Ch58 fec
شرفة التنين اليشمي المكان الذي تعقد فيه عشيرة شياو اجتماعاتها المهمة ، كما كانت المكان الذي يدير فيه أمير شياو شؤونه اليومية ويستقبل المسؤولين القادمين لزيارته. بالإضافة إلى ذلك، المكان المخصص لتعليم الجيل الأصغر من العشيرة . باختصار، كان رمزًا لسلطة عشيرة شياو
و اسم ' شرفة التنين اليشمي' قد منحه الإمبراطور المؤسس للسلالة الحالية مكافأةً لعشيرة شياو على خدمتها في حماية الإمبراطور
ومع الاسم، مُنحت العشيرة أيضًا سيف التنين اليشمي، وهو سيف ثمين
في عهد الإمبراطور السابق، تعرضوا عشيرة شياو لقمع شديد ، ولقي العديد من أفراد جيلهم الأصغر حتفهم
وبعد أن مُنح شياو جينغ مينغ لقب الأمير وتولى قيادة العشيرة ، وضع قواعد جديدة لضمان استمرار إرثهم
ومن بين تلك القواعد أن جميع أبناء عشيرة شياو الشباب يجب أن يدرسوا في شرفة التنين اليشمي قبل بلوغ السادسة عشرة
وكان معلموهم إما علماء مشهورين من العشيرة أو معلمين يتم التعاقد معهم من خارجها
وكانت جميع الاختبارات الدراسية تُجرى أيضًا في شرفة التنين اليشمي
و تُعقد الاختبارات كل أسبوعين في الربيع والخريف ، وكل شهر في الصيف والشتاء ، مهما كانت حالة الطقس
وفي أيام الاختبارات ، كان أمير شياو جينغ مينغ يحضر دائمًا لمراقبتهم ، ما لم تطرأ ظروف استثنائية
لكن خلال العامين الماضيين ، كان الإمبراطور طريح الفراش بسبب المرض ، وتراكمت شؤون الدولة والأمور العسكرية. لذا كان أمير شياو مشغولًا جدًا ولم يعد قادرًا على الحضور باستمرار
و كان غو رونغ، أو شياو رونغ باسمه الرسمي ، وريث مقر عشيرة شياو الملكي ، وقد نشأ وهو يدرس في شرفة التنين اليشمي مع بقية أبناء العشيرة
بل كانت له فيها مساحة خاصة يقيم فيها، وكان يعرف المكان جيدًا. حتى لو سار وعيناه مغمضتان، فلن يضل الطريق
مباني شرفة التنين اليشمي تمتد على عدة طبقات
وفي وسطها قاعة ' المجد' ، حيث يدير أمير شياو شؤون الدولة
وخارج القاعة ، نمت أشجار صنوبر دائمة الخضرة وأزهار البرقوق التي يحبها
عندما دخل شياو رونغ، كان إلى جانب شياو جينغ مينغ الجالس في المقعد الرئيسي ، قريب آخر من كبار العائلة ، و هو ' شياو هاو ' أحد أعمام العشيرة المسنين وأكبر أفراد عشيرة شياو سنًا ومكانة في الوقت الحالي
دخل شياو رونغ القاعة وركع ، ثم خفض رأسه باحترام للتحية : “ يحيّي هذا الابن أباه "
ثم التفت إلى الرجل الآخر : “ تحياتي إلى العم الأكبر "
لم يرفع شياو جينغ مينغ رأسه ، وقال ببرود: “ انهض. لست جديرًا بكل هذا الاحترام .”
ظل شياو رونغ راكعًا باحترام دون أن يتحرك
طرق شياو جينغ مينغ على الطاولة بخفة وقال: “منذ تأسيس عشيرة شياو، أنت أول شخص يجرؤ على الهرب من قاعة التوبة . أمر غير مسبوق حقًا .
يا له من حظ عظيم لي أن أربي وريثًا مثلك .
لو كان هناك من يجب أن يركع ، فينبغي أن أكون أنا من يركع أمامك .”
لم يقل شياو رونغ شيء
حاول شياو هاو التوسط قائلًا : “جينغ مينغ بما أن رونغ رونغ عاد، فهذا يعني أنه أدرك خطأه . دع الأمر يمر .
يبدو أن الفتى فقد الكثير من وزنه .”
أجاب شياو جينغ مينغ ببرود: “ يا عمي لمَ لا تسأله بنفسك ؟ هل لديه حتى وجه ليقبل لطفك ؟”
كان شياو هاو على وشك مواصلة مواساته ، لكن شياو رونغ سبقه بالكلام : “ عمي الأكبر أستحق العقاب. أرجوك لا تهدر لطفك عليّ .”
ثم نظر مباشرة إلى الرجل الجالس في صدر القاعة :
“ على المرء أن يتحمل مسؤولية أفعاله . أنا من خالف قواعد العشيرة أولًا .
إذا أراد أبي معاقبتي، فسأتقبل العقاب دون شكوى .”
: “ تتقبله دون شكوى؟” رفع شياو جينغ مينغ عينيه أخيرًا :
“ إذًا أخبرني . وفقًا لقوانين العشيرة ، ما العقوبة التي تستحقها على فعل كهذا ؟ وهل تستطيع تحملها ؟”
ظل شياو رونغ بلا تعبير. “ بالطبع أعرف . مئة ضربة بالعصا، وستة أشهر من التأمل على الأقل . وبما أنني الوريث ، فمن المحتمل أن تكون مئتين ، وربما ثلاثمئة أو أكثر. لن أنجو منها . لكنني أظن أن أبي ، بما أنه خفّض من مكانته واستدعاني للعودة بنفسه ، لم يفعل ذلك لمجرد أن يضربني حتى الموت .”
كانت كلماته تقترب من الاستفزاز
لكن شياو جينغ مينغ لم يبدُ غاضبًا . ضحك ضحكة باردة فقط : “ شياو رونغ هل تظن أنني متساهل معك أكثر مما ينبغي؟”
شد شياو رونغ شفتيه ولم يقل شيئًا، وبدت عليه ملامح شخص لم يعد يخشى شيء
تدخل شياو هاو مرة أخرى في الوقت المناسب :
“ جينغ مينغ عودة رونغ رونغ سالمًا أهم من أي شيء آخر. أنت لا تزال مصاب ، فلا تدع غضبك يتغلب عليك مرة أخرى .”
لم يقل شياو جينغ مينغ شيئًا. جالت عيناه الضيقتان اللتان قلّما يجرؤ أحد في البلاط على مواجهة نظرتها فوق الشاب الراكع باستقامة في القاعة، مرتديًا اردية بسيطة
{ لقد مر عامان، ومن الواضح أنه أصبح أطول قامة }
ظل تعبير وجهه غامضًا، ثم أبعد نظره أخيرًا وقال: “ يا عمي تحدث معه.”
: “ حسنًا.” أومأ شياو هاو، ثم التفت إلى شياو رونغ مبتسمًا وهو يداعب لحيته : “ رونغ رونغ في إمبراطورية دا-آن، يقيم الرجال عادةً مراسم بلوغ سن الرشد في سن العشرين . لكن قواعد عشيرة شياو ليست صارمة إلى هذا الحد. وأنت الوريث في النهاية، ولست كالأبناء العاديين.
لقد ناقشت الأمر مع أبيك وقررنا إقامة مراسمك قبل موعدها بعام . ستكون بعد ثلاثة أيام .
وبعد إتمامها ، ستتمكن من مساعدة أبيك بصورة أفضل في إدارة شؤون العشيرة .”
تفاجأ شياو رونغ. لم يتوقع أن يطرح عمه الأكبر هذا الأمر. لكن بعد التفكير فيه، لم يجد الأمر مفاجئًا إلى هذا الحد
في هذه اللحظة، جاء تقرير من حارس قصر آخر يُدعى مو تشون ، من الخارج باحترام :
“ سمو الأمير وصلت أخبار من القصر تفيد بأن جلالته قد استيقظ .”
رغم أن شياو رونغ كان بعيدًا عن العاصمة منذ وقت طويل، فإنه يعرف أن حالة الإمبراطور تشغل بال الجميع، وأن سلامته مرتبطة باستقرار العاصمة بأكملها
وكما توقع، نهض أمير شياو فورًا وأمر بتجهيز حصانه
وعندما مر بجانب شياو رونغ، توقف وألقى عليه نظرة. “بعد ثلاثة أيام، سأشرف بنفسي على مراسم بلوغك سن الرشد. وسيخبرك عمك الأكبر بالاستعدادات. وإذا تجرأت على القيام بمثل هذا التصرف المتهور مرة أخرى، فأقسم أنه لن يكون هناك مكان لشانغ بوي وتسان يون في جميع أنحاء إمبراطورية دا-آن.”
وبهذا ، خرج بخطوات واسعة
شياو رونغ قد خمّن بالفعل أن ظهور مو تشينغ في جبال سونغتشو في ذلك الوقت كان على الأرجح بفضل شانغ بوي وتسان يون
وبطبيعة الحال، عندما اختار اللجوء إلى هذين الرجلين، كان قد استعد بالفعل لأسوأ الاحتمالات
{ في ذلك الوقت لم تسمح لي الظروف بأي خيار آخر ، لذا لا اندم
علاوة على ذلك، وبالنظر إلى الوضع الحالي، يبدو أن عمّي غير الموثوقين لم يكشفا عن مكاني إلا تحت ضغط والدي ، ولم يفصحا عن أي شيء آخر
وإذا كان الأمر كذلك ، فلا بد أن سان غا والآخرين ما زالوا بخير }
⸻
في هذه الأثناء ،
وبعد أن سافر شي رونغ ليلًا ونهارًا دون راحة ، وصل أخيرًا إلى العاصمة في وقت متأخر من هذا المساء
ومع إضاءة المشاعل لبوابات العاصمة الشاهقة والمألوفة، تدفقت إلى ذهنه من جديد كل الأحداث المثيرة والخطيرة التي وقعت خلال الأشهر الماضية
أما سونغ يانغ وتشو وانهي اللذان كانا يسيران خلفه، فغمرهما شعور عميق بالتأثر
عندما رأى الحراس جيانغ تشنغ يُبرز رمز ولي العهد ، لم يتمكنوا من إخفاء دهشتهم
منذ محاولة اغتيال الإمبراطور ، كان أميرا وي وجين يلازمان القصر ليلًا ونهارًا ، ويبقيان في الخارج باستمرار لحراسة قصر ألف خريف ، بينما لم يكن هناك أي أثر لولي العهد
وانتشرت الشائعات في البلاط وبين عامة الناس
فقال البعض إن ولي العهد أصبح متعجرفًا ولم يعد يبالي بوالده الإمبراطور ، ولذلك رفض العودة للاهتمام به أثناء مرضه
وقال آخرون إنه تعرض لمكروه ولم يعد قادرًا على العودة أصلًا
وقبل بضعة أيام فقط، ظهرت شائعة أخرى تزعم أن ولي العهد قتل العشائر القوية في محافظة سونغتشو
باختصار ، كانت الشائعات منتشرة في كل مكان
والآن ، عندما رأوا ولي العهد وحاشية القصر الشرقي التابعة له يظهرون عند بوابة المدينة في جوف الليل، كيف لا يصابون بالذهول؟
لم يجرؤ أحد على التأخير ، فسارعوا بالنزول من فوق الأسوار وفتحوا البوابة
وبعد محاولة اغتيال الإمبراطور ، كانت العاصمة تعيش في حالة من التوتر
وفي الليل، أصبحت الشوارع التي كانت تعج بالحركة عادةً شبه خالية حالياً
شد سونغ يانغ اللجام وسأل: “ سموك هل نتوجه مباشرة إلى القصر لزيارة جلالته، أم نعود أولًا إلى القصر الشرقي؟”
ورغم آثار السفر والغبار الذي غطى ثيابه ، لم تظهر على شي رونغ أي علامات تعب
و انعكس ضوء المشاعل على وجهه الوسيم ذي الملامح الحادة و قال: “ بما أنني عدت إلى العاصمة ، فمن الصواب أن أذهب أولًا لتقديم احترامي لجلالته والاطمئنان عليه .”
كان عدد من رؤساء العشائر ، ومن بينهم ليو شين ، مقيدين ومربوطين إلى خيولهم
فأمر شي رونغ جيانغ تشنغ وتشو وانهي بتسليمهم إلى محكمة المراجعة القضائية ، ثم دخل القصر برفقة سونغ يانغ فقط
نزل شي رونغ عند بوابة القصر —- وعندما وصل إلى قصر ألف خريف ، كانت المصابيح مضاءة بالفعل في الداخل، والخدم يدخلون ويخرجون — وكان كبير الخصيان تشانغ فو يقف عند الباب
من المعروف في القصر بأكمله أن الإمبراطور لم يكن يفضل ولي العهد
وعندما رأى تشانغ فو شي رونغ يقترب ، لم يبدُ عليه سوى شيء بسيط من الدهشة ، ثم نزل الدرج ببطء ، وحرك مروحة ذيل الحصان في يده وانحنى قائلًا : “هذا الخادم يحيّي سموك .”
نظر شي رونغ إلى الضوء المنبعث من القاعة وقال: “أتيت لتقديم احترامي لجلالته . هل يمكنك إبلاغه بوجودي؟”
استدار تشانغ فو ودخل القاعة ——
وبعد وقت قصير ، عاد وقال: “يقول جلالته إنه متعب اليوم ويرغب في الراحة . لن يستقبل أحد . سموك، يرجى العودة .”
تفاجأ سونغ يانغ عند سماع هذا . لكن في هذه اللحظة تحديدًا ، خرج شخصان من القاعة ، الواحد خلف الآخر
كان الرجل في المقدمة ذا وجه مستدير ، ممتلئ وناعم الملامح ، وبطن بارز ، وارتدى تاجًا من اليشم الأزرق ورداء عالم واسع الأكمام —- ولم يكن سوى أمير وي، الذي اكتسب في السنوات الأخيرة سمعة الرجل الفاضل
وخلفه أمير جين ، يضع تاج من زهرة اللوتس المصنوع من اليشم الأبيض ، بشفتين حمراء وأسنان بيضاء ، وهيئة أنيقة، وأردية مزينة بزخارف فاخرة
كان الأميران، أحدهما مدعومًا من عشيرة تسوي والآخر يحظى بتأييد أمير شياو ، قد خدما كلاهما في صفوف فرسان التنين الفضي ، مما منحهما مكانة عالية ومميزة. فأسرع تشانغ فو بابتسامة متملقة واضحة الرغبة في إرضائهما، وأمر الخصيان الشبان بإحضار المعاطف ودفايات اليد لهما
عندما رأى شي رونغ واقفًا خارج القاعة ، كان أمير وي أول من توقف — تحركت عيناه قليلًا، ثم قال ببطء مبتسمًا: “ أليس هذا ولي العهد؟ لقد عدت أخيرًا .
خلال الأيام الماضية عندما كانت حالة أبي خطيرة، ظللنا نحن الإخوة نحرس خارج القاعة ليلًا ونهارًا، قلقين على صحته. فقط أنت كنت غائبًا . لقد كنت قلقًا حقًا من أن يكون قد أصابك مكروه .”
أجاب شي رونغ: “ واجهت بعض الأمور الصعبة بالفعل، لكنها حُلّت الآن . أشكرك على اهتمامك يا أمير وي.”
ابتسم أمير وي ابتسامة خفيفة. “لطالما أخبرنا أبي أن على الإخوة أن يتحدوا . ومن الطبيعي أن نهتم ببعضنا . لكن هناك أمورًا قد لا يفهمها من هم خارج العائلة .”
وبهذا ، غادر أمير وي على مهل . وبعد وقت قصير ، لحق به أمير جين بعدما ساعده أحد الخدم وأحد الخصيان على ارتداء معطفه
التفت تشانغ فو إلى شي رونغ. “ينبغي لسمو ولي العهد أن يعود أيضًا .”
ألقى شي رونغ عليه نظرة جانبية ، ثم ركع فجأة باستقامة أمام القاعة : “ كان تقصيرًا مني ألا أعود إلى العاصمة في الوقت المناسب للاهتمام بمرض أبي. إن غادرت هكذا، فلن أشعر بالراحة . وبما أن جلالته قد دخل للراحة ، فسأركع هنا وأخدمه من الخارج لبعض الوقت .”
ورغم أن نبرته كانت هادئة ، فإن النظرة في عينيه جعلت تشانغ فو يشعر بقشعريرة
فولي العهد، في النهاية، كان معروفًا بقسوته. وإدراكًا منه أن الجدال معه لن يكون في صالحه، تنحى تشانغ فو جانبًا وقال بصوت حاد وعالٍ: “ إذًا فليفعل سموك ما يشاء .”
ظل شي رونغ راكعًا حتى انطفأت المصابيح داخل القاعة
عندها فقط نهض وغادر
وبعد عودته إلى القصر الشرقي، اغتسل شي رونغ سريعًا وبدّل ملابسه ، ثم توجه إلى قاعة المشورة
كانت القاعة مضاءة بشكل ساطع ، وكان مستشارو القصر الشرقي قد جلسوا بالفعل على جانبيها
ما إن دخل شي رونغ حتى نهض الجميع وحيّوه في آن واحد
وبدأ المستشارون الذين ظلوا في العاصمة بإبلاغه بأهم التطورات واحدًا تلو الآخر
قال أحد المستشارين: “وصلتنا أخبار تفيد بأن تساو آن تشنغ من هيئة الرقابة قد جمع عددًا كبيرًا من الرقباء، ويعتزم تقديم عريضة لعزل سموك، متهمًا إياك بعصيان أوامر الإمبراطور ، وعدم احترام جلالته ، وإظهار الخيانة والعقوق . ويزعمون أن سموك استخدم القضاء على النبلاء الفاسدين في سونغتشو ذريعة للاستيلاء على ثرواتهم ، وتعمد تأخير عودته إلى العاصمة .
وفقًا لمصادري ، تمت بالفعل صياغة أكثر من عشرين عريضة ضد سموك .
ولا يزال تساو آن تشنغ يحاول إقناع الآخرين بالانضمام إليه. وإذا وصلت هذه العرائض إلى الأمانة المركزية ثم إلى البلاط الإمبراطوري ، فأخشى أن تكون العواقب وخيمة على سموك .”
تغير تعبير وجه سونغ يانغ. “ تساو آن تشنغ ذلك الرجل مجددًا .”
شتم تشو وانهي بمرارة: “ ذلك الوغد! كلب مسعور لعين! لا بد أنه يتصرف بأوامر من عشيرة تسوي وأمير وي.”
سونغ يانغ: “ الأدلة التي تثبت استيلاء ليو شين على الأراضي بصورة غير قانونية قاطعة ولا يمكن دحضها .
ومهما كان تساو آن تشنغ بارع في إثارة الرأي العام، فلن يستطيع قلب الحقائق الثابتة .
كل ما يمكنه فعله الآن هو الاستمرار في اتهام سموك بعدم العودة للاهتمام بمرض الإمبراطور ، وتصويرك على أنك غير مخلص وعاقّ .
في الظروف العادية لم يكن هذا ليشكل مشكلة كبيرة، لكن في هذه الأوقات المضطربة ، وحتى موقف الإمبراطور نفسه لا يزال غير واضح…”
ما كانوا يخشونه أكثر من أي شيء قبل عودتهم إلى العاصمة قد حدث بالفعل
تابع سونغ يانغ بتفكير: “ تساو آن تشنغ ليس من أصحاب المناصب الرفيعة في هيئة الرقابة . ومن المرجح أن سبب اندفاعه في هذا الأمر هو أن سموك رفض سابقًا عرض الزواج من عشيرة تساو . إنه يحمل ضغينة ، وربما يسعى أيضًا إلى الشهرة .”
أومأ المستشار الذي أبلغهم بالأمر أولًا. “ صحيح. تساو آن تشنغ فصيح جدًا ، وعريضاته الاستنكارّية شديدة الاستفزاز . سمعت أن آخر عريضة قدمها لعزل سموك انتشرت على نطاق واسع في العاصمة . بل إن بعض الناس طبعوا نسخًا منها ووزعوها .
ومنذ ذلك الحين ، ظل تساو آن تشنغ مستمتعًا بهذا الاهتمام ، وأصبح ضيفًا دائمًا في مختلف التجمعات الأدبية .”
قال مستشار آخر بمرارة : “ منذ القدم كان قلم العالم قادرًا على قتل الناس دون أن تسيل قطرة دم. وللأسف ليس لدينا حلفاء في هيئة الرقابة ، ولا نستطيع حتى شن هجوم مضاد حقيقي .”
ظل سونغ يانغ صامت وهو يستمع
فبصفته ولي العهد، كان سموه يولي قوة العلماء اهتمامًا كبيرًا
وعلى مر السنين، استخدم القصر الشرقي وسائل عديدة لاستقطاب أصحاب المواهب ، وكان من بينهم بعض أعضاء هيئة الرقابة
لكن هيئة الرقابة، رغم انقسامهم الداخلي إلى فصائل وأحزاب ، كان جميع أفرادها ينتمون إلى دوائر أدبية مختلفة
وبغض النظر عن انتماءاتهم ، كانت تلك الدوائر تحمل تحيزًا وعداءً عميقين تجاه ولي العهد والقصر الشرقي
وبالنسبة إلى القصر الشرقي ، كانت الدوائر الأدبية في العاصمة أشبه بحصن منيع من النحاس والحديد.
وكان عرض الزواج من عشيرة تساو في الواقع أقرب فرصة وصل إليها القصر الشرقي لاختراق ذلك الجدار
لكن، وعلى نحو فاجأ الجميع، رفض ولي العهد العرض دون تردد
والآن، بدا أن عواقب ذلك الرفض أسوأ مما توقعوا
وأضاف مستشار آخر: “ وهناك أمر آخر . تحاول عشيرة تسوي كسب ود الرقيب الإمبراطوري ليو بينغ يانغ . وإذا خضع هو ايضاً لعشيرة تسوي، فسيصبح وضع سموك أكثر خطورة .”
“ليو بينغ يانغ؟” أصبح تعبير وجه سونغ يانغ جادًا
“نعم.” أكد المستشار كلامه. “ينحدر ليو بينغ يانغ من عشيرة ليو المرموقة في تشيتشو، وله نفوذ كبير بين أهل الأدب. وإذا انضم إلى جهود عزل سموك، فستكون العواقب لا يمكن تصورها.”
ما إن قيلت هذه الكلمات حتى ظهرت علامات القلق على وجوه الجميع
أما شي رونغ، الذي كان يستمع إلى النقاش بصمت، فرفع عينيه أخيرًا وقال: “ راقبوا ليو بينغ يانغ عن كثب . لا يمكننا بأي حال من الأحوال أن نسمح لعشيرة تسوي باستغلاله .”
بحلول انتهاء الاجتماع ، الليل قد انتصف بالفعل
تقدمت وصيفات القصر لخدمته ، لكن شي رونغ أشار إليهن بالابتعاد
وبعد أن جلس بمفرده في صمت لبعض الوقت، عاد وحده إلى حجرة نومه ، وأمر بإحضار قفص القط الذي حمله معه طوال الطريق من سونغتشو
وبطبيعة الحال، شعروا وصيفات القصر بالحيرة . كان معروفًا عن ولي العهد هوسه بالنظافة . ناهيك عن حجرة نومه ، حتى أماكن عمله تكون نظيفة تمامًا ولا توجد فيها أدنى ذرة غبار ،، فمن المستحيل أن يسمح بشيء مثل قط مخطط شارد بالدخول إلى مسكنه
وفوق ذلك ، كان ولي العهد معروفًا باجتهاده الشديد
كان يقضي معظم يومه إما في الدراسة ، أو التدريب على فنون القتال ، أو إدارة شؤون الدولة
لم يكن أبدًا مثل أبناء الأسر النبيلة العاطلين في العاصمة، الذين يقضون وقتهم في تسلية أنفسهم بمصارعة الديكة أو تربية الحيوانات النادرة للترفيه
وقبل ظهور هذا القط المخطط، لم يكن في القصر الشرقي حتى قفص طيور واحد
والأكثر من ذلك، أن القط الذي أعاده معه لم يكن من سلالة نادرة حتى
كان يبدو كقط شارد عادي من الريف، باستثناء أنه كان ممتلئًا بشكل غير معتاد
ولم يكن فيه شيء آخر يستحق الذكر
وضع شي رونغ قفص القط بجوار سريره مباشرةً
ثم فتح باب القفص ووضع فيه الطعام والماء ، وأغلق الباب من جديد
لم يكن سبب إحضاره لهذا المخلوق سوى الاحتفاظ بذكرى
أما فكرة احتضانه أثناء النوم، أو السماح له بالتجول بحرية في القصر الشرقي، فكانت مستحيلة تمامًا
هناك قول مأثور : ' الأشياء تذكّر بالناس '
وفي هذه الليلة ، بينما شي رونغ مستلقي بمفرده في سريره بالقصر الشرقي ، لم يستطع إلا أن يستعيد كل ما حدث في جبال سونغتشو
كانت رسالة الوداع القاسية ، الباردة والحاسمة ، لا تزال محفوظة بالقرب من جسده ، وكان يخرجها كل ليلة ليلمسها ويعيد قراءتها
أما الاستقبال البارد الذي واجهه في القصر اليوم ، فلم يكن يعني له شيئًا على الإطلاق ، لأنه كلما خلا من الانشغال ، استحوذت الأفكار عنه على ذهنه بالكامل
والآن، كانت سونغتشو تبعد عنه ألف ميل
وبدا كل ما حدث هناك كأنه حلم بعيد
وفي ليلته الأولى بعد عودته إلى العاصمة ، أدرك شي رونغ للمرة الأولى أنه ربما لن يرى غو رونغ مجددًا حقًا
وما إن خطرت له هذه الفكرة حتى انقبض صدره بألم لا يستطيع السيطرة عليه …..
يتبع
تعليقات: (0) إضافة تعليق