الفصل مئة وأربعين : ألسنة حادّة وأنْياب قاطعة؛ رياح مُبتلَعة وسهام مُمزَّقة
تنفّس شي ليان بعمق ثم استدار.
قال بهدوء:
"كنت أرغب في التحدث مع أحد، لكن بما أنّ مصفوفة التواصل الروحي في المحكمة العليا باتت فوضى، ولا أعرف كلمات السرّ الشفهية لأي مسؤول سماوي آخر، فلا أستطيع إيصال شيء حتى لو أردت. فو ياو، هل تحفظ كلمة السرّ لأي مسؤول سماوي؟ فقط لأبعث بخبر أنني هنا، وأطلب شيئًا من الدعم."
كان يتكلم بارتياح طبيعي، وبإقناع شديد، حتى إن الغيوم المكفهرة التي غطّت وجه فو ياو تبددت.
قال بلهجة أهدئ :
"لا أعرف. السماء غارقة في الاضطراب، والجميع مشغول. دبّر أمرك بنفسك."
في تلك اللحظة، تدخّل هوا تشينغ من جانبه:
"غاغا، الطفل لم يذق طعامًا منذ يومين، والحمّى تلتهم جسده."
اقترب شي ليان ليتفقده، وبالفعل كان جبين غوزي ساخنًا لدرجة تكفي لقلي بيضة عليه. على الفور أمسك بشي رونغ ورفعه بعنف، يسأله:
"كيف تعتني بالأطفال على هذا النحو؟!"
بصق شي رونغ ووجهه مغطى بالدماء:
"وهل هذا الجدّ أبوه الحقيقي؟! يكفي أنني لم ألتهمه بعد! أليس هذا عملًا رحيمًا يُحسب لي؟ سجّلها في ميزان حسناتي!"
علّق شي ليان ببرود:
"أظن أنك لم تأكله فقط لأنه محموم ولن يكون طعمه جيدًا."
ترددت لان تشانغ قليلًا، ثم قالت:
"هل الطفل مريض؟ دعني أنظر إليه."
كانت هي الأخرى مليئة بالكدمات والجروح من سقوط عوارض الكوخ، لكنها رقّت لحال الطفل وزحفت نحوه. احتضنت غوزي، وضعت كفها على رأسه، مستعملة برودة جسدها لتخفيف حرارته. وفي هذه الأثناء تقدّم فو ياو ممسكًا بروح الجنين، محبوسة داخل طلسم.
قال بصرامة:
"حان وقت الرحيل."
لم تكن لان تشانغ راغبة بالمغادرة، لكن ما دام ابنها بيده فهي عاجزة.
تدخّل شي ليان:
"انتظر. لا ترحل بعد. فو ياو، هل تستطيع التواصل مع جنرالك الآن؟"
رمقه فو ياو بريبة:
"ولماذا تسأل؟"
تردّد شي ليان ثم قال:
"في الحقيقة..."
وفجأة، امتدت يده بسرعة البرق، وأمسك ذراعي فو ياو وادارها خلف ظهره بإحكام شديد، وقيده قبضة قاتلة قبل أن يتابع:
"في الحقيقة، أعلم منذ البداية أنه في ورطة!"
تفاجأ فو ياو واشتعل غضبًا:
"أنت! أيها المخادع—!"
قال شي ليان:
"لا، هذا كله بقوتي الخاصة. جرّب أن تباغتني بنفس الطريقة، وانظر إن كنت قادرًا على الإمساك بي."
صفّق هوا تشينغ مؤدبًا وقال:
"أتفق معه."
كاد فو ياو أن ينفجر من الغيظ.
"إذن، لِمَ لا تطلق سراحي الآن لأجرب؟!"
اعتدل شي ليان بجدية:
"في المرة القادمة إن سنحت الفرصة. أما الآن فهناك ما هو أهم. فو ياو، ساعدني في إقناع جنرالك بالعودة إلى المحكمة العليا."
خفض فو ياو صوته وهو يكتم غضبه:
"العودة؟! سهل أن تقول ذلك! لو كنت مكانه، هل كنت ستعود؟ تعود لتُظلَم وتنتظر الحكم؟ تعود لتنتظر الموت؟!"
قال شي ليان بجدية ثابتة:
"لا تنفعل. أنا جاد. وضع جنرالك لم يصل بعد إلى طريق اللاعودة. خطؤه الأكبر كان فراره. إن استطعت الوصول إليه، فأخبره أنني قادر على مساعدته في التحقيق."
أصيب فو ياو بالذهول:
"أنت؟ تساعده؟"
قال شي ليان:
"بالطبع. لقد أجريت الكثير من التحقيقات، ولدي خبرة أوسع منه."
قهقه فو ياو ساخرًا:
"سموك ، هل أُذكّرك كم مسؤولًا سماويًا حققت معهم منذ عودتك؟ وكم منهم سقط بعد أن حققت معهم؟"
تنحنح شي ليان بخفة وقال:
"المشكلة لم تكن مني. إن لم يكن قد ارتكب جرمًا، فبإمكاني إثبات براءته."
قاطعَه فو ياو ساخرًا:
"كفى! الجميع يعرف الأحقاد بينكما. مساعدته في التحقيق؟ وهل سينجو لو ترك الأمر لك؟ إن أردت استغلال الفرصة لتسخر منه وتسقطه، فقلها صراحة بدل أن تتظاهر بالبراءة!"
اسودّ وجه هوا تشينغ للحظة، ثم ابتسم ابتسامة باردة:
"دع الأمر غاغا. هذا الشخص لا يعرف للجميل معنى، فلماذا تُرهق نفسك؟ هناك أُناس وُلدوا ناكري المعروف، يحكمون على الآخرين بنواياهم الدنيئة. ما دام لا يثق بك، فليتخبط وحده."
رمقه فو ياو بسخرية:
"طفل صغير؟"
أجابه هوا تشينغ بابتسامة لاذعة:
"مسؤول مبتدئ؟"
تصلّب وجه فو ياو.
شدّد شي ليان قبضته وقال بنبرة هادئة:
"الخلاف الشخصي شيء، والجريمة شيء آخر. كونه على خصام معي لا يعني أنه ارتكب خطيئة. مو تشينغ، مع أنه ضيق الأفق، حقود، حساس، شكاك، سيئ الطباع، كثير الظنون، لا يعرف قول الكلمة الطيبة، مولع بالثرثرة، يسيء للآخرين بسهولة، لا أصدقاء له، ولا ينسى صغائر الأمور"
"...."
توقف شي ليان ليأخذ نفس مع وجه مستقيم ولكن بالنهاية اضاف :
"... لكن، بما أنني أعرفه منذ الطفولة، أعلم أنه يملك مبادئ."
"...."
وأضاف:
"قد يبصق في كأس من يكرهه، لكنه لن يلوّث ماء الناس بالسم."
"...."
قال هوا تشينغ ببرود:
"حقًا؟ هذا مقرف على أية حال."
صرخ فو ياو حتى برزت عروقه:
"مستحيل! هو لا يبصق أصلًا!"
ابتسم شي ليان وقال بهدوء:
"إذن وضع الملينات."
كان فو ياو يجهد نفسه ليكبح غضبه وقال:
"أأنت مضطر لوصفه بهذا الشكل؟ أأنت تدافع عنه أم تطعن فيه؟"
ابتسم شي ليان باعتذار:
"المعذرة، لم أجد أمثلة أوضح في تلك اللحظة."
تلوّى فو ياو محاولًا الإفلات، لكن قبضته كانت محكمة. صاح مذعورًا:
"هل كنتَ تسرب الأخبار إلى السماء قبل قليل؟"
أجابه شي ليان بنبرة ثقيلة:
"ليس بعد... كنتُ أتبادل الحديث فحسب. لا تقلق، لن أُسيء إلى جنرالك. إن لم يرغب في العودة، فليكن، فليأتِ معي ونمضي معًا. هكذا سيكون هناك شاهد على كل ما يفعله، وإلا فلن يتمكّن من تبرئة نفسه، بل ستزداد الأمور سوءًا..."
وفجأة، دوّى ضحك فظّ أجشّ من خلفهم. كان شي رونغ قد ثبت بصره على وجه لان تشانغ، ثم استبدّ به الجنون:
"هاهاهاها! أتساءل منذ قليل مَن تكون! أليست... أليست هذه الآنسة جيان لان؟!"
ارتجفت لان تشانغ وهي تحتضن غوزي بين ذراعيها لتخفّض حرارته، واتسعت عيناها في رعب:
"مَن أنت؟ ولماذا أنت أيضًا..."
قهقه شي رونغ باستهزاء:
"كيف أعرف؟ بالله عليك! لقد كدتِ تنادينني يا ابنة العم! ما هذا؟ الكل صار أشباحًا، وكل الوجوه مألوفة! يا له من عالم صغير يعجّ بالمعارف!"
قطّب شي ليان جبينه وقال:
"شي رونغ، هل جننت مجددًا؟ مَن هذه جيان لان؟"
سخر شي رونغ:
"هيه، يا ابن العم وليّ العهد، أأنت أعمى أم تتغابى؟ أنظر جيدًا! إنها زهرة فتيات مملكة شيان لي—الآنسة جيان لان! عائلتها من أعتى السياسيين وأغنى التجّار، جاه وبذخ لا يُقاس. ملامحها متوسطة، لكن اسمها يتصدّر قوائم الجمال في شيان لي كل عام. متغطرسة، متعالية، لا ترى أحدًا بعينيها. كادت تدخل الحريم، بل كادت تُنتقى كجارية إليك !"
تسارعت أنفاس شي ليان، وحدّق في وجه لان تشانغ. بالفعل، كان الملك والملكة قد أبديا رغبة في اختيار جارية له قديمًا، وجمعا نخبة من الفتيات إلى القصر في مأدبة كي يلمح إن أعجبته إحداهن. غير أن شي ليان الفتى كان غارقًا في العبادة والتأمل، فانصرف بعد جولة واحدة دون أن يحفظ وجهًا أو اسمًا.
التفتت لان تشانغ نحو فو ياو، لكن الأخير اكتفى بزفرة باردة:
"جنرالي لم يذكر شيئًا من هذا. لكنها أيضًا من بقايا شعب شيان لي، فلا عجب إن رأته من قبل."
نظر شي ليان إلى هوا تشينغ ، فلم يجد على ملامحه أي دهشة، وكأن الأمر لم يفاجئه.
تمتم شي ليان مخاطبًا لان تشانغ:
"هل كنتِ حقًا..."
لكنها سارعت لتسدّ أذنيها وتصرخ:
"لا تقلها! لا تنطق ذلك الاسم! لقد... محوتُه منذ زمن بعيد!"
توقّف شي ليان مذهولًا، ثم أنزل ذراعه وزفر بعمق.
ابنة العائلة الرفيعة في ذلك الزمان البعيد، غدت الآن عاهرة في عالَم الأشباح. لا شك أنها غيّرت اسمها لئلا تجلب الخزي لعائلتها الراحلة، رافضة الاعتراف بأن المرأة التي صارتها اليوم هي ذاتها الفتاة التي كانت.
لقد كانت يومًا من تابعيه ومؤمنيه، فكيف لا يزفر أسًى وحزنًا؟
في تلك اللحظة، شعر بدفء ينساب إلى يده. فنظر، فإذا به هوا تشينغ ؛ لم يكن ينظر إليه، لكنه أمسك بيده. وبرغم أن جسده في هيئة طفل بارد، فإن تلك اليد الصغيرة الباردة منحت دفئًا غامرًا.
أما شي رونغ، فكان منزوع الرحمة، فتمتم بازدراء:
"مَن كان يظن أن الآنسة جيان لان، التي كانت صعبة المنال في الماضي، ستتحوّل إلى عجوز بائسة قبيحة؟ لم أرَ فيكِ جمالًا من قبل، والآن اتضح أن نظري كان ثاقبًا! لكن قولي لي، مَن والد هذا اللقيط الذي أنجبتِه؟"
كانت كلماته منحطّة، حتى شحب وجه جيان لان.
تابع شي رونغ:
"لا تقولي إنه ابن العم وليّ العهد! لا لا، ذاك الأحمق عاجز أصلًا، ولهذا يتظاهر بالطهارة والعفة، أي منافق! كيف يكون له ولد؟ آه! كيف غفلت! بعد سقوط شيان لي، أليس تم بيعك يا سيدتي إلى ذلك المكان؟ لا شك أنه نطفة أحد أوغاد يونغ أن!"
لم يعد شي ليان يحتمل، وهمَّ أن يُسكتَه، لكن جيان لان سبقته بانفجار غاضب، وصفعته صفعة مدوّية.
صرخت:
"أي قذارة هذه التي تتفوه بها؟!"
اندفع الدم من أنف شي رونغ، وحدّق فيها غاضبًا:
"مجرد شبح تافه مثلك تجرؤ أن تضربي مَن يكاد يبلغ مرتبة العُظماء؟!"
بصقت في وجهه، وأطبقت على عنقه وصفعته مرتين إضافيتين:
"عظيم؟ أي هراء! لا تجيد سوى التبجّح! أتُساوي نفسك بأولئك الثلاثة الأجلّاء؟ ما مهارتك أصلًا؟ سماكة جلدك؟ بالطبع أجرؤ على ضربك!"
انغرزت كلماتها في أعمق جراحه، فاستشاط غيظًا وهو يصرخ، يبصق لُعابًا متطايرًا:
"أيتها الفاجرة النتنة! أفلتي مخالبك الحقيرة! هذا الجدّ يراكِ مقرفة!"
انقلبا إلى عراك، لكن لان تشانغ كانت تضرب شي رونغ بلا مقاومة؛ إذ كبّلته رويي تمامًا.
عوى غاضبًا:
"شي ليان! لِمَ لا توقف هذا العراك؟ أين قلبك القدّيسي الآن؟!"
لكن شي ليان كان ممسكًا بفو ياو في يد، ومطرقًا برأسه يُحادث هوا تشينغ ، كأنه لم يسمع شيئًا.
رفست لان تشانغ شي رونغ بعينين دامعتين، وهي تصيح:
"حتى لو دنّسني أوغاد، فلن أسمح لدودة مثلك أن تلمس إصبعي! مخلوق منبوذ كريه ونفاية مثلك يجرؤ على وصف الآخرين بأوغاد! مَن تسمي أوغادًا؟!"
زمجر شي رونغ هائجًا:
"منبوذ؟ أنا؟ نفاية؟! وأنتِ... عاهرة متعفنة تجرؤين أن تقولي هذا لي؟! مَن غير الأوغاد سيُعجَب بمظهرك؟! ...انتظري! لا ترفعي ذاك الصخر!!!"
وبينما يشتد النزاع، دوّى هدير من السماء. فرفع الجميع أنظارهم في آن واحد.
سأل فو ياو:
"ألم تقل إنك لم تُبلّغ، بل كنت تتحدث فحسب؟"
عقد هوا تشينغ حاجبيه وقال بازدراء:
"جاؤوا بلا دعوة."
أضاء وميض البرق السماء، فأغمضوا أعينهم من شدّته. وما إن فتحوها، حتى رأوا على مقربةٍ منهم مسؤولًا سماويًا طويل القامة، يرتدي السواد، يحمل على ظهره قوسًا عظيمًا، يتقدّم بخطوات ثابتة نحوهم.
"سموك!"
أسدل شي ليان كمَّه على عجل، ودفع هوا تشينغ خفية خلفه.
"فنغ شين! ما الذي جاء بك؟"
اقترب فنغ شين بخطوات متسارعة وقال:
"انقطعتَ عن الرد فجأة، فسألتُ عنك، وتتبعّت تموجات طاقتك الروحية حتى وصلت إليك." ثم عقد حاجبيه بشدة. "ما الذي يحدث هنا؟ ما هذه الفوضى؟ هل اصطدمت بشيء؟"
كان شي ليان على وشك الإجابة حين وقعت عينا فنغ شين على فو ياو المقيّد بين يدي شي ليان، ثم على هوا تشينغ الذي كان يقف خلفه. المشهد كان أبعد ما يكون عن توقعاته، حتى إنه لم يعرف بمَ يُفاجأ أولًا.
"ما...؟" وفي النهاية أشار إلى هوا تشينغ ، متردّدًا قبل أن يسأل: "...ما قصة هذا الطفل؟"
ضحك شي ليان جافًا وقال:
"لطيف، أليس كذلك؟"
رمقه فنغ شين بنظرة صارمة، وعاد ببصره إلى هوا تشينغ ، الذي لم تعكس ملامحه كلمة 'لطيف' مطلقًا. عندها قال بريبة:
"لطيف؟ ولماذا أشعر أنّه يشبه..."
أجاب شي ليان بخفة:
"يشبه ابني، صحيح؟"
"؟؟؟ متى صار لك ابن؟!" قال فنغ شين مذهولًا.
ابتسم شي ليان ابتسامة هادئة:
"ليس بعد. أعني فقط أنّه لو رُزقت بابن يومًا، فلا بد أن يكون لطيفًا مثله، أليس كذلك؟"
قبض هوا تشينغ على يده وابتسم:
"بالتأكيد."
فنغ شين: "...."
فو ياو: "...."
ضحك شي ليان محاولًا كسر حدة الموقف:
"هاهاها... آه؟ سيدتي لان تشانغ، لا تهربي!"
استدار فنغ شين فرأى ظلّ امرأة يبتعد راكضًا بجنون من جوار شي رونغ. ولم يتردّد لحظة، إذ رفع قوسه وصوّب سهمه نحو ساقيها.
غير أنّ الجنين الروحي، المقيّد بالطلسم الأصفر في يد فو ياو، ارتجف فجأة كأنّه استشعر الخطر المحدق بأمه. وفي لحظة، مزّق الطلسم وصرخ بصوت حاد قبل أن ينقضّ على فنغ شين.
كانت لان تشانغ قد هربت بفزعٍ أعماها عن التفكير، ولم تتذكّر أن ابنها ما زال بأيدي الآخرين إلا حين سمعت صرخته.
استدارت تصيح:
"تسو تسو!"
لأول مرة عرف شي ليان اسم الجنين الروحي، إذن كان يُدعى 'تسو تسو'.
غيّر فنغ شين مسار سهمه فورًا نحو ذاك الكائن الأبيض، فانطلق السهم، لكن لم يُسمع سوى طقطقة حادّة. تدحرج الجنين في الهواء، ثم هبط فوق شجرة قريبة. كان قد عضّ السهم بأسنانه وحطّمه نصفين. حينها رآه الجميع بوضوح.
لم يكن أشبه بجنين، بل بمسخ صغير مشوّه. بشرته بيضاء كأنها مطلية بالمسحوق، عيناه واسعتان على نحو غير طبيعي تشعّان بضوء غريب، وعلى رأسه بضع خصل صفراء باهتة. صفّان من أنياب حادة مزّقا السهم بين فكيه، ثم بصق رأسه المعدني ليغرسه بجوار حذاء فينغ شين. وبعدها انبسط لسان طويل قاتم، كلسان الأفعى، يتلوى باستفزاز.
من غير أن يتفوه بكلمة، سحب فنغ شين سهمًا آخر وصوّب ثانية. كان الجنين يتسلق الشجرة بخفة كالسحلية، لا عجب أنّ فو ياو لم يتمكن من الإمساك به.
صرخت لان تشانغ بجزع:
"لا تقاتله! اهرب!"
لكن من عسى أن يحمي وحشًا كهذا سوى والديه؟ أطلق فنغ شين سهمه، فأصاب ساق الجنين وثبّته في جذع الشجرة. ارتفع صراخه، عاجزًا عن الحركة. هرعت لان تشانغ عائدة، تحاول نزع السهم، غير أنّ ضعف طاقتها جعلها ترتد للخلف كلما لامسته، حتى تطايرت الشرارات من حولها. ومع ذلك، واصلت المحاولة بيأسٍ مرير.
اقترب فنغ شين وهو يعيد قوسه إلى مكانه:
"يكفي. حان وقت العودة. لا تزيدي الطين بلّة... جيان لان؟!"
ارتجفت لان تشانغ حين سمعت أسمها يتفلت من فمه، فتوقفت، وأدارت رأسها بعيدًا.
لكن فنغ شين قبض على ذراعها وأعادها إليه:
"جيان لان؟"
"...." شعر شي ليان بالخطر، فسأل متحيرًا:
"ما الذي يجري؟"
تمتمت لان تشانغ بصوت خافت ورأسها منخفض :
"أخطأتَ الظن... لستُ هي."
قال فنغ شين باندهاش:
"ما الذي تقولينه؟ كيف يمكنني أن أخطئ في معرفتك؟ قد تغيّرت ملامحك، لكنني..."
يبدو أن الكلمات اختنقت في حلقه. فحين كانت لان تشانغ متخفية تحت مساحيق الزينة الثقيلة، مقلدة حركات مبتذلة، لم يتعرّف عليها حقًا.
الحقيقة أنّ فنغ شين ظلّ على حاله كما كان في الماضي، أما هي فتحولت جذريًا: مظهرًا، وزينة، وسلوكًا، وصوتًا، ومقامًا. حتى لو وقف والداها أمامها، لربما لم يتعرفا إلى ابنتهما المدللة.
همس فنغ شين مذهولًا:
"إنها أنتِ... حقًا أنتِ. لا بد أنّك أنتِ! ظننتك تزوجتِ، وعشتِ بخير. كيف... كيف صار بك الحال إلى هذا..."
لكن لان تشانغ استدارت فجأة ودفعته بعنف، صارخة:
"ابن كلب!"
تراجع فنغ شين بضع خطوات من شدّة دفعها، عاجزًا عن الكلام. لكنها واصلت دفع صدره وهي تصرخ بهستيريا:
"قلت لك لست تلك المرأة! ألا تفهم الكلام؟ أأنت غبي؟ ما معنى 'أنتِ... إنها أنتِ فعلًا'؟! ألا يمكنك أن تتظاهر بعدم معرفتي؟ ألا يمكنك أن تتظاهر بعدم التعرف إليّ؟ أيها السيّد الكريم! أرجوك، أبقِ لي بعض الكرامة، أتسمع؟!"
في تلك اللحظة، بدت كأي امرأة سوقية تصرخ في الشوارع. كان الفارق بينها الآن وبين صورة 'جيان لان' التي يحفظها فنغ شين في ذاكرته شاسعًا للغاية، فلم يجد ما يقوله، ولا شي ليان كذلك. أما شي رونغ فقد انفجر ضاحكًا، يتدحرج على الأرض.
"هاهاهاها! يا إلهي! يا ابن العم وليّ العهد! هل ترى؟ كلبك الوفي لقد خانك!"
انهالت لان تشانغ على شي رونغ ضربًا بركلاتها، وهي تهتف:
"كلب! كلب! أنت الكلب الحقيقي!"
كانت جيان لان قد وُضعت في السابق تحت آمال ثقيلة من عائلتها، ورُشحت لتدخل الحريم، لكنها لم تدخل يومًا، ولم تُنتخب كجارية رسميًا، لذا لم يكن لضحك شي رونغ اي معنى. لكن شي ليان نفسه لم يعرف ما يقول بعد الآن.
لم يخطر بباله قط أنّ فنغ شين، الذي كان لم يكترث للنساء، قد يصل إلى هذا الحد...
في تلك اللحظة، تمكّن الجنين الروحي من تمزيق السهم بأسنانه، وانقضّ على فنغ شين مجددًا. وفي غفلة قصيرة، غرز أنيابه في ذراعه حتى تفجّر الدم بغزارة.
كانت الذراع اليمنى هي ذراعه المعتادة، وإصابة الذراع الرئيسة لمسؤول عسكري أمر خطير. رفع يده الأخرى ليستعد للرد، لكن صرخة لان تشانغ دوّت فجأة:
"لا تضربه!"
توقفت ذراع فنغ شين في الهواء، وتسرّب إلى صدره أمر مروّع.
ولم يكن وحده؛ بل خطَر ذات الظنّ في عقول جميع الحاضرين. ترك فنغ شين ذاك المسخ يغرز أنيابه في ذراعه كسمكة بيرانا، بينما نظر إلى لان تشانغ بعينين مشدوهتين:
"...أهذا...؟"
يتبع...
تعليقات: (0) إضافة تعليق