Ch66 xr
( الماضي من الفصل 66 إلى 70 )
أجواء ديسمبر قاسية ، لكن قلب سو هوي كان دافئًا ومريحًا، لأنه كان يمتلك هدفًا صغيرًا : أن يصنع هدية عيد ميلاد لنينغ ييشياو
كل ما صنعه من قبل كان بناءً على مشاعره تجاه العالم
لكن هذه المرة ستكون الأولى التي يصنع فيها شيئًا لشخص آخر بكل إخلاص
في القطار عائدًا إلى العاصمة ، كان يتنقل بين العربات المتشابهة واحدة تلو الأخرى
كلما تجاوز بابًا جديدًا، شعر وكأن كل شيء يعود إلى الصفر من جديد ، وكأنه عاد إلى نقطة البداية ، داخل حلقة لا تنتهي من الزمن
وكان دائمًا يشعر أنه سيكون مع نينغ ييشياو، دون أن يفترقا أبدًا
قضى أكثر من عشر دقائق يرسم مخططًا أوليًا على منديل ورقي
وعندما عاد إلى العاصمة ، كان يقتطع وقتًا بعد العمل كل يوم ليجمع المواد ويأخذها إلى قاعدته السرية
وخلال هذه الفترة كان يصمم ويجمع القطع معًا، على أمل أن ينتهي قبل الرابع والعشرين من ديسمبر ليهديها إلى نينغ ييشياو
ولأول مرة ، شعر سو هوي أن الوقت لا يكفي
شعر وكأن شريحة عدٍّ زمني قد زُرعت في قلبه ، وكان يشعر بمرور الوقت بوضوح ، كحبات الرمل في ساعة رملية
لكن ما لم يكن قادرًا على التحكم به لم يكن فقط مرور الوقت
في البطاقة التي أعطته إياها جدته خمسون ألف
كانت تعلم أنه في فترة هوسه كان لديه اندفاع غير قابل للسيطرة على الإنفاق ، لكنها لم تستطع أن ترى حفيدها يتنقل بين المشاكل بسبب المال ، لذا أعطته هذا المبلغ الكبير كمصروف
لكن سو هوي أعطاها كلها لمُحصّلي الديون
لم يخبر نينغ ييشياو بذلك ، وتظاهر وكأن لا شيء حدث
لكن محصّلي الديون عادوا للتواصل معه مرة أخرى،
يتصلون به مرارًا من الرقم الذي استخدمه معهم
بل وصلوا حتى إلى مبنى دراسته ، وأطلقوا الشتائم والإهانات أمام مجموعة من الطلاب
في المرة الأولى حاول سو هوي أن يتكلم معهم بهدوء
في المرة الثانية ، خاف واتصل بالشرطة فورًا
لكن دون وجود أذى فعلي ، لم يتجاوز الأمر أكثر من تحذير بسيط
لكن منذ أن استدعى الشرطة ، أصبحوا أسوأ ، وبدأوا يظهرون يوميًا ، كأشباح خبيثة ترفض المغادرة
في أحد الأيام أنهى نينغ ييشياو عمله مبكرًا وجاء ليأخذ سو هوي ومعه ايسكريمه المفضل
لكنّه صادف المجموعة التي كانت تنتظره أمام مبنى الكلية
وعندما رأى سو هوي محاصر ، تقدم نينغ ييشياو فورًا وأخذه بعيدًا
“ ماذا ؟ هل تشعر بالأسى على الشاب الغني؟”
“ اترك التظاهر — لقد التصقت بصديق غني يستطيع تسديد خمسين ألفًا بضغطة زر
لماذا لا تدعه يسدد لك المئتي ألف المتبقية ؟”
عند سماعهم لهذه السخرية والضحك، عقد نينغ ييشياو حاجبيه ونظر إلى سو هوي بعدم تصديق
لم يستطع سو هوي الرد : “ سأشرح لك عندما نعود، حسنًا ؟
لنذهب إلى المنزل أولًا .”
وقف صاحب الرأس الأكبر في طريقهم ، وعلى وجهه نظرة استفزاز :
“ من قال إنكما تستطيعان المغادرة ؟”
وجه نينغ ييشياو بارد :
“ ابتعد .”
: “ وماذا لو لم أفعل؟”
ثم اندلع شجار لم يكن من السهل الخروج منه
حاول سو هوي عدة مرات أن يفصل بينهما لكنه فشل ،
بل وأُصيب أثناء الاشتباك
وفي النهاية اتصل أحد المارة بالشرطة ، وتم اقتيادهم مجددًا إلى مركز الشرطة
عندما خرجا من مركز الشرطة بعد إنهاء المحضر ، كان الليل قد حلّ بالفعل
تبع سو هوي نينغ ييشياو من الخلف ، يراقب ظهره الصامت ،
دون أن يجرؤ على قول أي كلمة بشكل عشوائي
وعندما وصلا إلى طريق مزدحم يحيط به أكثر أحياء الأعمال ازدهارًا ،
وشقق بأسعار خيالية في المقدمة ، بدا أن نينغ ييشياو قد
استعاد وعيه من حالة الصمت الطويلة ، ثم قال فجأة :
“ أنا لا أحتاجك أن تفعل هذا . ماذا سيجعلنا ذلك ؟”
صوته منخفض ، مبحوح قليلًا من كبح مشاعره :
“ أنا لا أريد مالك .”
: “ أعرف، أعرف ...” تقدم سو هوي عدة خطوات للأمام،
وأمسك يده بحذر : “ نينغ ييشياو أنا فقط لم أردهم أن يأتوا إليك
ظننت أنه إذا سددت هذا المبلغ ، سيتوقفون لفترة ، ولن يزعجوك بعد الآن…”
كان وجه نينغ ييشياو مليئًا بالجروح ، وزوايا شفتيه متورمة، لكن تعبيره ظل هادئًا
نظر إلى سو هوي، وظهر في عينيه أثر من العجز :
“ سو هوي أنا لا أريد شفقتك .”
احمرّت عينا سو هوي :
“ أنا لا أشفق عليك . كنت أريد مساعدتك . لم أكن أريد أن أكون عبئًا .”
منذ أن كان صغير ، لم يكن قلقًا بشأن المال أبدًا
لكن بعد أن غادر المنزل ، أدرك كم هو صعب كسب المال
لذا كان عليه أن يخفي مرضه النفسي ليتمكن من العمل بدوام جزئي لتعليم الأطفال الرسم
وكانت أدويته باهظة الثمن ، وجلسة العلاج ساعة واحدة تكلف الكثير
كلما فهم سو هوي أكثر ، ازداد قلقه بشأن المستقبل
وكان خائفًا من أن يظن نينغ ييشياو أن وجوده مرهق
تقدم نينغ ييشياو خطوة أخرى ، وعانقه بقوة :
“ أنا آسف ، لم يكن ينبغي أن أنفعل عليك . أنت لم تخطئ. الخطأ كله علي .”
هزّ سو هوي رأسه داخل حضنه
ولأول مرة منذ وقت طويل، شعر بأعراض ضغط نفسي
كأن آلاف الإبر الباردة تقطع وجهه دون رحمة
: “ أنا حقًا لست أشفق عليك .”
: “ أعرف ، لن تفعل ذلك ...” أمسك نينغ ييشياو يده :
“ أنا آسف .”
لم يرغب سو هوي في سماع اعتذاراته ، فسحبه معه لركوب الحافلة إلى المنزل
داخل الحافلة المزدحمة ، حاول عدة مرات أن يمسك يد نينغ ييشياو لكن الزحام كان يفصل بينهما في كل مرة
{ لم اتمكن حتى من لمسه }
فبدأ يردد في داخله بعض الأشياء لتهدئة الألم وتفريغ التوتر الزائد
ثم أدرك لاحقًا أنه كان يردد ' سوترا الماس' التي أجبره جده على حفظها
ورغم رفضه لها، إلا أنها قد انطبعت في ذاكرته دون أن يشعر
عند وصولهما إلى المنزل ، عالج سو هوي جروح نينغ ييشياو بحذر
ثم استلقى بجانبه ، يربت على ظهره بهدوء ويتركه يعانقه
وأخبره نينغ ييشياو بالكثير من الأشياء في رأسه ، واعترافات عن الماضي لم يكن قد أخبره بها من قبل
“ للبحث عن والدي ، ذهبت أمي إلى مسقط رأسه
وكانت حامل ، لكنها كانت ترعى جدتي من جهة والدي التي كانت مريضة
لكنها توفيت بعد بضع سنوات .
بعد ذلك، لم يبقَ سوى أمي وأنا .
كان أطفال القرية ينادونني بابن غير شرعي ، ويدفعون في فمي سمكًا فاسدًا ، ويضربونني أيضًا . لذا أردت أن أهرب من هناك منذ أن كنت صغير .
ولكي تحافظ على معيشتنا ، كانت أمي تعمل في وظائف كثيرة وتدفع تكاليف دراستي .
لذا درست بكل ما أستطيع ، وتمكنت من دخول المدرسة المتوسطة في البلدة .
لكن كان التسجيل يتطلب سجلًّا عائليًا ، لذا اضطرت للزواج من رجل لا تحبه
لكن حظها كان سيئًا ، فذلك الرجل أصبح مقامر وكان يضربها كل يوم
وعندما حاولت مساعدتها ، كان يضربني أنا بدلًا منها
لكن أمي كانت تحميني داخل حضنها ، فكانت هي من تتعرض للضرب في النهاية
فكنت أعتقد أنني إذا كبرت بسرعة ، ربما أستطيع أن أمنحها حياة أفضل
وأنت تعرف ما حدث بعد ذلك .
لقد هربا معًا .
التحقتُ بأفضل مدرسة ثانوية في المقاطعة ، واعتقدت أنني لن أتعرض للتنمر بعد الآن .
لكن محصّلي الديون ظهروا حينها
لم يتمكنوا من العثور على زوج أمي أو أمي ، فبدأوا بإثارة المشاكل لي في المدرسة كل يوم
في ذلك الوقت لم أكن أجرؤ حتى على تكوين أصدقاء، ولم أستطع فعل ذلك أصلًا
فكل من يقترب مني، كانوا يضعون أعينهم عليه .”
و ضحك بخفّة : “ لم أكن أريد تكوين صداقات أيضًا ، لأكون صريحًا
بالنسبة لشخص مثلي ، كانت قاعدتي في تكوين الصداقات أن أقترب ممن يمكن أن يفيدني
ربما هذا نوع من العقاب .”
لم يُحب سو هوي أن يتحدث عن نفسه بهذه الطريقة، لذا عانقه بقوة : “ أنت لست هكذا.”
لم يُجب نينغ ييشياو على ذلك
كان يعرف جيدًا أي نوع من الأشخاص هو
تفكيره النفعي وأنانيته لم تفشلا إلا عندما يكون سو هوي ضمن المعادلة
كان هذا استثناءً لا ينبغي أخذه بعين الاعتبار
: “ قبل امتحان دخول الجامعة مباشرةً ، ظهر ذلك المجموعة فجأة وضربوني في الزقاق الخلفي للمدرسة
لحسن الحظ، ظهر مشرف الصف وأعطاهم ألفين يوان قبل أن أتمكن من دخول الامتحان
لكن جسدي كله كان يؤلمني طوال الاختبارات
إصبع الإبهام المصاب جعل الكتابة صعبة جدًا
لكن لحسن الحظ أبليت بلاءً حسنًا في ذلك اليوم،
وكنت الرابع على مستوى المقاطعة كلها
كأن الآلهة رقّت لحالي وساعدتني
كنت أظن أن حياتي ستكون أسهل إذا دخلت جامعة في العاصمة ، لكن لم يكن الأمر كذلك إطلاقًا .”
بينما يستمع إلى نينغ ييشياو وهو يروي ذلك بنبرة محايدة تمامًا ، كان قلب سو هوي يتفتت إلى قطع
احتضن نينغ ييشياو بقوة ، وترك دموعه تسقط بصمت في حضنه
: “ سو هوي أنا متعب جدًا ...” كان صوت نينغ ييشياو أخيرًا مخنوقًا قليلًا :
“ أشعر وكأنني في سباق سباحة بلا نهاية ، ولا أستطيع التوقف لحظة واحدة
لو توقفت، سيُلتهم كل شيء بي وأُسحق تمامًا .”
: “ لن يحدث ذلك ...” ربت سو هوي على ظهره مواسيًا :
“ سيكون الأمر مختلفًا قريبًا جدًا ، وستصل إلى النهاية بسرعة .”
أسند نينغ ييشياو رأسه في حضنه ، وصوته منخفض لكنه حازم ، وكأن كل كلمة مشبعة بمعاناة الواحد والعشرين عامًا الماضية من حياته :
“ سأغادر هذا المكان بالتأكيد
لن أظل عالقًا في هذه الحياة طوال عمري .”
مقاومًا الجنون الذي يكاد ينفجر داخله ، عزّاه سو هوي بألطف صوت لديه:
“ ستفعل . أنت رائع جدًا . ستنجح في كل ما تريد فعله .”
ثم بدأ يخبر نينغ ييشياو عن مستقبلهما ،
يرسمه كحلم جميل — سيحصل نينغ ييشياو على الدعم الحكومي الذي يغطي تكاليف السفر إلى الخارج ،
وأن يدرس في جامعة S التي يريدها أكثر من أي شيء ،
وأنه ييدرس الفن في كاليفورنيا
وسيكون لهما بيت صغير هناك ، مع حديقة صغيرة ، وكلب لطيف أيضًا
في هذه الليلة حلم سو هوي أيضًا بهذا
لكن الحلم كان غريب ؛ كان متداخلًا بين الماضي والحاضر والمستقبل
حلم أن والده المتوفى يعتني بكلب في الحديقة ،
وحلم بنينغ ييشياو طفلًا ، منكمشًا في زاوية كجرو ضال ثم يُسحب إلى حضنه في عناق
وفي النصف الأخير ، حلم أنهما أصبحا أكبر سنًا بكثير وسارا على شاطئ البحر
كانت رياح البحر تؤلم عظامه
و قال لنينغ ييشياو إنه يريد أن يُنثر في البحر بعد موته
حلم فوضوي لكنه ساحر
عندما استيقظ سو هوي ، تذكّر فجأة فيلمًا شاهداه معًا، “كايلي بلوز”
كان أيضًا حلمًا يتداخل فيه الزمن بشكل غير منتظم
وفي فترات انشغاله بالعمل ، كتب المقطع الشعري الذي ظهر في الفيلم—
[ بدون شفرات ، تصبح اللغة صامتة
ومع ذلك فقد عشتُ بلا قلب لمدة تسع سنوات.]
في ذلك الوقت ، لم يظن سو هوي أن هذه كلمات نبوئية
في اليوم التالي ، ذهب نينغ ييشياو ليقود سو هوي من العمل كالمعتاد
وفي الطريق إلى العودة ، عبّر عن رغبته في أن يترك سو هوي عمله في مدرسة الأطفال ، لكن سو هوي لم يرغب بذلك
سو هوي : “ لا أريدك أن تعيلني . أستطيع أن أعمل وأكسب المال .”
: “ سيُسببون لك المتاعب في أي وقت وأي مكان ،
أنا فقط قلق من أن الأمر قد يصبح أكثر من طاقتك فجأة،
ماذا نفعل لو حدث شيء؟
أنت مختلف عن الآخرين…”
نظر سو هوي إلى ييشياو بفراغ : “ كيف أنا مختلف؟”
توقف نينغ ييشياو أيضًا ، وكأنه أدرك للتو ما قاله و سارع بالاعتذار
: “ لم أقصد ذلك.”
هزّ سو هوي رأسه. كان يكره الجدال كثيرًا ،
خصوصًا في طريق العودة إلى المنزل
لذا قال بطفولية: “ إذن اضغط زر الرجوع ، وأنا سأتصرف كأنني لم أسمع .”
أعاد نينغ ييشياو ذلك فورًا : “ أنا آسف ، أتراجع عن كلامي .”
: “ مم-مم.” وابتسم سو هوي ، ثم وقف على أطراف أصابعه وقبّل وجهه
ومع ذلك ، استمع سو هوي له واستقال من مدرسة الدروس الخصوصية
لم يكن يريد أن يقلق نينغ ييشياو عليه حتى أثناء العمل
قامت المدرسة بحساب أجره من الشهر الماضي
كان أكثر من ألف يوان
أخذ سو هوي المال إلى المنزل واشترى بعض المكونات الجيدة ليطبخ لنينغ ييشياو
في البداية كان الأمر طبيعيًا
في هذا المطبخ الضيق ، تعلّم بحذر كيف يطبخ وفق وصفة على هاتفه
لكنه كان قليل الخبرة ، فلم ينجح في أي شيء بشكل جيد
احترق البيض، ولم ينضج الأرز بالكامل
قضى ساعتين، لكن نتيجة طبخه كانت غير صالحة للتقديم
لكن عندما عاد نينغ ييشياو، أكله بسعادة
وكل طبق يتناوله كان يمدحه ويقول إنه لذيذ وتحسّن، كأنه يواسي طفلًا
و بينما سو هوي يراقبه يأكل { يجب أن اتعلم الطبخ بجد
إذا تزوجنا وعشنا معًا في المستقبل ،
لا يمكنني جعل نينغ ييشياو يأكل شيئًا سيئًا كل يوم }
———
في اليوم التالي ،
أخذ سو هوي نينغ ييشياو إلى المستشفى حيث كانا يحضران جلسات الاستشارة في موعدها المعتاد
لكنه ظل ينتظره خارجًا كما يفعل دائمًا
لم يستطع البقاء جالس ، فكان يمشي في دوائر في قاعة الانتظار
لا يعرف كم دورة مشى، حتى رأى تلك الفتاة نفسها من الثنائي اللذين كان يراهما دائمًا في المستشفى
و تذكّر أن اسمها ليلي
كانت ليلي في حالة سيئة —- عيناها حمراء ومنتفختان،
ويبدو أنها بكت، وكانت مرهقة جدًا
اقترب منها سو هوي بقلق وجلس بجانبها
: “ ليلي ماذا حدث؟”
كان رد فعلها بطيئ — لم تلتفت إليه إلا بعد ثوانٍ.
من خلالها ، شعر سو هوي وكأنه رأى نفسه في نوبة اكتئاب
لم تتكلم ، والدموع تنهمر على خديها
أخرج سو هوي فورًا المناديل التي معه وأعطاها لها :
“ لا تبكي ، لا تحزني .”
وعندما قال ذلك ، حتى سو هوي شعر أنه أمر مضحك
كان ينبغي أن يعرف أكثر من غيره أن هذا خارج عن إرادتهم
ومع ذلك كان يطلب منها ألا تحزن
: “ أين شياو جي ؟ لم يأتِ معك ؟”
عند سماع هذا الاسم ، لم تعد دموع ليلي تتوقف :
“ شياو جي … انفصلنا .”
بينما تبكي أمامه ، علم سو هوي أن علاقتهما لم تكن سهلة كما بدت
كان اضطراب ثنائي القطب لدى ليلي أكثر شدة ،
وكانت تنفجر أحيانًا بنوبات هستيرية
وعندما يحدث ذلك، يكون الشجار حتمي
في البداية ظنّا أنهما قادران على تجاوزه معًا
لكن شياو جي بدأ تدريجيًا ينكسر تحت دوامة المشاعر ،
وتأثر إلى درجة أنه احتاج إلى علاج
: “ لم أرد أن أؤذيه، لكنني لم أستطع السيطرة على نفسي…”
دموع ليلي تنهمر وهي تغطي وجهها وتبكي بحرقة :
“ عاد إلى مدينته
ووالدته قالت إنها ستجد له فتاة سليمة ليتزوجها …”
طعن ألم حاد قلب سو هوي
وبشكل خارج عن إرادته ، تذكّر كيف كان هذا الثنائي عندما رآهما لأول مرة في الخريف
في ذلك الوقت كانا سعيدين جدًا معًا،
وكانت ليلي تخبره بحماس كيف سيسافران بعد الزواج
و سيزوران أماكن كثيرة ويلتقطان صورًا عديدة
تغيّر كل شيء بسرعة ، كأن صفحة في كتاب قديم انقلبت فجأة
صُدم سو هوي تمامًا ، والغبار وكأنه يخنقه حتى سالت دموعه
رأى نينغ ييشياو يخرج ويقف بجانب سو هوي
مسحت دموعها وقالت بابتسامة : “ أنا أحسدك جدًا.”
شعر سو هوي فجأة بالخوف
كان مختلفًا عن الآخرين
لكنه كان أيضًا مثل ليلي ، مريض نفسي ، غير قادر على التحكم بنفسه من إيذاء من حوله
حين رآه نينغ ييشياو يحدق في الفراغ ، أمسك ذراعه وسأله بهدوء : “ ما بك؟”
عاد سو هوي إلى وعيه وهز رأسه : “ أنا بخير.”
لم يخبر نينغ ييشياو عن ليلي وشياو جي
بدت تلك العلاقة المنهارة وكأنها عصا حظ سيئ تلقاها،
نذير شؤم يجب أن يخفيه
لكن سو هوي لم يتوقع أن سوء الحظ لن يتوقف لمجرد أنه أخفاه ، بل جاء أبكر من ذلك
حين كان يحضر محاضرته المتخصصة ، اتصلت به أمه فجأة عدة مرات ، ثم أرسلت له رسائل متتابعة تطلب منه العودة فورًا إلى المنزل
أدرك سو هوي غريزيًا أن الأمر سيئ ، وأراد الهروب منه
لكن الرسالة التالية جعلت الهروب مستحيل
[ الأم : سو هوي ، جدك علم بأمر علاقتك مع نينغ ييشياو وأغمي عليه من شدة الغضب .
إذا بقي فيك أي قدر من برّ الأبناء تجاهه كجدك ، فتعال فورًا إلى المستشفى .]
تحطمت خطة سو هوي بالكامل
لم يكن الأمر أنه لم يفكر يومًا في كيفية إخبار عائلته بهذه العلاقة ،
لكن في خطته المثالية كان سيذهب أولًا إلى أمريكا مع نينغ ييشياو
وبعد أن يمر وقت كافٍ، وعندما لا يعود الجميع يضعون عليه تلك التوقعات العالية ، كان سيخبرهم تدريجيًا
لكن الوضع كان يتدهور بسرعة
في سيارة الأجرة ، لم يكن في ذهن سو هوي أي فكرة
حين وصل إلى المستشفى ، تذكّر أخيرًا أن نينغ ييشياو ما زال ينتظره لينهي درسه ويتناول معه الطعام
فبسرعة أرسل له رسالة ، يخبره أن جده في حالة سيئة وأنه ذاهب إلى المستشفى
لم يملك سو هوي الشجاعة ليخبره بكل التفاصيل
كان يخشى أن يتأثر نينغ ييشياو بأي شكل بسببه
[ نينغ ييشياو : لا تقلق. أخبرني إذا لن تعود إلى المنزل اليوم .
اعتنِ بنفسك وتذكر أن تشرب الماء .]
لم يشعر سو هوي بالاطمئنان إلا بعد هذه الرسالة ،
فدخل المستشفى
وعندما خرج من المصعد في الطابق المطلوب ، رأى مقدّمة الرعاية في المنزل
: “ هل استيقظ جدي؟”
: “ لقد استيقظ للتو ...” تقدمت وأخذته إلى هناك، ثم ذكّرته : “ السيدة طلبت مني أن أقول لك
يا السيد الشاب عليك أن تكون حذرًا في كلامك .”
لم يكن سو هوي يعرف كم يجب أن يكون ' حذرًا '
لم يكن حتى يعرف ماذا يمكنه أن يقول أصلًا
قبل أن يخطو داخل غرفة المستشفى الخاصة ، أخذ نفسًا عميقًا —- ثم رفع يده وطرق الباب ثلاث مرات
سمع خطوات ثقيلة بكعب عالٍ من داخل الغرفة
فُتح الباب ، والتقت نظرة سو هوي بوجه جي يانان
ولأول مرة أدرك أن أمه قد كبرت فعلًا
كان عليها تعبٌ لم يعد المكياج الزاهي قادرًا على إخفائه
حاجباها عابسان ، تنهدت ، وفتحت الباب لتدخله
لكنها لم تقل شيئًا
لكن صمت أمه لم يزد سو هوي إلا شعورًا أثقل بالذنب،
كأنه يجرّ قيودًا ثقيلة وهو يمشي داخل هذه الغرفة الهادئة كالمذنب
في البداية كان الجميع يكتم غضبه ،
وينتظرون أن يعترف سو هوي
لكن عندما قال سو هوي: “ أنا أحبه حقًا جدًا ”
أمسك جي تايليو بكوب الشاي بجانبه وحطّمه نحو المكان
القريب من قدمي سو هوي—
تحطم الخزف إلى شظايا ، وتناثرت القطع الحادة لتجرح ظهر يد سو هوي، تاركة أثرًا من الدم
: “ حب؟
هل تعرف ما هو الحب أصلًا ؟!
أنتم مجرد أطفال تلعبون بيتًا عائليًا ، وتظنون أنه حقيقي ؟”
لم يقل جي تايليو أكثر من ذلك ثم سعل من شدة الغضب، وهو يمسك بسياج السرير بقوة
اقتربت جدته لتدعمه ، تربت على ظهره وهي تبكي :
“ لا تغضب ، ألا تستطيع التحدث معه بهدوء ؟”
: “ وهل سيستمع إن تحدثنا بهدوء؟!” نظر جي تايليو نحو سو هوي
وبعد لحظة صمت، أمسك الصور على طاولة السرير ورماها أمامه
كانت كل صورة تجمع سو هوي ونينغ ييشياو
وهما يعانقان بعضهما ، بل وحتى يقبلان بعضهما
كانا يظنان حقًا أنهما نملتان صغيرتان في هذا العالم الواسع ، صغيران إلى درجة لا تثيران انتباه أحد
في هذه اللحظة فهم سو هوي أنه لم يمتلك الحرية يومًا
تحول صوت جي تايليو إلى حاد : “ منذ صغرك وأنت تحصل على كل ما تريد ،
يُمهد لك الطريق مهما أردت أن تفعل ،
وتتمتع بأفضل الموارد ، ولا تحتاج حتى للقلق بشأن أي شيء !
لكن هل فكرت يا سو هوي إذا أجبرتك على المرور بما لم يمر به أحد ، ومع قوتك النفسية هذه ، وضعفك هذا ،
هل ستنجو ؟”
سقطت هذه الكلمات على سو هوي كعاصفة من حجارة قاسية لا رحمة فيها :
“ أعرف، يا جدي . لكني لا أستطيع الانفصال عنه .”
كان سو هوي أكثر هدوءًا مما توقع، وكأنه يتوسل داخليًا أن يُقبل مهما كان الثمن
اقترب أكثر ، وجثا لا إراديًا بجانب سرير جي تايليو
وأمسك يده، وصوته يكاد يكون متوسلاً :
“ يا جدي سأخضع للعلاج جيدًا ، وسأفعل كل ما تقول ،
وسأكتب لك تعهدًا بأنني سأكون حفيدًا لا يجعلك تفقد وجهك
أي شيء
لكنني حقًا لا أستطيع تركه .”
: “ انظر إلى نفسك! تركع لرجل !
سو هوي كيف ربّيتك لتصبح هكذا ؟
انظر إلى حالك ، إنه أمر مقزز !”
دخل جي تايليو في نوبة سعال شديدة من الغضب،
ثم ارتد على الوسادة ، وصار صوته ضعيف :
“… ومع ذلك تقول إنك لن تجعلني أفقد وجهي
أنت مريض نفسي ، والآن أنت مثليّ أيضًا
ألا يجلب أيٌّ من هذا لي العار ؟”
أدرك سو هوي فجأة بوضوح
{ في الحقيقة لم يكونوا يهتمون بما إذا كان نينغ ييشياو جيد أم لا
حتى لو قلت لهم كل مزاياه ، لن يتراجع جدي
لأن وجوده هو الخطأ من الأساس
حق اتخاذ القرار لم يكن يومًا بيدي }
لكن رغم ذلك، وبعناد شبه طفولي ،
واصل الدفاع عن ييشياو: “ أنت لا تفهمه
إنه ممتاز حقًا،
أفضل بكثير من كل الشباب في هذه الدائرة
إنه ذكي ويسعى دائمًا لتطوير نفسه
من بين كل من رأيتهم ، هو الأكثر…”
: “ اصمممت !” صرخ جي تايليو : “ لقد فقدت عقلك
لقد مر وقت طويل منذ أن أخذت دواءك ورأيت الطبيب
خذوه ...” و قال ببرود لمن بجانبه :
“ خذوه غدًا إلى الطبيب تشانغ ليُفحص جيدًا .”
أمسك شو تشي ذراعي سو هوي ، لكنه دفعه بعيدًا
لم يستطع سو هوي إلا أن يقاوم حتى النهاية :
“ لن أذهب، لن أعود .”
أنزل جي تايليو عينيه ، وظهر العنف على هذا الوجه المسن
: “ سو هوي أعطيك فرصة أخيرة — أسبوع واحد
فكر جيدًا
لدي طرق تمنع هذه العلاقة من الاستمرار .”
سُحب سو هوي بالقوة
وقبل أن يخرج تمامًا ، قال جي تايليو جملة أخيرة
لم يعد صوته قاسيًا ، لكنه اخترق قلب سو هوي كخنجر :
“ إلى متى تظن أن مريضاً نفسياً مثلك سينجح في العيش مع شاب فقير لا مستقبل له؟
حتى وإن استطعت أنت ذلك... هل تظن أنه هو يستطيع؟ ”
أُعيد سو هوي إلى ذلك المنزل البغيض ، وصودر هاتفه ،
وقضى الليل كله بعينين مفتوحتين
أضاء النهار ثم حلّ الظلام
طوال يومين كاملين ، لم يشرب حتى قطرة ماء واحدة
وجبات الطعام التي يحضرها الخدم تُؤخذ وتُستبدل، دون أن يمسّها
في البداية لم تستطع جي يانان تحمل ذلك ، فجاءت لتقنعه ،
وقالت له أشياء كثيرة ' لأجله '
لكن سو هوي لم يعد يستوعب كلمة واحدة
تحوّل إلى آلة بلا استجابة
الشيء الوحيد الذي كان 'يعمل'فيه هو في آخر الليل
حينها كان يقترب من الطاولة ، وكما اعتاد ، يكتب يومياته على الرسائل
كلما اشتدت حالته ، زاد تعلقه بالكتابة
لكن محتوى تلك الرسائل كان دائم الاضطراب ، كأنه شخص آخر تمامًا — نسخة أخرى من سو هوي في خياله
وكان يحفظها كلها في درج مقفل
في اليوم الثالث ، كان الطقس سيئًا ، رماديًا كئيب
لم يستطع سو هوي إلا أن يتذكر ذلك اليوم الذي كان فيه بجانب نينغ ييشياو وهو يحمل الرماد، وذلك البحر الحزين
…………..
ديسمبر قد تجاوز نصفه
أراد الهروب
{ لم أكمل حتى هدية عيد ميلاد نينغ ييشياو }
أدرك سو هوي شيئًا
{ هناك فرق بين ألم وآخر
في الماضي ، كان مرضي يسيطر عليّ ، وكنت أعتقد أن الحياة بلا معنى ، واتمنى الاختفاء والرحيل
لكن الأمر مختلف الآن
أريد البقاء ، أن أكون مع نينغ ييشياو
رغبة صغيرة جدًا ، لكنني لم استطع تحقيقها }
مهما قرأ من نصوص بوذية، لم يكن هناك خلاص
في الظهيرة ، فُتح باب غرفته مرة أخرى
كان سو هوي مستلقيًا على الأرض
ظن أن الخدم جاؤوا بالطعام ، فلم يتحرك
لكن حين رأى حذاء جي يانان، قال بشكل غريزي :
“ أنا لن أنفصل عنه "
تنهدت جي يانان، وامتلأت عيناها بالدموع
أزاحت وجهها ومسحت دموعها
وبعد لحظة، قالت له: “ عمك توفي
في الصباح الباكر ، هو…”
لم تستطع إكمال الجملة
توقفت قليلًا، ثم تماسكت وقالت: “ لم يستطيعوا إنقاذه .”
احتاج سو هوي وقتًا طويلًا ليستوعب
وجه عمه المبتسم أول ما ظهر في ذهنه
لقد أخذه إلى معارض فنية ، وتجول معه في المتحف
بعد خمس دقائق ، جلس، وحدق مباشرة في جي يانان
: “ أنتِ تكذبين علي.”
وكأن جي يانان وصلت إلى حدّ الانهيار ،
بدأت الدموع تنهمر على وجهها : “ غدًا الساعة الثامنة صباحًا ، تعال إلى جنازته معي
سأطلب من الخالة تشانغ تجهيز ملابسك .”
ثم استدارت وغادرت
توقفت خطواتها للحظة قبل أن تغلق الباب ، وأضافت:
“ على الأقل كل شيئًا قليلًا… من أين ستأخذ القوة لتودّع عمك ؟”
يتبع
تعليقات: (0) إضافة تعليق