Ch11 برج الأبروش
خلال الأسبوع التالي ، التقى تشن جيايو وفانغ هاو عدة
مرات في القناة الجوية ——-
كانت لقاءاتهم هادئة وعادية ، إذ بدا أنهما يتفاديان ساعات
الذروة المزدحمة ، وكلما استدعت الحاجة إلى فانغ هاو
كان حضوره يُعتمد على الفور
لكن الأمور تغيّرت مساء الجمعة حين بدأ المطر يتساقط —-
فالطقس يؤثر تأثيرًا بالغًا على الطيران المدني ، سواء
بالنسبة إلى الطيارين أو مراقبي الحركة الجوية ،
إذ إن مجرد تغيّر طفيف في الأجواء يضاعف عبء العمل على الفور ،
لكن هذا الوضع لم يُربك فانغ هاو ——
فقد كان يوجّه الأوامر بمهارة وهدوء ، متابعًا مختلف الرحلات ،
مذكّرًا بالطقس ومستويات الوقود —- باختصار ، كان هو
صاحب القرار ، والجميع يستجيب له بسرعة
خاطب فانغ هاو فريق تشن جيايو بعد أن هبطت الطائرة التي أمامهم :
“ إير تشاينا 1560 معك بكين ابروش ، الرادار رصدكم ،
حافظوا على ارتفاع 4500، السرعة 350 ،
توقّعوا… هبوطًا أعمى على المدرج 17 يمين .”
أمسك تشن جيايو جهاز اللاسلكي وقال:
“ مساء الخير بكين ابروش . هل يمكننا طلب المدرج 17L ؟
معك إير تشاينا 1560.”
ورغم أن الفارق في الألفاظ بين “17L” و”17R”
طفيف ، إلا أنهما في الواقع مدرجان مختلفان تمامًا يمتدان
نحو الشمال وبينهما مسافة لا يُستهان بها
الهبوط على 17 يمين يعني قطع طريق طويل يستغرق 25
دقيقة تقريبًا للوصول إلى منطقة التوقف
وبما أنه كان قد هبط على 17 يمين في المرات الثلاث
الماضية ، فكّر في أن يجرب هذه المرة
ومع ذلك ، كان يتوقع الرفض منذ البداية ، إذ رغم انخفاض
حركة الطائرات في تلك اللحظة ، إلا أن الأحوال الجوية لم
تكن مواتية ، واتباع الإجراءات المعيارية هو الأسهل لكلٍّ من ابروش وبرج المراقبة ،
ألقى فانغ هاو نظرة ثم ردّ:
“ إير تشاينا 1560… لحظة فقط "
شعر تشن جيايو أن هناك احتمال
و بعد ثانية ، خاطب فانغ هاو الطائرة التي أمامهم:
“ ساوثرن 3788 كيف حالة المدرج عندكم ؟”
فأجاب كابتن ساوثرن :
“ يوجد بعض تجمعات المياه على المدرج ، لكن الوضع
الإجمالي مقبول . الهبوط آمن ”
عاد فانغ هاو إلى تشن جيايو:
“ إير تشاينا 1560 المدرج 17L فيه مياه وبعض الرياح الخلفية ،
اتجاه الرياح 160، سرعتها 5 أمتار في الثانية . ما قراركم ؟”
وبالنظر إلى أن الظروف تقع فعلًا على الحد الفاصل
للموافقة على الهبوط ، أجاب تشن جيايو دون تردد :
“ نؤكد القبول . إير تشاينا 1560 "
—
هبط تشن جيايو بطائرته على أقرب مدرج دون انتظار في الطابور
وكان في مزاج جيد ، وعندما سمع فانغ هاو يقول: “ إنهاء
خدمات الرادار”، وهو يحوله إلى برج المراقبة ، لم يستطع أن يمتنع عن مزحة صغيرة :
“ تلقينا ، إير تشاينا 1560. شكرًا الجنرال فانغ ”
أمسك فانغ هاو بالمايكروفون وردّ :
“ إير تشاينا 1560…” بدا وكأنه غير متأكد كيف يتعامل مع الموقف ، فأضاف:
“ما لم يكن الأمر طارئًا ، رجاءً لا تشغلوا التردد "
بدأت نبرته جادة ، لكنها انتهت بابتسامة خفيفة —-
سارع تشن جيايو بالرد :
“ لا مشكلة ، أردت فقط أن أُعبّر عن تقديري لعملك ،
إير تشاينا 1560 "
ضغط فانغ هاو زر التحويل ، ولم يكن متأكدًا مما يجب أن
يقوله ، فعاد للصمت مجدداً
أما بقية الكباتن الذين كانوا ما زالوا على التردد ، فالأرجح
أنهم استمتعوا بالضحك من هذا الحوار ~~
المزاح عبر الراديو لم يكن أمرًا غريبًا ، خاصةً عند التواصل
مع مراقبات جويات بأصوات لطيفة ،
لكن تشن جيايو كان على الأرجح أول من تجرأ على تبادل
حديث كهذا مع فانغ هاو ~~~
وفي النهاية ، لم يجد فانغ هاو ما يقوله سوى :
“ على الرحب والسعة ؛ هذه وظيفتي ”
هبطت طائرة البوينغ 737 التابعة لإير تشاينا بسلاسة على
المدرج المبتل ، وبدأت تُبطئ وهي تتجه نحو المخرج
وبعد أن خرجت من تردد الاقتراب ، لاحظ فانغ هاو أن طائرة تشن جيايو وفريقه قد هبطت بالفعل على المدرج
وباقتداء بهم ، تقدّمت عدة طائرات أخرى في الطابور بطلب الهبوط على المدرج نفسه
لكن طائرة إير تشاينا لم تكن قد أخْلت المدرج بعد ، بينما
طائرة أخرى خلفهم مباشرةً
لذا اضطر فانغ هاو إلى رفض طلباتهم وإعادتهم إلى المدرج الأصلي
من دون أن يدري فانغ هاو —- قطعت تشو ييرو الحديث
من برج المراقبة عبر التردد ، موجهة كلامها إلى تشن جيايو وطاقمه :
“ إير تشاينا 1560، أنتم… ألا تسيرون ببطء شديد ؟
رجاءً أسرعوا قليلاً "
أجاب تشن جيايو :
“ برج المراقبة يوجد مياه راكدة على الأرض . نحن نبذل ما بوسعنا ”
أحد الكباتن وبدا أنه من خطوط إيسترن لم يستطع كتم دعابته :
“ الخطوط الملكية الصينية ، أليس كذلك ؟”
كانت نكتة قديمة ؛ فإير تشاينا هي الناقل الوطني الرئيسي
وغالبًا يحظون بأفضل المسارات ، مما يجعلهم عرضة للمزاح من بقية الطيارين وكأنهم طيران ملكي
طيار من خطوط ساوثرن أضاف مازحًا :
“ الأخ جيا أنت تستحق هذه المعاملة الخاصة ”
وعلى نحو غير مسبوق ، انضم فانغ هاو إلى المزاح :
“ الهبوط بسلاسة على مدرج فيه مياه راكدة ورياح خلفية
يُعتبر معاملة خاصة هاه ؟”
ثم استعاد جديته :
“ إيسترن 570 أليس وقودكم على وشك النفاد ؟
المدرج 17L يشهد هبّات رياح قوية ، إن لم تتمكنوا من الهبوط بأمان ، فستضطرون للالتفاف ،
تأكدوا من الوقود ”
سارع كابتن إيسترن بالرد:
“ لا، لا. بكين أبروش نؤكد أننا ما زلنا في مسار الاقتراب .
إيسترن 570 ”
أكّد فانغ هاو:
“ تلقّيت إيسترن 570 "
لم يُعِر كثيرًا من الاهتمام للمزاح الخفيف ؛ فطالما لم
تُخالف الإجراءات ، لم يكن يمانع بعض الدعابات الودّية
لكن في داخله تساءل { أكنت الوحيد الذي يهتم حقًا
بموضوع المعاملة الخاصة التي تلقّاها تشن جيايو؟ }
بعد انتهاء نوبته ، أخرج فانغ هاو هاتفه ليجد ثلاث رسائل على ويتشات
الأولى من تشو ييرو —- تقترح أن يذهبا لتناول أسياخ
الشواء في مكان قرب المطار بعد العمل
وبما أنهما على الوردية نفسها ، فقد توافقت مواعيدهما تمامًا
شعر فانغ هاو بالجوع ، فأجابها بكلمة : [ حسنًا ]
أما الرسالة الثانية فكانت من غو تشون —- يناقش فيها
خطط العشاء مساء السبت
وقد أرسل له ثلاثة مطاعم ليختار منها
وجد فانغ هاو نفسه في حيرة طفيفة
عادةً، لم يكن يمانع أن يُرتّب الآخر خطط للخروج والخ ،
وإذا كان شخص ما مستعدًا لبذل الجهد ، فهذا يوفر عليه العناء
لكن بما أنهما لم يلتقيا سوى مرة واحدة ، وحين وافق على
العشاء لم يكن بالضرورة موعدًا غراميًا، وقد تساءل إن كان
غو تشون قد فهم الأمر على نحو مختلف
وأثناء مروره لأعلى المحادثة ، فوجئ بالرسالة الأخيرة التي
كانت من تشن جيايو — مرفقة بصورة
لم يستطع فانغ هاو مقاومة فضوله ، ففتحها
[ شكرًا على اليوم ]
وتحتها صورة
فبعد وقت قصير من هبوط رحلة إير تشاينا ، كانت الأمطار قد توقفت ، وتبدّدت الغيوم ،
ليغمر مطار داشينغ بـ غروب مذهل للشمس
التُقطت الصورة من قمرة القيادة ، مانحةً زاوية رؤية فريدة ،
مع بروز المدرج وراء الساحة مباشرة
ولم يكتفِي تشن جيايو بذلك ، بل أضاف رسالة أخرى أسفلها :
[ المنظر من المدرج 17L رائع حقًا ]
حينها فهم فانغ هاو قصده ، وردّ بسرعة :
[ كان أحدهم يمازحك بلقب ' الخطوط الملكية الصينية ' ]
سأل تشن جيايو :
[ من كان ؟ ]
أجاب فانغ هاو:[ لا يوجد رمز اتصال ، لا أتذكر ]
بالطبع، كان يتذكر جيدًا أنه قائد رحلة إيسترن 570 لكنه
تظاهر بالنسيان تجنّبًا لإثارة أي مشكلات
اقترح تشن جيايو :
[ المرة القادمة ، أعطني المدرج 17L ، وسأدعوك على قهوة ]
ابتسم فانغ هاو ، وفكّر أن تشن جيايو لا بد أنه كان ينتظر هذه اللحظة
{ هل يشعر بعدم الراحة إن لم يحصل على معاملة خاصة ؟ }
لكن هذه المرة ، لم يشعر بأي انزعاج منه ، بل اكتفى بالرد :
[ وماذا عن اليوم ؟ ]
تحمّس تشن جيايو على الفور :
[ هل انتهيت من العمل الآن ؟ أنا مستعد للوفاء بوعدي ]
بعد خمس دقائق فقط ، وصل فانغ هاو إلى مقهى كوزا ولوّح بيده قائلًا:
“ جيا غااا ”
كان تشن جيايو قد بدأ بالفعل في تقديم الطلب وفاءً بوعده ، سأله :
“ ماذا تود أن تشرب ؟ كولد برو ؟”
ثم أخرج بطاقة عضوية كوزا
هذا المقهى القريب من المطار و مشهور بتقديم أفضل
قهوة ، بحسب تجارب المراقبين الجويين ، وطاقم
الطائرات ، والطيارين الذين اعتادوا ارتياده
تفاجأ فانغ هاو قليلًا :
“ كيف عرفتَ أنني أفضّل الكولد برو ؟”
لقد أُعجب بدقة تخمين تشن جيايو — لكن فانغ هاو كان
على وشك إنهاء مناوبته ، ولم يكن بحاجة إلى الكافيين ليبقى يقظًا ، وقف أمام قائمة المشروبات متأنيًا في اختياره،
وفي النهاية استقرّ على لاتيه الماتشا منزوع الكافيين بنكهة الأزهار ، وبعد أن حسم أمره ، مازح قائلًا :
“ سأختار الأغلى فقط لأحرجك ”
في الحقيقة لم يكن الفارق إلا بين عشرين وخمسٍ وعشرين يوان ، لكنه كان يعلم أن تشن جيايو لا يكترث للسعر ، لذا قالها بثقة
ابتسم تشن جيايو وأجاب :
“ اختر ما شئت ، سأشعر بالذنب إن كان أرخص ،،
ما رأيك ببعض المعجنات الفرنسية ؟”
هزّ فانغ هاو رأسه رافضًا المعجنات، وسأله:
“ هل المدرج 17L مميّز فعلًا ؟
سواء أكنت تُسيّر الطائرة خمسًا وعشرين دقيقة من 17 يمين ثم تعود إلى المنزل ،
أو خمس عشرة دقيقة من 17L ثم تستقر عشر دقائق، أليس الأمر واحدًا ؟”
قالها وهو يحسب له الأرقام بمزاح
لم يتمالك تشن جيايو نفسه فردّ :
“ أنا بالتأكيد لم أستغرق خمس عشرة دقيقة في ممر التاكسي الآن ”
لكن في داخله لم يقاوم التساؤل { هل سبق لفانغ هاو أن استغلّ أحد في حياته ؟ }
فانغ هاو :
“ تحاول خداعي ، أليس كذلك ؟ ييرو كانت تشتكي من بطء سيركم على المدرج قبل قليل ”
اكتفى تشن جيايو بابتسامة عريضة — ثم تغير الحديث
بينهما إلى جداول العمل الأخيرة ، رغم أنها لم تكن ذات
أهمية كبيرة ، لكنّ الوقت انساب سريعًا ، فإذا بعشر دقائق تمرّ دون أن يشعرا
حين أنهت تشو ييرو مناوبتها في البرج ونزلت ، نظرت
حولها لكنها لم تجد فانغ هاو
وصلتْها عندها رسالة منه على ويتشات يقول فيها إنهما سيلتقيان في كوزا
توجّهت إلى هناك ، لترى فانغ هاو وتشن جيايو يقفان عند
طاولة البار السوداء في الداخل ، يتحدثان سويًا
كان فانغ هاو مرتديًا زيّ المراقب الجوي ، يعلوه سويتر
صوفي رمادي ، وبنطال أسود رسمي
بينما تشن جيايو في زيّ الطيار ، مع معطف أسود يميّزه بوضوح
كوزا بتصميم مفتوح على هيئة جزيرة ، والاثنان واقفان
وسط الممر ، مما جذب أنظار المارة ، ولا سيما النساء
فانغ هاو أول من لمح تشو ييرو — فحيّاها :
“ أهلاً ، نحن هنا ”
تفاجأت قليلًا برؤية تشن جيايو، فحيّته بودّ:
“ الأخ جيا ”
ثم التفتت إلى فانغ هاو وقالت :
“ انتظرتك قليلًا . ظننت أن مديرك استدعاك فجأة ”
كان فانغ هاو في مزاج جيد ، فأشار بذقنه نحو تشن جيايو ممازحًا :
“ أنظري من هنا ، بأربعة شرائط على كتفه ( الرتب على الشارة ) . ألا يُحسب مديرًا ؟”
أجاب تشن جيايو بخفة ودون أن يفوته الرد :
“ لا على الإطلاق . و في السماء ، كلاكما مديراي ”
ضحك فانغ هاو لكنه لم يرد بشيء
سأل تشن جيايو :
“ هل أنتما ذاهبان إلى العشاء ؟”
شعرت تشو ييرو ببعض الارتباك
كان تشن جيايو طويل القامة ، عريض الكتفين ، نحيف الخصر ،
ورغم قضائه أكثر من عشر ساعات خارجًا ، ظلّ شعره مصففًا بشكل مثالي ، و عيناه الكبيرتان ، وجفناه المزدوجان ،
وجسر أنفه البارز أضفوا عليه وسامة لا يمكن إنكارها ،
لم تستطع أن تمنع احمرار وجهها حين نظر إليها عن قرب
ومع ذلك ، وجّهت له دعوة بدافع اللباقة ، خصوصًا أنهم تناولوا الطعام معًا من قبل :
“ اووه … الأخ جيا هل تود الانضمام إلينا ؟”
نظر تشن جيايو إلى ساعته — كان يرغب بالقبول ، لكنه أدرك أنها مجرد مجاملة
ثم تذكّر أن عليه زيارة والدته في المستشفى لاحقًا ، فقال:
“ لقد تناولت الطعام في شينجن ،، لدي أمر أتابعه اليوم ، لذا سأعتذر .
المرة القادمة على حسابي ، موافقان ؟”
أومأت تشو ييرو ، وودّعه فانغ هاو أيضًا
وبينما تشن جيايو يغادر ، تمتمت تشو ييرو :
“ تبدو علاقتكما جيدة هذه الأيام ”
ارتشف فانغ هاو قليلاً من لاتيه الماتشا، وأجاب :
“ أحيانًا لا يتعرّف الناس إلى بعضهم إلا بعد شجار ”
لم تستطع تشو ييرو كبح تذمّرها :
“ لا أصدق أنني اضطررت للتعامل بصرامة معه اليوم ،
لم تراه وهو يسيّر الطائرة بسرعة سلحفاة مع مساعده ”
ضحك فانغ هاو :
“ الحديث سهل حين لا تكون أنت من يقود الطائرة ”
يتبع
حبيبي الكريم الي يعزم الكل 😩💜✨
ردحذف