Ch27 owng
لم أعد أذكر هذا الأمر مجدداً بعد ذلك بوفيرة من الوقت ، فـ لي تشيشو يملك أرضاً خاصة لأفكاره
تتبقى ثلاثة أيام على بدء الدراسة ، وفكرتُ في عدم توجيه دعوة إلى جيانغ تشي منذ بداية العام الجديد ،
فاتصلتُ به لأتفق معه على الذهاب بعد ظهر اليوم إلى المقاهي المفتوحة التي اعتدنا التردد عليها في الماضي ، وأحجز المكان كاملاً بالمرة لنلهو بالشواء
عندما حدثتُ لي تشيشو بشأن هذا الأمر ، لم أضع في حسابي إمكانية موافقته على الذهاب معي ،
فـ لي تشيشو شخص يتجنب التواصل الاجتماعي ما لم تدعُ الضرورة القصوى إلى ذلك ، فضلاً عن إخراج قدميه خارج اللحاف طوال الليلة الماضية دون أن أنتبه ،
ليدخل في نوبة سُعال وعطاس بمجرد استيقاظه صباح اليوم ، مما يجعله أكثر زهداً في الخروج
غير أنني تظاهرتُ بذكر الأمر عفوياً عقب انتهائنا من تناول الطعام : " أستذهب ؟ المكان محجوز بالكامل للوفد الذاتي ، ودون حد أقصى للعدد ، فقط أنا و جيانغ تشي "
أمسك لي تشيشو بيد وعاء الفواكه المجهزة من قبلي ،
وباليد الأخرى دواء الزكام المبشور من قبلي ، وقد امتلأ فمه بالكامل بالفواكه ، ودارت حدقتا عينيه وقال : " حسناً "
توقفتُ عن جمع الأطباق ، وتبادلتُ النظر معه ، لأجد في عينيه هدوءاً طبيعياً ينطق بالخلو التام من أي رفض
" إذن …… " أملتُ رأسي نحوه : " تشرب الدواء وتنام قليلاً ، ثم ننطلق في الخامسة بعد الظهيرة ؟ " -
أبدى الطقس اليوم تفهماً لطيفاً ، إذ أظلمت السماء طوال اليوم ،
وعند اقتراب بعد الظهيرة ، أطلت أشعة الشمس من جديد
حمل لي تشيشو دفتر القوانين الرياضية على جسده قبل الخروج ، ليسهل عليه القراءة أثناء استقلال السيارة ،
غير أنه عجز عن مقاومة أعراض المرض فور ركوبه ، فضم تودو ونام حتى وصلنا إلى الوجهة
وعند الوصول ، نصب جيانغ تشي منصة الشواء منذ وقت مبكر ، واحتوت المنصة على صفوف من أسياخ اللحوم المشوية بعشوائية
" وصلتما أخيراً ، " ارتدى جيانغ تشي نظارة شمسية غير ضرورية تحت المظلة الصيفية التي غابت عنها أشعة الشمس تقريباً : " طلبتُ بعض الحلوى من مطعم غانغ جي ، وسيصل بها المندوب بعد قليل لتناولها مع الشواء "
أطلقتُ كلمة " حسناً " ، وأخذتُ لي تشيشو لنجلس على الكراسي الممتدة فوق العشب الاصطناعي ، وبعد ترتيب أموره توجهتُ لأساعد جيانغ تشي
رمق جيانغ تشي لي تشيشو ، واقترب مني ليهمَس في أذني : " أتقيم معه طوال هذه الأيام ؟ "
نشطتُ في دهن التوابل على الشواء : " كيف عرفتَ ؟ "
" كيف عرفتُ ! " رمقني جيانغ تشي بنظرة حادة : " في منتصف ليلة رأس السنة ، أجرت والدتك مكالمة هاتفية إلى هاتفي بعد الانتهاء من لعب المحجونغ ، وتسألني كيف عرفتُ ! "
قلتُ : " ألم تفضح الأمر ؟ "
" وهل يمكن حدوث ذلك ! "
بدا جيانغ تشي فخوراً للغاية : " ألم تغدو أيامك شاقة أمام والدتك بعد حادثة كسر الزجاج ؟ أنا لا أخذل صاحبي في اللحظات الحرة "
أشرتُ بإبهامي مجيباً : " يا لك من أخ صالح "
ضحك جيانغ تشي بقهقهة خفيفة ،
وغمز بعينيه نحو جهة لي تشيشو : " هل تسعني إعارة تودو الخاص بعائلتك لألمسه يوماً ما ؟ "
" عليك بسؤال لي تشيشو إذن ، " ابتسمتُ وأنا أضع الأسياخ : " ألا تدرك لمن يستجيب تودو ؟
يتوجب عليك اختيار الموقع الصحيح للتملق "
سبّ جيانغ تشي وهمّ بركلي ، فتنحيتُ جانباً ، وخلعتُ القفازات البلاستيكية لأخرج شيئاً من الحقيبة ،
وقلتُ بجدية مفاجئة : " كف عن العبث ، لأريك شيئاً ذا شأن "
" ما هذا ، " مد هذا الشخص عنقه واقترب بمجرد أن سمع الكلام : " أرني أرني "
نقرتُ على شاشة الهاتف ، ورفعتُ السطوع إلى أقصى حد ، ومسحتُ كل التطبيقات عن الواجهة ، لأعرض خلفية الشاشة الكاملة بأقصى درجة : " كنز صغيِري ، ألم تره من قبل ؟
أتم الثامنة عشرة قبل يومين فقط "
" …… "
" الصورة من التقاطي "
" …… "
" ألقتُت بشكل جيد ؟ "
أدرتُ رأسي لألقي نظرة على لي تشيشو ، ثم عدتُ لأمسك الهاتف بعيداً قليلاً وأعاينه بدقة ، وأجبتُ نفسي : " تؤ ، تضاهي الجمال الحقيقي تماماً "
" …… "
بدت لي سماع صوت طحن أضراس جيانغ تشي الخلفية
شبابٌ دائم ، وبراءةٌ ناصعةٌ ونظيفةٌ للغاية
وقبل ثانية واحدة من اشتعال غضبه ، ركضتُ بخفة وخفة إلى جوار لي تشيشو ، وأمسكتُ بكأس شاي الليمون الموضوع على الطاولة لأرشف منه رشفة ، واكتشفتُ أن نظرات لي تشيشو ظلت مثبتة في النواحي اليمنى الأمامية غير البعيدة ، فتابعتُ نظره وسألته : " فيمَ تحدق ؟ "
وخلال الحديث حصرتُ الشيء الذي يرمقه ، وتبين أنه جدار تسلق صغير خاص بمنطقة الألعاب في المقهى ، بارتفاع يناهز طابقين أو ثلاثة طوابق ،
وارتدى بعض الأطفال والفتية ملابس التسلق والحبال الحامية وراحوا يلعبون في الأعلى ،
بينما تحلق حولهم أهاليهم في الأسفل لرفع معنوياتهم وتشجيعهم
سألتُه : " أترغب في اللعب ؟ "
" ممم …… لا " نفى لي تشيشو الأمر ، غير أن بصره بقي عالقاً عند جدار التسلق ، وطرف بعينيه ببطء مرتين ،
ثم سحب نظراته ، وخفض رأسه ليعود إلى قراءة دفتر القوانين على الطاولة
يرغب في الذهاب قليلاً على الأغلب ، لكنه يخشى ذلك
وعندما يتنازعه الشوق والخوف ، يفضل ترك المشاعر السلبية تسيطر على الموقف ، ليرفض تجربة الأشياء الجديدة
مددتُ يدي لأغلق دفتره ، وأمسكتُ بمعصمه لأرفعه : " إن أردت الذهاب فلنجرب ، سأرافقك "
بمجرد أن أخذتُ لي تشيشو بعيداً عن مقعده لم يبدِ أي امتناع ،
وبعد أن ألقيتُ التحية على جيانغ تشي ، توجهتُ إلى الموقع لأبحث عن الموظف وأشتري التذاكر
بقيت مسارات التسلق شاغرة لموقع واحد ، فجعلتُ لي تشيشو يذهب لتبديل ملابسه أولاً ،
وبعد أخذ الموافقة من الموظف ارتديتُ الحبال الحامية لأجرب بنفسي ، وصعدتُ بارتفاع طابق واحد تقريباً ،
ولما تأكدتُ من أمان الحبال هبطتُ مجدداً ،
وكان لي تشيشو قد انتهى من تبديل ملابسه وخرج للتو
ساعدتُه في ارتداء المعدات ، ورافقته إلى أسفل جدار التسلق
بدا لي تشيشو متوتراً بعض الشيء ، وأمسك بسلم التسلق دون أن يرفع قدمه ، والتفت للبحث عني بين الجمع مراراً وتكراراً
تقدمتُ لأمسك بذراعه ، وركزتُ نظري على أول درجة من سلم التسلق تحت قدمه ، وقلتُ بصوت خفيض : " أقدم على الخطوة "
عندها فقط رفع لي تشيشو قدمه
" جيد ، اضغط بقدمك اليمنى هذه المرة " وبعد أن صعد درجة غيرتُ إمساكي إلى خصره : " نعم ، التالية ، اضغط عليها "
حتى أمسكتُ بكاحله لأوصله إلى أقصى ارتفاع تصل إليه قدرتي ، ليخرج لي تشيشو من نطاق حمايتي ،
ويعلق في منتصف الهواء بارتفاع قامتي ، وتردد في التحرك ، واشتد تعاقب نهوض وهبوط ظهره
ظل يرفع عنقه ، ويقبض بكلتا يديه على سلم التسلق بشدة ،
ولعله لا يريد أن يظهر لي تراجعه ، فلم يلتفت للخلف طوال الوقت
وفي النهاية خفض رأسه خفية ليبحث عني
وقفتُ في مكاني : " لا تخف ! لي تشيشو ، أنا في الأسفل "
بدا وكأنه تلقى بعض الطمأنينة ، وأخرج زفيراً طويلاً ، وضغط على أسنانه ليخطو أول خطوة خالية من مساعدتي
في الواقع ، لم يكن في حياته السابقة يخوض تجربة هذه الألعاب على الإطلاق ، فـ لي تشيشو يعاني من الخوف من الارتفاعات ،
وأظن أن السبب يعود في جذوره إلى ليلة رأس السنة حين كان في الثامنة عشرة من عمره ، عندما سقط في الممر المظلم وتعرقل ليفقد وعيه نصف ليلة بمفرده
ولأنه يعلم تمام العلم مدى فهمي له ، اختار في النهاية طريقة للانتحار لم تخطر لي على بال تحت تدابير الحماية المكررة التي وضعتها له
كيف لي أن أتوقع أن الشخص الذي يخشى الارتفاعات طوال حياته ، يتجرأ على القفز من السطح العالي من أجل الحصول على الخلاص
وفي اللحظة التي سبقت السقوط ، هل كان يتحدث لنفسه خفية بتلك العبارة المتأخرة لسنوات طوال : " لا تخف "
عندما بقي لـ لي تشيشو نحو ثلث المسافة ، عجز عن الحركة مجدداً ،
وحتى النظر إليّ في الأسفل تطلب منه شجاعة بالغة
أخرجتُ الهاتف ووجهتُه نحوه وأنا أصيح ، كبقية الأهالي المحيطين الذين يرفعون رؤوسهم لتشجيع أطفالهم : " لي تشيشو ! اتبع خطوتين إضافيتين ! لا بأس في الأمر ! "
قلتُ : " أنا أستقبلك في الأسفل !
حتى لو سقطتَ سأجمع أجزاءك قطعة قطعة لأعيد تركيبك ! "
سمع لي تشيشو كلماتي على الأرجح ، فابتسم مرتين ، واستقرت روحه ،
واستعاد القوة ليواصل التسلق نحو الأعلى
وفي اللحظة التي وقف فيها بسبات عند أعلى نقطة ، صرختُ نحوه : " يا صغيِري —— "
أدار لي تشيشو رأسه لينظر للأسفل ، ولما وجدني أوجّه عدسة الهاتف نحوه ابتسم بقلة حيلة
كانت هذه الصورة الثانية التي التقطتُها له
وعندما أنزلتُ الهاتف ، بدأ لي تشيشو يتراجع للأسفل ببطء
" انزل بتمهل . " بسطتُ ذراعي لأتخذ وضعية الحماية له ، رغم أن لي تشيشو كان يفصله عن الأرض ارتفاع قامتين
هبط إلى الأرض وهو معلق بالحبال ، وبعد فك المعدات انتظر ليرى الصورة التي التقطتُها له
" انظر . " أعطيتُه الهاتف ليعاينها
تنفس لي تشيشو بصعوبة ونظر بجدية لبرهة ، ثم ابتسم : " الشعر مبعثر للغاية "
" هذه هي أدلة شجاعتك " ألبستُه معطفه وأمسكتُ بكتفه لنعود أدراجنا : " هيا بنا ، لنأكل الطعام "
عقب تلك الفورة المتقطعة من الطاقة لدى لي تشيشو ، عادت حيويته لتهبط أثناء تناول الطعام
كان الشواء زهماً للغاية ، فلم يأكل سوى لقيمات قليلة ، غير أنه أبدى اهتماماً كبيراً بوعاء الحلوى الذي طلبه جيانغ تشي لأجله
لمحتُ بالصدفة المكونات المودعة في قاع الوعاء ،
فأخذتُه لأعاينه ، وتبين أن تحت المانجو والأرز الدبق يوجد طين كثيف من الثلج المجروش عدا حليب الكوكوت
وفي هذا البرد القارس ، لو كنا في ظرف عادي لربما سمحتُ لـ لي تشيشو بأكل بضع لقيمات لسد الشغف ، غير أنه تعرق للتو ، وجلس في الهواء الطلق ، ويخوض اليوم الأول من المرض ، فلم أطمئن للأمر ،
وأخذتُ الملعقة لأستخرج كل الثلج المجروش من قاع الوعاء
حدد لي تشيشو نظرته ونظر إلى حركاتي برغبة واضحة
" أعلم أن أكل بعض الثلج أثناء المرض يريح الحلق ، لكن هذا لا يصح " قطعتُ أفكاره ، ولمستُ الوعاء ،
وشعرتُ أن حليب الكوكوت لا يزال بارداً جداً رغم إزالة الثلج ، فقمتُ متوجهاً نحو منصة الخدمة : " انتظرني قليلاً "
الحلوى طلبها جيانغ تشي عبر خدمة التوصيل الخارجي ،
ولا يمكن إعادتها في المقهى ، فطلبتُ من العاملة إعطائي حوضاً من الماء الساخن
ولأنني خشيت أن يجلب الوعاء الشغف لـ لي تشيشو إن أعدتُه معي ،
وضعتُ وعاء الحلوى في حوض الماء الساخن وجلستُ أمام النافذة الزجاجية الممتدة من الأرض إلى السقف في الداخل ، معتزماً العودة عقب تدفئتها
ولم أكن أتوقع أن يطل لي تشيشو برأسه من الباب الزجاجي السحاب خلفي قبل مرور خمس دقائق : " شين باوشان ؟ "
بمجرد أن سمعتُ الصوت ، التفتُ ورأيتُه ، فأشرتُ بيدي ليقترب
ركض لي تشيشو وجلس أمامي : " ماذا تصنع ؟ "
أسندتُ وجهي بكلتا يدي ،
وراقبتُ بملل وعاء الحلوى الطافي في حوض الماء : " أدقئه لأجلك "
بدت هذه التصرفات وكأنها أورثت لي تشيشو شيئاً من الندم ،
فتحدث إليّ معقباً : " في الواقع ، عندما مرضتُ في الشتاء سابقاً ، وعطشتُ في منتصف الليل ولم يتوفر وقت لغلي الماء ، شربتُ الماء البارد مراراً "
أشار إلى الوعاء خصيصاً ليضيف : " كان أبرد من هذا بكثير "
رفعتُ عينيّ لأرمقه
" لا أقصد ذلك . " ارتبك لي تشيشو أكثر : " أقصد …… هذا الوعاء لا يحتاج للتدفئة ، فلن يؤثر كثيراً "
" التأثير ليس كبيراً ، لكنه موجود " أرحتُ ذراعي المتصالبين على الطاولة ، وتحدثتُ بصوت خفيض : " طالما يسعنا تدفئته ببطء لتتناول شيئاً دافئاً ، فلماذا تقبل بالتدبير الصوري ؟
في الماضي كنتَ بمفردك وكان الأمر غير متاح ، أما الآن فيسُعك استخدام شين باوشان للقيام بذلك "
أبدى لي تشيشو عدم تقبله لهذا القول بوضوح : " أي استخدام هذا …… "
" أمزح معك " ابتسمتُ ، ووضعتُ يدي على حافة الحوض ، وكان الماء لا يزال حاراً جداً ، ويبدو أن الحلوى لم تتدفأ بعد ، فرسختُ ذراعي لأسند ذقني ، وتحدثتُ مع لي تشيشو ببطء : " يا لي تشيشو ، لا تجعل اعتياك البقاء بمفردك يدفعك للاستعجال في كل شيء ، لتقبل بأي وضع في غير الأمور المصيرية —— تتناول الطعام كل يوم ، فتستخف بهذه الوجبة ولا بأس بذلك ؛ تكثر الأعمال ، فتسهر الليلة لتعوض ذلك في المرة القادمة ؛ على أية حال أنت مريض ، ولن تشفى بمنع لقيمات من الثلج ، فتسرف في الأمر ——
ليس الأمر هكذا يا لي تشيشو
الجسد يملك ذاكرة ، وتلك الأمور التي تستخف بها تبدو صغيرة ، غير أن قدرة المرء على حب نفسه تسيل وتضيع غالباً من هذه التفاصيل الصغيرة المهملة
ومع مرور الوقت ، تصبح عاجزاً عن معرفة كيفية حب نفسك "
" وبالطبع ، " أضفتُ مجدداً : " بعض الناس أطباعهم مغفلة ،
ولا بأس إن عجزوا عن حب أنفسهم ، فسوف يأتي من يحبهم "
صمت لي تشيشو ، ولم أعلم إن كان قد فهم كلامي أم لا ، ففكرتُ لبرهة ، ورحتُ أحدثه عن الماضي بتمهل : " في الماضي ، كان لدي صديق ، ممم ……
يكبرني بضع سنوات
وكان حبيب ذاك الصديق يمرض دوماً ، بل أستطيع القول إنه استمر مريضاً طوال الوقت ——
مرض من كل النواحي ، ولم يحسن رعاية نفسه قط
وبمجرد أن يغفل صديقي قليلاً ، يجعل ذاك الحبيب حياته حطاماً متكاملاً
وفي إحدى المرات ذهب صديقي في رحلة عمل ، وأعد في الثلاجة أطعمة تكفي ليومين أو ثلاثة أيام ، وكان يكفي حليله أن يطهو طعاماً خفيفاً في المنزل ليحوز وجبات جيدة ، لكن عندما عاد صديقي ، اكتشف أن محتويات الثلاجة لم يلمس منها سوى قليل من السلطة ——
كان ذاك الشخص يستخف بالوجبات الثلاث ، ولا يذهب إلى الثلاجة ليأخذ لقيمات إلا عندما يتذكر الأمر "
قال لي تشيشو : " هذا أمر غير جيد
حتى إن كسل عن الطهي بنفسه ، يسعه الأكل في الخارج ،
ولن يصل الأمر إلى الطور الذي يتضور فيه جوعاً "
هززتُ رأسي : " ليس الأمر كسلاً ، فحبيبه كان مريضاً فحسب ،
مريضاً لدرجة تمنعه من امتلاك الطاقة لإدارة حياته بأسلوب جيد ، ولو أمكنه لما رغب في أن غدو أموره هكذا "
لم يعقب لي تشيشو ، فواصلتُ الحديث : " صديقي كان يدرك ذلك أيضاً ، غير أن تكرار حبيبه لهذه الأفعال مرات عديدة يوصل صبْر المرء إلى حده ،
فغضب في تلك المرة ، وانفجر في وجه حبيبه بغضب عارم ، وتشارعا بشدة ، حتى إنه أطلق كلمات قاسية وقال —— "
قلتُ متصنعاً النبرة الشرسة التي اعتمدتُها في تلك السنة : " في القادم من الأيام ، حتى لو بقيتَ ثلاثة أيام دون طعام ،
ومِتّ جوعاً ، فلن أتكلف عناء النظر إليك ! "
" وماذا حدث بعد ذلك ؟ " سأل لي تشيشو
" بعد ذلك ، " ابتسمتُ : " بعد ذلك شمر عن أكمامه وركض إلى المطبخ ليعُدّ وعاء معكرونة ساخناً يفيض باللحم ، وقدمه بين يدي حبيبه ، ودق به فوق الطاولة بقوة وقال : ' كُل أو لا تأكل ! ' "
ضحك لي تشيشو فجأة ، وعقب الضحك قال : " يبدو الأمر كأفعال الأم مع طفلها"
" أجل ، " حركتُ الماء الساخن في الحوض ، وثبتُّ نظري على الوعاء العائم : " الحب يملك جوانب مشتركة في بعض المناحي
فالأصدقاء والوالدان والعشاق يجمعهم اسم المِحب
ودور المِحب يكمن في استخدام قوته لترميم الندوب التي تركتها الأوقات الماضية على أجسادنا بقدر الإمكان ——
تماماً كارتطام النيزك بسطح كوكب ليترك فوهة عميقة عاجزة عن التماثل للشفاء الذاتي ، لينتظر قدوم الآخرين لاكتشافها
مثل صديقي ذاك ، عندما التقى به حبيبه كان قد فقد القدرة على الشفاء الذاتي ، فاحتاج إلى صديقي ليحبه "
سحبتُ يدي وقلتُ : " يمر الإنسان في هذه الحياة بلقاء بضعة محبين كثروا أم قلوا ، بعضهم يأتي مبكراً ، وبعضهم يتأخر ، لكنهم يصلون في النهاية ،
ولعلهم لم يجدوا الطريق بعد فحسب
حتى الأم قد تقضي معظم حياتها لتتعلم كيفية حب طفلها بالطريقة الصحيحة ، أليس كذلك ؟ "
لم يجد لي تشيشو فرصة للتعقيب ، فغيرتُ مجرى الحديث ،
واستندتُ بمرفقي لأميل بنصفي نحو الأعلى وأواجه عينيه : " إذن يا لي تشيشو ، هل لمتني يوماً …… لأنني جئتُ متأخراً جداً ؟ "
بدا لي تشيشو متلعثماً ، وظل يتبادل النظر معي بذهول لبرهة طويلة قبل أن يجيبني : " لا ، لم أفعل "
تأكدتُ مجدداً : " ألم تفعل حقاً ؟ "
أبدى لي تشيشو ثباتاً في هذه المرة : " لم أفعل "
" ممتاز إن لم تفعل " عدتُ لجلساتي ، واستكشفتُ حرارة الحلوى ،
وفي الوقت نفسه خفضتُ عينيّ وأنا أطلق المزاح ،
وكأن الحوار السابق لم يحدث قط : " أحببتُك منذ زمن بعيد يا لي تشيشو
اهبط إلى الأرض مبكراً "
بدا كمن يفهم ولا يفهم ، ولم يدرِ كيف يعقب ، فأخرجتُ الوعاء الزجاجي بنفسي من حوض الماء الذي أخذ يبرد ،
ومسحتُ القاع جيداً ثم دفعته إلى أمامه : " قبل الهبوط ، تناول لقيمة من هذه الحلوى التي دفأها لك مُحبّك أولاً "
—
٣١ يناير ، الطقس غائم
يبدو أنني أصبتُ بالزكام ، وإن استمرت الحرارة المنخفضة غداً فسأذهب لشراء الدواء
أهدتني الجدة في الأسفل وعاء من اللحم المتبل ،
وقالت إنها أعدته بنفسها وتطرق قليل منه فأعطتني إياه
جاء ذكياً للغاية ، وكان أكل الأرز برفقته لذيذاً جداً ، وأكلتُ منه طوال اليوم ، فشكراً للجدة
أتمنى أن يدفأ الطقس سريعاً
ولا يستمر هذا البرد
٣١ يناير ، الطقس غائم
لم أحل الكثير من أوراق الفروض اليوم ، فـ رأسي يدور قليلاً ، والحمد لله أنني سمعتُ كلام شين باوشان ولم آكل ذاك الوعاء من الثلج
يرفض شين باوشان العودة إلى منزله ، ويقول إنني لا أحسن رعاية نفسي ،
غير أنني أخشى نقل العدوى إليه ، وأتمنى ألا يقترب مني كثيراً أثناء النوم الليلة
لا أعلم كيف يغدو شكل شين باوشان عندما يمرض ، فهو يقول إنه يندر أن يمرض
وعندما يمرض لا بد أن عائلته تحسن رعايته للغاية ، ولهذا غدا بارعاً هكذا في رعاية المرضى
في القادم من الأيام إن شعر بعدم الراحة فسوف أحسن رعايته بدوري
يتبع
تعليقات: (0) إضافة تعليق