القائمة الرئيسية

الصفحات

⭐️🫂💕

🤍 دعمكم = استمرار المدونة

بعد 4 سنوات من الترجمة المجانية بكل حب، هذا الرابط لدعم استمرارية المدونة 🤍 🌿 مقابل الدعم، تحصل على ملفات الروايات كهدية بسيطة

💡 بدعم 2$ يمكنك اختيار أي مجلد

📩 بعد الدفع، تواصل معي على تيليجرام:
@erenyibo

آخر الاخبار

Ch28 owng

 Ch28 owng



تفشّت زكام لي تشيشو في اليوم التالي كما توقعتُ ، وفحصتُ جسده قبل إرساله خارج المنزل ، 
فلم يظهر عليه ارتفاع في الحرارة ، وظننتُ تعافيه التدريجي بعد انقضاء يوم آخر 

​وعاد من زيارة جدته في دار الرعاية قريباً من فترة الظهيرة ، وبدا واهناً بالكامل ، لا يستطيع استجماع نشاطه ، 
فاستحثثته لتناول الدواء ثم حشرته تحت الغطاء لينام ساعتين ، وحين ناديته لتناول الطعام لم يستفق بعد 

​قرفصتُ بجانب السرير وتربتُ عليه مرتين ، ففتح لي تشيشو عينيه ضبابيتين : " كم الساعة ؟ "

​" الخامسة . " رفعتُه ببطء ليستوي جالساً : " هل تشعر بتحسن قليل ؟ "

​قال لي تشيشو إن عقله غدا أكثر صفاءً ، وأثناء تناوله الطعام أكل لقيمات قليلة بغير رغبة ثم وضع العيدان ، وركّز نظره متشبثاً بالكرسي سارح الذهن ، 
وفجأة قال : " شين باوشان ، أريد رؤية الصور التي التقاطها لي "

​أخرجتُ هاتفي المحمول ، فأخذ لي تشيشو يقلب بين الصورتين اللتين التقاطهما له جيئة وذهاباً ، وابتسم بقلة حيلة يشوبها الأسف : " لا أملك أية صورة لك "

​تمثلت أول صورة ملكها لي تشيشو لي في حياته بصورة التخرج الجماعية للفصل الحادي والعشرين عند التخرج 

وفي ذلك بعد الظهر حين ذهب إلى المكتب لجلب الصور للفصل بأكمله ، ورأى فوق الطاولة المقابلة لمكتب معلم فصله كومة سميكة من الصور الملونة المغلفة ، ثارت مشاعره بصعوبة عن الكبح 

​" لو تحليتُ بقليل من الجرأة حينها ، لحصلتُ على أول صورة تخصك " قال لي تشيشو هذه الكلمات بعد سنوات طوال وهو يمسك بين يديه ورقة استنساخ ملونة : " فكرتُ حينها ، قد تصبح هذه المرة الوحيدة في حياتي التي أملك فيها فرصة الاحتفاظ بشيء يخصك "

​لكن التنشئة والأخلاق اللتين نشأ عليهما لي تشيشو منعتا رغبته في التسلل وسحب صورة واحدة من تلك الكومة 

​" لو أخذتُ واحدة ، أو استبدلتُ صورة فصلكم بإحدى صور الفصل الخامس والعشرين ، لخسر أحد زملائك صورة تخرجه " 
هز لي تشيشو رأسه : " يملك كل شخص نسخة واحدة فقط ، ولا يسعني فعل ذلك "

​وهكذا ، استغل خلو المكتب في ذلك بعد الظهر ليأخذ صورة واحدة من فوق طاولة معلم فصلي بسرعة خاطفة ، 
وركض طوال الدقائق العشر الأخيرة قبل بدء حصة الاستذكار الذاتي نحو مكتب الطباعة تحت المبنى التعليمي ، 
وتحت نظرات صاحب المكتب الغريبة رجاه أن يطبع له نسخة استنساخ ملونة ، بأسوأ ورق طباعة عادي ، 
دون تغليف ، ودون تحميض ، بل مجرد طباعة ملونة فحسب 

​كلفته الطباعة الملونة أضعاف النسخ الأبيض والأسود ، 
وتردد لي تشيشو مراراً وتكراراً في طريقه إلى هناك ، ولأن الصورة احتوت شين باوشان ، قرر إهداء إحدى فرص إنفاق المال النادرة في شبابه لهذا الشخص 

​ورقة استنساخ ملونة رديئة كهذه ، حملت أحلام لي تشيشو الوردية في ليالٍ لا تُحصى وشخصاً بملامح ابتسامة ضبابية ، وظلت محفوظة لديه لـ اثني عشر عاماً كاملة 

​أخذتُ الهاتف وفتحتُ الكاميرا : " لنلتقط واحدة معاً الآن "

​ابتعد لي تشيشو بابتسامة متفادياً الكاميرا : " ليس الآن "

​" لماذا ؟ "

​" أنا مريض ، والتصوير لن يبدو جميلاً "

​" هراء ، " مددتُ يدي لأمسكه : " طفلي يبدو جميلاً كيفما كان "

​رفض لي تشيشو الاقتراب رغم ذلك : " في المرة القادمة يا شين باوشان ، يجب التقاط أول صورة بشكل جيد "

​" حسناً . " رأيتُ عدم موافقته فلم أجد بداً من الاستسلام : " في المرة القادمة …… نلتقطها أثناء رحلتنا الربيعية ، 
ونطلب من جيانغ تشي التقاطها لنا بالكاميرا "

​" حسناً . " حمل لي تشيشو وعاء الأرز مجدداً ، وراح يأكل لقيمة ويترك أخرى ، متطلعاً إلى الأرز في الوعاء ثم فتح فمه فجأة : " بعد التقاطها نطبعها ، ونضعها في منزلنا المستقبلي "

​توقفت حرائك يدي في حمل الوعاء 

​حدثني لي تشيشو عن منزلنا المستقبلي 

​" جيد جداً ، " كتمتُ الأمواج المتلاطمة في صدري ، 
ووضعتُ قطعة دجاج في وعائه بثبات تام ، 
واصطدمت العيدان بحافة وعائه مراراً وتكراراً محدثة رنيناً متواصلاً : " في أي مكان من المنزل نضعها ؟ "

​رفع لي تشيشو عينيه متطلعاً خارج النافذة ممتداً في التفكير : " ممم …… عند رأس السرير ، فوق طاولة جانب السرير ، أو فوق طاولة المكتب 
ما رأيك ؟ "


​" نضعها ، نضعها في كل تلك الأماكن "
 قلتُ : " ونطبع نسخة كبيرة أخرى ونعلقها على الجدار "

​ضحك لي تشيشو مجدداً : " صور الزفاف فقط تُعلق هكذا "

​" إذن نذهب مستقبلاً لالتقاط صور الزفاف "

​" كيف يسعنا نحن الاثنين التقاط صور الزفاف ؟ "

​" كيف لا يسعنا نحن الاثنين التقاطها ؟ هل ترغب في جلب جيانغ تشي معنا أيضاً ؟ "

​بدا لي تشيشو قليلاً من العجز : " ليس هذا …… "

​نظرتُ إلى المسحة الزرقاء الخفيفة المتراكمة تحت عينيه جراء سوء النوم المستمر على مدار السنة ، 
وسألتُه فجأة : " لي تشيشو ، هل ترغب في السكن معي في الفصل الدراسي القادم ؟ " -

​في اليوم الرابع من الشهر القمري الأول باشر مكتب الشؤون الإدارية عمله ، ورافقتُ لي تشيشو للتواصل مع المدرسة وإتمام إجراءات الانسحاب من السكن المدرسي ، 
وقبل بداية الفصل الدراسي بيوم واحد ، حمل أمتعة خفيفة للغاية وحقيبة مدرسية ثقيلة وطرق معي طريق العودة إلى منزلي 

​جاءت موافقة لي تشيشو على الإقامة المؤقتة في منزلي ناتجة بطبيعة الحال عن ملاطفتي وخداعي له ، وشكّل الشرط الأساسي عدم وجود والديّ في المنزل خلال النصف الثاني من السنة لعدم عودتهما من رحلة عمل طويلة خارج البلاد ، فلم يتوجب على لي تشيشو التعامل مع العلاقات الإنسانية التي تسبب له أشد درجات الصداع ، يليه الشدة القارسة في السكن ومنزله ، مع تلف كيس الماء الدافئ الذي استخدمه لي تشيشو لسنوات ، ما جعل النوم مستحيلاً في أيام البرد القارس مع انطلاق الفصل الدراسي 

استنفدتُ كل حججي أمامه للمفاضلة بين الإيجابيات والسلبيات ، 
وفي النهاية أفرزتُ ورقة رابحة كبرى تتمثل في " إمكانية رؤية تودو كل يوم عند السكن في منزلي " ليدع موقفه يلين 

​سرتُ مع لي تشيشو في طريق السيارات عند البوابة الكبرى للمجمع السكني ، وتخلل الدخول طريق جبلي مصمم بطول قصير ، وتراصت أسوار من الصنوبر القديم المنقول يدوياً بجانب الجدار الجبلي 

لم نركب السيارة اليوم ، وهطل المطر للتو ، فغطى الضباب المجمع السكني ، واشتد توتره بوضوح منذ خطوه داخل البوابة الكبرى ، ومال إلى الصمت خافضاً رأسه ، وحملت خطاه دقة كأنه يرفض الدعس خطأً على بلاط الأرض 

​" لي تشيشو ، " ناديتُه : " ماذا ترغب في أكله عند الوصول للمنزل بعد قليل ؟ سأعده لك "

​" ممم …… أي شيء يفي بالغرض " ضم شفتيه ، ورامى بنظرة إلى حقيبته المدرسية المحمولة على كتفي : " هل هي ثقيلة ؟ أعدها إليّ لأحملها "

​" ليست ثقيلة " 
أزحتُ كتفي ، وأمسكتُ بيده الممتدة في قبضتي : " هل تحسنت الزكام لديك ، لقد تقشر جلد أنفك من شدة التمسخ "

​لمس منطقة النثرة المحمرة لديه ، وعاين الخضرة المحيطة لبرهة ، وتبعنا تودو من الخلف يدور حول لي تشيشو ، ما جعله يسترح قليلاً 

​" أثناء امتحان القبول الجامعي الخاص بك ، ألن يعود والدك وأمك ؟ " سأل 

​" لن يعودا " 
ابتسمتُ : " هما يريان الأمر غير ذي أهمية بالغة ، وبذل الجهد يكفي "

​تأتي الضغوط الذاتية في أوقات كثيرة من اهتمام العالم الخارجي 

أدرك والداي هذه الحقيقة مبكراً جداً ، فلم يمارسا الضغط عليّ في الأمور التي يحمل المجتمع لها أهمية كبرى بالغة 

عدم التفوق لا يضر ، وبذل الجهد يكفي 

وأية نتيجة ينتهى إليها الأمر يتقبلانها برحابة صدر 

​وعلى العكس من ذلك ، الأمور التي أولتها أمي اهتماماً بالغاً ، مثل مسابقة رقص الشوارع الأولى التي شاركتُ فيها عفوياً في سن الثامنة ، وأول رحلة سفر بمفردي للخارج لتعلم التزلج ، والفيديو التهنئوي الذي أنجزتُه لها بنفسي في عيد ميلادها بعد تعلم المونتاج ذاتياً في سن الثانية عشرة ، وحصولي على البطولة في مسابقة البيانو ، أو أول مرة مارستُ فيها العزف في الشارع مع أصدقائي في سن العاشرة …… 
هذه اللحظات أنهت فيها عملها أو رحلات عملها مبكراً للقدوم ، ولم تتخلف قط ، وذلك فقط للتقاط صورة تسجل اللحظة لي 

​امتنعت غرفة العزف في المنزل منذ زمن بعيد بالآثار الدالة على تلك الأوقات غير المهمة كثيراً في حياتي لكنها جلبت الفرح عند تذكرها 

​قال لي تشيشو ذات مرة إنني شخص لا يفتقر إلى الحب ، وقال هذه الكلمات في سنة لم يلتقِ فيها بوالديّ قط 

سألتُه كيف أدرك ذلك وهو لم يحتك بأي شخص منحني الحب 

​رد عليّ بسؤال : " هل مررتَ بظروف شعرتَ فيها بتوتر شديد في حياتك ؟ "

​فكرتُ طويلاً : " هل تُحسب المرة الأولى التي مارستُ فيها الجنس معك ؟ خفتُ ألا أؤدي جيداً فلا ترضى 
عدا ذلك لا يبدو وجود شيء آخر "

​وظل لي تشيشو يضحك 

​وبعد انتهاء ضحكه قال : " شين باوشان ، أنت متخفف من التوتر 
فالشخص الذي لا يفتقر قط إلى الشجاعة لارتكاب الأخطاء هو شخص متخفف "

​امتلكتُ في حياتي تكاليف تجربة وخطأ لا تنفد ، وكأن والداي منحاني منذ الصغر الحق في ارتكاب الهفوات —— 
لا بأس ، حتى مع الهفوات أبقى طفلهما المفضل ، 
ونتيجة الهفوة تنال إعجابهما تماماً ، وبعد الهفوة أستمر في نيل الثناء ذاته كما في النجاح 

​غير أن الخير والشر المقدرين للإنسان في حياته يبقيان في حالة توازن دائم ، وحصلتُ في جسدي الممتلئ بالحب على حقوق لا تُحصى لارتكاب الأخطاء ، ولهذا لم يمنحني لي تشيشو الذي يفتقر للحب فرصة خطأ واحدة 

وبمجرد غفلتي عنه مرة واحدة ، خسرتُه إلى الأبد 

​ثم جعلني الله أستعيد الحياة ، لأمشي على أرض من الجليد الرقيق طوال حياتي ، وأتخلى عن كل إهمالي وتخففي لأحرس لي تشيشو ، حتى يرضى بمنحي المغفرة 

الله عادل 

​عجز عقل لي تشيشو عن الاستدارة في المسار الصحيح مجدداً ، 
وصمت لبرهة طويلة قبل أن يسألني : " هل ذلك لأنك …… ستسافر للخارج ؟ "

​" ماذا ؟ "

​تحركت شفتاه ، وكرر كلامه خافضاً عينيه : " هل ذلك لأنك …… ستسافر للخارج للدراسة الجامعية ؟ 
ولهذا لا يوليان أهمية لامتحان القبول الجامعي الخاص بك "

​" ليس الأمر هكذا —— " جمعتُ بين البكاء والضحك : " عما تقلق طوال اليوم ؟ لو أردتُ السفر للخارج ألن أناقش الأمر معك أولاً ؟ 
لن أذهب إلا إلى المكان الذي ترغب في الذهاب إليه 
هما بكل بساطة يريان أن أدائي جيداً أو سيئاً لا يغير من الأمر شيئاً "

​أومأ لي تشيشو رأسه : " هكذا إذن "

​وبعد تجاوز المرأب الداخلي ، صعدتُ مع لي تشيشو إلى الأعلى ، وعند دخوله المصعد لم يستطع الكبح وقال : " منزلك …… يتنقل بالكامل عبر المصعد ؟ "

​" توجد أدراج " قلتُ : " ولكنني فكرتُ في عدم شعورك بالراحة ، 
ولترتاح مبكراً ، نرتفع بالمصعد إلى الطابق الثاني أفضل 
مستقبلاً نثبت مصعداً في منزلنا أيضاً "

​" منزلنا المستقبلي …… " أخذ يعد صعوداً من أزرار المصعد في الطابق الثاني تحت الأرض : " هل سنعيش في منزل من خمسة طوابق أيضاً ؟ "

​توقف لبرهة : " لو أردتَ العيش فيه ، فقد نضطر للشراء متأخرين قليلاً 
يتوجب عليّ ادخار المال لسنوات أكثر …… "

​قرصتُ جسر أنفي ، وأوقفتُ هواجسه بعجز : " المنزل المكون من طابق واحد يسعه احتواء مصعد يدخل الشقة مباشرة يا لي تشيشو "

​بدا في غاية عدم الأريحية

​قرصتُ كتفه : " افهم الأمر تدريجياً ، على أية حال هذا المنزل سنعود إليه في الأعياد والمناسبات طوال العقود القادمة "

​لي تشيشو : " هاه ؟ "

​أزحتُ رأسي وابتسمت خفية ، 
ومراعاة لرقة بشرة وجهه ، لم أستمر في الحديث -

​وبعد بدء الفصل الدراسي ، تعافى زكام لي تشيشو بالكامل ، واقتصر الأمر على الامتداد في الشهر القمري الأول ، أشد الأوقات برودة ، يظلم الليل مبكراً ويشرق النهار متأخراً ، 
وفي كل صباح نخرج فيه بالسيارة أنا ولي تشيشو تبقى مصابيح الشارع مشتعلة ، والشوارع غارقة في ظلمة تامة 

​امتلكتُ عادة الركض الصباحي لسنوات طويلة ، في أيام الإثنين والأربعاء والجمعة ، وحافظتُ عليها حتى سن الثلاثين ، 
يضاف إلى ذلك سوء صحة لي تشيشو في تلك السنوات ، فما إن تظهر حركة خفيفة على السرير حتى أستفيق لمعاينة شعوره بالضيق ، 
ولهذا لم يشكل الاستيقاظ في الخامسة صباحاً أمراً شاقاً عليّ 

​لكن لي تشيشو الحالي لم يستطع التكيف

وفي العطلة وبسبب البرد ، كسل أحياناً في السرير حتى السابعة أو الثامنة ، وتعود على ذلك لأسبوع أو أسبوعين ، ولما جاء فتح المدارس ليعود إلى ساعته البيولوجية الأصلية تحول الأمر إلى مشقة كبرى 

​ولأنني فهمتُ ذائقته ، تحولتُ منذ سكنه معي إلى الاستيقاظ مبكراً والذهاب للمطبخ لإعداد الفطور له ، ليتسنى للعاملة المنزلية النوم لفترة أطول

وفي مرات عدة طهوتُ الشطائر ولم ألمح نزوله ، فصعدتُ لأجد النعاس يثقل عينيه ويعجزه عن فتحهما ، 
ولاحقاً صرتُ أحمل الفطور إلى الغرفة مباشرة لإيقاظه 

​في ذلك الصباح حملتُ الحليب والمعكرونة كالمعتاد وعودتُ إلى الغرفة ، لأشهد منظراً مضحكاً للغاية : استيقظ لي تشيشو ، ولا بد أن المنبه أيقظه 

ساد الظلام الحالك خارج الستائر ، وجلس على السرير ، ولم يزح الغطاء عنه بعد ، وبدى واضحاً أنه ترك الوسادة للتو ، وارتدى معطف الريش بنصفه فقط ، فأدخل أكمامه دون أن يكمل ارتداءه ، ليعلق عند الساعدين كجناحي بطريق —— وجلس لي تشيشو على هذه الحالة وغرق في النوم مجدداً 

​أمال رأسه ، وأخذ جبهته تومئ نحو الأمام ضربة تلو أخرى ، ما ذكرني بما أخبرني به سابقاً عن أيام طفولته في الروضة خلال الشتاء ، 
حيث تدعوه أمه للاستيقاظ فيرتدي ملابسه بنفسه ، وأثناء إعداد أمه للفطور يسرق النوم على السرير في تلك الفجوة الزمنية 

​" جاءت الملابس ثقيلة وسميكة ، وكنتُ في الثالثة من عمري حينها ، فلم أستطع ثني يدي عند ارتدائها ، لتستقرا فوق الغطاء كبطريق " قال 

​وعندما تنهي أمه إعداد الفطور وتعود ، تحمله من تحت إبطيه إلى أحضانها ، وتحمله نحو طاولة الطعام لتأكل وهي تهدئ طفلها ليستفيق 

​وضعتُ الحليب والوعاء على الطاولة ، وجلستُ عند جانب السرير ، ومررتُ ذراعي عبر ذراعي لي تشيشو لأضمه 

​استند رأسه إلى كتفي ، وتربتُ على ظهره هامساً : " طفلي …… حان وقت الاستيقاظ "

​أصدر غمغمة ضبابية 

​أملتُ أذني نحوه ، واستمرت يدي في التربيت الخفيف : " ماذا يقول طفلي ؟ "

​استند لي تشيشو عليّ بين النوم واليقظة : " …… أمي "

​توقفت حركة يدي ، واستعاد لي تشيشو وعيه في هذه اللحظة ، 
وتصلب جسده قليلاً ، وسعل خفية في أحضاني ، ثم انسحب ببطء نحو الخارج 

​فرك عينيه ، ونظر خارج النافذة ، وتمتم لنفسه بنبرة تغطية : " هل سنتأخر ؟ "

​" ما زال الوقت مبكراً " خفضتُ رأسي وابتسمت خفية ، 
وساعدته في إكمال ارتداء ملابسه : " استيقظ واغسل وجهك لتأكل ، ثم نذهب إلى المدرسة " -

​وأثناء ذهاب لي تشيشو إلى دورة المياه ، طويتُ له الغطاء بيدي ، ورفعتُ الوسادة دون قصد ، لأجد مذكرات ترقد بهدوء تحت الوسادة 

لم تختلف هذه المذكرات عن بقية دفاتر لي تشيشو ، وبدا واضحاً تقليبها المتكرر ، لكنها ظلت نظيفة ومنظمة للغاية ، 
واقتصر الأمر على التجوعد الشديد في أطرافها 

​ظننتُ في البدء أنها دفتر ملاحظات مهم للأخطاء أو مذكرات لمادة معينة ، وقصدتُ تصفحها لمعرفة المادة لتسهيل إعادة وضعها في حقيبته —— 
فجميع أغراض لي تشيشو تميزت بالتنظيم الدائم ، وأوراق الاختبارات والمذكرات لكل مادة وُضعت في ملف خاص بها ، ثم تُعاد مع بقية المواد إلى الحقيبة المدرسية 

​لكنني بمجرد تقليب صفحات قليلة أدركتُ غرابتها 

​لم تكن دفتر ملاحظات ، بل دفتر مذكراته 

​لم يكن الدفتر سميكاً جداً ، ولكن من تاريخ بدء التدوين تبين استخدام لي تشيشو له لـ أربع أو خمس سنوات 

​والسبب اقتصر على ضآلة محتوى مذكراته الشديدة —— 
التاريخ والطقس في سطر ، وحياة اليوم بأكمله تُختصر في كلمات معدودة في سطر واحد 

ورقة بواقع وجهين مثلت مصغراً لحياته طوال نصف شهر : الأكل ، حل المسائل ، وكم أنفق من المال اليوم 

​سطر واحد فيه كلمات معدودة ، لم يمثل يومه ، بل كان سنواته الخمس عشرة التي رأيته فيها يسير فريداً وكئيباً 

​وحتى يوم معين قبل سنتين ، ظهر شين باوشان في مذكراته ، وحينها تحول السطر الواحد أحياناً إلى سطرين أو ثلاثة ، واقتصرت في جملتها على تسجيل لي تشيشو البسيط للقاءاتي العابرة معه ، وما ارتديته حينها ، مضافاً إليها تقديراته القصيرة لوجهتي ونشاطي أثناء الكتابة : قد يكون شين باوشان ذهب للعب كرة السلة ، قد يكون شين باوشان ذهب لتناول الطعام ، يبدو أن شين باوشان ألقى نظرة نحوي ، من المرجح أن شين باوشان لا يعرفني 

​جاءت كلماته كثمار المرة العارية من الرائحة ، وحتى في هذا العالم الأشد خصوصية لديه لم يخلط أية مشاعر ، 
واقتصر على التسجيل المجرد ، تسجيل حياته التي نفاها الصمت والصغر إلى مكان لا يرى النور 

​" كاذب …… " قلبتُ نحو الخلف ، ووصلتُ أخيرًا إلى الصفحة التي تؤرخ لقائي به مجدداً عبر حياتين قبل خمسة أشهر ، 
وازدادت الكلمات تحت التاريخ فجأة لتصبح مساحات الممتدة ، وتغششت رؤية عينيّ تدريجياً : " لي تشيشو ، أنت كاذب …… "

​في سنوات إقامتنا معاً سألته إن امتلك عادة كتابة المذكرات ، وكنا حينها نجلس في المنزل نشاهد خبراً سينمائياً ، حيث أصيبت البطلة بمرض يفقدها الذاكرة في كل صباح تستفيق فيه ، ولما غطى الشيب جانبي رأسها ، 
أتى حبيبها العجوز كل يوم حاملاً دفتر مذكرات ليروي لها بصوت صديق حياتهما العاشقة 

​وعندما أنهى لي تشيشو مشاهدة الفيلم قال لي : " لو أصبتُ بهذا المرض لكان أمراً رائعاً 
يسعني نسيان كل شيء ، وأحتاج منك فقط رواية قصتك ، لتصبح ذكرياتي اليومية محصورة فيك فقط . وأظنني سأغدو أكثر فرحاً بكثير "

​قلتُ : " حسناً ، مستقبلاً لو مرضتَ ، سأحمل الدفتر كل صباح لأتودد إليك "

​وسألته : " لي تشيشو ، هل امتلكتَ سابقاً عادة كتابة المذكرات ؟ "

​قال لي تشيشو : " لا "

​سألتُ : " لماذا ؟ "

​" لا يوجد شيء يستحق الكتابة "

​كان يستاء في تلك الفترة من عدم فاعلية دواء ألپرازم الدواء الذي صرفته المستشفى له ، 
فيأكله في الثانية عشرة ولا يأتيه النوم حتى الثالثة ، واستبدله لاحقاً بمنوم قوي 

وأكل لي تشيشو نصف حبة أثناء مشاهدة الفيلم ، وأخذ يغلبه النعاس أثناء حديثه معي : " كانت أيامي السابقة تتكرر بالكامل ، ولو أردتُ كتابة مذكرات ، لكتبتُ يوماً واحداً وللخصتُ محتوى عشر سنوات 
الكتابة اليومية حينها لا تسمى كتابة مذكرات ، بل تسمى عقوبة نسخ "

​أضحكني كلامه ، ومال لي تشيشو برأسه مستنداً إلى أحضاني وأغلق عينيه 

​تطلعتُ بعينيّ إلى وجهه الخالي من الدم ، وسألتُه برغبة مفاجئة : " لو استطعتَ العودة إلى ما قبل عشر سنوات ، ماذا ستفعل ؟ "

​صمت لي تشيشو لفترة طويلة ، وظننتُه غرق في النوم 

​ثم تحركت رموشه مجدداً وقال : " أذهب أولاً للبحث عن لي تشيشو في سن الثامنة عشرة ، وأطلب منه الذهاب فوراً للبحث عن شين باوشان ، وأقول له لا تخف ، فشين باوشان سهل التقرب منه للغاية "

​" وماذا بعد ذلك ؟ " سألتُ 

​ومرت فترة طويلة أخرى 

​" وبعد ذلك …… " جاء صوت لي تشيشو أقرب إلى الهمس في المنام : " أعتذر منه . أنا آسف يا لي تشيشو في الثامنة عشرة …… 
لأنه بذل كل هذا الجهد ليعيش " -

​وعندما خرج لي تشيشو من دورة المياه ، كنتُ قد أعادتُ دفتر المذكرات إلى موضعه الأصلي للتو ، 
وجلس معي ليأكل الفطور لبرهة ، ثم رفع عينيه فجأة ليتأملني طويلاً 

​" ماذا هناك ؟ " سألتُ بمظهر من لا يعلم شيئاً 

​أخذ لقيمة من المعكرونة وأعادها إلى الوعاء : " عينك …… لماذا تبدو محمرة قليلاً ؟ "

​سمعتُ ذلك ففركتُ طرف عيني : " هل ما زالت محمرة ؟ 
سقطت رمش فيها للتو ، وآذتني كثيراً "

​اقترب لي تشيشو : " هل أخرجتها ؟ هل ما زالت تؤذيك الآن ؟ "

​" تحدثتَ عنها فدب الألم مجدداً " سحبتُ منديلين ووضعتهما عند طرف عيني ، وتنفستُ الصعداء وحثثته : " أسرع في أكل المعكرونة "

​وإلى حين دخول المصعد ظل لي تشيشو يمد رأسه ليعاين عينيّ ، 
فغيرتُ الموضوع وأشرتُ إلى شاشة المؤشر : " توجد خمس ثوانٍ للوصول إلى الأسفل ، إن كنتَ ما زلتَ ناعساً يسعك ضمي والنوم لثلاث ثوانٍ أخرى "

​" والثانيتان المتبقيتان ؟ " سأل لي تشيشو 

​" الثانيتان المتبقيتان لتستغلهما في تقبيلي "

​وبعد قولي ذلك انحنيتُ بسرعة وقبلته لقيمة ، 
وعندما ابتعدتُ عن لي تشيشو انفتح باب المصعد تماماً 

​سحبتُه وخرجنا : " أرأيت ، ألم تكن المدة مناسبة تماماً " -

​مر وقت السنة الثالثة من الثانوية بسرعة ، وحل الربيع سريعاً ، 
وكره لي تشيشو الطقس البارد دائماً ، ومع تخفيف ملابسه قطعة تلو أخرى ظهرت خفته بوضوح 

​وبعد الرحلة الربيعية أقيم اجتماع القسم المئة يوم ، وطبعتُ صورتنا معاً مسبقاً ووضعناها عند رأس السرير ، 
واحدة تجمعنا مع تودو كـ عائلة من ثلاثة أفراد ، وواحدة لي وله بمفردنا ، وأخرى التُقطت لحظة تقبيلي له ، 
ورفض لي تشيشو بشدة طباعتها ، فلم نجد بداً من تركها مؤقتاً في هاتفي المحمول 

​وبدأت العاملة يومياً في الذهاب للشارع أو قطف أحدث الزهور المتفتحة في حديقة المنزل لترتيبها في المزهريات في مختلف أرجاء المنزل ، وانتظرتُ اشتداد الحرارة لأرجوها أن تزرع لي بعض زهور الياسمين الهندي في الحديقة هذا العام 

​وفي يوم التخرج خرج لي تشيشو من قاعة الامتحان ، 
وانتظرني خارج المبنى التعليمي لمدة عشر دقائق 

​سطعت الشمس الحارقة ، واستمر الصيف المشرق ، وركضتُ بسرعة نحو بوابة المدرسة لأخذ حزمة كبيرة من زهور الياسمين الهندي التي خباتها صباحاً في المقعد الخلفي للدراجة الهائية ، 
وركضتُ عكس اتجاه الحشد ، وعبرتُ الصخب حتى عثرتُ على لي تشيشو الواقف تحت ظلال الأشجار 

​حملتُ الحقيبة ذات الحزام المائل التي يحبها على ظهري ، وقدمتُ الزهور من خلفي إلى أمام عينيه ، وتساقطت قطرات ندى من التويجات على ياقته 

​قلتُ : " لي تشيشو ، حل الصيف ، فلنبدأ قصة حب ملتهبة مع شين باوشان "

​وبعد سنوات طوال ذهب لي تشيشو معي إلى نيوزيلندا في عطلة ، 
وفي يوم مطر منعش جلس أمام النافذة الممتدة حتى الأرض يقرأ كتاباً ، وحينها طرحتُ السؤال الذي ظل في قلبي لسنوات : " لي تشيشو ؟ "

​" ممم ؟ " استقر بصره في الكتاب ، وأجابني برنين خفيف من أنفه 

​تحركتُ ببطء إلى جانبه ، ومواحهاً المطر الخفيف في المساء سألتُ : " هل كتبتَ مذكرات من قبل ؟ "

​قال لي تشيشو : " نعم . أكتبها باستمرار "

​ورفع رأسه بعد القول ، ونظر إليّ لسانيتين : " هل ترغب في قراءتها ؟ "

​" هل ترغب في إظهارها لي ؟ "

​" ممم …… " أطال لي تشيشو التفكير : " دفتر مذكراتي ممل للغاية ، هل أنت متأكد من رغبتك في قراءته ؟ "

​جلستُ بجانبه فوق التاتامي : " إذن احكِ لي الممتع منها 
اختر الأشياء الممتعة واحكِها لي "

​" الأشياء الممتعة ؟ "

​أغلق الكتاب ، وفكر مراراً وتكراراً : " الشيء الأشد إمتاعاً ، وقع في صباح من أيام السنة الثالثة في الثانوية ، 
حين وقفتُ بجانب طاولة تنس الطاولة أحفظ الكلمات ، وألقيتَ فجأة كرة سلة عند قدمي ، وقلتَ لي : ' مرحباً يا لي تشيشو '
أرى أن هذا اليوم هو الأشد إمتاعاً في حياتي "

​ولما ذكر ذلك تطلع إليّ : " شين باوشان ، لماذا جئتَ للبحث عني فجأة في ذلك اليوم ؟ "

​لماذا ؟ كيف أروي لـ لي تشيشو نهايتنا تلك التي تبادلنا فيها الحب لسنوات ثم حال الموت بيننا ؟ 
كيف أروي له العجز الذي تملكني وأنا أراه يهوي رغم بذلي كل جهدي مراراً وتكراراً ؟

​" اقتصر الأمر على رؤيتي لحلم قبل الحصة " 
قلتُ : " وأظن أن أمك أرسلت لي هذا الحلم "

​وحتى انتهاء حياتي ، لم أستطع التمييز بين أي من الحياتين كانت هي الحلم

لو كان كل شيء اليوم حلمًا ، فهو حلم جميل للغاية ، لم أستفق منه حتى موتي بعد مئة عام 

​ولكنني فضلتُ التصديق بأن الحياة التي كبرتُ فيها حتى الثلاثين كانت أشبه بحلم ، حلم حمل توجيهات وتوصيات أم لي تشيشو الراحلة في السماء ، لتمنحني التنوير المباشر لأستعيد أمانتي الضائعة مبكراً

لم تحتمل رؤية طفلها يعاني ، فاختارتني لأحل محلها في حمايته 

​" أمي ؟ " سأل لي تشيشو : " هل حلمتَ بأمي ؟ "

​" لا "

​نظرتُ إلى عينيه ، وفي حدقتيه السوداوين ظهر انعكاسي ، 
انعكاسي الذي لم يتغير لـ عشر سنوات .

​قلتُ : " حلمتُ …… بحياتي معك " -




​الثامن من يونيو ، مشمس

​تخرجتُ 

​أهدتني لو كو حزمة من زهور الياسمين الهندي الطازجة ، 
ورغم إهدائها لكل طلاب الفصل ، إلا أنها المرة الأولى التي أتلقى فيها زهوراً

جاءت رائحة الياسمين الهندي زكية للغاية 

شكراً لـ لو كو ، أحببتُها كثيراً ، وسأظل أحبها 

​شين باوشان ، هل انقطعت فرصة لقائي بك إلى الأبد 




​الثامن من يونيو ، مشمس 

​بدأ الصيف ، وارتبطتُ رسمياً بـ شين باوشان -


​النص الأصلي مكتمل 

​بالحب الذاتي يستمر المرء دون انقطاع ، وأتمنى أن يصبح كل شخص شين باوشان الخاص بنفسه 
  • فيس بوك
  • بنترست
  • تويتر
  • واتس اب
  • لينكد ان
  • بريد
author-img
Fojo team

عدد المقالات:

شاهد ايضا × +
إظهار التعليقات
  • تعليق عادي
  • تعليق متطور
  • عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق

X
ستحذف المقالات المحفوظة في المفضلة ، إذا تم تنظيف ذاكرة التخزين المؤقت للمتصفح أو إذا دخلت من متصفح آخر أو في وضع التصفح المتخفي