Ch69 GM
: " رغم أن الأحبة غدوا على بُعد آلاف الأميال ،
فلنحتسِ ما تبقى من خمر الحياة..
قبل الرشفة الأولى سكر الفؤاد ، ودمعت العين دماً، واستحال القلب رماداً..."
نبرة الغناء عذبة ومتموجة — جلس وو زيشيو تحت الممر ،
ممسكاً بمروحة ورقية بيضاء ناصعة ، مغمض العينين يستجمع قواه
وما إن انتهى المقطع ، حتى رفع مروحته قليلاً وقال :
" ثمة نَفَس غير صحيح هناك ، أعد تلك الجملة الخاصة بـ 'ينغ ينغ' مرة أخرى ."
الحديقة مليئة بزهور ' تشوتشي' أغصانها تتدلى في عناقيد،
وأوراقها كثيفة تمنح ظلاً ظليلاً
وقف تشو ينشياو تحت الشجرة ، رافعاً يده بوضعية احترافية ،
وقد بدأت ملامحه تكتسب شيئاً من سحر وو زيشيو عند الغناء والإلقاء
وما إن بدأ الفتى طبقة صوته ، حتى قاطعه صوتٌ مبحوح عميق :
" أقول ، ألا تملان من هذه الدندنة طوال اليوم ؟"
دخل سونغ وينتونغ الحديقة حاملاً مِعول على كتفه ،
عاري الصدر ، و العرق يتقطر من أطراف شعره
قال وو زيشيو وهو يهز مروحته : " نحن نجد متعتنا في هذا ،
أما أنت يا لاو إير ، فكنت تعتني بأشجار الجنكة في أكاديمية الجنكة والآن في كونلون تعتني بأشجار تشوتشي
أشعر أنك أوشكت على حرث تراب نصف هذا الجبل
ألم تتعب ؟"
لقد مضى على بقائهم في كونلون أكثر من شهر
وخلال هذه الفترة ، ولقتل الفراغ ، بدأ وو زيشيو يعلم تشو ينشياو غناء بعض المقطوعات القصيرة
تعلم الفتى بسرعة ، ولم يمضِ وقت طويل حتى أتقن روح الأداء
ألقى سونغ وينتونغ المِعول جانباً : " الفراغ يدفعني للعمل ،،،" أخذ إبريق الشاي من الطاولة
وشربه دفعة واحدة : " لكن من بين كل الأشياء ، لماذا تعلمه هذا الهراء اللعين ؟"
ابتسم وو زيشيو: " وما العيب في 'مسرحية رومانسية الغرفة الغربية '؟
لاو وو وصل إلى هذا العمر؛ عندما كنت أنت في سنه
ألم تكن تقضي أيامك في حانة ممر نصف القمر تستمع
لمقطوعة تلو الأخرى من أوبرا كون تشانغ؟"
: " اللعنة كنت أذهب هناك لزيارة عائلتي ،" ركله سونغ وينتونغ ركلة خفيفة ،
ثم صبَّ ما تبقى من الشاي على وجهه ، وهز رأسه ليفض الماء ، ثم التفت إلى تشو ينشياو:
" أي مقطع تتعلم الآن ؟"
تشو ينشياو: " وداع الجناح الطويل ."
: " وداع؟" عبس سونغ وينتونغ بحاجبيه : " لماذا لا تغني مقطع 'الجمال الفاتن'؟"
وو زيشيو: " لأن هذا المقطع يناسب الأجواء الحالية أكثر ،
كما أننا غنينا 'الجمال الفاتن' من قبل."
صمت سونغ وينتونغ، ثم جلس وأشار بذقنه لـ تشو ينشياو ليكمل
تنحنح الفتى ، ثم صدح صوته المبحوح يتردد في أرجاء الحديقة :
" سماءٌ من سحبٍ زرقاء ،
وأرضٌ مفروشة بالزهور الصفراء ،
وريحٌ غربية عاتية.. والأوز البري يحلق جنوباً ...
من ذا الذي صبغ غابة الصقيع بنشوة السكر عند الفجر ؟ إنها دائماً دموع الراحلين ."
ساد الصمت بين سونغ وينتونغ ووو زيشيو
كلاهما يدرك تماماً أنه اليوم التاسع والأربعين
ومع ذلك ، لم يطرق أحد أبواب كونلون
ومع اقتراب الغسق وميل الشمس نحو الغروب ،
تحدث وو زيشيو أخيراً : " إذا لم يأتِ.. فماذا تنوي أن تفعل ؟"
سونغ وينتونغ ببرود: " لن أفعل شيئاً ،،،
سآخذ بالثأر لمن له حق ، وأرد المظالم لأهلها ،
ثم أنظف هذه الفوضى ، وفي النهاية سأحفر عدة قبور في
معبد بايشوي وأدفن الإخوة جميعاً ."
أومأ وو زيشيو برأسه : " خطة لا بأس بها ،
وسأبني كوخ من القش بجانبهم لنبقى رفقة ،
لكن إذا دفنتَ لاو سي بجانب الـ لينغشوزي، أخشى ألا يهدأ هذان الخصمان حتى في موتهما ."
همهم سونغ وينتونغ ساخراً : " لا أظن ذلك ."
وو زيشيو: " سننتظر حتى الغد كأقصى حد ، إذا لم ترد أي أنباء عن الـ لينغشوزي، سأعود إلى فنغدو
لقد جهزتُ كل ما يجب تجهيزه خلال هذه الأيام ، حان وقت تصفية الحسابات ..."
ثم التفت إلى سونغ : " ألا تريد الذهاب إلى جسر 'نايهي'؟
ربما إذا لم يغادر بعد ، تستطيع وداعه ."
رد سونغ وينتونغ: " سننتظر قليلاً ، أشعر أن ذاك المدعو
تشاي ليس من السهل أن يموت ."
….
بعد حلول الليل ،
دخل خادم صغير يرتدي ثياباً حمراء إلى الحديقة ،
داعياً سونغ وينتونغ ووو زيشيو للتوجه إلى برج مراقبة النجوم للحديث
البرج مسكن لـ تشو بايجي — كبير عائلة تشو
وعندما زار الاثنان منصة تشنغ تشيو أول مرة ، كان هو من
أمر تشو ينشياو بالنزول لاستقبالهما
عائلة تشو هم آلهة النجوم ، ويتقنون فنون الفلك
ورغم أن حساباتهم قد لا تصل إلى دقة طائفة تيانشوان التي لا تخطئ ،
إلا أنهم يمتازون ببعد النظر ؛
فالعمر الافتراضي لـ تشو تشي يُقاس بآلاف السنين،
مما يمكنهم من التنبؤ بمستقبل بعيد جداً
أول شيء فعله وو زيشيو عند صعود الجبل كان زيارة تشو بايجي وتسليمه شيئاً ما: خرزة قطرات الدم الخاصة بـ ووني
في البداية ، رفض تشو بايجي استلامها ؛ فرفات تايسوي كنزٌ
ثمين للغاية يمكنه حتى ترهيب فنغدو
وكان وو زيشيو في وضعه الحالي أحوج إليها
لكن وو زيشيو انحنى له بعمق قائلاً : " لقد عرفتَ 'الزعيمة' لآلاف السنين ، وأنت أدرى بطباعها منا..
فنغدو ليست مستقراً لروحها ."
كان العجوز ذو الرداء الأبيض يقف وظهره لهما، وفوق رأسه مجرة شاسعة من النجوم
…….
صعد سونغ وينتونغ ووو زيشيو إلى قمة البرج،
حيث يوجد ' الأسطرلاب الكروي ' الضخم
قطرات الماء تسقط في الساعة المائية ، محركةً التروس
واللوحات التي تفتح وتغلق ببطء
كان تشو بايجي يمسك بـ أعواد الحساب التي ملأت الأرض من حوله في تشكيلات معقدة
خفق قلب وو زيشيو { وصول تشو بايجي إلى هذا الحد من استهلاك الجهد الذهني يعني أن أمراً كبيراً قد وقع }
لم يرفع العجوز رأسه حين شعر بوصولهما، بل دخل في صلب الموضوع مباشرةً :
" في شمال غرب السماء.. ظهر نجم القتل ."
تجمد سونغ وينتونغ ووو زيشيو في مكانهما
في سنوات الحروب ، ليس غريباً ظهور نجوم القتل
لكن ملامح تشو بايجي كانت تنطق بخطورة غير مسبوقة
تُعد نظرية العناصر الخمسة جزءاً من علوم مدرسة الين-يانغ،
لكن بما أن أهلها يعيشون في فنغدو تحت الأرض بعيداً عن ضوء الشمس،
فإن مهارة وو زيشيو في علم الفلك لم تكن عميقة
راقب حركة الأسطرلاب النحاسي ثم رفع نظره إلى السماء،
وفجأة لمح نجماً بلون أخضر
أدرك فوراً معنى كلمات تشو بايجي ؛ ذلك النجم القابع في الشمال الغربي هو نجم قتل نادر للغاية ،
لدرجة أن أي كتاب فلكي قديم للمدارس السبع يفرِد له صفحات طويلة من الشرح والتحذير
لم يفهم سونغ وينتونغ شيئاً وسأل: " ماذا يعني هذا؟"
استجمع وو زيشيو شتات نفسه وشرح : " الكون له قوانين حركة ثابتة ،
حتى نجوم قدر المدارس السبع تشرق وتغرب .
لكن نجم القتل هذا مختلف ؛ حتى لو راقبته طوال الليل ، فلن يتحرك قيد أنملة ..."
ثم أضاف بنبرة مثقلة بالمعنى : " إنه نجم ميت ؛
وبسبب ثقل هالة القتل والدمار فيه ، فإنه يظل متسمراً في مكان واحد مهما تغير الزمن ،
ولا يبرحه أبداً حتى يتحطم ويسقط ."
: " إذن؟" سأل سونغ وينتونغ وهو لا يزال يحاول استيعاب الأمر : " نجمُ قَدَر مَن هذا؟"
تحركت تفاحة آدم في حلق وو زيشيو بصعوبة ،
وبعد لحظة صمت قال: " إنه نجم اللوتشازي."
سقط سيف شيههونغ على الأرض محدثاً رنيناً حاداً
تنهد تشو بايجي بعمق : " عام الكوارث العظمى
لقد ظهر أخيراً سابع زعماء المدارس ."
وضع العجوز أعواد الحساب جانباً والتفت إلى زيشيو:
" يا ووتشانغزي
لم أدعك أنت والموزي إلى هنا لمجرد ظهور اللوتشازي— انظر إلى نجوم قَدَر زعماء المدارس السبع، ألا تلاحظ شيئاً غريباً ؟"
فكر وو زيشيو للحظة : "... بظهور اللوتشازي — اختلت
موازين الفلك ،،،" هز رأسه : " تلميذك قليل العلم والخبرة،
ولا يجرؤ على الجزم بشيء ."
تشو بابجي : " بل لقد أدركتَ الأمر ،
إن وضع نجوم القدر الحالية لا يصدقه عقل ، لكنه الحقيقة الماثلة أمامنا ."
شعر وو زيشيو ببرودة تسري في جسده وسحب نفساً عميقاً من شدة الصدمة
فقد سونغ وينتونغ صبره وصرخ : "عن أي ألغاز ملعونة تتحدثان ؟"
رفع وو زيشيو نظره إلى السماء مرة أخرى ،
والنتيجة التي توصل إليها جعلته يترنح في وقفته ،
ولم يستطع النطق إلا بعد عناء : " لقد هوى نجم اللينغشوي .. وهذا يعني أن تشاي شوشين قد مات …
لكن ليس هذا هو الجزء الأكثر غرابة …
يوجد نجم .. آخر على وشك السقوط.. نجم تشانغشنغ."
: " تشانغشنغ؟" كرر سونغ وينتونغ بذهول : " تشانغشنغزي؟"
أومأ وو زيشيو بعدم تصديق : " نعم ، زعيم طائفة بنغلاي، تشانغشنغزي.. أوشك عمره على الانتهاء ."
لُقب تشانغشنغزي بـ سيد الخلود لأن أعمار الممارسين في طائفته تطول لقرون ، وكأنهم يلامسون الخلود
وهوا يوتشنغ لم يتولَ زعامة بنغلاي إلا منذ أقل من مئة عام، فكيف يمكن أن يموت الآن ؟
أول ما طرأ على ذهن سونغ وينتونغ { الجزاء من جنس العمل
ربما ذهبت روح مو جيشينغ الحاقدة لتنتقم منه وتأخذ حياته
لكن قوة تشانغشنغزي لا تُسبر أغوارها،
وحتى أنا لست واثقاً من هزيمته ، فمن الذي يقدر على إنهاء حياته ؟
لحظة ... } أدرك سونغ وينتونغ شيئاً ما فجأة
تبادل النظرات مع وو زيشيو —- وكان من الواضح أن
كليهما قد فكر في الاحتمال ذاته ———
وقبل أن ينطقا ، قال تشو بايجي : " لقد وصلتني رسالة عبر طائر الكركي الأبيض من بنغلاي عند الغسق
لقد اقتحم اللوتشازي بوابات الجبل وحطمها ،
وأوقع خسائر فادحة في صفوف تلاميذ بنغلاي ،
وأضرم النيران في الجبل حتى جرت الدماء كالأنهار .
لقد استلَّ تشانغشنغزي سيفه للمواجهة ، والاشتباك بينهما مستمر منذ يوم وليلة
الآن بنغلاي في حالة استغاثة ، وقد أرسلوا يطلبون العون ."
نظر تشو بايجي إليهما بعينين ثاقبتين : " القرار لكما.. هل ستذهبان للإنقاذ أم لا ؟ "
أجاب سونغ وينتونغ دون تردد : " سنذهب."
نظر إليه وو زيشيو بدهشة : " ستذهب للإنقاذ ؟
إنه اللوتشازي!"
دحرج سونغ وينتونغ عينيه بلامبالاة : " من يهتم بحياة أو موت هوا بوتشنغ !
جثة لاو سي لا تزال فوق مذبح السماء ، وجثة الـ تيانسوانزي
لا يمكن حرقها إلا بعد مرور تسعة وأربعين يوماً على وفاته.
علينا التحرك بسرعة قبل أن يلحق به أي ضرر وسط تلك النيران ."
: " هذا صحيح،" أدرك وو زيشيو الأمر : " إذن لننطلق."
اعترض تشو بايجي طريقهما قائلاً : " تمهلا قليلاً ، لم أكمل حديثي بعد ."
بدأ الصبر ينفد من سونغ وينتونغ؛ فكل ثانية تمر كانت تعني الكثير وهو يسابق الزمن لاستعادة الجثمان : " ألن تنتهي هذه القصة ؟
ما الذي تريد قوله أيضاً ؟"
تشو بايجي : " إهدأ يا موزي ، الأمر كبير حقاً،
ولا أدري من أين أبدأ ، فهو أمرٌ يفوق حدود التصديق
في رسالة الكركي الأبيض ، كُتب بوضوح هوية اللوتشازي الحالي ."
سونغ وينتونغ: "من؟"
صمت تشو بايجي للحظة ، ثم قال: " إنه .. الـ لينغشوزي الذي توفي للتو. تشاي شوشين "
—————-
مر وقت طويل ، وتعمق الليل في أرجاء المكان
غادر تشو بايجي قمة البرج ، ولم يتبقَ سوى وو زيشيو وسونغ وينتونغ
أنهى وو زيشيو تدخين غليونه ،
لكن شعور الذهول والضياع لا يزال يسيطر عليه وكأنه في
حلم: "... حقاً لم أتوقع هذا "
عبث سونغ وينتونغ برأسه بحدة : " كنت أعلم أن المدعو تشاي لن يموت ببساطة ،
لكنني لم أتخيل أبداً أنه سيصبح اللوتشازي!
اللعنة، ماذا فعل بحق الجحيم ؟"
هز وو زيشيو رأسه متسائلاً : " يصعب القول ،
هل ستذهب إلى بنغلاي بعد الآن ؟"
ألقى سونغ وينتونغ سيف شيههونغ جانباً: " لن أذهب،
بوجوده هناك، لن يصيب لاو سي أي مكروه ."
: " كنت أعلم أنك ستقول هذا ،" تنهد وو زيشيو: "لكن هذا الأمر لن ينتهي على خير ،
عليك أن تفكر جيداً فيما ستفعله لاحقاً ."
: " لن أفعل شيئاً ،" هَمهم سونغ وينتونغ ساخراً:
" سأبقى في كونلون؛ من يريد محاسبة تشاي شوشين فليذهب إليه مباشرةً ، ولا يأتِ إليّ ."
لطالما كان سونغ وينتونغ واضحاً فيما يعجبه و يكرهه ،
ومنحاز لمن يحب بشكل صارخ واضح ؛
ومن الواضح هنا أنه قرر حماية تشاي شوشين
ورغم أن اللوتشازي كان دائماً محل ريبة وخشية لدى المدارس السبعة ،
إلا أن وو زيشيو يدرك أن سونغ وينتونغ يعتبر تشاي شوشين أخاً له
... وعلاوة على ذلك ، بإمكانه تخمين السبب الذي يدفع تشاي شوشين لقتل هوا بوتشنغ
إذا كان هوا بوتشنغ نفسه ليس نداً لـ اللوتشازي،
فإن الشخص الوحيد في المدارس السبع القادر على
الوقوف في وجهه هو الموزي
لكن سونغ وينتونغ اختار دور 'السلحفاة التي تخفي رأسها '
فمنصة تشنغ تشيو محمية بقيود قوية ،
وطالما لم يغادر كونلون، فلن يجبره أحد على فعل شيء
ولكن — لا بد من تقديم تفسير للمدارس السبع في نهاية المطاف
فكر وو زيشيو في هذا وشعر بصداع يداهمه
بدا الأمر وكأن الأيام قد عادت لـ أكاديمية الجنكة —-
أحدهم يثير العواصف ، والآخر ينفض يده من المسؤولية ،
لتسقط كل المتاعب فوق رأسه هو وحده
{ ... كل ما في الأمر أن مثير المتاعب هذه المرة قد تغير }
المرة الأولى التي انطبع فيها تشاي شوشين في ذاكرة وو زيشيو بعمق بعد حادثة فنغدو الشهيرة
آنذاك ، ومن أجل مساعدته ، أقام سونغ وينتونغ ومو جيشينغ مراهنة في سوق الأشباح وأحدثا جلبة في فنغدو ،
فعاقبهما المعلم بالنفي إلى ديوان القوانين الجنائية وتلقي عقوبة الضرب بالعصا
عقوبة العصا كانت من العقوبات القوية ؛
ورغم محاولات الاستعداد المسبق لهذه العقوبة ،
إلا أن الاثنين دخلا واقفين وخرجا محمولين ،
وجسداهما غارقان في الدماء في مشهد مروع
عرف وو زيشيو بمجرد رؤيتهما أن الأمر سيئ ، فعمل على
توفير مكان آمن للبقاء فيه ثم أسرع يبحث عن طبيب
كان الجميع يعلم أن أمهر أطباء المدينة يسكنون قصر تشاي،
لكن في ذلك اليوم كان تشاي شوشين غائب ،
وكانت إصاباتهما بالغة الخطورة
لم تكن عقوبات ديوان القوانين الجنائية بالأمر الهين،
وفي البداية عالجهما الأطباء كإصابات عادية،
ومع مرور الوقت تدهورت حالتهما حتى أصبحت حياتهما في خطر
في النهاية ، لم يجد وو زيشيو بداً من إشعال البخور لاستدعاء رسل الموتى ،
ليطلب إحضار تشاي شوشين من خارج المدينة في تلك الليلة
في ذلك الوقت لم تكن تجمعهم معرفة وثيقة ؛
مجرد لقاءات عابرة في الأكاديمية
كلاهما كان من سادة الطوائف الذين تولوا المنصب في سن مبكرة ،
ولكن على عكس وو زيشيو الذي خاض غمار الدنيا وتمرس في خفايها ،
كان تشاي شوشين—رغم رصانته التي تسبق سنه—يبدو
وكأنه يحمل تلك الأنفة والترفع الخاصة بالأطباء ، نبلٌ فيه صرامة تقترب من حد الانكسار
حتى وصل تشاي شوشين في تلك الليلة مسرعاً ،
فحص نبض الاثنين ، ثم دون أن ينطق بكلمة واحدة،
حمل مجرفة حديدية وخرج متوجهاً إلى الخارج
لحق به وو زيشيو وسأله عما ينوي فعله ، لكن الآخر لم يُجب ، واتجه مباشرةً إلى ضواحي المدينة
هناك ، حيث تمتد مقبرة واسعة ، تفحص تشاي شوشين شواهد القبور ، ثم شمر عن ساعديه وبدأ في نبش القبور
صُدم وو زيشيو وهو يراقب تشاي شوشين وهو يخرج جثة،
ثم يشق أطرافها السفلية ليستخرج جزءاً من عظمة الساق،
ثم ينتقل إلى جثة ثانية ليفعل الأمر نفسه ، ثم ثالثة ، ورابعة
بموجب الأعراف البشرية ، يُعد نبش القبور إساءة بالغة ودناءة كبرى
ورغم أن طائفة الين-يانغ لا تنحرج من هذه الأمور ،
إلا أن تشاي شوشين كان دائماً مثالاً للوقار والالتزام بالآداب؛
فكان من الصعب تخيل قيامه بفعل كهذا.. وبهذه الاحترافية والسرعة
بعد تجريد العظام ، تلطخ تشاي شوشين بالقذارة ،
لكنه نفض يديه بلامبالاة وكأنه لا يكترث ،
وقال بهدوء : " أنا في عجلة من أمري ، أنت تولَّ مسؤولية إعادة دفن الجثث ."
لم يجد وو زيشيو ما يقوله إلا بعد لحظات : "هل يمكن أن
تخبرني لماذا تفعل هذا ؟"
: " إصاباتهما بليغة جداً ،
يحتاجان إلى استبدال العظام ، ولا توجد عظام مطابقة في مخزن الأدوية ،
لذا كان عليّ الحصول عليها الآن ،،" أمسك تشاي شوشين عظام الساق ومسح وجهه بكم ردائه : " الضرورات تبيح المحظورات ،
إصابتهما لا تحتمل مزيداً من التأخير ."
حينها فقط لاحظ وو زيشيو أن الآخر كان يتفحص الشواهد قبل البدء ؛ ليختار شباب في سن مقاربة لسنهما
ومع ذلك ، لم يدرك وو زيشيو المعنى الحقيقي لـ ' الضرورات تبيح المحظورات 'عند تشاي شوشين إلا بعد عدة أيام
آنذاك ، كان سونغ وينتونغ قد أجرى جراحة تبديل العظام واستقرت حالته ،
وكان يقضي فترة النقاهة في الجناح الجانبي لقصر تشاي
وعندما ذهب وو زيشيو لزيارته ، وجد أن الطبيب الذي يتولى علاج مو جيشينغ قد أصبحت تشاي ريندونغ
: " العظام التي أحضرها شوشين لم تكن مطابقة لـ السيد الشاب مو لذا اضطررنا
للبحث عن وسيلة أخرى ،" تنهدت تشاي ريندونغ وهي تغلي الدواء :
" هذا هو طبعه ، لا يمكن ثنيه عما يقرره ."
أخبرت تشاي ريندونغ وو زيشيو أن تشاي شوشين قد قدم
عظام ساقه الخاصة لـ مو جيشينغ، وهو الآن على سرير المرضى ليعالج جراحه أيضاً
فزع وو زيشيو وهرع لرؤية تشاي شوشين،
فوجده جالساً على كرسي متحرك ينحت قطعاً من العظام
بهدوء ، وقال ببرود: " إصابتي ليست خطيرة ، يمكنني انتظار العظام المناسبة ببطء ،
أما هو فلو لم يجرِ التبديل الآن لمات ."
وو زيشيو { حتى لو كان الأمر كذلك ، لم يكن عليك أن تكون بهذه القسوة مع نفسك }
شوشين : " بما أنني توليت علاجهما ، فلا بد أن يتعافى ،"
نطقها بنبرة لا تقبل الشك : " لا يوجد مرض مستعصٍ في
قاموس طائفة الطب ، هذا هو الحد الأدنى لي "
في تلك اللحظة ، تغيرت نظرة وو زيشيو للفتى أمامه ؛
كان في جوهره شيء يصعب وصفه ،
ليس مجرد نبلٍ عابر ، بل كيانٌ عميق ومظلم ،
مستعد لسفك الدماء—حتى دماء نفسه—لتحقيق هدفه ، لدرجة يمكن وصفها بـ ' الرعب '
و بدا أن سونغ وينتونغ قد أدرك هذه الحقيقة قبل الجميع ؛
فحدسه كان حاداً جداً ،
وغالباً يلمح الجوهر الكامن تحت القشور
سونغ : " لا تستفز تشاي شوشين أبداً "
في الظاهر نبيل رصين ، وفي الباطن مجنونٌ لا يرحم
استعاد وو زيشيو وعيه من ذكريات الماضي ، وتنهد تنهيدة طويلة وعميقة
و في الأفق البعيد ، السماء مثقلة بالغيوم ،
وشوهد نجم يهوي من كبد السماء المظلمة
لقد مات الـ تشانغشنغزي هوا بوتشنغ
يتبع

.jpeg)

تعليقات: (0) إضافة تعليق