Ch90 xr
من الواضح أن ذلك الصحفي الوقح لم يكن ينوي التخلي عن موضوع مقاله
وعندما رأى نينغ ييشياو يساعد سو هوي على المغادرة، تقدم فورًا ليعترض طريقهما
: “ هل لي أن أسأل من أنت…”
ألقى عليه نينغ ييشياو نظرة واحدة فقط، وقال ببرود ومن دون أي تعبير:
“ تنحَّ جانبًا .”
تجمد الرجل في مكانه ، وقد بدا أنه صُدم بالهيبة المنبعثة منه وبنظرته الحادة
ييشياو : “ من أي شركة أنت؟ وما اسمك؟”
كان حضور نينغ ييشياو طاغيًا وهو ينظر إليه من فوق ،
بينما انتقلت عيناه إلى شارة اسم المؤسسة الصحفية المعلقة على صدره
: “ أنا…”
لم يكن لدى نينغ ييشياو أي صبر للاستماع إليه
وبنبرة باردة، ابعد نظره عنه إلى الجهة المنظمة للمعرض الواقفة جانبًا
“ كيشا سأزعجك بإرسال معلومات هذا الصحفي الشخصية إليّ "
: “ حسنًا، سأرسلها إلى إيدي.”
وعند سماع ذلك، بدأ الصحفي يذعر :
“ هيييه !”
: “ ألم تقل إنك فضولي لمعرفة من أكون؟” احتوت نظرة نينغ ييشياو المحتقرة حتى على لمحة من السخرية
وبينما يمسك سو هوي بذراعه نصفاً ، قاده بعيدًا عن الحشد : “ سيتواصل معك محاميّ.”
وبعد مغادرتهما قاعة المقابلات ، استمرت الضجة والنقاشات خلفهما
لم تتوقع كيشا أن ينتهي هذا الحدث بهذه الصورة بسبب مجموعة من الصحفيين غير المحترفين على الإطلاق. ورغم انزعاجها، حافظت على صبرها وحاولت تهدئة الوضع
نينغ ييشياو يدرك دائمًا طبيعة مرض سو هوي جيدًا،
وأكثر المواقف سوءًا كانت عندما ينتقل من نوبة هوس إلى نوبة اكتئاب
ففي تلك اللحظة، كان يسقط من قمة السعادة والحماس مباشرة إلى الجحيم
وكان هذا التحول العنيف والتناقض المطلق يكفيان بإسقاطه في لحظة
وفي كثير من الأحيان ، لم تكن هناك أي علامة تحذير لهذا التغير ، ولا سبب واضح له
أما ما إذا كان سؤال ذلك الصحفي قد أثر في تقلب مزاجه اليوم، فهو أمر لا يمكن الجزم به
لكن في اللحظة التي طرح فيها ذلك السؤال، قرر نينغ ييشياو ألا يتركه يمر دون حساب
ساعد سو هوي على السير إلى الخارج، ولم يتوقف إلا عندما سمع اهتزاز هاتفه في جيبه. وعندما رأى المعلومات التي أرسلتها كيشا عن الصحفي، أعاد إرسالها إلى نفسه فورًا ثم أرسلها إلى تشارلز
بعد ذلك ، وبينما ما يزال يحتضن سو هوي نصف احتضان، تعمد السير ببطء، محاولًا قدر الإمكان مجاراة وتيرته،
حتى وصلا إلى غرفة الشاي في الطابق الأول
أغلق الباب ثم ساعده على الجلوس على كرسي بمحاذاة الجدار
في ذلك الوقت ، كانت الصرامة التي أظهرها قبل قليل قد اختفت تمامًا ؛ وأصبح لطيفًا إلى درجة توحي وكأنه شخص آخر
جلس سو هوي على الكرسي بعينين خافتتين، وكأنه لم يتبقَّ منه سوى قشرة ثقيلة فارغة،
قشرة لا تسمع شيئًا ولا تشعر بشيء. الطاقة والفرح اللذان كانا يملآن جسده قبل دقائق قليلة اختفيا تمامًا
وأيضاً ثقته بنفسه وسعادته
ورغم أنه ما زال داخل هذا المتحف الجميل ، فإنه لم يعد يشعر بالفخر أو الرضا ، ولم يعد يشعر بفرحة تحقق أحلامه
بدلًا من ذلك، كان يختنق تحت وطأة شك عارم في نفسه جعله عاجزًا عن التنفس
{ هل ما صنعته جيد حقًا بما يكفي ليُعرض هنا؟
تلك الأشياء، تلك القمامة عديمة الإبداع، أكوام النفايات المهجورة والأوراق الممزقة ، تلك المنتجات المعيبة التي لا تحمل أي قيمة جمالية ، بأي حق تُعرض هنا بهذه الجرأة ليشاهدها الناس ؟}
كان عقل سو هوي ممتلئ بمثل هذه الأفكار السلبية
مع أنه كرّس لهذا المعرض وقتًا وجهدًا هائلين ، وصنع كل شيء من الصفر ، وجمع القطع ببطء حتى وصلت إلى ما هي عليه الآن…
إلا أنه في أهم يوم على الإطلاق، أشعل النار في نفسه وأحرق كل ما صنعه إلى رماد
{ لقد دُمّر كل شيء ….
دُمّرت جهود الجميع بسببي ….
حتى إنني ارغب في خنق نفسي
في تدمير نفسي }
المشاعر الرمادية والقاتمة كجبل ثلجي أطاح بسو هوي ببرود ، ولم يترك له سوى اليأس المتجمد
“ سو هوي " جثا نينغ ييشياو نصفاً أمامه، ممسكًا بيده،
وقدم له كوبًا من الماء الدافئ :
“ هل تريد أن تشرب قليلًا؟”
جاء رد سو هوي أبطأ بمرتين من المعتاد
هز رأسه نفيًا
أعاد نينغ ييشياو زجاجة الماء جانبًا ومدّ يده يلامس خده
نظر إليه، وبقي صوته لطيفًا : “ لا بأس. هذا أمر تافه
لا تقلق بشأن المقابلة السابقة ، سأتعامل معه .
اعتبر فقط أن المقابلة انتهت مبكرًا. والآن بعد أن انتهى ذلك، لم يعد لدينا أي عمل، أليس كذلك؟”
لم يستطع سو هوي أن يقول كلمة واحدة
بل شعر حتى أن نينغ ييشياو أُجبر على التدخل، وأُجبر على التعامل مع هذه المشاكل التي لا علاقة له بها إطلاقًا
{ وكل هذا بسببي أنا ... بسبب عيوبي }
خلال نوبات اكتئابه ، يكون سلوكه يبدو دائمًا باردًا وقاسيًا،
خاليًا من الحياة، لكن نينغ ييشياو يعلم جيدًا أن الأمر لم يكن لأنه لا يريد الرد، بل لأن عقله قد تدهور إلى حالة شبه مشلولة ، لا تترك له سوى القدرة على التفكير بالأمور السلبية
جلس نينغ ييشياو إلى جانبه وسحب سو هوي إلى حضنه،
وربت برفق على ظهره
لم يتحدث مجددًا، واكتفى بمنحه المواساة بصمت
داخل ذراعيه الدافئتين، شعر سو هوي بوخزات ألم دقيقة تتخلل جسده
وفي هذا الصمت الطويل ، لم يعد قادرًا على الاحتمال أكثر،
فوجّه أخيرًا ازدراءه لنفسه :
“نينغ ييشياو لقد أفسدت كل شيء مجددًا…
دمرت كل شيء…”
أوقف نينغ ييشياو جلدَه لنفسه :
“ لا، الأمر ليس كذلك .”
وقال لسو هوي بصوت حازم للغاية:
“ أنت لم تفسد أي شيء ... وحتى المقابلة السابقة ليست مهمة
سو هوي المهم ليس وسائل الإعلام، بل أعمالك ،
وأولئك الأشخاص الذين يأتون إلى المعرض .”
: “ لكن كل ما أفعله… بلا قيمة…” تمسك سو هوي بملابس نينغ ييشياو عند ظهره ، وكأنه يتمسك بحبل نجاته الأخير
: “ أنا لا أرى ذلك .” أنزل نينغ ييشياو رأسه قليلًا وهمس قرب أذنه:
“ حتى لو لم أكن حبيبك ، وحتى لو جئت إلى هذا المعرض دون أي تحيز عاطفي ، فسأظل مندهشًا
بالطبع لست محترف ، ونقد المختصين يتجاوز قدراتي ،
لكنه جميل حقًا وآسر للأنفاس
لقد جعلني أختبر تأثير الفن بالكامل
أليست هذه أعظم قيمة بالنسبة للناس العاديين ؟”
لكن سو هوي هز رأسه داخل حضنه بصمت دون أن ينطق بكلمة
: “ لماذا تهز رأسك؟” حمل صوت نينغ ييشياو قدرًا خفيفًا من الحنان :
“ أتظن أنني أكذب ؟
لكنني وعدتك قبل قليل أنني لن أكذب عليك .”
و رفع يد سو هوي وشبك أصابعهما معًا
تحركت شفتا سو هوي قليلًا ، لكن حلقه كان جافًا جدًا
لم يتمكن من إصدار أي صوت
يدرك جيدًا أنه الآن يشبه شخصًا مصممًا على الموت، يخطو خطوة بعد أخرى نحو ذلك المحيط الرمادي
أما نينغ ييشياو فكان ذلك الشخص الذي يركض نحوه ويمسك بيده ليمنعه ، غير آبه بنفسه
{ لأنه منقذي الوحيد
و يتحلى نينغ ييشياو بصبر كبير }
: “ هل تعتقد أن كلامي متحيز لأنني أحبك؟”
اشتدت قبضة سو هوي عليه قليلًا، وكأنها إشارة خافتة تكاد لا تُلاحظ ، لكنها وصلت بوضوح إلى ييشياو
: “ هل تظن ذلك حقًا؟” ضحك نينغ ييشياو بخفة :
“ يبدو أن الزميل سو الشاب قد أحرز بعض التقدم
على الأقل أنت تعرف الآن أنني أحبك كثيرًا .”
شعر سو هوي بخدر شديد، كأنه قطعة جليد ممتلئة بالاعتذار
كان يعلم أنه شديد البرودة ، وصعب الذوبان للغاية ، ولذلك ازداد بؤسًا
أسند رأسه على كتف ييشياو، و أنفاسه الضعيفة بالكاد تُسمع ، وكأن استمرار التنفس أمر شاق
داعبت أصابع نينغ ييشياو عنق سو هوي برفق :
“ هل تعلم ؟ بصراحة أنا متأثر جدًا اليوم
لكن في كل مرة أمر فيها بمثل هذه اللحظات ، تكون قدرتي على التعبير ضعيفة للغاية ، فلا أستطيع أن أخبرك كم أنا سعيد .
ومع ذلك، كنت أؤمن دائمًا أنك ستفهمني ،
ففي النهاية ، منذ اللحظة التي التقينا فيها أول مرة ،
كنت قد رأيتني على حقيقتي بالفعل
لأنك شخص رائع جدًا ، وتعرف كيف تتعاطف مع الآخرين ...
سو هوي خلال أكثر من عشرين عامًا عشتها منذ ولادتي ،
لم يكن الجزء السعيد منها سوى جزء ضئيل للغاية
وكل ذلك منحته لي أنت
في الماضي لم أكن أفهم ، وكنت أظن أن السعادة يمكن الحصول عليها ما دمت ناجح ،
لكنني اكتشفت لاحقًا أن النجاح لا يستطيع محو الآلام التي عانيتها في الماضي ،،
أما اليوم، عندما وقفت أمام تلك الكبسولة الزمنية ، شعرت للمرة الأولى وبأقوى شكل ممكن أنني محبوب حقًا،
وأن هذا الحب عميق وجميل للغاية
وهذا الحب وحده هو القادر على موازنة الأوقات الصعبة التي عشتها في الماضي ….
كل ما منحته لي اليوم يشبه الحلم .”
توقف نينغ ييشياو قليلًا ، ثم ضحك بسخرية خفيفة من نفسه :
“ عندما كنت طفلًا ، لم أكن أجرؤ حتى على أن أحلم بحلم جميل كهذا .”
ارتجفت كتفا سو هوي قليلًا ، وانهمرت دموعه بينما بقي داخل حضن ييشياو
تذكر طفولة نينغ ييشياو المؤلمة ، وتذكر تلك المعاناة والعقبات التي أنهكته
خرج صوت سو هوي مختنقًا بالبكاء المكبوت :
“ لا… تحزن…”
عند سماع هذا ، شعر نينغ ييشياو وكأن خيطًا رفيعًا غير مرئي قد التف حول قلبه وشدّه بقوة ، حتى بات التنفس صعب
عانق سو هوي بحرص شديد ، وخفض صوته بينما يكبح مشاعره كي لا تظهر :
“ أنت تطلب مني ألا أحزن ؟
ماذا تكون إن لم تكن قطًا صغيرًا أحمق ؟”
{ رغم أن أكثر شخص حزنًا هنا الآن هو أنت }
لم يعد سو هوي قادرًا على الشعور بالحزن
بل لم يعد قادرًا على الشعور بأي عاطفة على الإطلاق
كانت كل أفكاره قد انكمشت إلى جزء ضئيل للغاية،
وسُحقت إلى غبار تحت وطأة مشاعره ، ولم يتبقَّ منها سوى أثر واحد فقط
وكان ذلك الأثر هو استجاباته لنينغ ييشياو، والرابط الوحيد الذي لا يزال يربطه بالعالم الخارجي
واصل نينغ ييشياو احتضانه بصمت ، ثم تذكر هديته
{ لم يكن هذا الوقت المناسب لها .. و ربما عليّ أن اقدمها عندما يكون سو هوي سعيد ،
خاصةً أنني ارغب في رؤية ابتسامته المشرقة وسماع كلمات مثل: ' أحبها كثيرًا '
…. لكن ذلك لم يعد مهمًا الآن
فاللحظة الحالية أفضل وقت لاستخدام هذه الهدية }
حرر نينغ ييشياو إحدى يديه وأخرج صندوق صغير من جيبه
فتحه بيد واحدة وأخرج ما بداخله
قال بلطف: “ سو هوي في الواقع جئت اليوم لأنني أردت أيضًا أن أقدم لك هدية صغيرة ….
اليوم هو أول معرض فردي لك، ويستحق أن يُخلَّد
لذا أحضرت أول منتج صنعته في حياتي …
هذه هي نقطة البداية لمسيرتي المهنية ،،
لولا هذا المنتج ، لما وُجد أي شيء جاء بعده .”
ابتعد سو هوي بصعوبة عن حضنه ، ثم خفض نظره إلى الهدية الموضوعة في كفه
سوار فضي رفيع ، صُمم بعناية على هيئة شريط موبيوس،
ومعه سماعات اللاسلكية
سأل نينغ ييشياو بهدوء : “ هل يمكنني أن أضعها لك؟”
أومأ سو هوي ببطء ، وتركه يرفع يده ويثبت السوار حول معصمه ، ثم يضع السماعتين في أذنيه
في اللحظة التالية، ومض خط أزرق فلوري متدفق عبر الفولاذ المطفي
ثم، وكأنه استنفذ طاقته ، بدأ الضوء يتلاشى تدريجيًا
وفي النهاية، لم يبقَ سوى نقطة واحدة مضيئة، تنبض بخفوت
أمسك نينغ ييشياو بيده :
“ عدد هذه النقاط يمثل مستوى المشاعر الذي يستطيع النظام رصده ،
كلما كنت أكثر انخفاضًا في معنوياتك ، قلّ عددها .”
حدق سو هوي في تلك النقطة الوحيدة المتوهجة ، وشعر وكأنه يرى نفسه فيها
“ انظر ،، رغم أنك تشعر بالسوء الشديد ، ما زلت تبذل جهدًا هائلًا لتتماسك ،، هذا يثبت كم أنك قوي .”
لمس نينغ ييشياو السوار
وفي الثانية التالية ، سمع سو هوي صوتًا فجأة
كان صوتًا يشبه صوت نينغ ييشياو إلى حد مذهل
[ صباح الخير، يا قطتي الصغيرة ، مرحبًا بك في EmpathyS
يسعدني أن أكون مستمعك المتعاطف
يبدو أنك لست سعيدًا جدًا اليوم
هل ترغب في التحدث قليلًا ؟]
تفاجأ سو هوي ورفع رأسه نحو نينغ ييشياو وقد عبس بحاجبيه : “ هو…”
: “ هو؟” شجعه نينغ ييشياو على المتابعة
: “ كيف… يعرف من أكون؟”
بدا سو هوي مرتبكًا للغاية
فهذه المرة الأولى التي يستخدمه فيها
ظهرت ابتسامة لطيفة على وجه نينغ ييشياو :
“ لأنني صنعته من أجلك ...
أضفت عدة ألقاب مختلفة في الإعدادات
يوجد ‘قطتي الصغيرة’، ويوج ‘شياو هوي’، ويوجد أيضًا ‘سو هوي’. كلها تشير إليك .”
نظر مباشرةً إلى عينيه :
“ ومنذ لحظة ابتكار هذا المنتج ، المستخدم الوحيد له هو أنت ، ولا أحد غيرك .”
امتلأت عينا سو هوي بالدموع
لم يجرؤ حتى على الرمش ، خوفًا من أن يكون كل هذا مجرد وهم ، لذا احمرّت عيناه سريعًا
وأشار إلى أذنيه محاولًا التحدث بأقصى ما يستطيع
: “ هو… يشبهك كثيرًا "
أومأ نينغ ييشياو :
“ إنه أنا بالفعل ! سجلت عدد هائل من المقاطع المختلفة،
بجمل متنوعة ، بالصينية والإنجليزية معًا
ثم أُضيفت كلها إلى بيانات التدريب ، وخضع نموذج الصوت لعدة تحديثات وإصدارات ، كما جُرّب مرات لا تُحصى
ولهذا تبدو النتيجة الآن قريبة جدًا من صوتي، أليس كذلك ؟”
احمر أنف سو هوي
أومأ برأسه : “ قريب جدًا…”
ربت نينغ ييشياو على خديه برفق :
“ في الحقيقة، السبب الذي جعلني أرغب في صنع هذا منذ زمن طويل كان حلم ،،،
حلمت بك عندما كنت صغير ، في الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة تقريبًا ، كنت تخبر الجميع أنك حزين جدًا ،
لكن لأنهم لم يفهموك ، و انكسر قلبك
وفي النهاية ، حبست نفسك داخل غرفة صغيرة ومظلمة وبكيت وحدك بصمت ….” ابتسم :
“ بعد أن استيقظت ، فكرت فقط…
كم كنت أتمنى لو كنت هناك لأخبرك أنني أفهم مشاعرك.”
ثم ضحك ضحكة خافتة :
“ رغم أننا كنا قد انفصلنا حينها بالفعل ، ولم أكن أعلم إن كانت ستتاح لنا فرصة للقاء مجددًا، وربما لم نكن لنرى بعضنا أبدًا بعد ذلك، فإنني لم أتردد لحظة بعد استيقاظي
و كتبت أول فكرة خطرت لي في مستند، ومن تلك الفقرة الصغيرة بدأت أتخيل المشروع تدريجيًا، ثم حولته إلى واقع خطوة بعد خطوة من خلال الحسابات والتطوير. وفي النهاية أصبح هذا المنتج الذي تراه الآن.”
كان كثيرون يعارضون فكرته
ومن أجل هذه الهدية المصممة لقطته الصغيرة، اصطدم نينغ ييشياو بعقبات لا تُحصى أمام المستثمرين الذين لم يكونوا يرون سوى الأرباح ، لكنه لم يستسلم أبداً
ولم يؤمن يومًا بنجاح مشروع كما آمن بهذا المشروع
أما تلك الفكرة التي اعتبرها كثيرون مجرد حلم بعيد المنال،
فقد فتحت بالفعل الباب أمام مسيرة نينغ ييشياو التجارية لاحقًا ، ومنحته بداية القيمة التي وجدها لحياته
في المراحل الأولى، لم تكن وظيفة التعرّف مثالية، ولم تكن آلية الاستجابة جيدة أيضاً
لكن بعد عدد لا يُحصى من التحديثات والإصدارات، تطورت تدريجيًا حتى أصبحت النسخة الحالية المعروفة باسم ' الرنين'
تمامًا مثل نينغ ييشياو نفسه
من عدم الفهم في البداية، إلى فهم قلب سو هوي تدريجيًا، ثم الوصول إلى الرنين معه
“ كنت أتمنى حقًا أنه حتى لو لم نلتقِ مجددًا أبدًا ، فعندما تشعر بالحزن ، ترى هذا السوار أثناء دخولك إلى أحد المتاجر ، ثم تسمع صوتًا يصغي إليك وإلى مشاعرك بجدية، ويستطيع مساعدتك .”
{ وسيكون ذلك بمثابة عناق مني ، مهما كان غير مباشر }
ولهذا السبب، عمل نينغ ييشياو بجد بالغ في وظيفته وفي إدارة شركته، وتعامل مع هذا المشروع بصرامة تكاد تكون مفرطة
لم يكن يتمنى أكثر من أن يتحقق هذا الأمل الصغير، وكان ذلك بالنسبة له أفضل شيء تالٍ يمكن أن يناله في حياته
وعندما تحدث نينغ ييشياو عن الأمر، فعل ذلك ببساطة وعفوية، وكأنه لم يبذل كل ذلك الجهد الكبير
ابتسم : “ لكن هذه هي النسخة الوحيدة في العالم التي دُرِّبت على صوتي
لأنني لست مختص ، استعنت بمعالجين نفسيين محترفين لتسجيل الأصوات الخاصة بالمنتجات التجارية الأخرى.
أردت فقط أن أستخدم صوتي في النسخة المخصصة لك.
حتى مع وجود احتمال كبير ألا أتمكن أبدًا من تقديم هذه الهدية لك.”
بعد ذلك رفع يده ومسح الدموع عن وجه سو هوي
وعندها فقط أدرك سو هوي أن وجهه كان مبللًا بالكامل بالدموع
دوّى ذلك الصوت المألوف في أذنيه
[ هل تشعر بالحزن الآن ؟ تذكر ، سأبقى دائمًا إلى جانبك.]
اختنق سو هوي بدموعه :
“ أنا… أنا آسف…”
تداخل صوتان متشابهان للغاية ، كصدى يتردد داخل قلبه الخاوي
“ لماذا تعتذر ؟”
[ لماذا تعتذر ؟]
سحبه نينغ ييشياو إلى حضنه وقبّل أعلى رأسه :
“ لا تعتذر . أنت فقط مريض ، ولم ترتكب أي خطأ .
أنت أفضل شخص في هذا العالم بأسره .”
لكن هذا الاعتراف جعل مشاعر سو هوي الحالية تغرق أكثر
كان يؤمن بأنه لا يستحق أن يعامله نينغ ييشياو بهذه اللطافة
و يوجد الكثير من الناس في هذا العالم، والكثير منهم أحق بالحب منه
ومع ذلك ، لم يكن نينغ ييشياو يرى سوى هو وحده، وظل عالقًا به
بدأت تلك المشاعر المخدّرة تذوب تدريجيًا ، وكأنها على وشك الانسكاب خارجًا
طرد سو هوي ذلك الظلام المنقوش في جيناته ، وتحدث بصعوبة :
“ نينغ ييشياو ليست لدي أي خصال جيدة على الإطلاق ، أنت…”
لم يتحدث نينغ ييشياو
لكن الصوت القادم من السماعات أجاب بدلًا منه
كانت جملة قالها له ذات مرة في الماضي ، وأعاد الذكاء الاصطناعي تمثيلها بدقة بعد حسابات معقدة
[ يا قطتي الصغيرة لا تبعدني عنك ]
وفي اللحظة نفسها ، عاد سو هوي إلى ما قبل ست سنوات، حين جذبه نينغ ييشياو إلى حضنه وأعاده إليه
وعندها انهار آخر خط دفاع لديه
وبين شهقاته وبكائه، بدأ ينادي اسم حبيبه مرارًا وتكرارًا
“ نينغ ييشياو…”
احتضن نينغ ييشياو جسد سو هوي المرتجف
مرت ست سنوات كاملة
وبعد أن اختبر الفراق ثم اللقاء من جديد ، لم يعد ذلك الشخص نفسه الذي لم يكن يعرف كيف يتمسك بمن يحب
لم يعد التوسل الشيء الوحيد الذي يستطيع قوله
“ سو هوي أنا أؤمن بنظرية العوالم المتوازية ...
ربما يوجد بالفعل خط زمني آخر أعيش فيه من دونك ،
نينغ ييشياو الموجود هناك لا بد أنه تعيس للغاية ،
وسيظل يخسر كل ما كان مقدرًا له أن يخسره ،
وبما أن نقطة البداية في الحياة واحدة للجميع ، فلن يعرف سوى الفقر والمعاناة ،
وسيكون الحب الذي يتلقاه ضئيلًا إلى حد يرثى له.
أنت غير موجود هناك ، لذا فإن كل الأشياء التي كان ينبغي أن تنتمي إليّ لن تكون موجودة أيضًا ، مسيرتي المهنية ، سعادتي ، والاتجاه الذي أكرس حياتي للسعي نحوه…
كل ذلك لن يوجد .
أما في هذا العالم ، فأنا أملكك .
ولذلك ، أملك كل شيء
أنا محظوظ جدًا ، أليس كذلك ؟”
يتبع
تعليقات: (0) إضافة تعليق