Ch55 | DSYOM
[ اجعل الشخص المتكبر يرى وجهه ]
بعد أن تلقّى وين دي الأخبار السيئة بشأن المنزل ،
ظلّ أيّاماً يعاني من صعوبة الاختيار ،
وفجأة خطر بباله
{ أليس لي بعض زملاء الدراسة القدامى في بكين ؟ }
على بُعد أقلّ من كيلومترين ، عطس جيانغ نانزي ~~~
في حادثة التنمّر المدرسي ،
حين ادّعى وين دي أنّ لديه “صديقاً يعمل في الإعلام”،
لم يكن كلامه مجرد مزحة عابرة
فبعد عودته إلى الصين ، وربما بسبب تعثّره في إيجاد عمل
ورغبته في تغيير حالته النفسية ،
بدأ جيانغ نانزي حسابات على منصّات إعلامية مختلفة ،
وداوم بجدية على نشر مقاطع علمية وفكاهية ،
بل كان يبثّ مباشرةً كثيراً،
وبفضل مواضيع مقاطعه الشيّقة ، ووسامته ، وكونه خريجاً
بارزاً من جامعتين مرموقتين ،
ارتفع عدد معجبيه بسرعة ، ليصبح نجمًا صاعدًا في مجال
تبسيط العلوم
سواءً كان يطمح لذلك أم لا ، فإنّ مجرد جدّيته في صناعة
المحتوى دلّت على أنّه تجاوز أزمته النفسية ،
وهو أمر جعل وين دي مطمئنًّا للغاية ،،
وبينما شعر بالاطمئنان ، فكّر أيضاً أنّه ما دام صديقه القديم
منشغلاً بمسيرته المهنية ،
وكان لا بدّ من تحسين بيئة المعيشة في المنزل ، فهو ـ
بفضل اجتهاده ـ الاختيار الأنسب كزميل سكن وداعم
لوجستي في الوقت نفسه
لكنّ لحظة فتح جيانغ نانزي للباب ، كان وين دي يسمع في
داخله صوت الفقاعات وهي تنفجر
الملابس المبعثرة ، وصاحب المنزل المهمل ،
وصناديق الوجبات السريعة اختفت جميعها ،
الأرضية نظيفة ، الأثاث مرتّب ، وفي الزاوية يوجد حتى وعاء
طعام للقطط وسرير صغير…
{ سرير قطط ؟ }
خرجت قطة سياميّة من غرفة النوم تتمطّى ،
فحملها جيانغ نانزي بين ذراعيه ،
وداعب ذقنها برفق وهو يقول :
“ عامل المناجم وصل "
ظلّ وين دي واقفاً وفمه نصف مفتوح وقتاً طويلاً ،
ثم لم يجد ما يفعله سوى مدّ يده ولمس القطة
في أوائل الربيع البارد ، التدفئة قد توقفت بالفعل ،
ومع ذلك كان جيانغ نانزي يرتدي تيشيرت بلا أكمام
لم يكن وين دي يعرف ما إن كانت هذه موضة رائجة ،
لكن على الأقل كان هو يبدو مناسباً لها
جلس جيانغ نانزي بكسل على السجادة أمام الأريكة
و قفزت القطة من بين ذراعيه ، ورفعت ذيلها عالياً ، ومشت متبخترة مبتعدة
اقترب وين دي بحذر ، وجلس إلى جانبه مع ترك مسافة صغيرة بينهما ، ثم قال:
“ ما أخبارك في الفترة الأخيرة ؟”
: “ ولما تسأل؟”
: “ صالة المعيشة أصبحت صالحة للعيش ، وهذا غير طبيعي .”
: “ آههخ لقد جرحتني .
لدينا فرد جديد في العائلة أليس من حقي أن أرتّب قليلاً ؟”
التقط جيانغ نانزي كيس رقائق بطاطس ورماه له :
“ لكن أنت ، لم أسألك بعد كيف تسير حياتك الزوجية .”
…
خلال عطلة رأس السنة ، كانا قد تحدّثا عبر الإنترنت ،
وقد أخبر وين دي صديقه عرضاً عن زواجه السريع في لاس فيغاس
فأرسل له جيانغ نانزي أكثر من عشرة وجوه مصدومة ،
مما أدهش وين دي
فقد كان قد باح بالأمر بالفعل لحبيبه السابق ،
وكان من المفترض أن تكون القصة قد انتشرت بين زملاء
الثانوية جميعاً
لكن جيانغ نانزي أكّد أنّ لا أحد يعلم شيئ ، بل سخر منه
قائلاً إنه يتصرّف كالأطفال:
“ أصلاً هو من تخلّى عنك .
لو انتشر هذا الخبر ، سيبدو الأمر وكأنك وضعت
على رأسه قبعة خضراء ( تعرض للخيانة )
لن يفعل شيئاً محرجاً إلى هذا الحد .”
في حينها ، اعتقد وين دي أنّ الأصدقاء القدامى يجب أن
يتشاركوا مثل هذه الأخبار المثيرة ،
لكنه الآن ندم فجأة لأنه أخبره ،
وإلا ما كان ليضطر لتحمّل أسئلة أشبه بمقابلات خالات
وعمّات بعد الزواج
عقد وين دي ساقاً فوق الأخرى وقال بلا مبالاة :
“ كل شيء بخير ، كل شيء بخير ...”
ثم قرّر أن يوجّه الحديث نحو ما يفيده أكثر :
“ دعنا من هذا ، أريد أن أناقش معك أمراً جاداً .”
شرح له مشكلة السكن ، وهو ينظر إلى صديقه القديم
بعينين ملؤهما التوسل ،
كأنه ينظر إلى مُنقذ تحيط به هالة من النور
لكن جيانغ نانزي رفضه ببرود وقسوة :
“ لا "
وين دي: “ يمكنني أن أساعد في العناية بالقطة ،
بل حتى أساعدك في تعديل مقاطع الفيديو .”
رفع جيانغ نانزي حاجباً وقال: “ أتعرف تعديل الفيديوهات ؟”
أجابه وين دي: “ سابقاً عندما بدأ العجوز ليو حسابه
الإعلامي ، كنت أنا من يتولى المونتاج ، والمعالجة النهائية ،
وحتى إدارة قروبات المعجبين .”
ومع كل ذلك ظلّ جيانغ نانزي غير مبالٍ بمهاراته المتعددة،
وقال بلا اكتراث:
“ لما لا تعيش مع زوجك فحسب؟
هو بجوارك مباشرةً ، ولن تحتاج حتى إلى نقل أمتعتك .”
شعر وين دي بخفّةٍ ما في كلامه ، وكأنّ هناك شيئاً غريباً فيه
أخذ كيس الرقائق من على الطاولة شارد الذهن ،
وهو يحاول اكتشاف مصدر ذلك الانزعاج ،
{ هل كان شيئاً قالته يو جينغيي؟ }
وفجأة ، لمحة من الشك خطرت في ذهنه ،
فتوقف عن المضغ وحدّق في جيانغ نانزي
جيانغ نانزي متململاً : “ ما الأمر؟”
قال وين دي بنبرة جادّة : “ كيف عرفت أننا جيران؟”
صمت جيانغ نانزي لثانيتين، ثم قال مرتبكاً: “ ألم تخبرني أنت بذلك ؟”
: “ لم أخبرك ...” وضع وين دي كيس الرقائق جانباً،
واختفت الابتسامة من وجهه : “ أنا لم أقل أبداً إنه يعيش بجواري "
اتجهت نظرات جيانغ نانزي نحو الحشرة الميتة العالقة في المصباح
راقب وين دي تمثيله المرتبك ، وفجأة قفزت إلى ذهنه بعض الأمور
أدقّ من ذلك : بعض الصدف ——-
مقابلة بيان تشنغ له في نفس المطعم الياباني مع يو جون و يو جينغيي ——-
مقابلة بيان تشنغ له ولحبيبه السابق في الفندق ——-
وحتى لقاؤه صدفة بشقيق بيان تشنغ الأصغر في المدرسة
التي كان يتدرّب فيها — تلك المدرسة التي جيانغ نانزي هو من أوصاه بها ———
وبالتفكير الآن ، فقد كان هناك الكثير من الصدف في
النصف الأول من العام ———
ثم تذكّر وين دي شيئاً آخر : قبل خمس سنوات ،
كان جيانغ نانزي قد التقى بيان تشنغ ،
لكن أثناء لمّة الصف تصرّف وكأنها المرة الأولى التي يراه فيها ——
نهض وين دي واقترب من جيانغ نانزي ——
انحنى ناحيته وحدّق فيه مباشرةً :
“ متى اكتشفتَ أنه جاري ؟” سأله بنبرة حادة ——
حكّ جيانغ نانزي أنفه بارتباك :
“ قبلَك بقليل "
: “ كم بقليل ؟”
: “ أكثر من نصف سنة ”
شهق وين دي: “ إذن كنتَ تعرف منذ البداية !”
ثم أمسكه من كتفيه بعصبية : “ لما لم تخبرني؟!”
في الفصل الماضي —- ، كان وين دي يشتكي له من الجار ،
وفي الوقت نفسه معجب بالبروفيسور …
{ فهل كان يعرف أنهما نفس الشخص ؟ }
: “ انتظر لحظة—” بدأ وين دي يدرك أنّ الأمر أسوأ مما
تخيّل : “ متى عرفت أنني متزوج ؟”
تهرّبت عينا جيانغ نانزي: “ ممم …قبل أن أعرف أنه جارك بقليل .”
اختنق وين دي بالكلمات
{ إذن، جيانغ نانزي كان يعرف الحقيقة كاملة طوال الوقت !
من وجهة نظره ، كيف بدوت خلال الأشهر الماضية ؟
مريض فقدان ذاكرة يلعن ويطارد زوجاً ارتبط به منذ خمس سنوات ؟
يالها من فضيحة اجتماعية !
أعطوني معولاً ، وسأحفر طريقي إلى الولايات المتحدة الآن حالاً ! }
صرخ وين دي : “ لماذا لم تخبرني منذ البداية ؟”
جيانغ نانزي: “ كنتُ سأقول في البداية ، لكن من كان يظن
أنكما ستصيران عدوّين بدلاً من جارين ؟
كان من الصعب أن أفتح الموضوع ...” ضحك فجأة :
“ وبعدها صارت القصة ممتعة أكثر — تفجير الفقاعة باكراً
كان سيضيع كل المتعة ”
{ ياللوقاحة ! هذا الرجل لم يكتفِي بلعب دور الخاطب ،
بل جلس يشاهد العرض وأنا أُقشّر بذور البطيخ ! }
لكن وين دي سرعان ما شعر أن ثمة خطباً ما
{ كيف عرف جيانغ نانزي مكان مدرسة جيانغ يو؟!
كثرة هذه ' الصدف ' لا يمكن أن تحدث من دون تسريب
معلومات من جهة بيان تشنغ —- }
وضع وين دي كفّيه على وجهه وحدّق فيه بعينين ضيّقتين:
“ لديك شريك بالجريمة أليس كذلك؟ من هو ؟”
ردّ جيانغ نانزي بلا ذرة من الشعور بالذنب ، ببرود تام:
“ ألستَ قادراً على التخمين ؟”
فكّر وين دي { صحيح ،،،،، بيان تشنغ لا يملك سوى صديق
واحد … سونغ يوتشي ! }
وين دي : “ أتعرف سونغ يوتشي؟
متى التقيت به؟”
جيانغ نانزي : “ العام الماضي ،،
ذهب في سنته الخامسة من الدكتوراه إلى الولايات
المتحدة ببرنامج تبادل ، وهناك التقينا صدفة .”
كان ذلك حتى قبل أن ينتقل وين دي إلى شقق الأساتذة
صفّق جيانغ نانزي بيديه وهو يتابع:
“ استغرق الأمر منا قرابة شهرين لنكتشف أن صديقي الذي
تمّت سرقته في لاس فيغاس هو نفسه زوج الصديق
الطفولي لبيان تشنغ .
وصادف أنني كنتُ أعرف أنك ستنتقل للعيش في هتشينغ
غاردن ، وهو كان يعرف أن البروفيسور بيان تبنّى أخاً أصغر
وقد ينتقل للسكن أيضاً .
فاقترح أن نرتّب الأمر بحيث تسكنان متقاربين ، فتتقابلان
بشكل طبيعي ، وتقضيان الوقت معاً ،
وتبنيان مشاعر تدريجياً …. لكن من كان يظن أنّ بدلاً من
التقارب ستصيران عدوان ؟!
ومع رؤيتي أن الأمور لا تتقدّم ، وأنك لم تتذكر ما حصل في
الماضي ، فكرت ربما تحتاج إلى محفّز خارجي ….
لذا دعوتُ هيي ونشوان إلى الفندق في عيد ميلادك…”
: “ وماذا عن المطعم الياباني؟” رفع وين دي حاجبيه
بدهشة من اتساع شبكة معارفه : “ ذلك المطعم اختارته يو
جون …. كيف عرفتَه ؟”
جيانغ نانزي: “ سونغ يوتشي يعرفها .
هي رئيسة نادي الأفلام القصيرة ، وسونغ يوتشي أحد ممثليها .
إذا سبق لك أن شاهدت فليم تفتح أزهار مالان…”
فجأة عادت إلى ذاكرة وين دي ذكريات طواها النسيان
نعم، كان هو نفسه الذي أدّى دور دنغ جياشيان في ذلك العام
عقد ذراعيه وتنهد
{ هذان الاثنان تركا الطريق المختصر —- استدعيا كل
معارفهما ورتّبا لي لقاءات مع بيان تشنغ
حقاً، إنهما نموذجان لمهووسي التسلية ! }
كان جيانغ نانزي ما يزال يستغرق في ذكرياته عن تجربة
' الخطابة ' التي قام بها ، وقال ضاحكاً :
“ أنت وزوجك تلعنان بعضكما على الإنترنت كل يوم ،
ثم تلاحقه أنت خارج الإنترنت…
لم أرى شيئاً بهذه المتعة منذ عشر سنوات ،
ههههههههههههه …”
استند إلى الأريكة وهو يضحك بشدّة حتى كاد يسقط
نظر إليه وين دي ببرود ، ثم سأله بعد لحظة :
“ كم هو زمنك في سباق الخمسين متراً ؟”
: “ عشرة فاصلة ثلاثة ثوانٍ ؟”
: “ لقد انتهى أمرك "
أمسك وين دي ياقة جيانغ نانزي
وما إن أدرك الأخير أنّه جاد حتى تهرب بسرعة ،
وأسقط كرسياً ليجعله حاجزاً ، واندفع نحو الباب
لكن وين دي لحق به في الردهة وأمسك به عند المدخل
قال وين دي وهو يلوي ذراعه : “ أنت أحمق مثير للمشاكل ،
لا تفعل سوى مراقبة الناس وهم يتعثرون !”
لكن قبل أن يتمكن من تلقينه درساً ، امتدت يد فجأة ،
دفعت ذراعه بعيداً ، ثم جذبت جيانغ نانزي للخلف ،
لتفصل بينهما
ابتسم سونغ يوتشي وهو يقف أمام جيانغ نانزي وقال:
“ شياو دي لنتحدّث بهدوء " ( الأخ الأصغر دي )
كان جيانغ نانزي ما يزال مرتدياً تلك التيشيرت العاري الفاضح ،
فنزع سونغ يوتشي معطفه وألقاه عليه ليغطي ذراعيه العاريتين ،
نظر وين دي إلى هذا المشهد المقزّز ، فبلغ غضبه ذروته
{ اثنان ضد واحد ؟! هذا إخلال بآداب القتال ! }
صرخ مشيراً إليه:
“ أنت !
كيف تجرؤ على بيع معلومات صديقك ؟!”
قال سونغ يوتشي بهدوء :
“ فلننظر للأمر بموضوعية .
نحن فقط رتّبنا بضع مصادفات لكما ، وكل ما حدث بعد
ذلك كان عائداً إليكما .”
: “ كان بإمكانكما أن تخبراني بكل شيء مباشرة!”
: “ آه، لكنكما كنتما ممتعين جداً…” وحين رأى نظرات وين
دي الغاضبة، غيّر نبرته قائلاً : “ سنعتذر "
أطلّ جيانغ نانزي من خلف سونغ يوتشي : “ آسف "
أطلق وين دي شخيراً بارداً وهو يدفن يديه في جيبيه،
ثم رمقهما بنظرات إدانة،
مع تركيز خاص على سونغ يوتشي لأنه بدا وكأنه العقل المدبّر
سونغ يوتشي: “ في يوم بارد كهذا ، لا تقفوا هكذا في الخارج .
هيا ندخل ونتحدث ، سأعوّضك .”
شد وين دي شفتيه محاولاً أن يبدو متعالياً،
لكن فضوله كان يلتهمه ليفهم كيف اجتمع هذان معاً
وفي النهاية ، ومع إصرار جيانغ نانزي وتشجيعه ، سُحب إلى الداخل
————
قال سونغ يوتشي وهو يتصرّف وكأنه صاحب المكان لا جيانغ نانزي:
“ اجلس. ماذا تريد أن تشرب ؟”
هزّ وين دي رأسه رافضاً أي كرم ضيافة من ' الخصم '
مرّ بجانب الثنائي المتآمر رافعاً رأسه بفخر ،
وجلس على أبعد مقعد في الأريكة عنهم :
“ لا حاجة "
راقب الشخصين يجلسان جنباً إلى جنب عند الطاولة ،
ثم عضّ على أسنانه وقال لـ سونغ يوتشي :
“ إذاً … كيف تنوي أن تفسّر هذا لصديقك القديم؟
ألا تخشى أن يقطع علاقته بك؟”
ردّ سونغ يوتشي بثقة:
“ هذا لن يحدث . طبعه هادئ نوعاً ما "
حدّق وين دي فيه لحظة :
“ هل تتحدث عن بيان تشنغ من جامعة T؟”
سونغ يوتشي : “ نعم ،،
صحيح أن كلامه قد يكون مزعجاً أحياناً ، لكنه نادراً يغضب .”
قال وين دي بحدة : “ أليس السبب أنّ كل الناس ينفجرون غضباً منه ؟”
ضحك سونغ يوتشي: “ صدقني ، حتى عندما منحه الطلاب
تقييم ' 1 ' في استمارات التدريس ، كتب لهم رسائل توصية .
في الفصل الماضي ، كان مقتنعاً أنك تستغله فقط لتغيظ
حبيبك السابق ، ومع ذلك لم يحمل عليك ضغينة .”
لم يتوقّع وين دي هذا المنظور المختلف
وبدأ يفكر و يتأمل مشاجراتهما الماضية
“ إذن لماذا انفجر في النهاية ؟”
سونغ يوتشي: “ لم يكن غاضباً بقدر ما كان حزيناً .
اللحظة الوحيدة في حياته التي بذل فيها أقصى ما عنده
كانت في زفافٍ ظنه رومانسياً ، وأنت نسيت ذلك تماماً .”
أطلق وين دي شخيراً ساخراً ،
وعقد ساقاً فوق الأخرى وضمّ ركبته
جاءت القطة السياميّة وهي ترفع أذنيها ،
فداعبت ساق بنطاله ،
وكان لذلك أثر مهدّئ عجيب ، إذ ذاب نصف غضبه دون أن يشعر
وبينما ينظر إلى الثنائي الجالس أمامه ، أدرك فجأة مصدر نظافة الغرفة :
“ هل تسكنان معاً ؟”
أومأ سونغ يوتشي بفخر :
“ انتقلتُ حديثاً . توسّلتُ إليه طويلاً حتى وافق أخيراً .”
وين دي: “ حسناً إذاً ، يبدو أن عليّ إيجاد حلّ آخر لمشكلة السكن "
: “ أي سكن؟”
فشرح لهم وين دي عن عودة صديقه إلى الصين ،
فارتفع حاجبا سونغ يوتشي إلى درجة صارت أشبه بحاجبي السنجاب ،
سونغ يوتشي : “ لما لا تعيش مع زوجك فقط ؟
هو بجوارك مباشرةً ، ولن تحتاج حتى لنقل أمتعتك .”
صرخ وين دي: “ هل أنتما NPC ثانويين مبرمجين ؟!”
( شخصية لعب )
استدار الاثنان نحوه في وقت واحد ، وعلى وجهيهما تعابير
استغراب متطابقة
هزّ وين دي رأسه بلا حيلة ، وأدرك فجأة أنّه هو الأقرب لأن
يكون NPC، إذ جرى ترتيب حياته بوضوح على أيديهما
قال موضحاً: “ أنا فقط أظن أننا غير مناسبين للعيش معاً
على المدى الطويل .
نحن نتشاجر بسهولة شديدة .”
أومأ سونغ يوتشي رأسه موافقاً لأنه شهد بنفسه إحدى معاركهما ، ثم أضاف :
“ لكن ، في النهاية ، سيكون كل شيء بخير "
: “ وكيف تعرف ؟”
أجاب سونغ يوتشي بلا رحمة وهو ينتقد صديقه الطفولي:
“ إنه متبلّد عاطفياً ، لكنه فعلاً يحبك .
أحياناً حتى من دون أن يدرك ذلك بنفسه .”
: “ حقاً ؟” لم يظهر وين دي شيئاً على وجهه ،
لكن شيئاً من الترقّب بدأ يتسلّل إلى قلبه :
“ وكيف اكتشفت هذا ؟”
حكّ سونغ يوتشي أذنه وتنهد:
“ هذا موضوع طويل…” وبدأ يحكي ماحدث ……
——- …
بعد أن استقرّت حالة والد بيان تشنغ —- ،
عاد بيان تشنغ إلى الولايات المتحدة
اندهش سونغ يوتشي عندما رأى أن بيان تشنغ قد اشترى تذكرة إلى لاس فيغاس
قال سونغ يوتشي بقلق :
“ لا تقل لي أنك تفكر بالعودة للبحث عنه ؟ لقد مرّت أيّام،
لا بد أنه غادر بالفعل !”
بيان تشنغ بهدوء :
“ أعرف "
كانت هناك فرصة واحد إلى عشرة ملايين أن يكون ذلك
الشخص ما زال هناك
لكن مهما كانت الاحتمالات ضئيلة ، لم يكن بيان تشنغ
ليتردّد في المحاولة
حتى لو كان قد غادر ، فربما ترك رسالة في مكتب الاستقبال
أو دليل يمكن العثور عليه في الفندق
لكن خيبة الأمل كانت أن ذلك الشخص لم يترك لا ملاحظة ولا رقم هاتف
وحتى بعدما عرض بيان تشنغ ' بقشيش ' كبير ،
كان جواب الفندق أنه لا يستطيع الإفصاح عن معلومات النزلاء
عاد إلى الحانة التي التقيا فيها أول مرة ،
وإلى الفندق الذي حجزا فيه زفافهما ،
لكنه لم يجد شيئ
بدأ يتذكر بعناية كل حوار دار بينهما ،
محاولاً استخراج أي تفصيل عن هوية ذلك الشخص ،
لكنه في النهاية لم يحصل إلا على القليل
الشيء الوحيد الذي تذكّره هو تاريخ الميلاد واسم المقاطعة على جواز السفر
لكن الجواز صُدر في بكين ،
وهذا لا يعني بالضرورة أن صاحبه يسكن هناك
وحتى لو كان كذلك ، فبكين تضم عشرات الملايين من
السكان ، ممتدة على مساحة 16 ألف كيلومتر مربع—
كان الأمر أشبه بالبحث عن إبرة في كومة قش
سونغ يوتشي : “ انسَى الأمر وتخطاه …
انسَاه ، الاحتمالات ضعيفة جداً "
أومأ بيان تشنغ ، وكأنه استسلم للفكرة
لكن بعدها بدأت تحدث أمور غريبة متتابعة ——-
المرة الأولى كانت حين ذهبا للأكل في سانليتون
وبينما في منتصف الوجبة ، وقف بيان تشنغ فجأة وخرج
قال سونغ يوتشي بحيرة: “ ما بك؟”
أشار بيان تشنغ إلى الطابور الطويل أمام المتجر :
“ أظنني رأيته .”
لكن ذلك الشخص لم يكن هناك
المرة الثانية ،
دعاه سونغ يوتشي للتزلج في الحلبة الجديدة بجامعة T
وبينما كانا في منتصف ارتداء الأحذية ، وقف بيان تشنغ فجأة وخرج
قال سونغ يوتشي بتعب: “ ماذا الآن؟”
أجاب بيان تشنغ مشيراً إلى أحد الطلاب أمام الخزائن: “ أظنني رأيته "
لكن ذلك الشخص لم يكن هناك
المرة الثالثة ، أخذ سونغ يوتشي معه بعض المكمّلات
الصحية لزيارة جدّ بيان تشنغ
وما إن فُتح الباب نصفه حتى…
قال سونغ يوتشي بتنهيدة: “ حسناً، وأين هو هذه المرة؟”
أشار بيان تشنغ إلى مكتب في ناطحة سحاب تبعد كيلومترين
صرخ سونغ يوتشي غاضباً: “ لا تكن سخيفاً !
الواجهة الزجاجية تعكس الضوء !
من الذي يمكنك أن تراه !”
لكن بيان تشنغ أصرّ: “ إنه يشبهه حقاً "
تنهد سونغ يوتشي وربت على كتفه : “ لو كنتُ إلهاً ، لتركتك
بالتأكيد تلتقي به من جديد "
لكن لسوء الحظ ، لم يكن الأمر مجرّد إبرة في كومة قش
داخل العاصمة الشاسعة فحسب،
بل حتى داخل جامعة T، بحرمها الممتد وعشرات الآلاف من الطلبة ،
كان لا بد أن يمرّا بلا عدّ على بعضهما قبل أن يلتقيا من جديد ،
————
وبعد أن أنهيا سرد الماضي السخيف ،
أطلق الثنائي جولة جديدة من التنهّدات
ودّعهما وين دي —- ثم خرج من الممر شارد الأفكار ،
يحدّق في سماء العاصمة
السماء الزرقاء الصافية نادرة ،
تزيّنها خيوط من السحب البيضاء العائمة ،
مانحة إحساساً بالسكينة يتجاوز حدود الزمن ،
أخرج هاتفه واتصل —
أجاب بيان تشنغ بسرعة —-
وين دي: “ لنلتقِي . عندي أمر أود أن أناقشه معك .”
فسأله بيان تشنغ فوراً : “ أين أنت؟ سأأتي لأخذك .”
أخبره وين دي باسم المجمع السكني،
وبحلول الوقت الذي وصل فيه إلى جانب الطريق،
كانت الكاديلاك المألوفة قد توقفت بالفعل أمامه
راقب وين دي وهو يرى بيان تشنغ يخرج من مقعد السائق
قال بدهشة: “بهذه السرعة؟”
ابتسم بيان تشنغ: “ يا لها من صدفة ، كنتُ أبحث عنك للتو "
دعاه للجلوس في المقعد الأمامي
وما إن فتح وين دي باب السيارة حتى لمح ملف موجود
على المقعد ، وعليه ورقة ملاحظات صغيرة مكتوب عليها اسمه
أخذه ، وقد شعر بثقله ، فسأل: “ ما هذا ؟”
أجابه بيان تشنغ: “ أردت أن أعطيك موادك ،
لقد رتبتها للتو "
ارتسمت الحيرة على وجه وين دي
{ هل نحتاج أنا وبيان تشنغ إلى أوراق مكتوبة لنتواصل بيننا ؟ }
فقال مازحاً : “ لا تقل لي إنه اتفاق ما بعد الزواج لتقسيم الممتلكات ؟”
تفاجأ بيان تشنغ بنظرته ، فاضطر وين دي لتوضيح أنه كان
يمزح. ثم فضوليّاً سحب الملف وفتحه: “إذن لا بد أن يكون…”
وتوقف ——
في الصفحة الأولى كُتب [ نظرة عامة على اتجاهات
التحليل الكمي لأعمال شكسبير ]
وتحته فهرس مصنَّف يغطي كل شيء ——-
من هوية المؤلف وإسناد النصوص ،
إلى الخصائص الأسلوبية واللغوية ،
والموضوعات العاطفية ، وشبكات الشخصيات ،
والسياقات التاريخية والثقافية ——-
لكل اتجاه مراجع ممثِّلة ، وبلغت المراجع نحو 16 صفحة—
مما يكفي لكتابة أطروحة دكتوراه كاملة ——-
تجمّد وين دي محدّقاً في الوثيقة ، وكأن الزمن قد توقّف فجأة
كان بيان تشنغ ينتظر منه تعليق ، لكن صمته طال
عندها سحب الملف مجدداً وأخرج منه ذاكرة USB
وقال : “ هذه النسخة الإلكترونية .”
ظل وين دي يحدّق في القطعة المعدنية الصغيرة وكأن
فهم ماهيّتها يتطلّب جهداً عظيماً
قال بيان تشنغ: “ منذ فترة تحدثتُ مع بروفيسور في قسم علوم الحاسوب .
في 2016، اجتاز عمل روائي أنتجته الذكاء الاصطناعي
التصفية الأولية لجائزة هوشي شينيتشي الأدبية ،
وقد أثار ذلك اهتمامه .
هو أيضاً يستخدم البيانات الضخمة لتحليل الأعمال الأدبية.
ويبدو أن نشر أوراق بحثية عن التحليل الكمي للنصوص في
مجلات مرموقة أمر أسهل نسبياً ، والمسار أسرع .
فاعتقدت أن هذا اتجاه مناسب ،
فجمعت لك بعض المراجع . بالطبع ، مجرد اقتراح .”
ابتلع وين دي عدة مرات حتى وجد صوته أخيراً :
“ ولماذا تساعدني في إيجاد المراجع؟”
أجاب بيان تشنغ: “ ألستَ تريد العمل في المجال الأكاديمي؟
بما أنك اتخذت القرار ، فمن الأفضل أن تستهدف منصة أعلى .
وأيضاً هذا اتجاه يجمع بين العلوم والآداب .
في جامعة بنسلفانيا مثلاً ، يضعون اللسانيات الحاسوبية
تحت قسم علوم الحاسوب — يمكن القول إنه تحوّل عابر للتخصصات .”
أخذ وين دي الـUSB والملفات ووضعها على ركبتيه
وبعد صمت طويل ، رد أخيراً : “شكراً لك "
بيان تشنغ : “ أنا في الحقيقة أتساءل ، بما أن لديك خلفية
علمية وتدرس الأدب ، ألم يخطر لك التفكير بالتحليل الكمي من قبل ؟”
وين دي: “ مشرفي ليس في هذا المجال . لا يفهمه ، وأنا كذلك .
لم أقترب من الرياضيات منذ أن دخلت الجامعة .”
فكر بيان تشنغ قليلاً ثم قال: “ لكنّك سريع التعلّم .
أنا واثق أنك ستتجاوز الأمر .
وإن واجهتك أي مشكلة ، يمكنني أن أدرّسك بنفسي .”
ابتسم وين دي
{ أنا … مازلت أحب البروفيسور بيان كثيراً بصفته معلماً }
لم يكن الملف في يدي وين دي ثقيلاً حقاً،
لكنه كان يفهم وزنه جيداً
شخص يكره شكسبير إلى هذا الحد ، غاص رغم ذلك بجهد
في دراسات شكسبير ،
وقلّب مئات الأوراق البحثية ، ليُعدّ له هذه المراجعة
شكره مجدداً قائلاً : “ شكراً على تعبك "
فأجابه بيان تشنغ: “ إنه لا شيء ، أقرأ الأوراق بسرعة ...”
ثم تذكّر السبب الأصلي للمكالمة : “ بالمناسبة ، ألم تقل إن
عندك شيئاً تريد مناقشته ؟”
: “ آه، صحيح ….” كان وين دي قد كاد ينسى المسألة
الأساسية بعدما شتّته موضوع المراجع ،
فاعتدل في جلسته وقال :
“ الطالب الذي أجّرني شقته سيعود قريباً ،
وأنا لا أحتمل السكن مع زملائي في سكن الدكتوراه لكثرة
الخلافات . لكن إيجار بكين باهظ جداً ….”
بدأ يعدّ بصمت في ذهنه
ثانية… ثانيتان… ثلاثة… أربعة… خمسة…
ثم قال بيان تشنغ : “ كم تحتاج ؟”
أغمض وين دي عينيه بيأس
{ حسناً، بعد هذا العدد من المرات ،
أصبحت أعرف السر في التواصل مع بيان تشنغ —- :
لا تلمّح ، لا تلتف ، ولا حتى بنصف درجة ... }
تنهد وقال: “ ليس الأمر أني أريد مالاً "
سكت بيان تشنغ لحظة ، ثم سأل متردداً :
“ هل تريد أن تنتقل للعيش معي ؟”
تنفّس وين دي بارتياح —- في السابق، كان هذا الشخص
يحتاج ثلاثة أشهر ليخمن الإجابة الصحيحة ؛
هذه المرة احتاج فقط نصف دقيقة
{ شاب يستحق التعليم ، شاب يستحق التعليم }
قال بيان تشنغ مبرّراً : “ كنتُ سأقترح ذلك ،
لكن خفت أن تغضب .”
سأل وين دي بدهشة : “ ولماذا أغضب ؟
أنت تعرض عليّ مكاناً أسكن فيه ، ما الذي يغضب في ذلك ؟”
بيان تشنغ: “ ألم تقل إنه في كل مرة نقضي معاً أكثر من
اثنتي عشرة ساعة ، أنتهي بقول شيء خاطئ يجعلك تغضب ؟
إذا عشنا معاً ، أخشى أن أُغضبك ثانيةً .”
ابتسم وين دي بمرارة : “ توجد عبارتان ، مهما كان الوقت ،
لن تكونا خطأ أبداً .”
: “ ما هما ؟”
قال وين دي وهو يلتقي بعينيه : “ أفتقدك .. وأنا معجب بك "
ظل بيان تشنغ ينظر إليه
فقال وين دي مطمئناً : “ لا تقلق يااه ،
حتى لو أغضبتني وابتعدتُ ، فلن أذهب بعيداً .”
ثم أمسك بيده ..
وتابع : “سأكون في انتظارك لتلحق بي،
وكل ما عليك وقتها أن تقوله هما هاتان الجملتان .”
يتبع
✒️زاوية الكاتبة :
الفصل التالي سيركز على الثنائي الثانوي
( فني الغلايات وصياد قناديل البحر)
تعليقات: (0) إضافة تعليق