Ch59 GM
في بداية الخريف — حلت الرياح الباردة ،
وبعد خمسة أيام نزل الندى الأبيض
وبعد خمسة أيام أخرى بدأ زيز الخريف بالصياح
وفي اليوم العاشر الذي تلا بداية الخريف من العام التالي ، عاد مو تشينغ باي إلى جناح السيف
كانت رسائله خلال هذا العام قليلة جداً ،
ولم يتلقَّ هوا بوتشنغ أخباره إلا بشكل متقطع ؛
إذ عرف أنه استقال من منصبه وجال في مخلتف بقاع البلاد شمالاً وجنوباً ،
حتى أن طائر الكركي الأبيض عاد ذات مرة بلا ريش ،
وذكرت الرسالة حينها أن مو تشينغ باي كان يفتقر للمال،
فنتف ريش الكركي ليقايضه بالخمر
هذا الرجل حين كان مسؤولاً حكومياً أطال الحديث عن طرق جمع الأموال ،
والاستقالة من المنصب لا تعني مصادرة الأملاك ،
فالإله وحده يعلم أين أنفق كل ثروته
جلس مو تشينغ باي تحت المظلة يشرب الخمر ،
وهو يهز رأسه متنهداً : " تبرعت بها للإغاثة ،،،
شمال الصين يعاني جفافاً عظيماً ، والجثث تملأ المزارع ،
والناس لا يجدون ما يأكلوه ."
هوا بوتشنغ يتدرب على السيف خارج المظلة ،
وأكمامه الواسعة تتطاير في الهواء
أنهى مجموعة من حركات السيف ،
ثم نظر إلى مو تشينغ باي الجالس يشرب وتساءل :
" أين سيفك ؟"
: " رهنته في متجر الرهونات ." هز مو تشينغ باي زجاجة
الخمر: " حالتي الحالية لا تسمح لي بحمل السيف."
صمت هوا بوتشنغ للحظة ، ثم أعاد السيف إلى غمده :
" كنت أنوي سؤالك إن كنت تفكر في العودة إلى بنغلاي "
جلس إلى جانبه وصب لنفسه كوباً من الشاي: " لكن يبدو
الآن أن هذا مستحيل ."
ضحك مو تشينغ باي : " الحديث معك يبعث على الراحة "
شرب هوا بوتشنغ كوب الشاي ببطء شديد ،
ثم وضعه وقال بتمهل : " عليك أن تفكر جيداً ؛
الراهب لا يعرف الحزن أو الفرح ،
والخالدون لا ينقذون العالم ،
الغرض من الممارسة والزراعة الروحية هو الترفع عن صغائر الأمور ،
والآن يسود العالم الفوضى ، وإذا تعمقت في شؤون البشر كثيراً ،
فربما لن تستطيع الخروج منها
في أحسن الأحوال ستضيع مئة عام من عمرك سدى،
وفي أسوأ الأحوال ستتحطم قوتك الروحية تماماً،
فكيف وأنت الآن لا تقدر حتى على حمل السيف ؟"
رفع مو تشينغ باي رأسه يشرب الخمر ، وظل على حاله من اللامبالاة
أدرك هوا بوتشنغ أن كلامه قد وصل إلى مسامع صاحبه،
فانتظره بصبر حتى ينتهي من الشرب ليسمع منه الرد
خلال مئة عام من الصداقة ، عرف هوا بوتشنغ أنه لا يملك تغيير قرارات الآخر ، لكنه كان بحاجة إلى مبرر
وبما أن مو تشينغ باي تجرأ ورهن سيفه علانية ، فلا بد أنه يملك حجة قوية لإقناعه
أنهى مو تشينغ باي خمره ، ومسح فمه قائلاً :
" منذ مئة عام وأنا أنتظر أن تسألني سؤالاً واحداً، لكنك لم تفعل أبداً ."
فهم هوا بوتشنغ قصده : " تقصد لماذا طُردت من الطائفة آنذاك ؟"
ألقى مو تشينغ باي زجاجة الخمر جانباً : " نعم "
في الليلة التي دخل فيها مو تشينغ باي إلى خزانة الكتب المقدسة — لم يختر أي كتاب سري ثمين ،
بل التقط من على الرف كتاب [ سجل قوارب جيانغنان]
وأشعل مصباحاً وجلس يشرب الخمر في راحة واسترخاء
منذ قديم الأزل ، كل من يدخل الخزانة يركز بكل جوارحه ولا
يجرؤ على الغفلة لحظة واحدة ، وكان مو تشينغ باي أول من يتجرأ على شرب الخمر هناك
في النهاية لم يتحمل معلمه المنظر ، فرفع تلميذه المنغمس في النعيم عن الأرض ، وسأله لماذا اختار هذا الكتاب بالذات
كان مو تشينغ باي حينها قد سكر قليلاً ، فزل لسانه بالحقيقة : " الكتب السرية معقدة جداً وتجهد العقل ،
وهذا الكتاب ممتع وبسيط ، ويصلح للقراءة مع الخمر ."
بمجرد نطق الكلمات ، استعاد نصف وعيه وأدرك سوء الموقف ،
وبينما يحاول اختلاق عذر ، وجد المعلم هادئاً ولم يغضب كعادته
صمت المعلم للحظات ثم قال : " بقيت تحت إشرافي اثني عشر عاماً ،
فعلت فيها كل أنواع الحماقات ، ولا يوجد في بنغلاي كلها
شخص لا يطمح للتقدم مثلك ..." تنهد : " ظاهرك كالذهب والياقوت ،
لكن من المؤسف ضياع موهبتك الفطرية ."
مو تشينغ باي : " كلا، لقد بالغت في مدحي يا معلم ."
: " كف عن هذا الهراء ..." لوح المعلم بفرشاته وقال:
" شربك للخمر في خزانة الكتب اليوم ضيّع عليك فرصة عظيمة ، وهذا قدرك ، فلكل إنسان مأرب ولا يمكن إجبار أحد .
لكن بصفتي معلمك، لدي سؤال واحد ."
: " تفضل يا معلم "
نظر العجوز إلى زجاجة الخمر في يده: " كل من يدخل خزانة الكتب له غرض ما ،
سواء كان المجد أو فرصة روحية .
اسمك يحمل كلمة الخمر ، وأنت شغوف بشرب الخمر ،
فبعد أن تفرغ الكأس ، فما الذي تسعى إليه؟"
عبث مو تشينغ باي برأسه: " بما أننا من طائفة بنغلاي ونمارس بجد ، أليس الهدف هو السعي إلى الخلود ؟"
{ وهل نسعى إلى شيئ آخر ؟ }
: " طرق الخلود كثيرة ؛ تخليد الاسم في التاريخ يمنحك خلود المجد ،
ونشر العلم يمنحك خلود الفكر ،
والوصول إلى الداو يمنحك خلود الروح في عالم الخالدين .
كل هذه طرق للخلود .
بنغلاي لم تخرج أحداً وصل لمرتبة الخلود منذ ألف عام،
والداخلون لخزانة الكتب لم يعودوا يطلبون الممارسة الروحية فقط ،
لكل إنسان قدره ، ويمكنك اختيار طريقك الخاص .
لكن يجب أن تفهم، ما الذي تسعى إليه ؟
منذ القِدَم كان الحكماء يشعرون بالوحدة ،
ووحدهم الشاربون خلدت أسماؤهم— (دو كانغ) شرب الخمر فنال شهرة الجمال ،
و(روان جي) شرب الخمر فنال شهرة الجنون،
و( لي باي) شرب الخمر فنال شهرة الخلود—
فأي شهرة تطلب أنت ؟"
صمت مو تشينغ باي طويلاً هذه المرة ،
ثم قال: " لا أدري يامعلمي ."
تنهد المعلم وكأنه توقع الإجابة : " منذ تأسيس بنغلاي
أنت الثاني الذي يملك الموهبة لدخول خزانة الكتب ولا يدري ما يطلب ."
: " تلميذك أحمق ."
هز المعلم رأسه : " بدلاً من القول إنك لا تعرف ما الذي تسعى إليه ، من الأفضل القول إنك تسعى وراء الكثير ،،
لم تتخلى عن الشهوات بعد ، ولم تقطع روابط مشاعرك …
والآن وقد بلغت سن الرشد ،
لم يعد من المناسب أن تبقى في بنغلاي " و لوح بفرشاته : " انزل من الجبل .
الأشياء التي تطلبها ، ستجدها في عالم البشر ."
فتح مو تشينغ باي يديه : " وهكذا ، دخلت عالم البشر لمئة عام ،،
خلال هذه السنين كنت أفكر ، ماذا كان يقصد المعلم حين
قال إنني أطلب الكثير .
و مؤخراً ، بدأت أفهم قليلاً .
سواء كان التغني بالرياح والقمر ،
أو الاستماع للموسيقى في الحانات ،،
طوال مئة عام عشتُ كما يحلو لي، بلا قيد ولا حساب. سعيتُ وراء البهجة واللهو ،
ورؤية الدنيا بأسرها ، وأن لا يذبل الجمال ،
وأن أنفق المال بسخاء…
لكن في النهاية ،
كل ما كنت أطلبه لم يكن سوى كلمتين : الحرية المطلقة .
و هذا حقاً طمع كبير ،
وحدهم الخالدون يستطيعون بلوغ تلك الحالة
— أما شخص مثلي—- بمعرفتي الناقصة
فعدا عن أني عشتُ طويلًا ، فلا أظنني سأكون خالد وأصعد إلى السماء
لن أكون خالدًا حرًّا… على الأكثر مجرد إنسان يعيش بحرية ...
لكن الإنسان الحر… لا يولد إلا في زمنٍ مستقر "
نظر مو تشينغ باي إلى هوا بوتشنغ :
" في ذلك العام سألني معلمي: ما الذي تسعى إليه ؟”
ورفع الجرة وشرب ما فيها دفعة واحدة :
“ بلا اسم ولا شهرة ومجد … أسعى فقط إلى زمن يسوده السلام "
نظر هوا بوتشنغ إلى الجبال البعيدة والغيوم التي لا تنتهي :
" معلمك أرسلك إلى عالم البشر لتسعى في الطريق للخلود …
أظن أن ما أراده منك ، لم يكن هذا "
مو تشينغ باي : " أعرف ،،
قال لي حينها إنني لم أتخلَّ عن الشهوات ، ولم أقطع روابط المشاعر…
ربما أراد أن يتركني أُجرَّب قسوة الدنيا حتى يبرد قلبي، ثم أعود لأزرع في طريق الخلود ...” ابتسم قليلًا :
“ لكن في زمن الفوضى… من يملك رفاهية الحزن والانكسار ؟
البلاد تنتظر من يعيد بناءها، فكيف أسمح لنفسي أن أستسلم ؟ "
تنهد هوا بوتشنغ: " كنت أعرف أنني لن أستطيع مجادلتك."
ضحك مو تشينغ باي : " أنت تفهمني .
هذه الكلمات ، راجعتها في رأسي ثلاث مرات، ولم أقلها إلا لك "
هوا بوتشنغ بيأس: " هذا شرف كبير لي ،،،
أعرف أنني لن أمنعك ، لكنني سأسأل سؤالاً واحداً:
هذه الرحلة لن يكون فيها خط رجعة ، فهل يستحق الأمر ؟"
هز مو تشينغ باي رأسه: " ليس الأمر مسألة استحقاق — سألتُ تيانسوانزي وقال إن هذا قدر ."
: " ماذا يعني ؟"
: " الأسرار السماوية لا تُكشف ."
أدرك هوا بوتشنغ أنه لن يسمع المزيد ،
وصمت للحظة ثم قال فجأة : " حين أكملت شطر البيت الشعري آنذاك ،
لم يكن هناك وزن ولا قافية ، كان الأمر فوضى شاملة ."
: " أعرف أنك غاضب ..." عبث مو تشينغ باي برأسه:
" لكن لا داعي لإحراجي هكذا ، أليس كذلك ؟"
تجاهله هوا بوتشنغ وهز رأسه متمتماً : " لم أتوقع أنها ستكون نبوءة تتحقق ."
[ النبيل الذي يسكب كأسه في صوت الخريف ..
والخالد يصطاد عند حافة السحاب الأبيض ]
[ أكتب من أجلك لحن لحن السلام
وأستنزف الألوان كلها و اللوحة لا تكتمل أبداً ]
مو تشينغ باي: " بمناسبة الحديث عن هذا، لم أسألك أبداً ،،
شطرك الأول— رجل نبيل يفرغ كأسه في مهب الخريف ،
من أين جاءت كلمة 'صوت الخريف' هذه ؟"
هوا بوتشنغ: " هذه المظلة بناها معلمي ،،
واسمها 'صوت الخريف'
جناح السيف تملؤه الثلوج طوال العام ،
باستثناء أيام بداية الخريف القليلة ، حيث يظهر طعم
الخريف على قمة الجبل ، ويستقر الندى على الحواف ،
وتصيح الزيز خارج الجناح ."
أومأ مو تشينغ باي : " صوت الخريف ،، إنه اسم جميل ."
نفض أكمامه ووقف باستقامة في وجه الرياح ، ثم قلب زجاجة الخمر وأنهى ما فيها
[ شؤون العالم حلم كبير ، وكم من مرة يمر خريف بارد في الحياة ،،
في الليل ، صوت الرياح والأوراق في الممرات ،،
انظر إلى الحاجبين والشيب في الصدغين ]
في ذلك اليوم من بداية الخريف ، نزل مو تشينغ باي الجبل وحيداً ، وبعد ذلك لم يلتقيا لعقود …..
كان طائر الكركي الأبيض يأتي أحياناً بأخباره ؛
عاد إلى البلاط مجدداً ، ساعد الإمبراطور الصغير ،
أنشأ المشاريع الحديثة ، قاد الجيوش لاستعادة الحدود الجنوبية ،
خطط للدفاع البحري ، وأشرف على شؤون الأنهار... حتى تسلم الإمبراطور الشاب مقاليد الحكم فعلياً
في السنة التي تسلم فيها الإمبراطور الحكم ،
أحضر الكركي صندوق من حلوى لوداغون بنكهة القرفة ؛
ذلك المتجر الصغير في العاصمة أصبح فروعه في كل مكان
صنع هوا بوتشنغ إبريق من الشاي وجلس تحت المظلة ،
وتذكر كيف كان الصديق القديم يركب القارب في البحيرة ،
شاباً يلوح بمروحة بيضاء في كسل واسترخاء ،
يحب الخمر ويكره المشاكل
والآن أصبح زعيماً للمسؤولين النزهاء ووزيراً ينادي بالحرب
حسب هوا بوتشنغ السنوات ، وبناءً على مكانة صاحبه الحالية ، لا بد أنه تجاوز السبعين
في قاع الصندوق وُجدت رسالة ، وسقطت منها بطاقة ورقية صلبة
[ هذه تسمى صورة ] هكذا كتب مو تشينغ باي في رسالته متباهياً ،
فقد دخل صحفي بريطاني مع السفراء للقاء الإمبراطور ،
والتقط له صورة حين تحمس الإمبراطور لذلك
بدا فيها رجل عجوز يرتدي ملابس البلاط، بلحية كثيفة ، ملامحه هادئة ،
مع انحناءة بسيطة تدل على بذل كل الجهد حتى النهاية
كانت هذه هي المرة الأولى التي يرى فيها ملامح مو تشينغ باي البشرية
لا يُحسب الزمن في الجبال ، وتنتهي البرودة دون علم بالسنين
قضى هوا بوتشنغ وقتاً طويلاً في جناح السيف بقمة الجبل،
حتى أصبح مفهوم الوقت لديه مشوشاً.
وضع الصورة تحت سيفه ، وأكل الحلوى كلها حتى تناثر المسحوق على ملابسه
في ذلك اليوم لم يحمل سيفه ، بل فتح أبواب الجناح ونظف الكتب المغبرة تماماً
ثم سخن زجاجة خمر ، وجلس يصطاد في قاربه
كان ذلك اليوم يوم داهان
هوا بوتشنغ لا يشرب الخمر ، لكنه منذ ذلك الحين ، في كل
يوم من أيام داهان — كان يسخن زجاجة خمر تحت المظلة
وأصبح إدراكه للوقت يزداد وضوحاً
عندما سخن الزجاجة السادسة ، وقع حادث في بنغلاي —
بنغلاي معزولة عن العالم ، لكن الممارسين الروحانيين يجوبون الآفاق ،
والأخبار لا تنقطع أبداً ، لكن من النادر أن تصل إلى جناح السيف.
وإذا وصل خبر إلى مسامع هوا بوتشنغ، فلا بد أنه أمر عظيم
تلميذ زعيم الطائفة — الذي نزل إلى عالم البشر قبل مئة عام للممارسة ، عاد فجأة إلى الجبل ——-
كان مو تشينغ باي يعود سراً في العادة ، لكن هذه المرة كانت مختلفة ؛
إذ دخل من البوابة الرئيسية علانية ، مما أثار ضجة في الطائفة بأكملها
شعر هوا بوتشنغ أن عودة مو تشينغ باي هذه المرة تهدف لأمر كبير
فالبلاد لم تستقر بعد ، و رياح الفوضى تعصف بكل شيء،
وعودته الآن ليست للاعتزال أو الراحة
في تلك الليلة ، كانت الأنوار تملأ قاعة القمة الذهبية
وكان هوا بوتشنغ يسمع صراخ المعلم العجوز الغاضب من قمة الجبل
وفي منتصف الليل —- ،
انطلقت فجأة طاقة سيف مرعبة من الأرض حطمت نصف جرف جبلي بأكمله —-
وفي اليوم التالي ، انتشر الخبر :
مو تشينغ باي كُسرت ساقه بيد زعيم الطائفة ،
ثم أمر بحبسه داخل ' جرف الندم ' للتأمل —-
يتبع
زاوية الكاتبة :
(شؤون العالم حلم كبير ، وكم من مرة يمر خريف بارد في الحياة...) — من قصيدة لسو شي.
(لا يُحسب الزمن في الجبال، وتنتهي البرودة دون علم بالسنين.) — من قصيدة تاي شانغ ين زي.
تم ترجمة هذا الفصل بواسطة : آكيرا
التدقيق : Erenyibo
تعليقات: (0) إضافة تعليق