لوتس في وسط الجليد


تنفس ببطء ، وجسده في قمة استعداده


لكن السر وحده لا يكفي ؛ فالمهارة القصوى تحتاج لقوة 

خارجية قصوى— أسلوب سيف شيهونغ المتوارث في طائفة مو


هذه الضربة مستمدة من أسطورة بانغو الذي شق السماء والأرض ، 

وفي لحظة انطلاقة السيف ، يمكن حتى للـ ين واليانغ أن ينقطعا


تردد صوت مألوف في أذنه 


: "حين يكون السيف في يدك ، لا شيء يمكنه إيقاف أبطال طائفة مو "


ابتسم سونغ وينتونغ : " بالتأكيد مشهد صاخب كهذا لا يكتمل بدونك يا أمي "

لذكرى تلك المرأة ، رفع رأسه زافراً نفساً طويلاً ، 

ثم صرخ صرخة مدوية وانطلق كالسهم


انفجرت جرات الخمر على جانبي الشارع واحدة تلو الأخرى، 

واختلط الخمر القوي بالمطر الغزير، ليحمل سونغ وينتونغ 

في الهواء كموجة عاتية


استجمع كل قوته، واستل سيفه، ووجه ضربة قاطعة ومهيبة


كانت ضربة جميلة وعنيفة في آن واحد ، 


رسمت دائرة كاملة في الهواء ، 


واصطدم ضوء السيف بالجدار البرونزي كأن الشمس تغرق في النهر ، 

فتهاوى جيش الأشباح المتراكم وتفتت عويلاً ورماداً


استنفذ سونغ وينتونغ قوته في تلك الضربة ، فسقط على الأرض وجسده منهك ، 

ثم نهض مستنداً على سيفه وصرخ: " ووني !"


 : " أيها الصغير الوقح ، نادني بالسيدة تايسوي!" 


و انطلق ضوء أحمر من درج الين يانغ — واخترق الحشود ، 

وقلب صفوف الجنود الأشباح رأساً على عقب من الخلف


قاتلت ووني وهي تتقدم ، وسرعان ما خرجت من الحصار ، 

ورمت كرة زهرية نحو البعيد : " أيها الفتى ، التقطها !"


طارت الكرة في الهواء ، فركلها سونغ وينتونغ وهي طائرة، لتهبط عند نهاية الشارع


انفجرت الكرة عند ملامستها الأرض و كونت طبلاً أحمر كبيراً ، وصوت المطر وهو يقرع الطبل يشبه حوافر آلاف الخيول


وقف وو زيشيو أمام الطبل ، ورفع رأسه ، وأطلق آخر نفخة دخان ببطء


رمى غليونه ، وقفز فوق سطح الطبل


( نهاية الذكرى ) 


راقب آن بينغ وو بي يو وهو يرمي غليونه ويمشي وسط المطر الغزير ، بينما تردد صدى قرع طبول خافت


تبعه للخارج — ليكتشف وجود طبل ضخم عند رأس الشارع


قفز وو بي يو فوق الطبل ، وانحنى الشاب وسط المطر ، وحرك يديه في حركة استهلالية لرقصة ما


وقف مو جيشينغ على مقربة منه ، ممسكاً آلة البيبا العريقة ، 

وتبادل النظرات مع الشاب من بعيد ، ثم بدأ يغني ببطء—



في هذه اللحظة سكن صوت المطر ، وصمت الكون كله


( عودة للحرب ) 

تدخلت ووني لصد الجنود الأشباح ، 

بينما ركض سونغ وينتونغ نحو مبنى ممر نصف القمر 

المجاور للشارع— فُتحت أبواب ونوافذ مبنى الموسيقى الليلة ،

 وامتلأت الشرفة العلوية بآلات العزف من بيبا و تشين و سيي


أمسك سونغ وينتونغ بآلة بيبا وبدأ يضرب أوتارها بقوة وسط المطر


انفجرت الجرات الفضية وتدفق الماء ، 

وانطلقت الخيول الحديدية وصدحت الأسلحة


نظر مو جيشينغ إلى وو بي يو ——


ونظر سونغ وينتونغ إلى وو زيشيو —— 


أوتار البيبا تضطرب كالحرير الممزق،  وصوت غناء يرتفع من الأرض—


" مَن قال لا رداء لنا ؟ 

نحن نرتدي الزينة الحمراء والحرير الأبيض !


مَن قال لا كلمات لنا ؟ لقد أحرقنا آلاف القصائد !


مَن قال لا غناء لنا ؟ غناؤنا الطويل ليس إلا بكاءً !


مَن قال لا حرب لنا؟ نحن مستعدون للقتال حتى النهاية !"



رقص الشخص فوق الطبل رقصة ' طائر البجعة ' 

بحركات عنيفة ورشيقة ، كأنها سيف يكسر الحصار ، أو حرير يلتف حول الأصابع


امتزجت هيبة القتال القاتلة مع الجمال الساحر ، 

بحمل يضاهي ثقل الجبال ، وخفة تشبه تحليق الكركي الأبيض


ومع قفزة الراقص التي تشبه استلال السيف ، 

بدا وكأن الهواء تجمد ، وخضع له كل ما في السماء والأرض


لم تكن رقصة عادية ، بل هي المهارة الأسطورية لطائفة الين-يانغ— رقصة جنرال نو


تتحكم طائفة الين-يانغ بالأرواح والآلهة ، 

ومع وجود غليون غو وانغ في اليد ، يمكنهم حتى إصدار الأوامر لملك الجحيم


ولكن أمام آلاف الجنود الأشباح الذين عجز عنهم ملوك الجحيم العشرة ، 

لم يكن هناك سلاح سوى هذه الرقصة القديمة المفقودة— 




——


( تكملة لمشهد ذهاب وو زيشيو مع ووني لبوابة غرب المدينة في الفصل 29 ) 


قال وو زيشيو في بوابة غرب المدينة وهو ينظر لـ ووني بصدمة : " ' رقصة الجنرال نوو ' مفقودة منذ مئات السنين 

آخر مرة ظهرت فيها هذه الرقصة كانت حين عزف ملك لانلينغ موسيقى كسر الحصار في الجيش، هل لا تزال تملك هذا السر ؟"


رمت ووني الكرة الزهرية : " لقد عشتُ في فنغدو لألف عام، 

وأملك أكثر من مجرد العمر 

أرأيت مسرحيات سوق الأشباح ؟ 

رقصة القضايا الاثني عشر التي أؤديها هي في الحقيقة جزء من رقصة جنرال نو "


رقصة نو تُعرف بأنها رقصة تقديم القرابين للآلهة ؛ 

يرتدي القدماء قناع نو لاستحضار روح الإله في أجسادهم، 

والرقص وفقاً لإرادته لإظهار مشيئته للعالم


لاحقاً، ظهرت طائفة الين-يانغ ودمجت فنون استحضار الآلهة والتحكم بالأشباح في هذه الرقصة ، 

لتتوارثها الأجيال — وأكثرها جمالاً وفتكاً هي رقصة جنرال نو


ساحات القتال هي أماكن تجمع آلاف الأشباح ، 

وهي لا تقل شأناً عن بوابة غرب المدينة 


اخترع أسلاف طائفة الين-يانغ هذه الرقصة لاستخدام قوة إله الحرب في تبديد ضغينة ساحة المعركة ؛ 

وبرقصة واحدة تخضع آلاف الأشباح


لكن إله الحرب يمثل القتل والدمار ، واستحضاره في الجسد يعني تحمل طاقة سلبية هائلة ، 

وقد مات الكثير من قادة ووتشانغزي عبر الأجيال بسبب أدائها ، حتى فُقد هذا الفن لمئات السنين


ووني : " لتعلم هذه الرقصة ، يجب أن تملك إرادة الموت ،،

روح القتال ، وعزيمة السيطرة ، وقلب التحدي ، وإرادة الاستشهاد . 

بهذا فقط يمكنك أداء هذه الرقصة الساحرة .

وبالطبع لن أترك أحفادي يواجهون الموت وحدهم ..." ابتسمت فجأة : 

" في عصر الممالك المتحاربة ، رأى موسيقار هذه الرقصة وذهل بجمالها فلحن لها مقطوعة 

تسمى 'بلا رداء'، عزفها مع الرقصة يقلل من طاقتها القاتلة —-

لكن المقطوعة فُقدت قبل الرقصة حتى ، 

وأنا لم أسمعها كاملة ، 

بل أعدتُ تلحينها بناءً على مقاطع بقيت منذ ألف عام


وحين غنيتها ذات مرة مع صديق أثناء الشرب ، ساعدني في كتابة كلماتها .

هذه المقطوعة لا تزال متوارثة في طائفة مو —-

وحين يثور الجنود الأشباح ، سيعتمد النصر على تعاونكما ."



……



عزف سونغ وينتونغ ، فبدت الموسيقى كأنها جيوش تزحف للهجوم ، وأوتار البيبا الخمسة كأنها أسلحة حديدية


تخرج من بين أصابعه هيبة القتل ، 

وصوت الموسيقى يمزق ستار المطر كالسكين ، 


لكن القوة كانت تفوق احتمال الأوتار التي بدأت تنقطع واحداً تلو الآخر


لكن شرفة حانة القمر مليئة بالآلات ؛ فكلما تعطلت آلة، 

أمسك بغيرها فوراً


لم يكن خبيراً بالموسيقى ، وبعض الآلات لم يلمسها قط، 

لكن بمجرد البدء، كانت الألحان تتدفق— كلمة العمة تشاو 

كانت صحيحة ، هذه المقطوعة هي إرث يجري في العروق


إنها مقطوعة لإيقاف القتل بالقتل — فكل مَن يحمل في قلبه 

روح المحارب ، سيحفظ لحنها —


——-


وقف آن بينغ وسط المطر ، يراقب مو جيشينغ وهو يغني بصوت عالٍ —


" كم مرة نظرتُ للسيف وأنا ثمل ؟ أمجاد لا تُحصى !


كم مرة شهدتُ خيول الحرب الحديدية ؟ 

عظام دُفنت في الجبال الخضراء !"



……


رن صدى الموسيقى ، فرمى سونغ وينتونغ آخر آلة موسيقية ، وسحب سيفه ، وبدأ يضرب الأعمدة ويغني


" الرغبة للمال والسلطة ليست سوى غبار ، 

والنجاح والفشل يكتبه قلم التاريخ !

في حكايا الصيادين والحطابين يروى عبق الماضي ، 

فازدهار يوم واحد يُبنى على آلاف العظام !"


" في الرخاء، يعاني الشعب ؛ وفي الزوال ، يعاني الشعب ؛

بين صعود وهبوط ، 

أسأل : مَن سيد هذا العالم ؟

عبر آلاف الأجيال ، ما ذنب الأطفال الصغار ؟"——



يتبع

  • فيس بوك
  • بنترست
  • تويتر
  • واتس اب
  • لينكد ان
  • بريد
author-img
Fojo team

عدد المقالات:

شاهد ايضا × +
إظهار التعليقات
  • تعليق عادي
  • تعليق متطور
  • عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق

X
ستحذف المقالات المحفوظة في المفضلة ، إذا تم تنظيف ذاكرة التخزين المؤقت للمتصفح أو إذا دخلت من متصفح آخر أو في وضع التصفح المتخفي