Ch93 xr
مدينة ريكيافيك صغيرة ، مشى الاثنان يدًا بيد، يتوقفان هنا وهناك. وخلال يوم واحد فقط، قد زارا معظم أنحاء المدينة
محلات الهدايا التذكارية والمكتبات تحيط بالمكان من كل جانب
فكر سو هوي أنه لو كان يمر بنوبة هوس ، لربما اشترى الكثير من الأشياء التي لا يحتاجها من أماكن كهذه
مثل سلسلة الكتب المؤلفة من أكثر من عشرة مجلدات عن الحياة البحرية ،
أو تلك السترة الصوفية المحاكة يدويًا
لقد بدا وكأن الجميع هنا يجيدون حياكة الصوف
نظر سو هوي إلى السيدة المسنة التي تحيك عند مدخل أحد المتاجر ، وشعر برغبة في أن يحيك قفازات لنينغ ييشياو
لكنه كان يعتقد أنه عديم المهارة ، ومن المرجح أنه لن يتعلم ذلك في وقت قصير
و الأفضل أن يعود إلى المنزل ويتعلم من مقاطع الفيديو على الإنترنت — و بذلك لن يزعج أحد
عادا إلى منطقة الطعام في الفندق ، وجلسا إلى طاولة بجانب النافذة
وكانا أكثر الزبائن هدوءًا في المطعم بأكمله
طلب نينغ ييشياو له قطعة صغيرة من لحم الضأن وسلمون
لكن شهية سو هوي لم تكن جيدة ، فلم يتناول من الطبق الرئيسي إلا القليل ، واكتفى ببعض الأطباق الجانبية ونصف قطعة صغيرة من كعكة الشوكولاتة
بدأت صور متشائمة تظهر في ذهنه مجددًا —-
واستقرت عيناه على ألوان الغروب المبهرة خلف النافذة
أشعة الشمس بلون التوت تتسلل إلى أسطح المنازل الملونة ، وتتبعثر فوق المحيط الأزرق البعيد
لكن رؤية هذا المشهد لم تجعل سو هوي أكثر سعادة
في كثير من اللحظات ، كان يشعر وكأن جبل داخل جسده ينهار مصحوبًا بدوي الرعد
أما ظاهريًا ، فكان هادئًا كالبحر
وبينما كان شاردًا ، اقترب منهما شاب آسيوي وسألهما بتردد:
“ هل أنتما من الصين أيضًا ؟”
عند اقتراب شخص غريب ، أصبح سو هوي أكثر حذرًا
أومأ نينغ ييشياو برأسه :
“ نعم .”
قال الشاب بارتياح:
“ رائع ! هل يمكن أن تساعداني في شيء ؟
مجرد أمر بسيط .”
و شرح أن هاتفه نفدت بطاريته ، ولم يعد يستطيع التواصل مع أصدقائه ليسألهم إن كانوا قد وصلوا إلى الفندق ،
لذا أراد استعارة هاتفهما
وافق نينغ ييشياو — وبعد فترة قصيرة، أعاد الشاب الهاتف إليه
: “ شكرًا جزيلًا، إنهم على وشك الوصول.”
: “ لا بأس.”
وبعد قليل ، دخلوا إلى الصالة مجموعة أخرى من السياح
ضمت أشخاص من أعراق مختلفة ، وبدا أنهم أصدقاء من أنحاء العالم كافة
و التقوا المجموعة بذلك الشاب ، وسرعان ما انخرطوا في نقاش حماسي
وبعد أن أنهيا طعامهما ، همّ نينغ ييشياو وسو هوي بالعودة إلى غرفتهما، لكن لدهشتهما، جاء ذلك الشاب ودعاهما للانضمام إليهم في رحلة مشي وتسلق الأنهار الجليدية
“ كلما زاد عددنا كان ذلك أكثر أمانًا . كنت أقول لهم قبل قليل إنني لم أتوقع أن ألتقي بأحد من أبناء بلدي هنا،
لذا كانت مفاجأة حقيقية !
وكنت أفكر أن معظم من يأتون إلى آيسلندا يرغبون في التجول والمشي، كما أن بعض الرحلات السياحية مليئة بعمليات الاحتيال ، والقيادة بمفردك خطيرة أيضًا .
إن أردتما ، انضما إلينا .
بيننا أشخاص لديهم خبرة في رحلات المشي ، ويمكننا جميعًا أن نعتني ببعضنا .”
تردد نينغ ييشياو قليلًا
لم يكن متأكد إن كان سو هوي يرغب في الاختلاط بالآخرين
ففي هذه الفترة، يكون أكثر حساسية من المعتاد
لذا ، ما إن سمع الدعوة حتى التفت أولًا إلى سو هوي
لكن على غير توقعه ، قال سو هوي بصوت خافت :
“ إذًا… هذا يعني أننا لن نضطر إلى القيادة ؟”
عندها فقط أدرك نينغ ييشياو أن سو هوي كان يقلق من أجله لذا أمسك بيده وسأله بلطف:
“ هل تريد أن تذهب مع الجميع؟”
ألقى سو هوي نظرة على المجموعة
{ بدا الجميع ودودين ومتحمسين
كما أن المشي معهم سيكون أكثر أمانًا ، ولن يشعر نينغ ييشياو بالملل }
لذا أومأ برأسه
وعندما رآه يفعل ذلك ، وافق نينغ ييشياو أيضًا على الدعوة :
“ إذًا نشكركم جميعًا .”
ابتسم الشاب وقال:
“ لا داعي للشكر ، فجميعنا مسافرون بعيدًا عن أوطاننا .”
ثم أعطاهما معلومات التواصل الخاصة به :
“ يمكنكما مناداتي شياو وانغ .”
وأعطاه نينغ ييشياو معلومات التواصل الخاصة به أيضًا :
“ أنا نينغ ييشياو — وهذا حبيبي سو هوي.”
لم يتوقع سو هوي أن يكون صريحًا إلى هذه الدرجة،
فهو لم يعتد على ذلك
وبدا أن شياو وانغ شعر بالأمر نفسه ،
توقف لحظة ، ونظر إليهما ، ثم ابتسم :
“ لا عجب ، أنتما تبدوان مناسبين لبعضكما جدًا
عندما رأيتكما من بعيد ، ظننت أنكما من المشاهير !”
كانت نبرته صادقة ، وإطراؤه بدا عفويًا ، خالي من أي مبالغة أو تملق
عند سماع ذلك، نظر سو هوي إلى نينغ ييشياو
وتحت نظرته المشجعة ، رد على مديح شياو وانغ:
“… شكرًا "
———————-
لم يكن برنامج الرحلات الذي وضعوه مجموعة شياو وانغ مزدحم ،،
ففي كل يوم كانوا يزورون مكانًا واحدًا فقط، وإذا وجدوا موقعًا مناسبًا، نصبوا الخيام وقضوا الليل هناك، يجلسون معًا للدردشة. وحتى لو بقي سو هوي نائمًا داخل الخيمة، فلن يأتي أحد لإزعاجه. وهذا جعله يشعر براحة كبيرة.
لقد أحب آيسلندا كثيرًا. ففي هذا الوقت من السنة، كان النهار طويلًا. ولم يكن يهم إن اضطربت مواعيد نومه أو اختلطت عاداته اليومية، فينام نهارًا ويسهر ليلًا. ففي النهاية، كان الضوء يملأ الخارج طوال اليوم.
استقلوا الحافلة ووصلوا إلى الشاطئ ذو الرمال السوداء. كانت الرياح هنا شديدة، والأمواج بيضاء كالثلج ، بينما الرمال سوداء داكنة
قرفص سو هوي، وأخذ كمية من الرمال ، ثم رفع رأسه وسأل ييشياو:
“ لماذا لونه أسود ؟”
جلس نينغ ييشياو بجانبه قرفصاء أيضًا :
“ لأنها رواسب بركانية ، وليست الرمال العادية التي نعرفها .”
أومأ سو هوي برأسه، ثم سأل بهدوء:
“ هل جئت إلى هنا في المرة السابقة أيضًا ؟”
نينغ ييشياو:
“ مررت من هنا بالسيارة ، لكنني لم أنزل ولم أتمشَّ في المكان .”
: “ لماذا؟” أسند سو هوي رأسه على جسد ييشياو
وبمعطفه الأبيض ، بدا كحمامة بيضاء تستند إليه
كان سبب نينغ ييشياو بسيط :
“ بدا هذا المكان وحيد جدًا .”
في ذلك الوقت قد أوقف السيارة على الطريق الساحلي،
ونزل منها ، واكتفى بالنظر إلى المكان من بعيد ،
ومنذ تلك اللحظة ، شعر أن هذا مكان سيحبه سو هوي بالتأكيد
{ لكنه لم يكن معي حينها
ولهذا ، كان مجرد التقدم خطوة إلى الأمام أمرًا شاقًا عليّ ... حتى التنفس بدا صعب ، وكأنني عاجز عن الحركة
أما الآن…
فقد أصبح كل شيء مختلف }
أدخل سو هوي يده في جيب معطف ييشياو، وشبك أصابعه بأصابعه :
“ يشبه هذا المكان حافة العالم .”
ابتسم نينغ ييشياو وأنزل رأسه ليقبل قبلة فوق شعره :
“ إذًا فهذا يعني أننا عبرنا حافة العالم معًا .”
رفع سو هوي رأسه ، وعيناه لامعتان :
“ مم.”
ومن مكان غير بعيد ، بدأ أفراد المجموعة ينادونهما:
“ ييشياو! شياو سو! أسرعا وتعالا وانظرا!”
رد نينغ ييشياو: “ قادمان "
ثم سحب سو هوي ليقف ، وقلّد اللقب الذي نادوه به
“ شياو سو "
ترك سو هوي الرمال السوداء تتساقط من بين أصابعه ،
وفكر أن هذا الشخص يعشق إطلاق الألقاب عليه،
حتى إنه يستطيع أن يملأ بها مستودعًا كاملًا
: “ جرو "
التقط نينغ ييشياو الكلمة ، لكنه ظن أنه سمعها خطأ :
“ بماذا ناديتني ؟”
هز سو هوي رأسه ، متظاهرًا بأنه لم يقل شيئًا
لكن نينغ ييشياو لم يتركه وشأنه ، بل وخز خصره شديد الحساسية : “ قلها .”
وبعد أن ضايقه بلا رحمة ، لم يجد سو هوي مفرًا من محاولة الابتعاد عن يده ، لكنه سُحب مجددًا إلى حضنه
ولم يبق أمامه إلا أن يعترف :
“ قلت أنك… جرو "
قرص نينغ ييشياو خصره :
“ هل هذا انتقام لأنني أناديك بـ«قطتي الصغيرة»؟”
هز سو هوي رأسه :
“ لا… ليس كذلك .”
: “ إذًا لماذا؟”
صمت سو هوي، لكن نينغ ييشياو لم يتوقف عن ملاحقته بالسؤال
وبعد لحظات ، أجاب أخيرًا :
“ لأنني أحبك "
عندها فقط بدا نينغ ييشياو راضيًا :
“ إذًا… سأحاول تقبل هذا اللقب .”
ولما لحقا بالمجموعة، شاهدا حطام طائرة فوق الرمال السوداء
شرح أحد أفراد المجموعة أن الحطام يعود إلى طائرة تابعة للبحرية الأمريكية تحطمت هناك عام 1973 إثر حادث
وقد بقي الحطام في مكانه ، لكن جميع أفراد الطاقم نجوا بأعجوبة
لقد كانت معجزة حقيقية
كانت كلمة “معجزة” نفسها مفعمة بالأمل
نظر سو هوي إلى الحطام من بعيد ، وشد قبضته على يد نينغ ييشياو
{ كان انفصالنا يشبه تمامًا تلك الطائرة المنكوبة
ولو نقص الاهتمام بيننا ولو قليلًا ، لافترقنا إلى الأبد
لكن بعد ست سنوات كاملة ، التقينا مجددًا سالمين ، واستطعنا أن نحب بعضنا مجدداً …
وهذا أيضًا…
معجزة …
لقد نجونا من مأساتنا الماضية }
بينما كان الآخرون يلتقطون الصور التذكارية،
كان سو هوي الوحيد الذي قرفص على الأرض ومد إصبعه،
وكتب اسمه واسم نينغ ييشياو على الرمال السوداء
كان يريد أن يرسم قلبًا كبيرًا فوق الاسمين ، لكنه تراجع عن الفكرة، معتقدًا أن رسمه سيكون قبيح
وما إن همَّ بمسحهما، حتى قرفص نينغ ييشياو إلى جانبه ومد إصبعه
أمسك سو هوي بسبابة ييشياو قائلاً : “ ستتسخ .”
: “ لا بأس ” ثم كتب نينغ ييشياو أسفل الاسمين:
[ القط الصغير ] و [ الجرو ]
الاسمان وحدهما يبدوان وحيدين، لكن بعد إضافة هاتين الكلمتين، بدت الكتابة أكثر حياة
لم يستطع سو هوي إلا أن يقترح:
“ لنكتب اسم جروِنا الحقيقي أيضًا .”
وبينما يتكلم ، كتب في منتصف السطر السفلي :
[ شيويغاو ]
علق نينغ ييشياو:
“ أصبح المكان ضيقًا قليلًا بعد أن أضفناه .”
لكن سو هوي اكتشف شيئًا فجأة ، وقال بابتسامة خفيفة:
“ لاحظت للتو أن كلمة جرو واسم شيويغاو يبدآن بالحرف نفسه "
بعد أن فكر نينغ ييشياو قليلًا ، أدرك أن هذا صحيح فعلًا :
“ إذًا ماذا عن اسم شيويغاو بالآيسلندية ؟
مع أي عبارة سيتشارك الحرفين الأولين ؟”
كان هذا أصل الاسم الذي أطلقه على شيويغاو
توقف سو هوي لحظة ، وفكر بهدوء ، ثم نظر إليه :
“ الجرو الأحمق "
ضحك نينغ ييشياو
كانت ضحكته تشبه ضحكة فتى مراهق ، وهو مشهد نادر
وعندما رآه يضحك ، انتشرت حلاوة في قلب سو هوي
كلما طالت إقامتهما في آيسلندا، بدا وكأن الزمن يتمدد أكثر
لم يخبره نينغ ييشياو متى سيعودان ، ولم يسأله سو هوي أيضًا ، بل استسلم بجشع لهذا الوقت ، يقضيه بين العناق والقبلات وتشابك الأيدي أثناء التنزه ، تاركين آثارهما عند حافة العالم
وبالمثل، لم يذكر نينغ ييشياو الذهاب إلى الأنهار الجليدية معًا، لكن وفقًا لبرنامج المجموعة، كانت الأنهار الجليدية ضمن خط سير الرحلة بطبيعة الحال
ولأن المكان كان بعيد ، أمضوا وقتًا طويلًا على الطرق الوعرة حتى وصلوا أخيرًا إلى وجهتهم
كان ذهن سو هوي ضبابيًا ، وعندما نزل من السيارة، شعر ببعض الارتباك ، حتى إنه لم يعرف أين هم
لكن سرعان ما ارتدوا الملابس السميكة ، إضافة إلى القفازات والقبعات ، ثم صعدوا واحدًا تلو الآخر إلى مركبات الدفع الرباعي
وما إن اقتحمت الأنهار الجليدية الزرقاء مجال رؤيته ، حتى حدث ذلك دون أي إنذار
اهتزت مشاعر سو هوي —-شد بقوة على يد نينغ ييشياو وأشار إلى الخارج
همس نينغ ييشياو في أذنه : " مم — إنه نهر سفينافيلسيوكول الجليدي .”
كان الاثنان يرتديان طبقات سميكة من الملابس، ومتزاحمين في المقعد الخلفي لمركبة الدفع الرباعي، يحيط بهما شعور غامر بالأمان،
تمامًا كحالة سو هوي الذهنية الآن، التي لم يعد فيها متسع لأي شيء آخر
وبعد نزولهما من المركبة، حملا معداتهما، وسارا ببطء خلف الآخرين حتى وصلا إلى سهل ثلجي مستوٍ
حيث ارتدوا المسامير المعدنية الخاصة بالأحذية
لم يكن سو هوي يعرف جيدًا كيف يثبتها ،
فبدأ يراقب الآخرين ليتعلم
لكن نينغ ييشياو انتهى سريعًا من تثبيت مساميره ، ثم انحنى ليساعد سو هوي
سو هوي : “ في المرة السابقة التي جئت فيها لتسلق الأنهار الجليدية… لم تسر الأمور بسهولة صحيح ؟”
متذكرًا الرسائل التي كتبها له نينغ ييشياو لاحقًا ليعوضه،
لذا سأل سو هوي بصوت خافت
وبعد أن انتهى من تثبيت المسامير له، اعتدل نينغ ييشياو وأمسك بيده :
“ كان الجو شديد البرودة ، ولم أرتدِ ما يكفي من الملابس.
ثم سقطت لأن قدرتي على التحمل خذلتني
لكن لا بأس، فقد ساعدني أحدهم على النهوض
لهذا لا يناسب هذا المكان السفر بمفردك .”
أحزن ذلك سو هوي كثيرًا ، فاقترب منه أكثر :
“ لنذهب إلى كل مكان معًا في المستقبل ، حسنًا ؟”
: “ بالتأكيد .”
كانت مشاهدة هذا المكان بالعين المجردة مختلفة عما بدا عليه في الفيلم ، رغم أن كليهما كانا أرضًا قاحلة يغطيها الجليد والثلج
لكن الأنهار الجليدية هنا بلون أزرق جليدي متلألئ كالكريستال
ولم تكن بحاجة إلى أي صقل إضافي، فقد بدت كأنها أحجار كريمة عملاقة تراكمت فوق بعضها، تتلألأ تحت أشعة الشمس ببريق يخطف الأنفاس
دخلوا أحد الأنهار الجليدية ، وساروا داخله بصعوبة
ظن سو هوي أنه في حالته الحالية، حتى لو رأى هذه المناظر، فلن يتحرك شيء في داخله، وسيضيع عليه هذا الجمال
لكن ما إن أصبح داخل هذا العالم البلوري، حتى بدا وكأنه استعاد براءته التي كانت قبل ست سنوات، عندما نطق بتلك الأمنية. وغمره شعور نادر بالرضا بعدما تحققت
ظل نينغ ييشياو ممسكًا بيده طوال الوقت، بينما يده الأخرى تحمل هاتفه، الذي بدا وكأنه يعرض تطبيق تحديد المواقع. بدا وكأنه يقودهما نحو اتجاه معين، مبتعدًا تدريجيًا عن المجموعة
كان تفكير سو هوي بطيئًا. لم يلاحظ أن هناك شيئًا غير طبيعي، واكتفى بالسير خلفه دون أن يتأخر خطوة، محاولًا ألا يسبب له أي متاعب
إلى أن وصلا إلى مكان ضيق …. بين جداران شاهقان من الجليد الأزرق ، تاركين بينهما ممرًا ضيق
وفي الخلف امتدت الأنهار الجليدية بلا نهاية ، بينما غطى الثلج الأبيض المقدمة. بدا المكان كجنة حالمة.
توقف نينغ ييشياو وحدق في العلامات المتطابقة على الخريطة الإلكترونية وهو يتمتم:
“لا بد أنه هنا.”
سمع سو هوي همسه ، فرفع رأسه نحوه :
“ مم ؟”
هز نينغ ييشياو رأسه، وأغلق تطبيق الخرائط،
ثم فتح الكاميرا وسلمه الهاتف
“ سو هوي ساعدني في تصوير مقطع فيديو للذكرى .”
لم يكن سو هوي واثقًا من أنه سيجيد ذلك،
لكنه أومأ وأخذ الهاتف
كان على وشك أن يسأله كيف يريد تصوير الفيديو ، لكنه اكتشف أن الشاشة تعرض مقطع يعمل بالفعل
وكانت اللقطات في الفيديو مطابقة تمامًا للمشهد أمامه ؛
أنهار جليدية زرقاء — و التصوير يهتز قليلًا ، وكأن المصور كان يسير أثناء التسجيل
لم يقل المصور شيئًا ، واكتفى بالمشي بصمت
لكن سو هوي استطاع أن يسمع أنفاسًا أثقل قليلًا ، تشبه صوت نينغ ييشياو إلى حد كبير
ورغم أنه يعلم أن عليه إنجاز ما طلب منه ، لم يستطع إلا أن يواصل المشاهدة
في الفديو ——
ييشياو : " أظن أن هذا هو المكان ... سأضع علامة هنا ،
حتى يسهل العثور عليه في المرة القادمة "
{ إنه … ييشياو فعلًا } انقطع نفس سو هوي للحظة ، وعبس لا إرادياً
في الفيديو ، تغيرت الكاميرا إلى الأمامية ،
لتظهر وجه نينغ ييشياو —— يرتدي معطف أسود خفيف ،
وقد احمر أنفه من شدة البرد ، وحتى عيناه محمرتين
" ضغطت على المكان الخطأ "
وبينما يتمتم لنفسه ، أعاد الكاميرا إلى الخلف ،
فلم تعد تسجل سوى ساقيه والنهر الجليدي الأزرق
وبدأت الصورة تهتز ، لأنه حرر إحدى يديه ونزع قفازه بأسنانه
انكشفت يده الطويلة ذات الأصابع النحيلة للهواء البارد،
لكنه لم يفعل شيئًا آخر
تركها فقط في مهب الرياح للحظة
وأصابعه ترتجف قليلًا
" الجو بارد جدًا… "
تذكر سو هوي فجأة ما قاله نينغ ييشياو سابقًا،
وفهم معنى تلك الثواني العشر التي ظل فيها ساكنًا
وهو يتمتم بصوت خافت ، سحب نينغ ييشياو يده ، ثم أعاد ارتداء القفاز
كانت أنفاسه ثقيلة ، كأنها تنهيدة
وحتى صوته بدأ يرتجف دون أن يشعر
" ستتجمد يده حتى الموت
لذا … يجب أن أنتهي بسرعة … "
تساقطت الدموع على شاشة الهاتف
وعندما انتهى الفيديو ، لم يشعر سو هوي إلا بأن قلبه يلتوي ألمًا ، وأن التنفس أصبح صعب ... لكن يدًا امتدت برفق، ومسحت دموعه
وسط الرياح العاتية ، ظل صوت نينغ ييشياو هادئًا وحزينًا،
يحمل قوة قادرة على تهدئته
“ صورت هذا عندما جئت إلى هنا قبل ست سنوات
في ذلك الوقت ، شعرت أن هذا المكان مناسب ،
فسجلت فيديو لموقعه ، وأجريت تدريبًا مسبقًا
في ذلك الوقت ، سمعت أحدهم يقول إن الأنهار الجليدية هنا ستذوب وتختفي بعد عدة عقود بسبب الاحتباس الحراري
لكن من حسن الحظ… على الأقل ، المكان الذي حددته لا يزال موجود حتى الآن ...”
تقدم خطوة إلى الأمام ، وأخرج الهدية التي أعدها
قبل ست سنوات ، لم يكن هذا سوى رسم تصميم بسيط
أما بعد ست سنوات ، فقد أصبح علبة مخملية صغيرة
“ سو هوي في الحياة الواقعية ، لا توجد فرصة للبدء من جديد ، ولا لجولة ثانية ،
كلانا يملك فترة زمنية واحدة فقط
قد تمتد خمسين عامًا ، أو أربعين ، أو ثلاثين ، لا أحد يستطيع الجزم
وستذوب الأنهار الجليدية تدريجيًا ، وربما تختفي تمامًا
ولو لم نلتقِ مجددًا قبل ذلك الوقت ، فلن تتحقق هذه الأمنية أبدًا .”
{ لحسن الحظ التقينا مجددًا في الوقت المناسب }
“ الزمن لن يتوقف من أجل أحد ،،
ولن أستطيع تحمل أن نفترق مرة أخرى
لذا مهما حدث ، لن أترك يدك أبدًا ، وعليك أنت أيضًا أن تبقى إلى جانبي .”
وقف نينغ ييشياو أمام سو هوي، وفتح العلبة الصغيرة،
وأخرج منها خاتمين من الذهب الأبيض
الأحجار الرئيسية فيهما ألماستين زرقاوين بقصة ماركيز مميزة ، تتلألآن ببريق يماثل الأنهار الجليدية الزرقاء في هذه اللحظة
“ طلبت صنعهما قبل عدة سنوات ، مستخدمًا أول مبلغ كسبته .”
و بعينين تغشاهما الدموع ، حدق سو هوي في كل ما أمامه ، والذي بدا أشبه بحلم ،
حتى خُيل إليه أنه وقع في إحدى هلوساته من جديد
وبرغم تأثره الشديد ، لم يستطع منع الألم المتصاعد داخله
كان هذا أحد أهم المنعطفات في الحياة ، لكنه لم يكن سوى شخص غارق في السلبية ، يسيطر عليه المرض ،
وحتى مجرد محاولة طرد الأفكار المتعفنة والهلوسات من رأسه أصبحت مهمة بالغة الصعوبة
{ ولو أمضى بقية حياته مع شخص مثلي ، فربما سيكون فيها من المعاناة أكثر مما فيها من السعادة }
حتى إن سو هوي بدأ يخشى سماع الكلمات التي ستخرج من فم نينغ ييشياو
فقد تحولت كل النهايات القاتمة التي يستطيع أن يتسبب بها بنفسه إلى مشاهد بائسة ،
تدفقت واحدة تلو الأخرى إلى عقله ، محاولة جره إلى هاوية موحشة
: “ لكنني… الآن… أنا…”
سو هوي ينتحب ، حتى إنه كاد يعجز عن إكمال جملة واحدة
أسند نينغ ييشياو جبهته على جبينه ، وقال بصوت لطيف :
“ قطتي الصغيرة ، القرار كله بيدك .”
ووضع الخاتمين في كف سو هوي
“ إذا شعرت أن الوقت غير مناسب ، وأردت أن ترفض ،
فافعل بهذين الخاتمين ما تشاء
أما إذا أردت الموافقة… فألبسني إياه .”
قبض سو هوي على الخاتمين بقوة
صغيرين جدًا… وصلبين جدًا
وكلما شد قبضته عليهما، ازداد إحساسه بوجودهما الحقيقي
الرياح تعصف بقوة حتى كادت تقتلع كل شيء
لكن نينغ ييشياو، بصبره، لم يستعجله ولو للحظة،
واكتفى بحمايته من الرياح بجسده
ثم عدل حافة قبعته الصوفية وهمس:
“ لا تبكِ بعد الآن ... ماذا لو أصابك صداع لاحقًا ؟”
لكن سماع ذلك جعل سو هوي يبكي أكثر
و قلبه الذي ينبض ببطء ، بدأت تنبت رغبة في مستقبل جميل
كان الأمر أشبه بشعاع نور تسلل إلى ذلك الظلام الثقيل،
محاولًا طرد كل السلبية والتشاؤم
{ لقد كنت حقًا شخصًا فاشلًا
لكن أيضًا …
أنا أحب نينغ ييشياو حقًا }
وكما فعل عندما حاول الهرب من ذلك المصحة النفسية ،
اندفع سو هوي بجنون خارج ذلك المنزل المظلم ،
وأغلق وراءه كل مشاعر لوم الذات ، مصفقًا الباب بقوة
و بأنفاس متقطعة ، كافح لينطق:
“ نينغ ييشياو…”
: “ مم؟”
: “ أنا…” بذل سو هوي كل جهده ، فقط ليجعل كلماته أكثر سلاسة قليلًا :
“ أنا مريض نفسيًا ، وحالتي غير مستقرة دائمًا ،
وغالبًا أؤذي الأشخاص من حولي ، وقد آذيتك أنت أيضًا .
وأنا غير ناضج ، ولا يمكن الاعتماد عليّ ،
وأحيانًا أفعل أشياء متهورة جدًا ثم أندم عليها بعد ذلك ،
و أيضًا الكثير من الأمور التي أعجز عن القيام بها في كثير من الأحيان …”
كشف كل شيء عن نفسه
ثم رفع رأسه ، ونظر إلى نينغ ييشياو بتردد :
“ حتى وأنا هكذا… هل تقبل أن تكون زوجي ؟”
لكن نينغ ييشياو اكتفى بالابتسام :
“ سو هوي أنت أكثر شخص موهوب ، وأكثرهم تعاطفًا ،
وأروع إنسان عرفته في حياتي ،
لقد ظهرت في أحلك أيام حياتي ، ومنحتني السعادة ،
ومنحتني أيضًا التطلع إلى المستقبل ،
أنت أول شخص خطف قلبي من النظرة الأولى ،
والوحيد الذي فعل ذلك . لا أحد يمكنه أن يحل محلك .
ولا يوجد ما أتمناه أكثر من أن أصبح زوجك ،
وأن أقضي معك كل يوم من الأيام القادمة .”
خلع القفاز من يده ومدها إليه
: “ من فضلك ، ألبسني إياه .”
مسح سو هوي دموعه ،، وخوفًا من أن تتجمد يده ،
أسرع محاولًا إلباسه الخاتم
لكن كلما ازداد توترًا ، ازدادت أصابعه ارتجافًا
ولم يستطع إدخاله في إصبع البنصر لنينغ ييشياو إلا بعد أن
أخذ عدة أنفاس عميقة
وبعد أن انتهى ، رفع رأسه ونظر إليه : “ هل الجو بارد جدًا ؟”
ضحك نينغ ييشياو وهو يجيب :
“ لا بأس ... لا أظن أن الجو بذلك البرد في الصيف .
يبدو أننا جئنا في الوقت المناسب .”
وبينما يتحدث ، خلع قفاز سو هوي ، ثم وضع الخاتم في إصبع بنصره :
“ هل يعجبك ؟”
أومأ سو هوي : “ جميل جدًا "
رفع نينغ ييشياو نظره إلى الأنهار الجليدية ، ثم أنزله إلى سو هوي : “ القط رائد الفضاء .”
بدا هذا اللقب غريبًا بعض الشيء على سو هوي
“…هاه؟”
“ أنا الجرو رائد الفضاء ، وقد هبطنا بنجاح على كوكب الدكتور مان ، كما أن مهمة الهبوط أُنجزت بنجاح .”
احتاج سو هوي إلى ثانيتين حتى استوعب ما يقصده
كانت أول مهمة للجرو رائد الفضاء والقط رائد الفضاء على كوكب آخر… هي تبادل الخواتم
وكان نينغ ييشياو على وشك أن يكمل حديثه ، عندها وقف سو هوي على أطراف أصابع قدميه ، وقبّله قبلة خفيفة على شفتيه
فاجأه ذلك تمامًا ، حتى إنه نسي ما كان سيقوله بعد ذلك
: “ أنت…”
فرك سو هوي أنفه ، وقال بصوت خافت :
“ هذه… مراسم احتفال .”
ضحك نينغ ييشياو :
“ صحيح ، مراسم احتفال .”
أنزل رأسه وقبّله هو أيضًا ، إلا أن هذه القبلة كانت أطول
وبعد لحظات ، ابتعد نينغ ييشياو قليلًا ، ونظر إلى عيني سو هوي :
“ القط رائد الفضاء هل حان وقت العودة إلى الأرض ؟”
رمش سو هوي :
“ العودة… من أجل ماذا ؟”
قبّل نينغ ييشياو عينيه المحمرتين من البكاء :
“ لتسجيل زواجنا .”
رحلة آيسلندا أشبه بحلم أزرق طويل ومهيب ،
امتلأ بالحنان الهادئ ، والمناظر الخلابة التي بدت كالمعجزات ،
وبعض الندم الذي لم يكن كبيرًا ولا تافه ،
لكن سو هوي يعلم…
أنه سيعود إلى هنا مرة أخرى
ولهذا، حتى ذلك الندم تحول إلى ترقب
—————————
وصلا إلى نيويورك بعد ظهر الثامن والعشرين من مايو
الطقس صافي على نحو استثنائي ، ولم تكن هناك غيمة واحدة في السماء الواسعة
جلس سو هوي ونينغ ييشياو في المقعد الخلفي للسيارة،
وأيديهما متشابكة
وخلال الطريق، رأى سو هوي فرقة موسيقية تغني وتعزف في الشارع، بينما أنغام البريت بوب الكلاسيكية تنساب مع بدايات الصيف
دخلت السيارة شوارع مانهاتن المزدحمة ، وسرعان ما علقت في الازدحام ، ولم تعد تتقدم إلا ببطء شديد
شعر سو هوي بقليل من الدوار ، فأسند رأسه على كتف ييشياو وتمتم :
“ أشعر ببعض الدوار .”
نينغ ييشياو:
“ لننزل ونتمشى قليلًا .”
وهكذا ، وبأيديهما المتشابكة ، اندمجا وسط الحشود المكتظة في الشارع
كان هذا المشهد مألوفًا للغاية ، حتى إنه أعاد سو هوي للحظة إلى الماضي
وبينما واصلا السير ، بدأ المارة في الشارع يتوقفون واحدًا تلو الآخر ، واقفين في منتصف الطريق
وتحت ضوء الشمس القادم من الخلف ، لم يبقَ من المباني الشاهقة على جانبي الشارع سوى ظلالها
وفي هذا الفراغ المستقيم بينهما ، بدأ وهج برتقالي قوي يميل ببطء نحو الغرب
ألوان الغروب تشتعل، والغبار يرقص في الهواء
وفي لحظة واحدة ، انسكب الضوء في كل زاوية من زوايا الشارع ، محتضنًا الجميع دون استثناء
تلوّن الجميع بهذا الشفق المتوهج ، تغمرهم أشعة الشمس بسعادة دافئة
المدينة المزدحمة والفوضوية ، وذلك اليوم الصيفي الخانق الذي لم يعرف اللطف ، بديا في تلك اللحظة وكأنهما نالا الخلاص
توقف سو هوي — غطى شعره ووجهه الشاحب خيط ناعم من اللون الذهبي
بدا هادئًا… وجميلًا
تمتم : “ إنها… مانهاتنهنج…”
: “ مم.” و كانت الابتسامة واضحة في صوت نينغ ييشياو :
“ يا لها من مصادفة ... لقد رأيناه مرة أخرى .”
ومن نبرة صوته ، بدا الأمر وكأن ما يشاهدانه لم يكن ظاهرة مانهاتنهنج التي لا تظهر إلا مرتين في السنة ، بل صديقًا قديم…
صديق شهد ذات يوم على الحب المنقوش في حياتهما —-
ارتفعت مانهاتنهنج تدريجيًا إلى أعلى نقطة لها ، ثم بدأت تميل ببطء نحو اليمين
{ كانت هذه الرحلة جميلة إلى حد يفوق الوصف…
ولهذا بدت أكثر زوالًا }
ترك الغروب ضوءًا كهرمانيًا في حدقتي سو هوي
واستقرت أشعة الشمس المتدفقة على الألماسة الزرقاء في إصبعه الأيمن ،
فتألقت ببريق يخطف الأنفاس ، وكأنها امتزاج معجز بين الأنهار الجليدية الزرقاء و مانهاتنهنج
{ ستذوب الأنهار الجليدية الزرقاء
لكن مانهاتنهنج ستظهر من جديد …
ومرة أخرى …
لتكون ملكًا لكل من يقف تحتها }
وسط هذا البحر الذهبي ، استدار نينغ ييشياو :
“ سو هوي "
رفع سو هوي رأسه ، والتقت عيناه بهذا الشغف الصامت
وفي عيني نينغ ييشياو — بدا وكأن طائرة مشتعلة تتحطم…
معجزة لا تكتمل إلا بمشاركته
: “ لو كنت ستموت في اللحظة التالية… ما أكثر شيء ستندم عليه ؟”
كان هذا المشهد مألوفًا إلى حد مذهل
لكن هذه المرة…
تبدّل الشخص الذي طرح السؤال ——
انفجر سو هوي ضاحكًا
واستجمع شجاعته ، ووقف على أطراف أصابع قدميه وسط بحر البشر ، ثم لف ذراعيه حول عنق ييشياو ومنحه قبلة
وعندما ابتعد عنه ، كان آخر خيط من ضوء الشمس قد اختفى خلفهما ، وتحول إلى شفق طويل
نظر سو هوي إلى نينغ ييشياو
وامتلأت عيناه بحنان لا حدود له
“ لن يبقى لدي أي ندم… بعد الآن "
— الــ 🌅🍧♥️ ـنـهـايــة —
Erenyibo : إن أعجبتكم الرحلة ، فدعمكم هو ما يُبقيها مستمرة .
https://www.paypal.com/ncp/payment/47TG3UVDRSTNS
🌤️ لن أترجم الاكسترا 🫡

تعليقات: (0) إضافة تعليق