القائمة الرئيسية

الصفحات

آخر الاخبار

Extra7 ffb

 Extra7 ffb



في اليوم التاسع من الشهر التاسع ، 

يوم مبارك للانتقال إلى منزل جديد —-


توقفت السيارة في موقف داخل مجمّع سكني فاخر ، 

فالتفت فان شياو من مقعد السائق ، وربّت على شعر 

تيانتيان الصغير مبتسمًا :

“ ها قد وصلنا إلى منزلنا الجديد "


نزل من السيارة ، 

وفتح الباب الخلفي ، 

ثم حمل تيانتيان من مقعده المخصص للأطفال ،

وبعد أن أغلق السيارة ، سار نحو المبنى ، 

رافعًا رأسه يتأمل الطوابق العالية ، وفي عينيه حنان لا يوصف :

“ العم يو ينتظرنا في المنزل الجديد "


ربّت تيانتيان على كتفه بصوت طفوليٍّ حماسي :

“ إذًا لنسرع !”


ضحك فان شياو وردّ وهو يُسرع :

“ حسناً !!! فلنسرع إذن !!! "


لم يُدخل رمز الباب هذه المرّة ، بل طرق عليه


: “ لحظة واحدة " 


ظهر صوت يو شولانغ من الداخل ، فارتسمت الابتسامة على 

شفتي الأب والابن في آنٍ واحد


انفتح الباب ، 


اندفعت من الداخل دفعة من الدفء ، 

ورائحة الطعام الشهية التي تحمل عبق الحياة اليومية — 

هذا الدفء الذي طالما اشتاق إليه فان شياو ——


وقف يو شولانغ أمامه مرتديًا ملابس المنزل ومئزر المطبخ ، 

ملامحه هادئة ، وابتسامته مشرقة —- وخلفه ، بدا المشهد 

كجزيرة آمنة وسط بحر هائج — ملاذ فان شياو الأبدي


وقعت عينا تيانتيان على قلعة الألعاب الضخمة المركبة في 

زاوية الصالة ، فأطلق صيحة دهشة :

“ واااه !”

ثم عانق عنق يو شولانغ بذراعيه ، 

ثم اندفع نحو القلعة بسعادة 


وحين خلا المكان من الصغير ، تبادل الرجلان نظرات طويلة صامتة ،،

اتكأ يو شولانغ على إطار الباب بخفة ، وفي عينيه لمعان 

يتلألأ بابتسامة خافتة ومحبّة صافية — بريق كدوّامة 

يهدّد بجذب المرء إليه


قال بخفوت مازح :

“هل ترغب في جولة داخل منزلك الجديد السيد فان ؟”


كان فان شياو — بصفته مدير عام لتوزيع الأدوية عبر ثلاث 

مقاطعات — قد أنهكه العمل في الأسابيع الماضية ، 

يتنقل بين المدن في اجتماعات لا تنتهي ،

ولمّا عاد أخيرًا بعد نصف شهر من الغياب ، 

علم أن يو شولانغ قد اختار هذا اليوم بالذات ليكون يوم الانتقال ،

فذهب أولًا إلى روضة الأطفال ليُحضر تيانتيان ، ثم جاءا سويًّا


ورغم التعب الذي ما زال عالقًا في ملامحه ، بدا فان شياو 

كأنه لا يريد أن يبتعد لحظة ،،

شبك أصابعه في أصابع يو شولانغ ، وجذبه نحوه حتى عانقه إلى صدره


ابتسم يو شولانغ بصوتٍ خافت مذكّرًا :

“ تيانتيان ما زال هنا "


فتح فان شياو باب إحدى الغرف دون تردّد ، فاختلط صوت 

إغلاق الباب بهمهمة


عانق فان شولانغ بشدّة ، فشعر شولانغ ببرودة خفيفة تتسلّل من 

جسد الرجل المسافر تواً ، 

تمتزج بحرارة أنفاسه على عنقه ،


هذا التفاعل بين الحرارة والبرودة جعل قلبه يتألم بنعومة رقيقة ،،،

الشعور بالحب والشوق رائع ، خاصةً عندما يأتي من حبيبه


اقترب يو شولانغ منه مطيعاً ، قبّله برفق ، لكنه همس قبل 

أن تشتعل النار تمامًا :

“ لا تتمادَى … 

أعددتُ طعامك المفضل ، 

وطعمه أفضل عندما يكون طازج "


إلا أن القبلة اشتعلت على أيّ حال

قبلات فان شياو كانت جائعة ، يائسة ، تختلط فيها اللهفة 

بالضياع ، وكأنه يريد أن يبتلع ما فاته من لحظات الغياب


أنفاسه مضطربة ، والعرق يتسلّل من عنقه ، 

بينما يو شولانغ يحاول ترويض هذه النار — يبادله حنان بعد حِدّة ، 

لكنه استعاد السيطرة في اللحظة التي كادت الأمور أن تتصاعد

و تحولت القبلات العميقة إلى قبلات خفيفة ،

تنساب على عنقه


يو شولانغ :

“ كنتُ أنوي أن أُريك هذه الغرفة بعد الغداء ، لكن يبدو أنك 

قرّرت استكشافها بنفسك ”


تأخر فان شياو في فهم كلماته ، لا يزال غارقاً في تيار الرغبة ،

التفت أخيرًا ، فرأى المكان بوضوح — غرفة رسم ، 

تطلّ من خلال نوافذها الزجاجية على شرفة يغمرها الضوء ،

ستائرها الرقيقة تتمايل مع النسيم ،،


الجدران بيضاء تتخللها لمسات رمادية هادئة ، 

والضوء المنسكب من النوافذ الممتدة — جعل كل زاوية 

تنبض بالصفاء


على الجدران لوحات متفرقة — بعضها متقن ، وبعضها 

يحمل رعشة البدايات ، 

خطوط خجولة غير ناضجة ، لكنها مفعمة بالمحاولة


في منتصف الغرفة — ، حامل رسم عليه لوحة غير مكتملة — 

خطوط أولية لامرأة ذات ابتسامة لطيفة وحنان عظيم

( لوحة لأمه )


تراجع فان شياو خطوة للخلف ، وحدّق إلى الأرض تحت قدميه ، 

إلى الألواح الخشبية الرمادية المتشابكة ، 

لا أثر فيها لأمواج البحر التي تطارده في الكوابيس ،


عانقه يو شولانغ من الخلف بذراعين دافئتين ، وقال بهدوء قرب أذنه :

“ لا تخف ، أنا هنا "

شد على أصابعه الباردة ، ثم سأله برفق :

“ هل نخرج قليلًا من هنا ؟”


أجاب فان شياو بصوت مبحوح :

“ لا داعي "

رفع رأسه ونظر مجددًا إلى اللوحة :

“ من أين حصلتَ على هذه اللوحات ؟”


أجابه يو شولانغ بعد تردّد خفيف ، متأملًا ملامحه 

المشدودة تحت الضوء :

“ أخوك الأكبر ،،،، فان بو — قال إنه يريد أن يعيد إليك 

مرسمك القديم ”


استدار فان شياو نحوه ببطء ، 

وفي عينيه —  عروق دموية تغلي :

“ ومن قال إنني أريد أن يعيد لي مرسمي ؟”


في أرجاء المكان — تناثرت التماثيل الصغيرة إلى جانب 

اللوحات ، فغمر الجوّ عبير الفنّ ، كما لو أنّ الزمن نفسه 

توقّف ليتأملهم


…..



وقف الرجلان بعد فترة —  متجاورين على الشرفة ، 

يتقاسمان سيجارة واحدة ، 


قال يو شولانغ وهو يسحب السيجارة من فم فان شياو 

ويضعها في فمه ، يمتصها بخفة ثم أمسكها بين أصابعه بتراخٍ :

“ قبل أيام ، اتصل بي فان بو بشكل مفاجئ ، 

دار حديث غامض من المجاملات حتى دخل في الموضوع ، 

قال إنه نادم على الطريقة التي عاملك بها في صغرك ، 

من برود وعنف "


الغروب قد ألقى خيوطه الطويلة أمامهما ، 

فامتدت ظلالهما على الأرض ،

تحرك ظل فان شياو قليلاً ، 

انبثقت دهشة لا تُصدق :

“ قال إنه نادم ؟”


أومأ يو شولانغ :

“ نعم .  

في البداية ظننت أنه يُدبّر شيئًا ، لكن… بدا عليه التأثر حتى كاد يبكي ، 

و بعد ذلك أخذت زوجته السابقة الهاتف ، 

وأبلغتني بمشاعره هذه "


انتزع فان شياو السيجارة بسرعة من بين أصابعه ، عضّ عليها حتى انبعجت :

“ وماذا قالت ؟”


أجاب يو شولانغ بهدوء :

“ قالت إن فان بو ظل يحمل عقدة في صدره طوال تلك السنين ، 

لأنه كان قاسيًا وباردًا معك وأساء معاملتك ”


ضحك فان شياو بسخرية :

“ وكأنه تغير حين كبرنا !”


تابع يو شولانغ:

“ فان بو كان يعتقد أن تدخل والدتك هو السبب في طلاق 

والده من والدته ، فحقد عليك أشد الحقد ، 

وعارضك في كل شيء ، 

بل ودمّر مرارًا مرسمك ومرسم والدتك ،

أثناء ذلك التسونامي ، رغم أنه لم يكن قادرًا على إنقاذكما ، 

إلا أنه لم يحاول أن يطالب والده ببذل جهد أكبر من أجلكما ،

و هذا ما يشعر بالذنب والندم تجاهه حتى اليوم … ”


اقترب شولانغ وعانق فان شياو الذي بدأت يداه ترتجفان 

قليلًا ، وقال بصوت خافت :

“ قبل خمس سنوات ، حين كانت زوجة فان بو السابقة 

ترتّب المنزل بعد طلاقهما ، 

وجدت في خزانة تجميل قديمة يوميات تخص والدتك ”


رفع فان شياو رأسه فجأة ، فتوجّه يو شولانغ نحو رف الكتب 

في غرفة الرسم ، وسحب كُتيّب جلدي بلون بنيّ باهت ، ومدّه إليه :

“ أُفضّل عدم التعليق على شؤون والديك …. 

يجب أن تقرأ هذا بنفسك "


أخذ فان شياو الدفتر وهو يرتجف وبصوت مبحوح قال :

“ لا بأس ، تحدّث… أستطيع التحمّل "


أشعل يو شولانغ له سيجارة أخرى وقال بهدوء :

“ سأختصر لك ….. 

من خلال تلك اليوميات ، عرف فان بو أن والدتك كانت 

ضحية اغتصاب من قبل والدك ، 

وأنه استخدم صورها ونفوذه في الشرطة لابتزازها ومنعها من الإبلاغ ، 

بعد أن اكتشفت والدته العلاقة ، هي التي طلبت الطلاق وانفصلت عنه ،

حينها —- والدتك قد حملت بك —- فاضطر والدك للزواج منها ،،

كان يتظاهر باللطف أمام الناس ، لكنه في الخفاء كان يعاملها ببرود وقسوة ”


تجمّدت نظرات فان شياو ، وانقلب بياض عينيه إلى لون مائل للحمرة ، 

كأن نارًا تتأجج في أعماقه ، تفيض حقدًا وألمًا


عانقه يو شولانغ إليه من جديد ، وأصابعه تداعب شعره بهدوء ودفء :

“ تردّد كثيرًا قبل أن يُخبرك ، رغم أن والدكم قد نال جزاءه ، 

إلا أن فان بو شعر بأن من حقك أن تعرف الحقيقة ، 

وأن تعرف ما عانته والدتك وقتها ”


فان شياو بين ذراعي يو شولانغ كدمية مكسورة ، محاطاً بحنان شولانغ وحمايته ،

لم يغرق في الجنون ، ولم ينهَار تحت كوابيس الماضي — 

فحبيبه القويّ الرقيق كان هنا ، إلى جواره ، يواجه معه قبح العالم وظلمه


سأل بصوت خافت مبحوح :

“ هل هناك المزيد ؟”


قبّله شولانغ على صدغه ، ثم تابع وهو يحدّق في وهج 

الغروب المنسكب عبر الأفق :

“ ما حدث أثّر في فان بو كثيرًا …. حقده عليك بدأ يتلاشى ببطء ، 

لكنه ظلّ عاجزًا عن التقرب منك من جديد ، 

قال لي إنه لم يعد يعرف كيف يواجهك ... 

أخبرني أيضًا أنه كان على علم بأنك تحقق في أمره وأمر فان يو وأبيك… 

وأنك تخطط للإطاحة بالعائلة كلها انتقامًا لوالدتك ”


استقام فان شياو من حضن شولانغ و حاجباه عابسان وهو ينظر إليه 


تابع يو شولانغ بصوتٍ هادئ :

“قال فان بو إن الأدلة التي حصلت عليها قبل أربع سنوات 

حول قضية التزوير والبيع غير المشروع ، هو من سربها 

إليك عمدًا ،

باعتباره الابن الأكبر والمسؤول عن الأعمال الأساسية 

للشركة ، كان من الأسهل عليه الوصول إلى تلك الملفات القذرة ”


اتسعت عينا فان شياو بدهشة حقيقية ، 

وفكّر طويلًا ثم تمتم ببطء وهو يتذكر كيف جمع الأدلة :

“ كنت أحقق في التزوير منذ زمن طويل … لكنني لم 

أكتشف سوى أدلة هامشية وغير مهمة ،، 

ثم قبل أربع سنوات اشتكى فان بو فجأة من أن نظام الأمن 

في منزل العائلة قد تعطل و كان هو وأبي قد خرجا لحضور 

اجتماع ، وإن غرفة أبي المغلقة لم تُقفل جيدًا ،

استغليتُ الفرصة ، واخترقت الحاسوب المشفّر ، 

ونسختُ جميع الملفات ، 

وحين غادرت بأمان ، كان أبي — الدقيق للغاية قد عاد لتوه 

من الخارج ….”


توقف صوته هنا — وحل محل كراهيته وألمه موجة جديدة من الحيرة


أمسكه يو شولانغ من يده وسحبه برفق من الشرفة إلى الداخل قائلًا :

“ قال فان بو إنه حطّم مرسمك أكثر من مرة ، والآن يريد أن يعوضك عنه ،

هذه اللوحات التي تراها على الجدران… هي التي نُقلت إلى 

المخزن بعد وفاة والدتك ،

في ذلك الوقت ، ظنّ أنكما غُرقتما في ذلك التسونامي ، 

فرَقّ قلبه ، ولم يحرقها ”


وأشار يو شولانغ إلى اللوحات المعلّقة على الجدار وسأل بابتسامة :

“ هذه الرسومات متواضعة بعض الشيء… هل هي لك ؟”


أجاب فان شياو بابتسامة خفيفة ، كمن استعاد شيئًا بعيدًا :

“ نعم ، رسمتُها حين كنت في السابعة من عمري ...” 

ثم أنزل رأسه حزينًا :

“ أما البقية… رسمتها أمي "


توقّف يو شولانغ أمام لوحة معينة ، تُصّور امرأة بابتسامة 

خافتة وعينين مملوءتين بالحياة ، وقال متأملًا :

“ وهذه ؟ 

خطوطها ليست متقنة تمامًا ، لكنها نابضة ومعبّرة… 

أحببتها كثيرًا "


قال فان شياو بصوت خافت تختلط فيه الذكرى بالحنين :

“ المرأة في اللوحة هي أمي ،، 

هذه أكثر لوحة أعتزّ بها ، كنت أنوي تلوينها بعد عودتنا من 

عطلتنا في إندونيسيا … لكن …..”


مدّ يو شولانغ يده ، وضغط برفق على أصابع فان شياو :

“ يمكنك أن تُكملها الآن ، ستكون أعظم أعمالك ”


الأفق قد ابتلع آخر خيوط الغروب ، 

وتوارى كلّ أثر للضوء في السكون ،


الكوابيس التي كبّلَت فان شياو لعشرين عامًا انطفأت في 

تلك العتمة الهادئة — لا أمواج ولا عواء رياح ، 

لا برد ولا وحدة ، لا وجه شاحب يطفو فوق الماء ،

كلّ شيء في المرسم كان ساكنًا ودافئًا ، 

والمرأة في اللوحة بقيت كما أحبّها — لطيفة ، رقيقةَ الملامح ، 

خلفه حبيبه ؛ الذي خُدع ، وجُرح ، و سُرق ، ومع ذلك ظلّ 

يؤمن أن هذا العالم ليس سيئًا للغاية و ما زال يستحق أن يُعاش ،


سمع صوته الهادئ يقول :

“ ارسم لي لوحة أخرى ، 

التي رسمتَها المرة الماضية كانت فاشلة تمامًا ! ”


ضحك فان شياو وهو يمسح طرف عينه سريعًا :

“ حسنًا ، هذه المرة سأرسمها كما ينبغي … 

بكل ما تعلمته في حياتي ! ”


رفع يو شولانغ جفنه ممازحًا :

“ وستختمها باسمك التايلندي مجددًا ؟”


تحسن مزاج فان شياو الكئيب ، وابتسم ببطء  :

“ من أكثر المؤمنين بك إخلاصاً ، فان شياو "


⸻——-



بعد شهر ——-


خرج يو شولانغ من مقهى صغير من قلب بانكوك ، 

يسمع بجانبه صوت فان شياو يتحدث بالتايلندية بطلاقة 

مودّعًا صاحب المقهى ،


المدينة من حولهما تضج بالحياة ؛ 

ناطحات سحاب تلمع تحت الشمس ، 

شوارع مزدحمة بالمارة والسيارات البطيئة ، 

تمرّ عربات التوك توك السريعة مطلقةً هديرًا مرحًا وسط 

هواءٍ رطب حارّ تتخلله نسمات خفيفة ،


قلّد يو شولانغ حبيبه ، وجمع كفّيه بتحية تايلندية وهو يودّع 

فان بو وزوجته السابقة


اللقاء بين الأخوين ظلّ حذرًا متباعدًا كما كان دائمًا ، 

بالكاد تبادلا بضع كلمات في المقهى ،


دفعت المرأة الجميلة برفق مرفق فان بو — فتكلم أخيرًا ، متردّدًا :

“ الأخ الثالث… عد إلى هنا مع مدير يو وتيانتيان كلما 

سنحت الفرصة "


رفع فان شياو حاجبه ساخرًا :

“ يا لها من نغمة غريبة ، لم أسمعك تقول كلامًا لطيفاً كهذا 

منذ سنين ، على أي حال ، أتفكرين في الرجوع إليه يا سيدة فان ؟ 

فكّري جيدًا ، وإن لم تفعلي… لديّ قائمة من الرجال 

المميزين في البلاد ، أستطيع أن أعرّفك بأفضلهم ”


شهق فان بو غاضبًا وملامحه تتصلّب على نحو مألوف :

“ فان شياو !”


ضحك فان شياو بمرح ، وبدت ملامح يو شولانغ بجانبه أكثر ارتخاء —

كأنّ الزمن أخيرًا سمح لهم جميعًا بالتنفس


ضحك فان شياو بحرارة :

“ أنتِ فقط تعالي مع أخي الكبير وراقبيه بنفسك أليس هذا أسهل ؟”

ثم وضع يده على كتف شولانغ ولوّح بيده مبتسمًا :

“ هيا بنا ، إلى اللقاء "


أومأ يو شولانغ برأسه بخفة تجاه الاثنين ، 

ومشى مع فان شياو بين الزحام ، 

يختفيان تدريجيًا وسط سيل من البشر المتحركين تحت 

شمس بانكوك الحارة


——————- …



أشعل يو شولانغ الشموع وعيدان البخور ، 

ووضع اللهيب المتراقص داخل شمعدان مزخرف ،

ثم استدار متجهًا نحو تمثال البوذا ذو الوجوه الأربعة ، 

ضمّ كفّيه معًا بخشوعٍ عميق ، 

وانحنى باحترام ، 

ثم وضع باقات الزهور حول القاعدة ،

تحرّك باتجاه الوجه التالي من التمثال ، 

كرر الطقس نفسه أربع مرّات ببطءٍ مهيب ——


تطاير دخان البخور في الهواء ، 

يلتفّ مثل ضبابٍ ناعم حول الضوء الذهبي ،

وبعد أن انتهى من جميع الجهات ، قاده راهب شاب إلى 

قاعة جانبية من المعبد ،


تجاوز عتبة خشبية عتيقة صقلتها السنين ،

فاستقبله صدى التراتيل البوذية المتموجة ، 

دافئة وعميقة النغمة


جلس الكاهن العجوز بلباس برتقالي أمام إناء نحاسي ، 

عينيه مغمضتان ، يردّد السوترا بهدوء متواصل ،

و قدّم له يو شولانغ تميمة خشبية صغيرة ، 

فغمس الراهب غصنًا ناعم في ماء مقدّس ،

ونثر قطراته على جبينه ،


البلل البارد تسلل عبر جلده حتى القلب ، 

كأنه يغسل شيئًا خفيًا داخله ،

ثم أعاد إليه التميمة بابتسامة لطيفة ،


خرج يو شولانغ من القاعة ، 

رأى فان شياو يقف تحت شجرة ضخمة من أشجار التاماريند ، 

ظلّها الوارف يرقّ كالحرير ،



واقف هناك ، طويل القامة ، مائل الرأس قليلاً ، 

والابتسامة على وجهه تلمع كشمس صغيرة بين الأغصان ، 

خليط من الخفة والجرأة والسكينة ،


اقترب يو شولانغ منه ، لقد اشتدت حرارة الظهيرة ، 

فالتقط أنفاسه في الظل ، 

وشمّ من فان شياو رائحة خفيفة من الزهور الطازجة ،

سأله بابتسامة :

“ أين كنت ؟”


أجاب فان شياو وهو يلوّح بسلسلة ذهبية من الزهور :

“ كنت أساعد عجوز في بيع أكاليل الزهور ، 

وبما أنني وسيم ، فقد بعتُها أسرع من الجميع ،

و هذه… أُهديها للبوذا ، 

أما هذه ، فسأهديها للبوذا خاصتي "


علّق الإكليل حول عنق يو شولانغ، وتأمّله للحظات ، ثم 

تظاهر بالعبوس :

“ الآن لم أعد أكثر رجل وسيم في هذا المعبد ، 

يبدو أن لقب الـLaomama (الساحر الوسيم) سُحب مني "


نظر يو شولانغ إليه بنظرة ضاحكة ، ومدّ يده ليلتقط بعض 

بتلات الزهور من شعره ، واقترب منه بخفة


في هذه اللحظة ، 

سمع صوت فان شياو يهمس برقة قريب جدًا من أذنه :

“ وماذا كان يفعل المدير يو المحترم ؟”


انسابت من بين أصابع يو شولانغ تميمة جديدة من خشب 

داكن تفوح منها رائحة السنديان ، 

تتدلّى الآن أمام صدر فان شياو :

“ لقد تخلّصتُ من تميمتك القديمة ، وهذه واحدة جديدة 

دعوتُها لك بنفسي ”


ثم رفع السلسلة ، وعلّقها حول عنق فان شياو ، 

وبدأ صوته الهادئ ينساب كنسيم في ظلّ الشجرة :

“ البوذا ذو الوجوه الأربعة يجسّد الرحمة ، والحنان ، 

والفرح ، والتجرّد .

وأنا… أتمنى أن تحيا بلا كره ، بلا غضب ، بلا حقد ، بلا ندم ؛

ألّا يثقلك الماضي ، ولا يُربكك المستقبل ،

أن تعيش حرًّا ومرتاح و تُحبّني ”


التميمة التصقت بأكاليل الزهور الذهبية ، 

تتأرجحان معًا في ضوءٍ متكسّر بين الأغصان


في هذه اللحظة ، 

يوجد روحان عرفتا الموت ثم اختارتا الحياة ، 

تتعانقان في دفءٍ جديد ، كأنهما خُلقا من نور وطمأنينة ،


همس فان شياو وهو يعانقه برفق :

“ يا بوذا لتكن كلّ ولاداتي القادمة قرب طريقك ، 

مرافقًا لك في مسيرة التنوير "


هبت نسمة لطيفة ، 

وارتجفت أوراق الشجرة بلحن ناعم ،

وفي ظلّ التمثال الذهبي البهي ،

خُتم العهد — عهدٌ خالد ، لا يزول ، ولا يندم ... 


يتبع

  • فيس بوك
  • بنترست
  • تويتر
  • واتس اب
  • لينكد ان
  • بريد
author-img
Fojo team

عدد المقالات:

شاهد ايضا × +
إظهار التعليقات
  • تعليق عادي
  • تعليق متطور
  • عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق

X
ستحذف المقالات المحفوظة في المفضلة ، إذا تم تنظيف ذاكرة التخزين المؤقت للمتصفح أو إذا دخلت من متصفح آخر أو في وضع التصفح المتخفي