Ch1 WDCL
وقفت سونغ يينان أمام باب منزلها ، وابتسامتها لا تزال يشوبها شيء من التحفّظ : " المرّة الماضية عدتُ على عجل ، فلم أجد وقتًا لترتيب البيت ، ربما الغبار كثير بعض الشيء .. "
عندما لم يصدر خلفها أيّ حركة أو صوت ، التفتت سونغ يينان ونظرت إلى جينغ تسان ، فوجدته غارقًا في التحديق بالباب الحديديّ أمامه ——-
قالت : " شياو تسان ؟ "
ما إن سمع تسان النداء حتى رمش بعينيه رمشة سريعة ——
سألته : " الجلوس في السيارة طويلًا مُتعِب أليس كذلك ؟ "
" لا " هزّ جينغ تسان رأسه نافيًا — ونقل حقيبة أمتعتهما إلى يده الأخرى
التقت عيناه بعيني سونغ يينان ، فأدرك فورًا أنّه فاته على الأرجح شيء ممّا قالته للتوّ : " ماذا قلتِ للتوّ ؟ "
: " أقول إنّ الغبار في الداخل قد يكون كثيرًا بعض الشيء " قالت سونغ يي نان ذلك وهي تُدير المفتاح الذي في يدها في قفل الباب الحديديّ ، فاصطدمت المفاتيح ببعضها كأنّها شفرة سرّيّة تطابقت
أمام الباب ثلاث درجات من الحجر الجيريّ ، وقف جينغ تسان أسفلها ، فلمّا انفتح الباب الحديديّ ، أوّل ما قفز إلى عينيه كان ذلك الأخضر الزاهي المنبثق من تحت كمّ سونغ يينان القطنيّ ذو اللون البيج
لم يسأل جينغ تسان يومًا عن نوع ذلك النبات ، كلّ ما عرفه أنّه صار انطباعه الأوّل عن العالم داخل هذا البيت
بالنسبة إلى جينغ تسان ، كان العالم وراء هذا الباب غريبًا تمامًا ——-
يُقال إنّ هذا بيت جدّه لأمّه ، لكن حين تزوّجت سونغ يينان من أبيه ، كان والدها قد فارق الحياة بالفعل ، وأمّها في لحظاتها الأخيرة ، فلم يُتح لجينغ تسان — الذي كان لا يزال طفلًا آنذاك — أن يلتقي جدَّيه من هذا الجانب
لكن ... سبق أن حضر جينغ تسان جنازة والدة سونغ يينان ، وإن كان لا بدّ من اعتبار ذلك لقاءً ، فهو لقاء واحد لا غير
في الجنازة ، جلس جينغ تسان إلى جوار أبيه ، وظلّ يميل بجسده إلى الأمام جاهدًا ، يريد أن يتجاوز جسد أبيه ليلقي نظرة على سونغ يينان ، لكن ما إن لامس بصره ذلك الوجه الغارق بالدموع حتى عبس جينغ تسايهانغ قليلًا وأعاد رأسه إلى مكانه
ما يُهمّ والده — يحفظه جينغ تسان في ذاكرته بإحكام دائمًا
لذا حين عبر العتبة الكبيرة ومضى نحو الداخل — استطاع أن يستحضر ذلك المشهد في ذهنه بكلّ تفاصيله دون أن ينقص منه شيء
عبرا الفناء ودخلا البيت ، وفي أثناء ذلك بدا أنّ سونغ يينان قالت شيئًا آخر ، لكنّ جينغ تسان ، كما في معظم الأوقات ، كان ذهنه شاردًا فلم يسمع
وما إن استقرّ في مكانه داخل البيت وعاد إليه وعيه حتى انتابه شعور مفاجئ بعدم الارتياح
ظهر ذلك في حيرته : لا يدري أين يخطو الخطوة التالية ،،
ولا يعرف هل يُنزل الحقيبة من يده أم لا ، وإن أنزلها فأين يضعها ؟...
رأت سونغ يينان أن تسان ينظر في الأرجاء ، فأدارت نظرها أيضًا في جولة سريعة ، ثمّ أدركت الأمر فورًا : " أغراض البيت كثيرة بعض الشيء ،
أبي وأمي كلاهما يحبّ الاحتفاظ بالأشياء ، ويحبون شراء التحف الصغيرة ، فصار كلّ ركن فيه ممتلئًا عن آخره .."
قالت ذلك وهي تضع حلقة المفاتيح على طاولة قرب النافذة ،
ثمّ اقتربت وأخذت الحقيبة من يد جينغ تسان ، ووضعتها على خزانة الأحذية بجوار الباب
ارتطمت الحقيبة بأرنب خزفيّ صغير ، صنعته ليست بالغة الدقّة ، لكنّه لفت انتباههما معًا
لم تُرخِ سونغ يينان يدها التي سحبتها من الحقيبة ، بل وضعتها برفق على حافة الخزانة ، وبدأت—دون وعي— تخدش بأظافرها عروق الخشب
أمالت رأسها قليلًا ومدّت إصبعها السبّابة لتلمس رأس الأرنب ، حيث رُسمت زهرة ورديّة بحواف سوداء منقوشة : " هذا حصلتُ عليه في رأس السنة وأنا في التاسعة ، أخذني أبي إلى الشارع لنلعب حلقات الرمي فأصبته .
بعد رحيلهما ، أدركتُ أنّ كلّ هذه الأشياء ذكريات ، فتركتها في أماكنها كما هي "
بفضل تذكير سونغ يينان هذا ، أدرك جينغ تسان سرّ انزعاجه — هذا البيت يعجّ بالأشياء ، وكثرة الأشياء تعني أنّ قصص سونغ يينان ومعانيها أكثر بكثير ——-
أمّا بالنسبة إليه ، فكأنّما هذا بيت حكايات وهو إنسان لا يعرف القراءة
مشت سونغ يينان إلى النافذة وفتحتها ، لم تكن نافذة منزلقة بل تُدفَع إلى الخارج
أمام النافذة طاولة ، ووقفت سونغ يينان بجانبها ثمّ التفتت فجأة وأشارت إليه بيدها
لعلّ ضوء الشمس أوهمه ، لكنّ ملامحها في تلك اللحظة لم تبدُ كملامح الأمّ في ذلك البيت
نبات اللبلاب المتسلّق على السور لم يكن كثيفًا بما يكفي ، فبدا الشارع الممتدّ أمام الباب مرئيًّا من خلال أغصانه
ولعلّ الوقت كان وقت القيلولة ، فلم يمرّ أحد في الشارع ، وساد هدوء تامّ
نظرت سونغ يينان إلى جينغ تسان ، ثمّ ابتسمت فجأة وهي تشد شفتيها : " كنتُ أحبّ أن أجلس هنا لأحلّ واجباتي .
في صغري كنتُ أظنّ أنّ لهذه النافذة سحرًا ، لأنّني أحيانًا كنتُ أشرُد فجأة وأنا أنظر إلى الخارج ، فيمرّ الوقت سريعًا سريعًا ...
أطول مرّة جلستُ فيها دون أن أشعر قضيتُ عصرًا كاملًا ...
لاحقًا فهمتُ أنّ السحر ليس في النافذة ، بل إنّني لم أكن أرغب في الدراسة أبداً "
أضحك هذا الكلام جينغ تسان أيضًا فابتسم ابتسامة خفيفة ، ورفع رأسه قليلًا ينظر إلى الخارج ، فداعبت نسمة قلبه — { لقد حلّ شهر يونيو }
: " سأحضر لك بعض الماء "
ما إن أنهت سونغ يينان كلامها حتى استدارت ،
راقبها جينغ تسان وهي تدخل المطبخ ، ثمّ التفت ، وفكّر لحظة ، وجلس على الكرسيّ بهدوء
ألقى نظرة سريعة على الطاولة ، ثمّ وضع ذراعيه متقاطعتين فوقها بترتيب ، تمامًا كتلميذ في المرحلة الابتدائيّة داخل الفصل
أمامه صفّ من الكتب ، ألقى جينغ تسان عليها نظرة سريعة : كتب مدرسيّة للمرحلتين الإعداديّة والثانويّة ، لا بدّ أنّها كلّها كانت لسونغ يينان من قبل ..
عضّ شفته برفق ، ورفع يده ومدّ أطراف أصابعه نحو أحد الكتب
لكن قبل أن يلمس كعب الكتاب — تعلّقت يده في الهواء وتوقّفت ——-
بعد برهة طويلة ، سحب جينغ تسان يده أخيرًا
ظلّ يحدّق في صفّ الكتب هذا دون انقطاع ، كأنّما بتلك النظرة سيتمكّن من رؤية ما بداخلها : المحتوى ، والملاحظات ، والسنوات ...
فجأة حملت الريح من الخارج الحرارة ودفعته إلى الداخل ،
وبدأ صوت يأتي من خلف النافذة التي كانت هادئة قبل لحظات ، ضربات متتالية ، كأنّ شيئًا ما يرتطم بالأرض
{ كرة سلّة ؟ }
اهتزّ قلبه قليلًا ، فأسند جينغ تسان كفّيه إلى الطاولة ونهض مسرعًا ——
مال بجسده إلى الأمام ، فرأى بالفعل كرة سلّة ترتدّ على الشارع الخالي
مدّ عنقه أكثر إلى الأمام ،، يحاول أن يتتبّع مسار الكرة ليرى مَن يتبعها
لكنّ ذلك الشخص بدا كأنّه يتحدّث مع رفيق له ، فتوقّف على مسافة قريبة
ورغم أنّ جينغ تسان أخرج رأسه إلى أقصى حدّ ، حتى برزت عروق ذراعيه من شدّة الجهد ، لم يستطع أن يرى سوى جزء صغير من وجهه وجسده ، بل إنّ قبّعة البيسبول حجبت وجهه فلم تظهر عيناه
ضحك أحدهم ضحكة خفيفة ، فمال ذلك الشخص الذي يعتمر القبّعة برأسه ورفع ذقنه قليلًا
تسمّر جينغ تسان في مكانه ،، وبعد حيرة قصيرة ، بدا كأنّ ذراعيه فقدتا قوّتهما فجأة وأصابهما خدر
انتفض عائِدًا من وضعيّته المائلة إلى الأمام ، وثبّت قدميه ، لكنّ الأرض تحتهما بدت رخوة إلى أبعد حدّ ——-
" شياو تسان ؟ "
جاء صوت سونغ يينان مفاجئًا إلى حدّ أنّ جينغ تسان ، حين التفت — لم يجد وقتًا ليُعدّل ملامح وجهه
التقطت سونغ يينان ذهوله البادي بعينيها ، فقبضت على الكوب في يدها دون وعي
أحسّ جينغ تسان بالعرق ينزلق من جبينه بسرعة ، فأشاح بوجهه عن نظرة سونغ يينان ، وخفض رأسه وأسند جسده إلى الطاولة
سألت : " هل عاودك الصداع ؟ "
كان صوت سونغ يينان خافتًا ، حتى إنّ جينغ تسان أحسّ في سمعه أنّه أكثر حنانًا ممّا ينبغي
" لا " هزّ جينغ تسان رأسه ، ولمّا شعر أنّ قوّته عادت إلى جسده ، نظر إليها من جديد
لم تقل سونغ يي نان شيئًا آخر ، بل ناولته كوب الماء الذي في يدها ، ثمّ سحبت منديلًا ومسحت العرق عن جبينه
قالت : " الجو حارّ بعض الشيء ، أليس كذلك ؟ "
التقطت سونغ يينان من جانب الجدار عصا معقوفة الصنع ، ومدّتها إلى الأمام لتُغلق النافذة : " أصررتُ على وضع المكتب هنا ، فصارت النافذة صعبة الإغلاق ، فلم يجد أبي حلًّا سوى أن يصنع عصا لإغلاقها "
أُغلقت النافذة ، فألقت سونغ يينان نظرة عابرة على جينغ تسان ، فرأته يدير رأسه ويظلّ محدّقًا نحو الخارج بثبات
تعمّدت سونغ يينان أن تتنحنح ، وأدخلت في نبرتها قدرًا أكبر من الخفّة : " ماذا تريد أن تأكل الليلة ؟ الليلة أبوك وشياو وي لن يتناولا العشاء في البيت ، فلا داعي لأن نعود باكرًا ، سأخذك لنأكل هنا شيئًا لذيذ ... "
قال : " هل يمكنني البقاء هنا للدراسة ؟ "
" ماذا ؟ " أربكها سؤال جينغ تسان فتوقّفت للحظة ،
وتوقّفت أيضًا عن إسناد العصا الطويلة إلى الجدار : " دراسة ماذا ؟ "
" في مثل عمري هذا ، ما ينبغي دراسته هو ما سأدرسه .. " أنزل جينغ تسان بعينيه ، وثنا إصبعه السبّابة وطرق بها على الكوب : " لا بدّ أنّها الثانوية... الصفّ الثاني ؟ أم الثالث ؟ "
————-
' الثانوية السابعة بلا رحمة ' هذا ما توصل إليه هيي بينغيي بعد أسبوعين من بدء العام الدراسي ——-
هيي بينغيي : " في أغسطس ؟ ركضٌ تحت الشمس في عزّ الظهيرة !
بماذا تفكّر إدارة المدرسة ؟ "
قالها ، لكن — مع ذلك أطبق الكتاب المفتوح وألقاه على المكتب بلا اكتراث ، ثم تجاوز المقعد بساقيه الطويلتين ، وحاصر عنق وانغ شياوي ساحباً إيّاه إلى الخارج
صرخ وانغ شياوي — وهو الذي يتجاوز طوله المتر والثمانين — مختنقاً من قبضته : " اللعنة عليك ! ابتعد عني ، اتركني ، لن أذهب ! "
هيي بينغيي : " رجلٌ بالغ يتظاهر بالمرض هرباً من التمرين الصباحي ، ألا تخجل من نفسك ؟ "
وانغ شياوي : " من قال إنّي أتظاهر بالمرض ؟ أنا … "
قاطعه هيي بينغيي قبل أن يُكمل : " أعرف ، أعرف ،
كسرتَ أصيص أختك ، فطاردتك تضربك ، فقفزتَ من الدرج ، ثم فقدتَ توازنك وجلستَ على الأرض — ويا لسوء الحظّ — كان هناك لوح تزلّج تركه طفلٌ من الطابق الأوّل هناك تماماً فارتطم بمؤخّرتك .
لكن متى حدث هذا أصلاً ؟ أتذكر حتى ؟ "
" ابتعد عني ، " صحّح وانغ شياوي بنفاد صبر : " لم يكن أصيص أختي عادي ، إنّها نباتات عصاريّة ، وأختي تعتني بها ببراعة ! "
: " آها ، عصاريّة ، " لم يرَ هيي بينغيي أيّ فرق : " أليست في النهاية أصيص ؟"
: " أصيص في عينك ! " نفض وانغ شياوي ذراع هيي بينغيي عن كتفه بعنف : " كفاك شدّاً وجذباً معي "
ابتسم هيي بينغيي كعادته — ابتسامة كسولة متراخية ——
بعد أسبوعين على بدء الدراسة ، شعر وانغ شياوي أنّ زميله هذا في المقعد لا يصحو تماماً أبداً — جفناه نصف مرفوعين دائماً ، وفي أقصى الحالات ، حين يستدعيه المعلّم للإجابة ، يرفع جفنيه بمقدار الثلثين لا أكثر ..
عدّل وانغ شياوي ياقته التي اعوجّت من جرّه ، وأمال رأسه يتأمّل هيي بينغيي
وفي هذه اللحظة بالذات ، وقع بصره على تلك الندبة فوق عظم حاجبه — باهتة لكنّها طويلة
سبق أن سأله عنها ، لكنّ هيي بينغيي لم يُجب ..
لكن وانغ شياوي فضوليٌّ بطبعه إلى حدٍّ مرضيّ ، وكلّما رآها اندفعت الكلمات إلى طرف لسانه حتى يكاد يعجز عن كبحها
: " هذه … "
: " أوه ؟ " استدار هيي بينغيي ، وعبرت عيناه سور الشرفة في الطابق الثاني نحو مكبّر الصوت الكبير على المبنى الرئيسي
تظاهر بالدهشة ، ورفع حاجبيه : " غيّروا الأغنية ! "
حين سمع هذا ، أصغى وانغ شياو وي بدوره : " يا للعجب ! توقّفوا عن تشغيل 'منصّة الأقحوان' أخيراً ؟ ما هذه الأغنية الجديدة ؟ "
حرّك هيي بينغيي رأسه مرّتين مع لحن الأغنية دون أن يُجيب ، ثم مضى يلوح بذراعيه وهو يسير
بين الفصول الأربعة ، الصيف أكثر ما يكرهه هيي بينغيي — حرٌّ ونعاس
ازدحم الممرّ بالطلاب كتفاً لكتف ، وبدأ مشهد هيي بينغيي يتأرجح صعوداً وهبوطاً ، وبين الغبش والعتمة خُيّل إليه أنّه قادرٌ على النوم وهو يمشي
حين يغلبه النعاس يبلغ كسله ذروته المطلقة — كما الآن مثلاً ، إذ بخل على نفسه بأدنى جهدٍ لضبط جسده
بدا لوانغ شياوي أنّ كلّ خطوة يطؤها هيي بينغيي على الأرض تُرعد مفاصله وعظامه — حتى تساءل في سرّه : { أتُرى أعضاؤه الداخليّة تصاب بدوار الحركة ؟ }
أثقل النعاس جفني هيي بينغيي حتى لم يعد قادراً على فتحهما ، فتثاءب تثاؤب عريض ، وضغط بيده على عنقه يدلكها ليرخيها
ولأنّ كتفيه مشدودتين إلى الداخل ، اتّسعت حركة يده الأخرى من دون أن يشعر
ولوّح — فأصاب من خلفه ———
ارتعش هيي بينغيي وانتبه في الحال
استدار مسرعاً ، وقبل أن يرى وجه من خلفه اندفع يقول :
" آسف ، آسف"
أكان بسبب رطوبة التثاؤب التي لم تتبدّد بعد من عينيه ؟
أم بسبب الضوء الشحيح في الممرّ ؟
أم لأنّ الزحام حوله شديد ؟ …
مهما يكن السبب ، فقد جعلت لحظة استدارته هذا المشهد مضطرباً ضبابيّاً — وبينما هو يتمتم باعتذاره الذي لم يكتمل ، لم ينطق الفتى الذي وقع عليه بصره بكلمة ، بل أغلق شفتيه وابتسم
و لأنّهما في الممرّ ، ولأنّ ضجيج الأصوات أغرق كلّ تفكير — بدا ذلك الوجه أمامه كأنّه يتّسع إلى ما لا نهاية ، حتى صار الشيء الوحيد الواضح في الكون
{ حنان .. }
تلك هي الكلمة الوحيدة التي خطرت في بال هيي بينغيي في هذه اللحظة
لطالما ظنّ أنّ هذه الصفات ليست سوى كلمات تُكتب في الكتب لتجميل الجمل
لم يتخيّل يوماً أنّه سيشعر بها حقّاً ' للمرّة الأولى في التفاتةٍ مرتبكةٍ متسرّعة كهذه ، في ابتسامةِ فتى —-
لو اضطرّ إلى وصف الصدمة التي اعتصرته ، لما وجد سوى تلك الكلمة المؤلَّفة من حرفين التي قفزت إلى ذهنه — كلمةٌ ليست مهذّبة بالمرة
وكأنّ الأكسجين انقطع عنه ،، فقد هيي بينغيي كلّ سيطرةٍ على نفسه ، واستدار بذهولٍ تامّ ، ثم نزل آخر درجتين
ما إن خرج من الممرّ وعادت الشمس تغمر وجهه ، حتى اندفع في رأسه فكرة عارمة مجنونة — { لو كنتُ فتاةً لتقدّمتُ إليه حتماً ولتزوَّجته ~ }
لم تكن هذه الفكرة من طبعه أصلاً ، فأربكته
توقّف جسده من تلقاء نفسه ، واستدار ينظر خلفه
لكنّ الممرّ كان يلفظ موجةً تلو موجة من الطلاب في زيّهم المدرسيّ — وقد اختفى ذلك الوجه منذ أمد
كان وانغ شياوي لا يزال يتحدث معه ، لكن عندما وجد المكان بجانبه فارغ فجأة ، استدار متعجّباً يبحث عنه : " ما الذي تفعله ؟ "
سأل هيي بينغيي على الفور : " أيّ فصلٍ فيه فتى أبيض البشرة ، جميل الملامح ؟ "
باغته السؤال حتى أطلّ برأسه إلى الأمام مذهولاً : " ماذا ؟ "
" أقصد أبيض البشرة ، ليس طويلاً جدّاً ، ويبدو … " أجال هيي بينغيي بصره يميناً ويساراً مرّتين ، ثم لمح التعبير المذهول على وجه وانغ شياوي فغيّر كلامه : " لا شيء ، انسَ الأمر .. "
……..
عند تمرين الركض ، يصطفّ كلّ فصلٍ أولاً ، فيُسجّل الطلاب المكلّفون بالمناوبة الأسبوعيّة عدد الحاضرين وعدد المعتذرين
تُصرّ المدرسة على أنّ الطلاب لا يجوز أن يظلّوا جالسين طوال الوقت ،
لذا ما دام المرض ليس خطيراً إلى حدٍّ يمنع الحركة أو الوقوف ، فعلى المعتذر أن يقف جانباً ويتحمّل الشمس
وهذا تحديداً ما جعل هيي بينغيي يزدري وانغ شياوي من قبل — فحتى الفتيات اللواتي اضطررن للاعتذار لأسبابٍ حقيقيّة يقفن هنا تحت الشمس ، بينما وانغ شياوي لا يستحي من الاختباء في الفصل لينام ...
حين وصلا إلى نقطة التجمّع ، حاول وانغ شياوي أن يتسلّل إلى الطرف ، لكن هيي بينغيي أمسكه من ياقته وجرّه إلى الصفّ جرّاً
وقف وانغ شياوي يتمتم غاضبًا ، بينما هيي بينغيي لم يفق بعد من تلك النظرة
خُصّص لطلاب الصفّ الثاني عشر في الثانوية السابعة حرم مدرسي مستقلّ ،
أما فصول النخبة فلهم مبنى صغير من طابقين — الطابق الأرضيّ فيه مكاتب المعلّمين ودورات المياه ، والعلويّ فيه الفصول : ستّة فصول ، أربعة علميّة واثنان أدبيّة ، تفصل بينهما الدرج
{ و كلّ هذا المبنى لا يضمّ سوى هذه الفصول المعدودة — فكيف لم أرى هذا الفتى من قبل ؟
هل هو من القسم الأدبيّ ؟ }
وضع هيي بينغيي يديه في جيبي بنطاله ، و عبس بجبينه ، وبدأ يرفع قدميه ، يدوس الخطّ الأبيض على الأرض مرّة بعد مرّة
بشرة بيضاء ، عينان واسعتان ، لا نظّارات ، قامة ليست طويلة ، ابتسامة …
نادى تشن جي ، المشرف على الفصل ، من أمام الصفّ : " هل بقيَ معتذرون ؟ "
هيي بينغيي : " نعم ! "
تشن جي قد بدا ينادي مسؤول الرياضة في الفصل ، حينها صاح هيي بينغيي صيحته هذه فجأة ، ثم رفع رأسه دفعةً واحدة ورفع يده
ذُهل وانغ شياوي الواقف إلى جواره من هذه الخدعة المتقنة { الاستدراج ثمّ الهرب } فحدّق فيه فاغراً فاه :
" يا إلهي ! "
بدا هيي بينغيي أصلب أعصاباً من وانغ شياوي بلا شكّ — فقد خرج من الطابور بخطى واثقة هادئة ، لا يبدو عليه أيّ أثرٍ لوعكة
وحين انطلق الصفّ ، ظلّ وانغ شياوي يحرّك شفتيه شاتماً هيي بينغيي بصمت
————
في الاستراحة بعد الحصّة الأولى من فترة ما بعد الظهر ، كانت الشمس حارقة حقّاً
لم يقدر هيي بينغيي على فتح عينيه ، لكنّه أصرّ على تضييقهما وهو يراقب الصفوف المارّين واحد تلو الآخر
وأكثر ما أزعجه أنّ مدرستهم قلّدوا مدارس أخرى في ما يُسمّى ' الركض الكتليّ ' — حيث يلتصق الطلاب ببعضهم حتى يكاد لا يرى من في الأطراف أحياناً
لم يعرف هيي بينغيي نفسه ماذا يفعل الآن — ربّما أراد أن يعرف فصل ذلك الفتى ، أو ربّما أراد أن يصاحبه ، أو ربّما …
حين استعاد هيي بينغيي تلك اللحظة لاحقاً ، أدرك أنّه ربّما أراد فقط أن يثبت لنفسه أنّ ما حدث لم يكن حلماً ،، وأنّ ابتسامة كهذه موجودة حقّاً في هذا العالم
هذا الشعور الملحّ بالتشبّث بشيءٍ ما — عاشه طويلاً من قبل ، ثم غاب عنه دهراً ...
استدار هيي بينغيي مواجهاً الشمس
بدأت الصفوف المارّة تهتف : " واحد ، اثنان ، ثلاثة ، أربعة ! " ويصيحون بشعارات فصولهم
حاول هيي بينغيي ألّا يفوته وجه واحد — حتى لو لم يظهر من بين الفجوات سوى طرف أنفٍ أو زاوية عين ،، دقّق في كلّ تفصيل
لكنّ وقتاً طويلاً مرّ ، ولم يرَ ذلك الفتى
ازداد عبوسه حدّةً — من حرّ الشمس ، ومن القلق
حاول أن يتذكر ملامح ذلك الوجه بأدقّ ما يستطيع ، لكنّه أدرك حينها أنّ اللقاء العابر لم يترك له سوى صورة وجهه وابتسامته — حتى إنّه لا يذكر شكل رأسه أصلاً
بشرة بيضاء ، عينان واسعتان ، لا نظّارات ، قامة ليست طويلة ، ابتسامة …
اتّسعت عينا هيي بينغيي فجأة ——
حجبت سحابة الشمس فخفت الضوء ، وبدأ الفصل القادم يهتف بشعار مبعثر لا معنى له ، لكن هيي بينغيي لم يسمع حرفاً
فـ الفتى في أقصى الصفّ الأوّل كان يتمايل وهو يركض ، وإيقاعه مختلف عن الآخرين بفارقٍ خفيّ
ظلّ ينظر إلى هيي بينغيي وعلى وجهه شيء من التوهان — وباستثناء النظّارة على أنفه وغياب تلك الابتسامة ، فقد تطابق تماماً مع الصورة المحفورة في ذهن هيي بينغيي
و في الحال — انقبضت يد هيي بينغيي في جيبه
أراد أن يبتسم لذلك الفتى ، لكن بادرة ودٍّ كهذه غريبة عليه تماماً — ومع توتّره الآن ، لم ترتفع حتى زاوية شفته
لكنّ الصفّ يمضي بوتيرة ثابتة ، ولن ينتظره أحد حتى يضبط تعابير وجهه
رأى هيي بينغيي الفتى يوشك أن يختفي خلف من بجانبه ، فخطا خطوتين متسرّعتين من تلقاء نفسه
الفتاة الواقفة إلى جواره كانت تمتم بحفظ المفردات ورأسها للأسفل ، فلمّا تحرك فجأة رفعت رأسها مذعورة لا تفهم شيئاً
أدرك هيي بينغيي أنّه فقد اتّزانه من دون قصد ، فتنحنح وعاد إلى مكانه
وحين رفع رأسه مجدّداً ، كان ذلك الفصل قد ابتعد ركضاً
لكن بعدما رآه مجدّداً ، استعاد هيي بينغيي هدوءه المعتاد وعقله
وحين عاد فصله يمرّ من جديد ، بدأ يعدّ الفصول التالية ، منتظراً أن يمرّ ذلك الفتى في الدورة الثانية
وفي أثناء الانتظار ، بدأ يُكمل الصورة في ذهنه
{ بشرة بيضاء ، عينان واسعتان ، أنفٌ جميل ، فمٌ جميل ، نظّارات …
إذن … هو يضع نظّارات ؟ }
أنزل هيي بينغيي رأسه سريعاً وابتسم ابتسامة خفيفة
{ قامة ليست طويلة ، نحيل ، شعره أطول من شعر معظم الفتيان ، ابتسامة …
لكنّه لم يبتسم … قبل قليل … }
فكّر هيي بينغيي في هذا ، وشعر بشيء من الأسف
في الدورة الثانية ، حدّد هيي بينغيي بدقّة قدوم الفصل الثامن
ومنذ اللحظة التي دخلوا فيها مجال بصره ، ثبتت عيناه على ذلك الفتى
لكن هذه المرّة ، لم ينظر إليه الفتى
ليس فقط لم ينظر — بل بدا وكأنّه يتجنّبه عمداً ، مثبتاً بصره إلى الأمام دون انحراف
لم يعرف هيي بينغيي إن كان يبالغ في الظنّ ، لكنّه أمال رأسه وبدأ يراقبه بصمت
أخيراً ، حين أوشك أن يبلغ النقطة المقابلة لهيي بينغيي تماماً ، أدار الفتى رأسه نحو جهته ونظر إليه بنفس التوهان الذي كان في عينيه قبل قليل
رفع هيي بينغيي يده — ليس عالياً ، بل إلى مستوى صدره عند جانبه — ثم لوّح له
أقسم هي بينغيي أنّ هذه أرقّ حركة وأحنّ تعبير صدر منه في حياته كلّها
و على غير المتوقّع ، بدا وجه الفتى هادئاً تماماً — لم يرتعب ، لم يتفاجأ ، لم يتغيّر فيه شيء بسبب تلويحة هيي بينغيي
لم يُنزل هيي بينغيي يده ، وظلّ مبتسماً يراقبه
بدا أنّ الزمن يمشي ببطء شديد ..
استنشق هيي بينغيي نفساً عميقاً ، وظنّ أنّ الفتى سيمضي هكذا بهدوء — لكنّ الفتى أحنى ذقنه قليلاً فجأة ، ورفع طرف شفته ، وابتسم له
عندئذٍ أكمل هيي بينغيي آخر صفة — وأهمّ صفة — في الصورة
{ ابتسامته جميلة
أجمل ما يكون } ——-
في هذا اليوم ، التقى هيي بينغيي أخيراً بـ جينغ تسان
يتبع
الترجمة : أكيرا
التدقيق : Erenyibo
تعليقات: (0) إضافة تعليق