Ch20 xr
كان هذا النوع من المشاهد شيئًا رآه سو هوي في أحلامه عدة مرات …..
في الحقيقة ، مقارنةً بلقاء كهذا ، كانت بعض أحلامه أكثر مباشرةً حتى — حفلات زفاف حقيقية بكل ما فيها من غطاء أبيض وباقة زهور وكعكات مغطاة بكريمة الزبدة تبدو وكأنها
على وشك الذوبان تحت وهج الثريات الكريستالية الباهظة
في تلك الأحلام ، كان نينغ ييشياو يدعوه ، ويجلسان على طرفي طاولة طويلة ، يتحدثان بسعادة عن مدى قيمة اللقاءات التي جمعتهما بزوجتيهما
كان سو هوي يظن في الأصل أنه سيحتاج إلى بذل جهد كبير للحفاظ على مظهر من السلام الظاهري ، كما كان يفعل في أحلامه
لكن عندما حدث هذا المشهد فعلًا ، اكتشف سو هوي أنه هادئ على نحو مفاجئ ، كما لو أنه مجرد متفرج
ربما لأنه تلقى خلال السنوات الماضية ضربات ساحقة أكثر مما ينبغي ،
واحدة تلو الأخرى ، حتى صاغته إلى قطعة خردة فاقدة الإحساس ، عاجزة عن الشعور
وفوق ذلك، بدا له أن وجوده مع نينغ ييشياو ينتمي إلى حياة سابقة
عندما افترقا كانا طالبين مفلسين ، وحين التقيا مجددًا كان نينغ ييشياو على وشك أن يصبح زوج شخص آخر
وأدرك سو هوي فجأة أن لقاءاتهما ، قديمًا وحديثًا ، كلها وُلدت من المصادفات
مصادفات جيدة ، ومصادفات سيئة ، ومصادفات بلا معنى ؛
مصادفات لا يملك فيها أي مكانة ولا أي حق للتدخل
{ لا … لديّ مكانة الآن ... مكانتي الحالية هي أن منح نينغ ييشياو حفل خطوبة مثالي }
: “ مرحبًا " حاول سو هوي أن يفصل نفسه عن مشاعره ،
فصافح تلك اليد المألوفة مصافحة قصيرة ورسميّة ثم تركها
لم يُظهر نينغ ييشياو أي تعبير — أبعد نظراته وقال لبيلا:
“ لم تذكري هذا لي "
هزّت بيلا كتفيها :
“ لأنني لم أكن قد حسمت الأمر بعد .
أنا لا أتحدث عن الأشياء قبل أن تصبح مؤكدة .”
ثم ابتسمت لسو هوي :
“ ما رأيك أن تتناول الغداء معنا ؟
يمكننا مناقشة بعض الأفكار ... ما رأيك ؟”
كانت جفون سو هوي نصف منسدلة ، وحواف عينيه محمرة ، وبدا عليه الإرهاق الشديد
وفي ذهنه —— صوت يواصل تحذيره بلا توقف :
{ اهرب . اهرب بسرعة .}
كانت المسؤولية الأخلاقية والحنين يتجاذبانه في صراع مستمر
وفي النهاية ؟
أنزل رأسه وأخرج ملفًا من حقيبته البالية :
“ الآنسة جونز ، هذه المسودة الأولى
جئت اليوم فقط لأُسلّمها لكِ
أنا آسف جدًا ، لكن لدي أمرًا عاجلًا يجب أن أتعامل معه .
أخشى أنني سأضطر للمغادرة .”
تحدث سو هوي ببطء شديد ، لكن كل كلمة كانت واضحة
وكان تعبيره يوحي بأنه لا يرغب في البقاء ولو لثانية إضافية
عندما رأت بيلا حالته السيئة ، أخذت الملف وقالت بلطف :
“ لا بأس . في الواقع، كان يكفي أن تخبرني بالأمر ، وكنت سأرسل أحد الموظفين إليك .
آسفة لأنني جعلتك تتكبد عناء المجيء اليوم
سائقي في الأسفل ، وإذا لم تمانع يمكنه أن يوصلك .”
رفض سو هوي بأدب : “ لا بأس — شكرًا لكِ.”
: “ إنه أقل ما يمكنني فعله
أنا ممتنة حقًا لأنك وافقت على النظر في طلبي .”
في هذه اللحظة رن هاتف بيلا
نظرت إلى الشاشة ثم اشتكت أمام نينغ ييشياو:
“ إنهم مجددًا . قلت لهم أن يقرروا بأنفسهم ، إنها مجرد حلوى ، ليست قضية كبيرة
الزواج حقًا متعب للغاية…”
كل ما أراده سو هوي هو المغادرة : “ الآنسة جونز سأذهب إذًا "
كانت بيلا لا تزال تتحدث عبر الهاتف ، فاكتفت بالابتسام والتلويح له، وأخبرته أنهما سيلتقيان مرة أخرى
استدار سو هوي وغادر
وظل نينغ ييشياو يحدق بصمت في ظهره المبتعد
“… أي شيء مناسب — ألم ترسلوا كعكة الكرز الحامض في المرة الماضية ؟
كانت لا بأس بها…”
ربما كان ذلك مجرد وهم، لكن نينغ ييشياو رأى بوضوح خطوات سو هوي تتعثر ، متوقفاً لنصف ثانية فقط
لكنه في النهاية واصل السير ، ولم يلتفت إلى الخلف ولو مرة واحدة
اشتعلت عينا ييشياو بحرارة ….
فأدار رأسه بهدوء لينظر إلى الثلج المتساقط خارج النافذة ،
{ الثلج يهطل بغزارة
هذا المشهد … مألوف للغاية }
أغلقت بيلا الهاتف ثم وخزت ذراع نينغ ييشياو بمرفقها :
“ هيه ، أليس وسيمًا ؟”
ظل نينغ ييشياو باردًا كعادته ، واكتفى بالنظر إليها دون أن ينطق بكلمة
: “ أنا أكلمك يا شاو " شبكت بيلا يديها معًا، وبدا مظهرها كطالبة واقعة في الغرام :
“ إنه جميل حقًا ، وصوته رائع أيضًا ، لطيف وهادئ
لم أقابل شخصًا ساحرًا إلى هذا الحد منذ وقت طويل
فنان بالفعل
برأيك ، كيف يكون الشعور عندما تقع في حب شخص مثله ؟”
لم يمنحها نينغ ييشياو أي رد، بل واجهها بصمت خانق فحسب
اضطرت بيلا إلى الإجابة بنفسها :
“ لا بد أنه شعور لا يُنسى مدى الحياة "
ولأنه لم يعد قادرًا على الاحتمال ، تكلم نينغ ييشياو أخيرًا :
“ تتحدثين كثيرًا اليوم
هل غيرتِ رأيك ؟
هل عدتِ تحبين الرجال مجددًا ؟”
عبست بيلا وأخرجت مرآة من حقيبتها لتجدد ملمع شفتيها :
“ لماذا كل هذه العدوانية ؟ أنا فقط أعبر عن إعجابي به
أما أنت ، فلماذا تحمل دائمًا هذا التعبير المخيف ؟
هيا ، الأمر لشهر واحد فقط
على الأقل ابذل بعض الجهد في التمثيل
لا تكن فاترًا بارداً إلى هذا الحد .”
ظل وجه نينغ ييشياو بارد :
“ لماذا لم تخبريني مسبقًا أنكِ بحثتِ عنه ؟”
: “ ولماذا ينبغي أن أخبرك ؟” أغلقت بيلا مرآتها الصغيرة :
“ هل يهم الأمر أصلًا ؟
الخطوبة مجرد تمثيلية على أي حال
ليس من المفترض أن تدير أي شيء…”
سأل نينغ ييشياو مجدداً : “ لماذا بحثتِ عنه؟”
: “ وماذا يفعل الناس مع فنان فنون تركيبية غير صناعة الفن التركيبي ؟” شعرت بيلا أن تصرفه غريب ،
لكن بما أنهما في صف واحد، أوضحت له الأمر :
“ لأنها أخبرتني ذات مرة أنها رأت أعمال إيدي في أحد المعارض وأُعجبت بها
كانت تريد مقابلته ، لكنها لم تحصل على الفرصة أبدًا
كنت أنوي في الأصل أن أرتب لها ذلك…” تنهدت :
“ وأنت تعرف ما حدث بعد ذلك
على أي حال ، أردت فقط إغاظة كلوي ، وجعلها ترى أنني أخطب لشخص آخر ،
وأن تظهر أعمال فنانها المفضل في حفل الخطوبة
لم أكن أشعر بشيء حيال الأمر من قبل،
لكن بعد أن رأيت اليوم أن هذا الإيدي وسيم جدًا ،
أشعر ببعض الانزعاج فعلًا …”
لم يفهم نينغ ييشياو يومًا طريقة تفكير هذه الآنسة الشابة
وفي هذه اللحظة، لم يكن قادرًا على التفكير أصلًا
بدافع الأنانية ، لم يكن يريد أن يظهر سو هوي في حفل الخطوبة العبثي هذا ، لا كشخص ، ولا كفنان :
“ أنا لا أوافق . لا أريد هذا .”
لم يستطع حتى أن ينطق بكلمة 'حفل الخطوبة'
دحرجت بيلا عينيها :
“ ولماذا ؟ لا أهتم
لقد دُفع المال ، ووُقّع العقد .”
: “ إذًا ألغيه . سأدفع التعويض .”
: “ لا أريد تعويض .” شعرت بيلا أنه فقد صوابه :
“ أعمالي ليست من شأنك .”
أنزلت رأسها وفتحت الملف الذي أعطاها إياه سو هوي
وكما توقعت ، كانت الرسومات اليدوية بداخله :
“ هذه الرسومات جميلة …. حتى خطه جميل .”
بدأت تتأملها بإعجاب
أما نينغ ييشياو فلم يستطع الكلام
مجرد رؤية خط يد سو هوي جعل التنفس صعبًا عليه
أعادت بيلا الملف إلى مكانه وأمالت رأسها بفخر :
“ سأؤطر هذه الرسومات ! هذا سيغيظ كلوي كثيرًا.”
كان لغطرسة بيلا جونز وتصرفاتها الأرستقراطية أسبابها الخاصة
فعلى عكس نينغ ييشياو الذي شق طريقه من القاع بيديه،
كانت هي ابنة مدللة وُلدت وفي فمها ملعقة من ذهب
كان والدها ستيفن جونز إمبراطور أعمال يملك عددًا لا يُحصى من الأسهم ، وتمتد إمبراطوريته التجارية عبر العالم
وكان يتوسع حاليًا في قطاع التكنولوجيا،
كما أنه أحد المساهمين في شركة نينغ ييشياو
أما والدتها فكانت مصممة أزياء شهيرة ورئيسة تحرير مجلة أزياء مرموقة ،
وقد أخرّجت عددًا لا يُحصى من نجوم المجال،
من بينهم حبيبة بيلا السابقة ، المصورة الأكثر شهرة في نيويورك حاليًا —- كلوي
بيلا أصغر أبناء عائلة جونز ، وقد ورثت عن والدتها ذوقها الرفيع في الأزياء ،، لم تكن مهتمة بتولي إدارة الشركة ،
ومع وجود أربعة أشقاء أكبر منها ، لم يكن من المرجح أن تضطر لذلك أصلًا
لذا سارت على خطى والدتها، وأصبحت مصممة وأطلقت
علامتها التجارية الخاصة التي تحمل اسمها
وخلال جلسة التصوير الترويجية لأول مجموعة من علامتها،
التقت بكلوي التي كانت أيضاً في بداية مسيرتها ،
وبدأت بينهما علاقة سرية
وبسبب الفارق الهائل بين خلفيتيهما ، إضافةً إلى سيطرة والدها ستيفن الصارمة ، التي وصلت حتى إلى تقييد
حقوقها في الميراث ما لم توافق على الزواج من شخص
يختاره بنفسه ، كان نينغ ييشياو، الذي شق طريقه وحده إلى وادي آسيا ، أحد المرشحين الذين وقع عليهم الاختيار
بيلا متمردة ولا تكترث للميراث ، وكانت مستعدة للبقاء مع الشخص الذي تحبه حتى لو جُمّدت جميع أموالها
لكن كلوي رفضت ذلك ، إذ رأت أن الثمن الذي ستدفعه بيلا بمواجهة عائلتها أكبر مما يمكن تحمله ، واقترحت عليهما الانفصال
وفي الخريف ، جاءت بيلا بنفسها إلى شركة نينغ ييشياو وعرضت عليه صفقة
كانت تعلم أن نينغ ييشياو بحاجة إلى جولة تمويل جديدة
لمقاومة استحواذ إحدى الشركات الكبيرة على شركته ،
وكانت هي بحاجة إلى نينغ ييشياو ليكون المفتاح الذي
يفتح لها باب الثقة والميراث
وفي الوقت نفسه ، كانت بحاجة ماسة إلى حفل خطوبة
ضخم وصاخب يدفع كلوي إلى اتخاذ خطوة حاسمة
في ذلك الوقت ، كان نينغ ييشياو قد سأل أيضًا :
“ ألا تخشين أنها لا تهتم على الإطلاق ؟”
أجابت بيلا بثقة : “ أنا أخشى أن تأتي فجأة لتمنع الزواج ،
لذا قررت أن أرتدي حذاءً مسطحًا في ذلك اليوم .”
لم يفهم نينغ ييشياو يومًا لماذا كانت بيلا واثقة إلى هذا الحد ،
واثقة بأن هناك من يحبها حقًا
{ على الأقل أنا لا أستطيع فعل ذلك ، وربما لن أستطيع أبدًا }
لم تكن مرافقة بيلا إلى قاعة الحفلات في الفندق ضمن جدول نينغ ييشياو اليوم ؛
حتى كارل كان مرتبكًا من سبب سفر رئيسه ست ساعات
بالطائرة من لوس أنجلوس إلى نيويورك
كان ذلك فقط لأن نينغ ييشياو، في اليوم السابق، وبينما يسهر طوال الليل من أجل مفاوضات اندماج، سمع موظفيه يتحدثون في غرفة الاستراحة
“ ألم يقولوا إنه رفض عدة مرات من قبل ؟”
“ نعم، لكنه اتصل فجأة الليلة الماضية . جايسون أخبرني .
قال حتى إنه بحاجة ضرورية للمال .”
“ يبدو أن الفنانين أيضًا لا يستطيعون العيش بدون مال .
مبلغ ضخم كهذا ، من الذي لن يُغريه ؟”
هذه الكلمات الساخرة لفتت انتباه نينغ ييشياو —-
رد فعل مفاجئ ولا إرادي جعله يتجمد في مكانه ،
مما أخاف الموظف الذي كان يحمل كوب قهوة وكان على وشك العودة
“ شاو… هل تريد قهوة ؟”
سأل نينغ ييشياو: “ عن من تتحدثون؟”
أجاب الموظف بحذر : “ عن الفنان الذي تحاول بيلا إيجاده
أعتقد أن اسمه إيدي .”
أصبح وجه نينغ ييشياو بارد : “ الاسم العائلي ؟ "
: “ سو — إنه صيني "
——
الشعور بأن حدسك قد تحقق كان سيئًا للغاية —-
عاد إليه الوسواس القهري مجددًا ؛
فخلال الرحلة الجوية التي استغرقت ست ساعات ، ظل يجبر نفسه مرارًا وتكرارًا على عدّ مقاعد درجة رجال الأعمال،
والنهوض مرة تلو أخرى للذهاب إلى المرحاض وغسل يديه،
حتى احمرّت يداه واضطر إلى ارتداء القفازات
شعر نينغ ييشياو بالارتباك ، واستمر هذا الارتباك حتى
عندما ذهب دون إذن إلى المكان الذي التقت فيه بيلا وسو هوي
وعندما رأى سو هوي —— تحوّل ذلك الاضطراب إلى غضب عارم لا يجد مكانًا ليتفريغه
كان يريد أن يعرف — { هل كان سو هوي يعلم منذ البداية ؟
في ذلك اللقاء 'العرضي'في سياتل ، عندما تحدثنا وجهًا لوجه ، هل أُخبر مسبقًا أن الشخص أمامه هو هدف خطوبة ذلك الاجتماع في نيويورك ؟
وأن تلك الفتاة المتمردة قد دعته منذ وقت طويل ليكون ضمن صفقتها ؟
وأنا الوحيد الذي كنت في الظلام ؟؟
لم يقل سو هوي شيء وقتها و حتى عندما جلستُ أمامه ،
ظل سو هوي صامت ، و يستمع بهدوء بينما كنتُ احاول استرجاع الماضي ، تحاول إثارة جزء من ذاكرته ،
ثم يغادر سو هوي دون أن يتأثر
حتى عندما وقف سو هوي أمامي ليسلّمني المسودة ،
لم يعبس ولو مرة واحدة }
عاد نينغ ييشياو إلى منزله في نيويورك،
وقضى اليوم كله في مكالمات عمل ، ولم يأكل تقريبًا
حاول كارل عدة مرات أن يطلب طعامًا لرئيسه ،
لكن دون جدوى ؛ لم يلمسه إطلاقًا ،
فاضطر كارل إلى أكله بنفسه
ورغم أنه كان سعيدًا قليلًا لأنه نادرًا يطلب هذه الوجبات الباهظة لنفسه ، إلا أنه كان قلقًا جدًا في الوقت نفسه،
يخشى أن يحدث شيء حقيقي لنينغ ييشياو
لم يجد خيارًا سوى إبلاغ صديق نينغ ييشياو المقرب الوحيد ومستثمر شركته — جينغ مينغ — الذي كان موجودًا في نيويورك
جاء الآخر سريعًا بسيارته الباجاني الصاخبة ، وأخيرًا تمكن كارل من الراحة لمدة ساعة
كان نينغ ييشياو جالسًا على كرسي مكتبه يقرأ ورقة بحثية أرسلها أحد الباحثين
وصل جينغ مينغ فجأة دون أي إشعار ، حتى مساعده الخاص لم يخبر أحد
بمجرد دخوله الغرفة ، انزعج جينغ مينغ من رائحة المطهر وعطس
وعندما رأى تعبير نينغ ييشياو المظلم بوضوح ، اقترب مبتسمًا وقال : “ أحضرت لك زجاجة نبيذ جيد
هذا صنعته بيدي في مزرعة والدي عندما كنت صغير
منزلك هذا فارغ ؛ من لا يعرف قد يظن أنك اشتريته ليكون مكتب فقط .”
كان جينغ مينغ يعرف المكان جيدًا ، فأخذ إبريق زجاجي من الرف السفلي لخزانة العرض ، قد تركه هنا سابقًا
و فتح الزجاجة وسكب النبيذ في الإبريق ، ثم جلس براحة
على أريكة نينغ ييشياو ينتظر الشرب
: “ من الجيد أنني طلبت من أحدهم إحضار مجموعة أرائك،
وإلا لما كان هنا حتى مكان للجلوس .”
لم يرفع نينغ ييشياو رأسه حتى : “ يوجد كراسي.”
: “ ذلك ممل جدًا . هذا المكان واسع جدًا ، يمكنك حتى
بناء ملعب تنس هنا ….” و بدأ جينغ مينغ يطلق تعليقاته :
“ انظر إلى العشب في الخارج ، ماذا عن أن أحضر لك ملعب أطفال ؟
ونستدعي الصحفيين لالتقاط صور لبناء صورة الأب المستقبلي المثالي .”
لم يعد نينغ ييشياو يحتمل هراءه : “ هل أتيت إلى هنا فقط لتشرب ؟”
ابتسم جينغ مينغ بلا مبالاة : “ في الحقيقة نعم .
لم آتِ لمراجعة تقاريرك المالية ، جئت فقط للشرب ...”
تابع وهو يصب كأسًا ويحركه بخفة : “هل تريد أن تتذوق؟
هذا النبيذ ليس شيئًا يحصل عليه أي شخص .”
اقترب وأعطاه الكأس عبر الطاولة
أخذ نينغ ييشياو الكأس وتذوق رشفة
سأل جينغ مينغ فورًا : “ ما رأيك ؟”
وضع نينغ ييشياو الكأس : “ عادي "
: “ عادي فقط؟ ليس لديك ذوق !”
: “ أنا لست خبير نبيذ .”
كان مزاج نينغ ييشياو سيئًا بشكل واضح ،
وقد لاحظ جينغ مينغ ذلك
انحنى نصف انحناءة على الطاولة وخفض صوته : “ لا أصدق ...
لا تخبرني أنك منزعج بسبب حفل الخطوبة ؟
أي ساعة هذه الآن ؟
أليس هذا التأخر في رد الفعل عاطفيًا أكثر من اللازم؟
أليس من المفترض أن دماغك حاد جدًا ؟”
كانت كلماته تتدفق بلا توقف ، ولم تكن أي منها مما يريد نينغ ييشياو سماعه
لم ينظر إليه : “ ليس بسبب ذلك .”
: “ آوه ؟ لا أصدقك . إذًا بسبب ماذا ؟”
لم يكن جينغ مينغ يضبط نفسه عندما يشتكي،
لكنه في النصيحة لم يكن يملك سوى بضع جمل :
“ والدة بيلا اتفقت مع عدد كبير من وسائل الإعلام
السبب الوحيد لإبقاء الأمر سريًا الآن هو تركه كخبر ضخم لاحقًا
اتحاد عائلة قديمة مع عائلة جديدة —- صهر عائلة جونز هو الرئيس التنفيذي لأحد شركات وادي الخليج الناشئة —
يا لها من ضجة
عندها ستصطف شركات رأس المال الاستثمارية كلها ،
وستكون جولة التمويل الثالثة C جاهزة تقريبًا .”
بقلق : “ كل هذا، مهما نظرت إليه، فوائده أكبر من مخاطره
المشكلة الوحيدة إذا انفصلتما لاحقًا،
سيكون من الصعب التعامل مع السيد جونز
هو بالتأكيد يعلم أنكما تتعاونان لخداعه ؛
وسيكون الأمر مزعجًا إذا قرر الانتقام منك .”
أنهى نينغ ييشياو كأس النبيذ الأحمر بالكامل :
“ لعب هذه اللعبة حتى هذه المرحلة ، فالسيد جونز يدرك جيدًا أننا جميعًا نستفيد من بعضنا
وإذا وصل الأمر لذلك ، فلن يكون من يثير غضبه أنا
بل ابنته الصغيرة .”
ذكّره جينغ مينغ : “ لكنهم أب وابنة بالدم.”
نظر نينغ ييشياو إليه : “ ونحن أيضًا علاقة مبنية على المال والاستثمار ؛ نحن جراد على نفس الحبل .”
: “ أنت ترى بوضوح جدًا في هذا الأمر ، أليس كذلك ؟”
لم يفهم جينغ مينغ : “ إذًا لماذا أنت قلق؟”
لم يتكلم نينغ ييشياو
وبعد وقت طويل ، نهض وذهب إلى النافذة
: “ لقد قابلته اليوم "
{ وبشكل أدق ، أنا من ذهبت إليه عمدًا }
: “ هو؟” لم يفهم جينغ مينغ في البداية ،
لكن عندما رأى حال نينغ ييشياو، أدرك فجأة من يقصد ،
وتلعثم صوته : “ هل تقصد ذلك… ذلك… حبيبك السابق
الذي كدت تترك الدراسة من أجله ؟”
شعر أن الأمر غير جيد، وتذكر فورًا الوقت الذي كاد فيه نينغ ييشياو أن يتجمد حتى الموت وهو يسافر إلى آيسلندا
العاشقون بشدة غالبًا لا تكون نهاياتهم جيدة ،
لذا حاول بسرعة ثنيه : “ لا تريد إحياء العلاقة القديمة صحيح ؟
هذا التوقيت غير مناسب إطلاقًا ، وقد مر كم سنة الآن ؟”
ظل نينغ ييشياو صامتًا طويلًا
وعندما تكلم مجددًا ، كان صوته خافتًا وضعيف
: “ أنا فقط لا أفهم.”
{ لا أفهم كيف يمكن أن لا يظهر منه ولو ذرة تردد أو حزن إطلاقاً
لا أفهم إن كان سو هوي قد أحبني يومًا أصلًا }
وعندما رآه جينغ مينغ هكذا ،
لم يستطع إلا أن يقلق ، خاصةً أن نينغ ييشياو كان من النوع
الذي يحصل على ما يريد بأي ثمن
: “ أقول لك إنك يجب أن تنساه —- لقد مرّت ست سنوات—
وليس ستة أشهر ولا ستة أيام — بل ست سنوات كاملة
بما أنه استطاع أن يتركك ، ويتركك بشكل قاطع دون أي تواصل ،
فهذا يكفي لإثبات كل شيء .
ربما الآن متزوج ولديه أطفال ؛
و ربما بدّل شركاءه مرات لا تُحصى
ما الذي بقي لك حتى لا تفهمه ؟
لا توجد مشاعر ثابتة إلى الأبد في هذا العالم
وأنت ذكي جداً ، فلماذا لا تستطيع تجاوز الأمر ؟ "
و أخرج جينغ مينغ ما كان يهتم به أكثر : العمل —-
“ قضية الاستحواذ وجولة الاستثمار من السلسلة C أصبحتا وشيكتين ، فلا ترتكب حماقة ”
وعندما رأى ملامح نينغ ييشياو السيئة للغاية ،
لم يتمالك نفسه من التنهد، وقد شعر بمرارة تجاهه
لقد شاهد بنفسه أسوأ مراحل نينغ ييشياو: إدمان الكحول،
التدخين ، تفاقم الوسواس القهري مرارًا ،
العمل طوال الليل ، وعدم الأكل أو النوم
{ ولو تكرر ذلك ، فلن اكون قادرًا على تحمله ، حتى وإن كنت مجرد متفرج }
توقف جينغ مينغ عن المزاح وقال بجدية :
“ نينغ ييشياو لا يمكنك أن تقضي حياتك وأنت تلعب بدمية قطة صغيرة .”
هذه الجملة كأنها سيف حاد غير مرئي شق قلب ييشياو بالكامل
لم يتفاعل ، لكنه عبس بحاجبيه ، وظهر عليه ذلك الهدوء المتحفظ الذي يفرضه عندما يُجرح
{ جينغ مينغ محق ، وأنا أعرف ذلك جيدًا —
لم يعد لديّ أي مكانة الآن
الدمى لا تتغير ، أما الناس فيتغيرون }
نينغ ييشياو بعد ست سنوات يؤمن أكثر من أي وقت مضى
أن لا شيء في هذا العالم يدوم
{ لكن كلما رأيت سو هوي مجددًا ، لم أعد قادرًا على خداع نفسي
رؤيته يعيش حياة سيئة تؤلمني أيضًا }
————————
في هذا الوقت —
كارل قد حصل على بعض وقت الفراغ ،
وكان يقلب سلطة في بهو الطابق الأول
هذه المرة لم يكن وحده ، بل معه السكرتيرة المساعدة إيمي ولم يعد يشعر بالملل
و بدأ يسترجع تاريخ الشركة الناشئة مع إيمي :
“ هل تعلمين ؟ من أجل تشغيل الشركة ، كان شاو ينام ثلاث ساعات فقط خلال ثلاثة أيام ، لا يأكل ،
وبعد سهر الليل كله كان لا يزال قادرًا على عرض المنتج بحماس على المستثمرين لساعات
لا أعرف ما الذي كان يدفعه لكل هذا .”
جاء سؤال إيمي منحرفًا تمامًا عن الموضوع :
“ هل كانت له حبيبة؟”
شعر كارل أن الموضوع انحرف عن مساره ، لكنه أجاب:
“ لا، على الأقل خلال السنوات التي كنت معه فيها لم يكن لديه أي حياة خاصة .”
: “ إذًا… الآنسة جونز…”
نظر كارل حوله وقال بحذر: “ هذا ربما زواج تجاري فعلاً ،
لم يسمح لي حتى بحجز عشاء خاص واحد لهما ،
و حتى لو كان زواجاً مدبراً ، لكان من المفترض أن يحدث
ذلك مرة أو مرتين على الأقل ، أليس كذلك؟”
فجأة نزل نينغ ييشياو من الطابق العلوي ،
فتوقف ثنائي النميمة فورًا وبدآ يتظاهران بالأكل بجدية
: “ كارل تعال لحظة .”
و أعطاه نينغ ييشياو بعض المهام الغريبة ، وطلب منه أن
يتحقق من فنان التركيبات الذي أحضرته الآنسة جونز
وعندما وجد كارل صورته ، أدرك فجأة
{ أليس هذا الشاب الذي شرب القهوة مع الرئيس سابقًا ؟ }
كان دائمًا يتذكر الأشخاص الجميلين جيدًا
و بعد تفكير ، لاحظ كارل — الذي يظن نفسه دقيق الملاحظة — أن الأمر غير طبيعي
{ الرئيس يهتم بهذا الشخص كثيرًا ، لكن كلما ذُكر ، كانت ملامحه تسوء بشكل واضح …
وهما من الصين ، وكلاهما يبدو جميلًا جدًا…
هل يمكن أن يكون… }
———-
في الليل ، في مقصف الموظفين ، ضيّق كارل عينيه وقال لزميلته إيمي عن تخمينه الغريب:
“هل تعتقدين… أن شاو يمكن أن يكون لديه أخ مفقود منذ زمن طويل ؟”
—————
عاد سو هوي من مانهاتن إلى المستشفى في بروكلين ،
ثم استقل مترو الأنفاق عائدًا إلى الجامعة
وعندما خرج من المحطة ، كان الثلج قد توقف أخيرًا
كان منهكاً لدرجة أنه بالكاد استطاع الوقوف في المترو،
وظل يستمع إلى المحاضرات عبر سماعات الأذن متحاملاً على نفسه ،
وتوجه كالمعتاد إلى مكتبه كمساعد تدريس في قسم الفنون الجميلة ؛
كان المكتب خاليًا تمامًا من الناس ، فأخرج سو هوي أوراق المخطوطة وواصل عمله
ولم يمضِ وقت طويل حتى وردته مكالمة هاتفية من البروفيسور وايت ، مقاطعاً أفكاره المؤلمة
طلب منه أن يذهب إلى مكتبه ،
مما أثار لدى سو هوي حدسًا سيئًا بالفعل
وعند دخوله الباب ، رأى سو هوي حاجبي البروفيسور وايت العابسان { يبدو أن الأخبار وصلت للبروفيسور ،
ويبدو أن بيلا جونز قد تواصلت معه أكثر من مرة من قبل }
: " إيدي ألم تكن رافضًا للأمر؟" دخل البروفيسور وايت في صلب الموضوع مباشرةً : " ما السبب هذه المرة ؟
أنا لا أصدق أن الأمر يتعلق بالمال حقًا ."
ابتسم سو هوي ابتسامة غير متوقعة: "إنه بسبب المال فعلاً ."
حدق البروفيسور في وجهه، وتنهد في النهاية :
" ماذا حدث ؟"
ثبّت سو هوي نظراته على بقعة قهوة قديمة متبقية على الطاولة ، وتوقف للحظة طويلة ثم تحدث :
" جدتي مريضة ، مصابة بسرطان الكبد ."
لقد اختصر الكثير من التفاصيل، ووصف الأمر بأكمله بوضوح وبرود قدر الإمكان ، رغبةً منه في ألا يقلق البروفيسور عليه
لكن ذلك لم يجدِ نفعًا ؛ فما إن استمع البروفيسور وايت إلى
كلامه حتى نهض ومشى نحو سو هوي ووقف أمامه :
" لماذا لم تخبرني ؟ يمكنني مساعدتك ."
: " لقد ساعدتني كثيرًا بالفعل ..." أنزل سو هوي عينيه :
" ولن أتمكن من رد هذا الجميل ."
ساد المكان جو من الكآبة ، فوضع البروفيسور وايت يده على كتفه وربت عليه ، ولم يقل سوى جملة واحدة :
" أنت تعلم أنني أعاملك كأحد أبنائي ."
لقد قال هذه العبارة في لقائهما الأول ؛ ففي سنواته السابقة ، كان هو وزوجته لديهما ابن في مثل عمر سو هوي،
لكنه أصيب للأسف بمرض نادر ولم يتمكن من تجاوز سن الثامنة عشرة
منذ النظرة الأولى التي رأى فيها سو هوي في شوارع شيكاغو الباردة ، شعر بألفة تجاهه ، وشعر في الوقت نفسه بوجع في قلبه
وايت : " أنا أتفهم عدم رغبتك في قبول مالي ،
لكن التكاليف الطبية مبلغ ليس بالهين ، وعلى أية حال فإن صحة جدتك هي الأهم ،
وعليك أن تتعلم تقديم التنازلات ،
لقد فكرت في الأمر قبل قليل وتحدثت مع إيدن ،
وقال إنه يريد مساعدتك أيضًا ، لنقوم معًا بتنظيم حملة تبرعات وسوق خيري ."
———————
وفي وقت الغداء ،
أُخذ سو هوي إلى منزل البروفيسور وايت ،
وما إن رأته السيدة وايت حتى غمرته باحتضان دافئ
وقالت بنبرة تملؤها الشفقة: " الإله سيحميك ."
لم يكن سو هوي يؤمن كثيرًا بوجود الإله ، لكنه شعر أنه لو مات يوماً والتقى به، فسيكون من الصعب عليه أن يشكو له ما عاناه من آلام وظلم
وعندما خرج ، اكتشف أن حسابه البنكي قد أُضيف إليه مبلغ من المال ؛ ثلاثون ألف دولار ، تحت مسمى مكافأة مساعد التدريس ، وكان المرسل هو البروفيسور وايت
أرسل رسالة نصية رغبةً في الرفض ، لكن البروفيسور لم يقبل ذلك ، وأخبره أن إيدن ينتظره عند بوابة السكن الجامعي
فلم يجد سو هوي بدًا من كتابة إيصال دين بخط يده وتركه في مكتب البروفيسور
إيدن شخص مضياف ومتعاون للغاية ، ويتمتع بالحيوية والصراحة اللتين يتسم بهما الشباب من أصول مكسيكية
وعندما علم بمرض جدة سو هوي، شعر بحزن شديد وتولى
تنظيم حملة التبرعات بأكملها، وأصر على ألا يشغل سو هوي باله بالأمر ليتفرغ تمامًا لرعاية جدته
ولأجل هذا ، تعاون مع عدد من طلاب الدراسات العليا الآخرين لدى البروفيسور وايت ، وصنعوا معًا بأيديهم كب كيك والدونات لبيعها في السوق الخيري
شعر سو هوي بامتنان عميق تجاههم ؛
فكان يعتني بجدته في المستشفى نهارًا ،
وعندما يحل المساء ، يعود إلى المنزل المستأجر ،
ويطهو الونتون الذي قد صنعته جدته مسبقًا وحفظته في المجمد ، ليأخذها إلى أصدقائه ليأكلوها
وقد تم اختيار عطلة من عطلات نهاية الأسبوع لإقامة حملة التبرعات والسوق الخيري ، وسيكون أمام مسرح الجامعة
وفي أيام الشتاء الموحشة ، يكون عدد المارة في الشوارع أقل بكثير من المعتاد ، ومع ذلك سار سوقهم الخيري بسلاسة
صمم إيدن خصيصًا ملصق إعلاني كبير ووضعه جانبًا،
فتقدم العديد من أصحاب القلوب الطيبة ، وبعد القراءة بتمعن اشتروا الدونات أو الكعك ، بل إن بعضهم وضع مبالغ مالية كبيرة
بالنسبة لـ سو هوي — لم يكن الوقوف هنا لعرض آلامه أمام كل عابر سبيل أمرًا سهلاً على الإطلاق ، بل إن طيبتهم زادته شعورًا بالعجز
تدفق الوقت دقيقة تلو أخرى ، ولم يسعه وهو ينتظر الصدقات إلا أن يفكر { لو كنت أكثر قدرة وكفاءة ، ألم تكن جدتي لتعيش بأقل مشقة ؟ }
كانت سارة بجانبه في غاية السعادة : " لقد جنينا الكثير من المال ."
فقد نال الكبك كيك الذي صنعته إعجاب الكثيرين :
" هذا رائع حقًا ، يمكننا حتى افتتاح متجر صغير للكعك ."
ابتسم سو هوي أيضًا، وكانت ابتسامته باهتة للغاية :
" إذن سأزور المتجر كل يوم."
أما الزميلة الأخرى ، فكانت طالبة يابانية مغتربة تُدعى آوي
ونظرًا لأنها رأت احمرار عيني سو هوي،
لم يسعها إلا أن تشعر بالأسى عليه، فتقدمت وعانقته قائلة :
" لا تحزن ، نحن جميعًا ندعمك ."
أومأ إيدن برأسه : " نعم ، كل شيء سيكون على ما يرام ."
رتب ما تبقى من الدونات، وفرك يديه ببعضهما، منتظرًا
بملء الأمل قدوم صاحب قلب طيب آخر
لكن من انتظروا قدومه كان زائرًا ثقيلًا غير مرغوب فيه
. " من سمح لكم بإقامة سوق خيري هنا؟"
تقدم نحوهم عدة رجال شباب ضخام البنية ،
وكان يقودهم رجل ذو شعر أشقر يُدعى مايك
وهو طالب في كلية التصوير الفوتوغرافي
و قد وقع بينهم وبينه صدام ذات مرة في أحد المعارض الفنية ،
وكان سبب الخلاف هو التمييز العنصري — لقد استهدف سو هوي وآوي لكونهما من أصول آسيوية ،
كما تعرض إيدن ذو الأصول المكسيكية للإهانة منه أيضًا
وظهور مايك هذه المرة مجددًا ، كان من الصعب ألا يظن المرء أنه متعمد
قال إيدن بنبرة لا تحمل خنوع ولا تكبر :
" لقد حصلنا على موافقة مسبقة ،
إذا كنت آتيًا لمجرد إثارة المشاكل لنا، فسأذهب لأبلغ أمن الجامعة ."
حركة السيارات في الشارع لا تهدأ، فابتسم مايك ساخرًا: " اذهب وأبلغهم ، إن أمثالكم من الصعاليك الذين لا يجيدون
سوى التسول يجدر بهم المغادرة ، هذا المكان لا ينتمي إليكم ،
انظروا إلى بشرتكم القذرة! أيها الصُّفر اللعناء !"
ردت سارة — وهي بيضاء البشرة مثله — بعد أن ضاقت ذرعًا بتصرفه : " من الأفضل لك أن تنتقي كلماتك!"
وبناءً على ما حدث في المرة السابقة ، كان سو هوي يدرك طبيعة شخصية مايك تقريبًا ، ورغب في تصغير الأمر وتفادي تفاقمه ،
فأمسك بذراع إيدن ، إلا أن إيدن لم يرد سوى بجملة واحدة: " حقًا ؟
وهل أنتم أيها البيض نبتُّم في هذه الأرض منذ البداية ؟"
لم يتوقع أن تثير هذه الجملة حنق مايك ، فاندفع إلى الأمام وركل إيدن في معدته ركلة عنيفة
وعندما رأى سو هوي ذلك ، دفعه لا شعوريًا ، وما إن رأى رفاق مايك هذا الموقف حتى اندفعوا جميعًا وسحبوا سو هوي بعيدًا ،
وانهالوا عليه باللكمات ، فلم يجد مفرًا للاختباء ، وضُرب حتى سقط أرضًا
وتحطم الملصق الإعلاني الكبير الذي بذل فيه إيدن جهدًا، وسقط على الأرض
وعندما تفاقم الأمر ، اشتبك الجميع في عراك بالأيدي،
فركضت آوي على الفور واستدعت أمن الجامعة الذين
فضوا النزاع وفصلوا بينهم ،
ولكن نظرًا لخطورة الموقف ، فقد رُفع الأمر إلى إدارة الجامعة
كان والد مايك رجل أعمال قدّم الكثير من التبرعات للجامعة ، ولذلك تم تجاهل خطأه إلى حد كبير ،
وانتهى الأمر دون اتخاذ أي إجراء
واستُدعي سو هوي بمفرده للحديث معه
كان المدير يجلس خلف مكتب العمل، وكان الظل يغمر نصف وجهه : " أنت تعلم أن صفتك هنا مربكة للغاية ،
فأنت لا تُحسب على الطلاب ، ولا تُحسب على الهيئة التدريسية
وفي البداية كان البروفيسور وايت هو من أوصى بك بشدة ،
لتتمكن الجامعة من استثنائك وإبقائك كمساعد تدريس ."
لم تكن هذه الكلمات غريبة على مسامع سو هوي، وكان يفهم مغزاها المبطن جيدًا :
" أنا أعلم ذلك ."
: " قد يبدو هذا الكلام فظًا نوعًا ما، ولكن الحقيقة هي أن لدينا الكثير من الأسباب التي تدفعنا لمطالبتك بمغادرة الجامعة ، ومع ذلك قررنا إبقاءك ،
يا إيدي هذا قرار في غاية الصعوبة ."
—————
جمعوا من حملة التبرعات أربعة آلاف دولار ،
وهو مبلغ يكفي لدفع تكاليف الإقامة في غرفة مستشفى عادية لأربعة أيام إضافية
ورغم أن سو هوي قد صرف راتبه كمساعد تدريس ، إلا أن ذلك كقطرة في بحر
وكما كان متوقعًا ، لم يشعر بخيبة أمل كبيرة ؛ فاشترى زجاجة ماء وتناول دواءه ، ثم عاد إلى مبنى التدريس
كان لدى سو هوي دفتر حسابات ، فقد أصبح تدوين الحسابات عادة ملازمة له في السنوات الأخيرة
وكان يسجل كل مبلغ مالي يحصل عليه في الدفتر ، ثم يشطب منه نفقات المستشفى
وفي الزاوية العلوية اليسرى من هذه الصفحة من الدفتر ،
كانت هناك مفكرة كتبها من قبل ، تذكره بأن عليه الذهاب
إلى العيادة نهاية هذا الأسبوع للخضوع لجلسة العلاج بالصدمات الكهربائية
والتي تكلف مئة دولار للمرة الواحدة ، دون احتساب تكاليف التخدير
حدق سو هوي فيها ، وغرق في التفكير للحظة ، ثم شطب على التنبيه الخاص بالعلاج بالكامل في النهاية
—————-
قضى سو هوي فترة بعد الظهر بأكملها في استوديو الطلاب ،
يتناقش في التصورات والأفكار مع أحد طلاب البكالوريوس الذي يستعد للمشاركة في مسابقة ما
وإن قيل إنه نقاش ، فالحقيقة أن معظم الوقت كان الطالب هو من يشرح ويوضح بالرسم ، بينما سو هوي يجلس جانبًا،
يستخدم جهاز اللابتوب لترتيب الأفكار ، وانتظر حتى أنهى الطالب كلامه ليعطيه نصائحه واحدة تلو الأخرى ،
وعندما كان يفتقر تمامًا إلى الطاقة ، كان يلوح بيده إشارة للطالب ليقترب وينظر إلى شاشة جهازه
: " إن فكرتك الأساسية تعتمد على تجسيد أسلوب اللوحات الزيتية ثلاثي الأبعاد ، وإذا كانت الألوان أكثر حدة ،
فيمكنك في اختيار الخامات استبدال الحرير الخفيف بقماش ذا ملمس أكثر كثافة لامتصاص اللون بشكل أعمق،
وبالطبع هذا مجرد اقتراح مني ..."
نظر الطالب إلى المعلومات والصور المعروضة على شاشة سو هوي، وشعر بأن آفاقه قد تفتحت فجأة :
" شكرًا لك إيدي، أعتقد أن لدي فكرة جديدة الآن، شكرًا جزيلًا لك!"
في هذه الكلية الفنية بنيويورك، حظي مرض سو هوي بمعاملة تملؤها التسامح الشديد؛
فلم يكن بحاجة لإخفائه، وكان بإمكانه مواجهة نفسه بصراحة
وكان معظم الطلاب الذين يتعامل معهم عادةً يعرفون تقلبات حالته الصحية،
ولكن حتى في أسوأ أوقاته، كان أقصى ما يفعله هو عدم الحضور إلى الجامعة، ولم تصدر منه أي تصرفات سيئة أبداً
وحتى في فترات الاكتئاب ، طالما أن تناول الدواء يمكنه السيطرة على حالته ويمكّنه من التحدث ، فإنه كان يبذل قصارى جهده لمساعدتهم
لذا كان طلاب قسم الفنون الجميلة يحبون مساعد التدريس هذا للغاية
قدم الطالب دعوة بحماس: " هل يمكنني دعوتك لتناول البيتزا؟
أو الزلابية ؟ لقد سمعت أن الصينيين هنا يحبونها كثيرًا!"
لكن سو هوي رفض بابتسامة : " لا داعي للتكلف ،
لدي أشياء يجب إنجازها اليوم ، هل نؤجلها للمرة القادمة ؟"
———-
في الساعة السادسة مساءً ، غادر الجامعة ،
ولمح سيارة مألوفة عند مجمع مبنى القسم
مشى ليانغ وون نحوه ، وقدم له كوب بابتسامة : " الطقس بارد حقًا
تفضل شوكولاتة ساخنة ، اشرب قليلاً لتستعيد نشاطك."
أخذه سو هوي، لكنه لم يشرب منه
خلال هذه الأيام ، كان يتواصل مع ليانغ وون بشكل متقطع،
وأخبره بمرض جدته أيضًا
وكان سو هوي يعلم أن ليانغ وون قلق للغاية بشأن حالته الآن ،
لكنه لم يستطع حقًا التظاهر بوضع أفضل
فتح ليانغ وون باب السيارة لأجله : " لا تقلق ،
سأوصلك إلى المستشفى ."
لم يجب سو هوي ، وركب السيارة بصمت جالسًا في مقعد المرافق ،
وما إن ربط حزام الأمان ، حتى قدم له ليانغ وون ضمادة جروح
: " زاوية فمك مجروحة ، وجدتك سيؤلمها قلبها إن رأتك هكذا ." قال هذا ، ثم خفض مرآة الرؤية الخلفية لسو هوي
هذه هي المرة الأولى التي ينظر فيها سو هوي إلى المرآة منذ أيام ؛
وبدا وجهه فيها خاليًا تمامًا من أي أثر للحمرة ،
مع بقايا قشور دموية جافة وكدمة عند زاوية فمه
فتح سو هوي الضمادة ، وألصقها عند زاوية فمه ليخفي جزءًا من الجرح
في عيادة ليانغ وون الاستشارية ، كان قد أظهر ما يكفي من الهيئات المزرية ، مهما كانت سيئة ،
لذا أصبح الصمت هو النمط الأكثر رقيًا في تعاملهما معًا
لكن طوال الطريق ، كان ليانغ وون يتحدث معه بلطف،
مستخدمًا بعض أساليب التوجيه المعتادة لدى الأطباء النفسيين ، ويمزجها بتفاصيل حياته اليومية ،
محاولاً دفع سو هوي لإظهار المزيد من ردود الفعل ،
لكن سو هوي لم يتكلم حتى وصلا إلى المستشفى
كان يبدو في غاية الشحوب والإرهاق ، وكأنه عاد فجأة إلى الهيئة التي كان عليها عندما رآه ليانغ وون للمرة الأولى
ليانغ وون: " لقد وظفت لكِ ممرضة رعاية ،،
وهي سيدة طيبة سبق لها رعاية والدتي ، وتتميز بدقة شديدة
فالأمر يظل دائمًا غير مريح عندما تتولى الرعاية بنفسك،
كما أنها أكثر احترافية ."
أومأ سو هوي برأسه، وتحدث أخيرًا : " شكرًا لك. التكلفة..."
: " لا تشغل بالك بالتكلفة ." ابتسم ليانغ وون، وتبعه إلى قسم التنويم بالمستشفى : " لقد دفعت مقدمًا لثلاثة أشهر ."
لم يرغب سو هوي في أن يفعل ذلك : "لدي مال الآن."
قال ليانغ وون بنبرة لطيفة وموقف حازم : " استمع إلي ، أنا الطبيب هنا ."
ورافق سو هوي إلى جناح جدته
الممرضة التي استأجرها قد بدأت عملها بالفعل ،
وتقوم بتمسيح جسد الجدة
وعند رؤية ذلك، خرج الاثنان مجددًا
قال سو هوي بصوت خافت في الممر :
" أود الاستفسار مجددًا ، لنرى متى يمكنهم ترتيب موعد الجراحة لنا "
ألقى ليانغ وون نظرة على ساعته : " الوقت لا يزال مناسب الآن على الأرجح ، لنذهب وننتظر الطبيب ."
عندما رأى وجه جدته الشاحب ، شعر سو هوي بقلق شديد،
وكانت كلمات الطبيب في المرة السابقة لا تزال تتردد في أذنيه ؛
فسرعة انتشار هذه الخلايا السرطانية كانت أمرًا لا يطيق معه الانتظار أبدًا ،
وكلما كانت الجراحة مبكرة ، زاد الأمل قليلاً
وبعد انتظار دام ساعتين ، خرج الطبيب المعالج أخيرًا من غرفة العمليات ، وبدت ملامحه جادة ،
ودخل في صلب الموضوع مباشرةً ليوضح له الوضع:
" في صباح اليوم ظهرت تقلبات كبيرة في المؤشرات الحيوية لجدتك مجددًا ،
وأعدنا الفحص فتبين أن الوضع قد تدهور ، وظلّت هناك مضاعفات جديدة ،
والوضع هذه المرة أكثر تعقيدًا وصعوبة مما كان عليه من قبل ."
ولكون ليانغ وون طبيب أيضًا ، كان يفهم أسلوب حديث
الأطباء جيدًا ، فسأل : " هل تقصد أنه يتعين علينا الآن التخلي عن الخطة العلاجية السابقة ؟
هل لا يزال من الممكن إجراء الجراحة ؟"
نظر الطبيب إليه، وتوجه بنظره في النهاية نحو سو هوي قائلاً : " إن شروط هذا النوع من الجراحات صارمة للغاية،
ولم يسبق لي أن أجريت مثيلاً لها، لذا فإن نصيحتي هي نقلها إلى مستشفى آخر فورًا ،
ولكننا تواصلنا حاليًا مع بعض المستشفيات التي تتوفر لديها مثل هذه الشروط، وتبين أنه ليس لديهم أي أسرة
شاغرة في الوقت الحالي، فالإمكانيات لديهم شحيحة للغاية ."
لقد كانت سرعة تدهور المرض تفوق قدرة سو هوي على التقاط أنفاسه ،
وكأنها صخرة ضخمة جاثمة فوق صدره ، تزداد ثقلاً بمرور الوقت
تابع الطبيب : " إذا تقرر البقاء في مستشفانا للعلاج ، فإن الخيار الأكثر أمانًا يظل هو العلاج التحفظي ، ولكن نتيجته العلاجية..."
فهم سو هوي مغزى كلام الطبيب ، فهذا خيار صعب
بدأ يتواصل مع مستشفيات أخرى برفقة ليانغ وون،
كما أجرى ليانغ وون اتصال بهاتف أستاذه السابق طلبًا للمساعدة ،
لكن بعد ساعة من الجهد لم يحققوا أي نتيجة ،
ففي نهاية المطاف ، تفصل بين الطبيب النفسي والجراح المتخصص في الأورام فجوة مهنية واسعة
: " إن غرف التنويم في المستشفيات حاليًا تشهد ازدحامًا شديد ، كما أن ترتيب العمليات الجراحية السريرية أمر في غاية الصعوبة ..."
نظر ليانغ وون إلى حالته المزرية ،
وربت على كتفه قائلًا : " لقد تأخر الوقت الآن، لنذهب لتناول شيء ما أولاً ."
هز سو هوي رأسه، فلم تكن لديه أي رغبة في الطعام مطلقًا
: " الأهم بالنسبة لك الآن هو أن تتماسك، فلو سقطت أنت، فمن سيعتني بجدتك؟"
وعند سماع هذه الجملة، بدأت تعابير سو هوي المتجمدة تلين قليلاً في النهاية :
" أريد الخروج لإشعال سيجارة."
سحب قدميه الثقيلة ،
انتقل سو هوي من قسم التنويم إلى الحديقة الخارجية في الطابق الأول من المستشفى
وإن قيل إنها حديقة ، فإن مساحة العشب الشاسعة هنا قد ذبلت تمامًا وغطاها الثلج الأبيض ، وبدت أشجار السرو المزروعة جانبًا هزيلة شاحبة
رافقه ليانغ وون حتى وصلا إلى مقعد طويل ، وسمع سو هوي وهو يوجه له الشكر
ابتسم ليانغ وون: " لماذا تشكرني ؟
ألم تقدم لي أنت أيضًا الكثير من المساعدة ؟ لا داعي للتكلف معي ."
هز سو هوي رأسه: " لم يكن لي دور يُذكر ،
بل أنت من يمد لي يد العون طوال الوقت ."
: " نحن أصدقاء أليس كذلك ؟
أنت تساعدني وأنا أساعدك ، هذا أمر طبيعي " فتح ليانغ وون ذراعيه وعانقه ، وعندما ابتعد قال مبتسمًا :
" لا تشعر بأي عبء بسبب ما قلته سابقاً. هناك الكثير من الظروف الطارئة الآن، وأنا أتفهم ذلك تماماً. يمكننا تأجيل الأمر لفترة ثم التفكير فيه لاحقاً "
تذكر سو هوي اعترافه له قبل مدة غير بعيدة ، لكن قلبه لم يهتز له ولو بنبضة واحدة
ابتسم ليانغ وون : " أنا جاد للغاية ،
في الواقع منذ اللحظة الأولى التي رأيتك فيها، كانت لدي نوايا خاصة ، وإلا لكنت جعلتك مريضًا عندي مباشرةً
ولكن كان يتعين علي الالتزام بأخلاقيات المهنة ، وبعد الموازنة بين الأمور ، عرّفتك على أطباء آخرين ،
لأنني منذ النظرة الأولى شعرت بالإعجاب تجاهك
ومع ذلك ، هذا لا يعني بالضرورة أنه يجب أن يكون لنا مستقبل معًا ،
وحتى لو لم تقبل بالأمر مؤقتًا ، يمكنني الانتظار ،
فقد انتظرت لعامين بالفعل ، ولا أمانع أن أنتظر لفترة أطول ."
كان سو هوي يعلم تمامًا كل ما قدمه ليانغ وون
وتوجيهه له، وكل مساعدة أسداها إليه،
كان سو هوي يشعر بامتنان عميق لها ولن ينساها أبدًا :
"أنا أعلم ذلك، ولكن الآن..."
{ لكننذ لا أستطيع خداع قلبي }
ابتسم ليانغ وون : " حسناً، لنؤجل الحديث في هذه الأمور الآن ..." والتفت فرأى متجرًا ليس بعيد وتابع : "انتظر هنا،
سأذهب لأشتري لك شيئًا تأكله ."
لم يكن سو هوي جائع ، لكنه لم يتمكن من منعه
وبعد رحيل ليانغ وون، شعر بإرهاق شديد، وجلس بمفرده على المقعد الطويل، وأخرج سيجارة وولاعة
لم تكن الرياح قوية ، لكن النار لم تشتعل مهما فعل ،
مرة، ومرتين، ومهما تكررت محاولاته ، باءت كلها بالفشل
أنزل السيجارة بيده المرتعشة ، وأنزل رأسه ، واندفع في البكاء فجأة
…….. كان مشهد وقوف نينغ ييشياو بجانب بيلا يعاد في عقله كشريط فيلم عُرض بشكل خاطئ ، متباطئًا ومتكررًا ،
ولم يكن قادرًا على إيقاف عقله عن العمل ،
وعاجز عن التوقف عند أية لحظة ، فبمجرد أن يهدأ ، يقفز ذلك المشهد إلى ذهنه
وكأنه أُجبر على ابتلاع صخرة مريرة وصلبة ،
لا يقوى على ابتلاعها ولا يستطيع تقيؤها ،
فخنقته وانسابت الدموع ملء وجهه وحتى بين فراغات أصابعه
أحنى سو هوي رأسه ، وبكى في صمت مستسلمًا لليأس،
ولم يعد قادرًا على كبح جماح آلامه ،
فارتجف جسده بشدة لدرجة عجز معها عن الامساك بالسيجارة
ولم يمضِ وقت طويل ، حتى صدر في الأرض الثلجية صوت خطوات تقترب
استعاد سو هوي وعيه ، وحاول تهدئة نفسه ،
ومسح الدموع عن وجهه بعشوائية بظهر يده
وتنحنح دون أن يرفع رأسه ، متظاهرًا بأنه لم يبكي أبداً
وتمتم : " لقد عدت سريعًا "
لم يرد الطرف الآخر
عبس سو هوي بحاجبيه ، ورفع عينيه لتستقر نظراته على حذاء جلدي فاخر أمامه ، ونهاية معطف من الكشمير ،
وأزرار فضية ، ويد ترتدي قفاز جلدي
هبت رياح كشفرة الحلاق تلفح وجنتيه ، فتسبب له ألمًا لاذعًا
وفي رؤيته الضبابية ، ظهر الشخص الذي كان من المستحيل أن يظهر ،
ينظر إليه من فوق ؛ الوجه الأكثر ألفة ، بالتعبير الأكثر غرابة ،
في التوقيت الأكثر خزيًا ، وكأن كل شيء قد تآمر ليصنع ذروة هذا الكابوس
لكن سو هوي لم يكن يرغب حتى في الاستيقاظ من هذا الكابوس ….
يتبع
تعليقات: (0) إضافة تعليق