Extra7 ffb
في اليوم التاسع من الشهر التاسع ،
يوم مبارك للانتقال إلى منزل جديد —-
توقفت السيارة في موقف داخل مجمّع سكني فاخر ،
فالتفت فان شياو من مقعد السائق ، وربّت على شعر
تيانتيان الصغير مبتسمًا :
“ ها قد وصلنا إلى منزلنا الجديد "
نزل من السيارة ،
وفتح الباب الخلفي ،
ثم حمل تيانتيان من مقعده المخصص للأطفال ،
وبعد أن أغلق السيارة ، سار نحو المبنى ،
رافعًا رأسه يتأمل الطوابق العالية ، وفي عينيه حنان لا يوصف :
“ العم يو ينتظرنا في المنزل الجديد "
ربّت تيانتيان على كتفه بصوت طفوليٍّ حماسي :
“ إذًا لنسرع !”
ضحك فان شياو وردّ وهو يُسرع :
“ حسناً !!! فلنسرع إذن !!! "
لم يُدخل رمز الباب هذه المرّة ، بل طرق عليه
: “ لحظة واحدة "
ظهر صوت يو شولانغ من الداخل ، فارتسمت الابتسامة على
شفتي الأب والابن في آنٍ واحد
انفتح الباب ،
اندفعت من الداخل دفعة من الدفء ،
ورائحة الطعام الشهية التي تحمل عبق الحياة اليومية —
هذا الدفء الذي طالما اشتاق إليه فان شياو ——
وقف يو شولانغ أمامه مرتديًا ملابس المنزل ومئزر المطبخ ،
ملامحه هادئة ، وابتسامته مشرقة —- وخلفه ، بدا المشهد
كجزيرة آمنة وسط بحر هائج — ملاذ فان شياو الأبدي
وقعت عينا تيانتيان على قلعة الألعاب الضخمة المركبة في
زاوية الصالة ، فأطلق صيحة دهشة :
“ واااه !”
ثم عانق عنق يو شولانغ بذراعيه ،
ثم اندفع نحو القلعة بسعادة
وحين خلا المكان من الصغير ، تبادل الرجلان نظرات طويلة صامتة ،،
اتكأ يو شولانغ على إطار الباب بخفة ، وفي عينيه لمعان
يتلألأ بابتسامة خافتة ومحبّة صافية — بريق كدوّامة
يهدّد بجذب المرء إليه
قال بخفوت مازح :
“هل ترغب في جولة داخل منزلك الجديد السيد فان ؟”
كان فان شياو — بصفته مدير عام لتوزيع الأدوية عبر ثلاث
مقاطعات — قد أنهكه العمل في الأسابيع الماضية ،
يتنقل بين المدن في اجتماعات لا تنتهي ،
ولمّا عاد أخيرًا بعد نصف شهر من الغياب ،
علم أن يو شولانغ قد اختار هذا اليوم بالذات ليكون يوم الانتقال ،
فذهب أولًا إلى روضة الأطفال ليُحضر تيانتيان ، ثم جاءا سويًّا
ورغم التعب الذي ما زال عالقًا في ملامحه ، بدا فان شياو
كأنه لا يريد أن يبتعد لحظة ،،
شبك أصابعه في أصابع يو شولانغ ، وجذبه نحوه حتى عانقه إلى صدره
ابتسم يو شولانغ بصوتٍ خافت مذكّرًا :
“ تيانتيان ما زال هنا "
فتح فان شياو باب إحدى الغرف دون تردّد ، فاختلط صوت
إغلاق الباب بهمهمة
عانق فان شولانغ بشدّة ، فشعر شولانغ ببرودة خفيفة تتسلّل من
جسد الرجل المسافر تواً ،
تمتزج بحرارة أنفاسه على عنقه ،
هذا التفاعل بين الحرارة والبرودة جعل قلبه يتألم بنعومة رقيقة ،،،
الشعور بالحب والشوق رائع ، خاصةً عندما يأتي من حبيبه
اقترب يو شولانغ منه مطيعاً ، قبّله برفق ، لكنه همس قبل
أن تشتعل النار تمامًا :
“ لا تتمادَى …
أعددتُ طعامك المفضل ،
وطعمه أفضل عندما يكون طازج "
إلا أن القبلة اشتعلت على أيّ حال
قبلات فان شياو كانت جائعة ، يائسة ، تختلط فيها اللهفة
بالضياع ، وكأنه يريد أن يبتلع ما فاته من لحظات الغياب
أنفاسه مضطربة ، والعرق يتسلّل من عنقه ،
بينما يو شولانغ يحاول ترويض هذه النار — يبادله حنان بعد حِدّة ،
لكنه استعاد السيطرة في اللحظة التي كادت الأمور أن تتصاعد
و تحولت القبلات العميقة إلى قبلات خفيفة ،
تنساب على عنقه
يو شولانغ :
“ كنتُ أنوي أن أُريك هذه الغرفة بعد الغداء ، لكن يبدو أنك
قرّرت استكشافها بنفسك ”
تأخر فان شياو في فهم كلماته ، لا يزال غارقاً في تيار الرغبة ،
التفت أخيرًا ، فرأى المكان بوضوح — غرفة رسم ،
تطلّ من خلال نوافذها الزجاجية على شرفة يغمرها الضوء ،
ستائرها الرقيقة تتمايل مع النسيم ،،
الجدران بيضاء تتخللها لمسات رمادية هادئة ،
والضوء المنسكب من النوافذ الممتدة — جعل كل زاوية
تنبض بالصفاء
على الجدران لوحات متفرقة — بعضها متقن ، وبعضها
يحمل رعشة البدايات ،
خطوط خجولة غير ناضجة ، لكنها مفعمة بالمحاولة
في منتصف الغرفة — ، حامل رسم عليه لوحة غير مكتملة —
خطوط أولية لامرأة ذات ابتسامة لطيفة وحنان عظيم
( لوحة لأمه )
تراجع فان شياو خطوة للخلف ، وحدّق إلى الأرض تحت قدميه ،
إلى الألواح الخشبية الرمادية المتشابكة ،
لا أثر فيها لأمواج البحر التي تطارده في الكوابيس ،
عانقه يو شولانغ من الخلف بذراعين دافئتين ، وقال بهدوء قرب أذنه :
“ لا تخف ، أنا هنا "
شد على أصابعه الباردة ، ثم سأله برفق :
“ هل نخرج قليلًا من هنا ؟”
أجاب فان شياو بصوت مبحوح :
“ لا داعي "
رفع رأسه ونظر مجددًا إلى اللوحة :
“ من أين حصلتَ على هذه اللوحات ؟”
أجابه يو شولانغ بعد تردّد خفيف ، متأملًا ملامحه
المشدودة تحت الضوء :
“ أخوك الأكبر ،،،، فان بو — قال إنه يريد أن يعيد إليك
مرسمك القديم ”
استدار فان شياو نحوه ببطء ،
وفي عينيه — عروق دموية تغلي :
“ ومن قال إنني أريد أن يعيد لي مرسمي ؟”
في أرجاء المكان — تناثرت التماثيل الصغيرة إلى جانب
اللوحات ، فغمر الجوّ عبير الفنّ ، كما لو أنّ الزمن نفسه
توقّف ليتأملهم
…..
وقف الرجلان بعد فترة — متجاورين على الشرفة ،
يتقاسمان سيجارة واحدة ،
قال يو شولانغ وهو يسحب السيجارة من فم فان شياو
ويضعها في فمه ، يمتصها بخفة ثم أمسكها بين أصابعه بتراخٍ :
“ قبل أيام ، اتصل بي فان بو بشكل مفاجئ ،
دار حديث غامض من المجاملات حتى دخل في الموضوع ،
قال إنه نادم على الطريقة التي عاملك بها في صغرك ،
من برود وعنف "
الغروب قد ألقى خيوطه الطويلة أمامهما ،
فامتدت ظلالهما على الأرض ،
تحرك ظل فان شياو قليلاً ،
انبثقت دهشة لا تُصدق :
“ قال إنه نادم ؟”
أومأ يو شولانغ :
“ نعم .
في البداية ظننت أنه يُدبّر شيئًا ، لكن… بدا عليه التأثر حتى كاد يبكي ،
و بعد ذلك أخذت زوجته السابقة الهاتف ،
وأبلغتني بمشاعره هذه "
انتزع فان شياو السيجارة بسرعة من بين أصابعه ، عضّ عليها حتى انبعجت :
“ وماذا قالت ؟”
أجاب يو شولانغ بهدوء :
“ قالت إن فان بو ظل يحمل عقدة في صدره طوال تلك السنين ،
لأنه كان قاسيًا وباردًا معك وأساء معاملتك ”
ضحك فان شياو بسخرية :
“ وكأنه تغير حين كبرنا !”
تابع يو شولانغ:
“ فان بو كان يعتقد أن تدخل والدتك هو السبب في طلاق
والده من والدته ، فحقد عليك أشد الحقد ،
وعارضك في كل شيء ،
بل ودمّر مرارًا مرسمك ومرسم والدتك ،
أثناء ذلك التسونامي ، رغم أنه لم يكن قادرًا على إنقاذكما ،
إلا أنه لم يحاول أن يطالب والده ببذل جهد أكبر من أجلكما ،
و هذا ما يشعر بالذنب والندم تجاهه حتى اليوم … ”
اقترب شولانغ وعانق فان شياو الذي بدأت يداه ترتجفان
قليلًا ، وقال بصوت خافت :
“ قبل خمس سنوات ، حين كانت زوجة فان بو السابقة
ترتّب المنزل بعد طلاقهما ،
وجدت في خزانة تجميل قديمة يوميات تخص والدتك ”
رفع فان شياو رأسه فجأة ، فتوجّه يو شولانغ نحو رف الكتب
في غرفة الرسم ، وسحب كُتيّب جلدي بلون بنيّ باهت ، ومدّه إليه :
“ أُفضّل عدم التعليق على شؤون والديك ….
يجب أن تقرأ هذا بنفسك "
أخذ فان شياو الدفتر وهو يرتجف وبصوت مبحوح قال :
“ لا بأس ، تحدّث… أستطيع التحمّل "
أشعل يو شولانغ له سيجارة أخرى وقال بهدوء :
“ سأختصر لك …..
من خلال تلك اليوميات ، عرف فان بو أن والدتك كانت
ضحية اغتصاب من قبل والدك ،
وأنه استخدم صورها ونفوذه في الشرطة لابتزازها ومنعها من الإبلاغ ،
بعد أن اكتشفت والدته العلاقة ، هي التي طلبت الطلاق وانفصلت عنه ،
حينها —- والدتك قد حملت بك —- فاضطر والدك للزواج منها ،،
كان يتظاهر باللطف أمام الناس ، لكنه في الخفاء كان يعاملها ببرود وقسوة ”
تجمّدت نظرات فان شياو ، وانقلب بياض عينيه إلى لون مائل للحمرة ،
كأن نارًا تتأجج في أعماقه ، تفيض حقدًا وألمًا
عانقه يو شولانغ إليه من جديد ، وأصابعه تداعب شعره بهدوء ودفء :
“ تردّد كثيرًا قبل أن يُخبرك ، رغم أن والدكم قد نال جزاءه ،
إلا أن فان بو شعر بأن من حقك أن تعرف الحقيقة ،
وأن تعرف ما عانته والدتك وقتها ”
فان شياو بين ذراعي يو شولانغ كدمية مكسورة ، محاطاً بحنان شولانغ وحمايته ،
لم يغرق في الجنون ، ولم ينهَار تحت كوابيس الماضي —
فحبيبه القويّ الرقيق كان هنا ، إلى جواره ، يواجه معه قبح العالم وظلمه
سأل بصوت خافت مبحوح :
“ هل هناك المزيد ؟”
قبّله شولانغ على صدغه ، ثم تابع وهو يحدّق في وهج
الغروب المنسكب عبر الأفق :
“ ما حدث أثّر في فان بو كثيرًا …. حقده عليك بدأ يتلاشى ببطء ،
لكنه ظلّ عاجزًا عن التقرب منك من جديد ،
قال لي إنه لم يعد يعرف كيف يواجهك ...
أخبرني أيضًا أنه كان على علم بأنك تحقق في أمره وأمر فان يو وأبيك…
وأنك تخطط للإطاحة بالعائلة كلها انتقامًا لوالدتك ”
استقام فان شياو من حضن شولانغ و حاجباه عابسان وهو ينظر إليه
تابع يو شولانغ بصوتٍ هادئ :
“قال فان بو إن الأدلة التي حصلت عليها قبل أربع سنوات
حول قضية التزوير والبيع غير المشروع ، هو من سربها
إليك عمدًا ،
باعتباره الابن الأكبر والمسؤول عن الأعمال الأساسية
للشركة ، كان من الأسهل عليه الوصول إلى تلك الملفات القذرة ”
اتسعت عينا فان شياو بدهشة حقيقية ،
وفكّر طويلًا ثم تمتم ببطء وهو يتذكر كيف جمع الأدلة :
“ كنت أحقق في التزوير منذ زمن طويل … لكنني لم
أكتشف سوى أدلة هامشية وغير مهمة ،،
ثم قبل أربع سنوات اشتكى فان بو فجأة من أن نظام الأمن
في منزل العائلة قد تعطل و كان هو وأبي قد خرجا لحضور
اجتماع ، وإن غرفة أبي المغلقة لم تُقفل جيدًا ،
استغليتُ الفرصة ، واخترقت الحاسوب المشفّر ،
ونسختُ جميع الملفات ،
وحين غادرت بأمان ، كان أبي — الدقيق للغاية قد عاد لتوه
من الخارج ….”
توقف صوته هنا — وحل محل كراهيته وألمه موجة جديدة من الحيرة
أمسكه يو شولانغ من يده وسحبه برفق من الشرفة إلى الداخل قائلًا :
“ قال فان بو إنه حطّم مرسمك أكثر من مرة ، والآن يريد أن يعوضك عنه ،
هذه اللوحات التي تراها على الجدران… هي التي نُقلت إلى
المخزن بعد وفاة والدتك ،
في ذلك الوقت ، ظنّ أنكما غُرقتما في ذلك التسونامي ،
فرَقّ قلبه ، ولم يحرقها ”
وأشار يو شولانغ إلى اللوحات المعلّقة على الجدار وسأل بابتسامة :
“ هذه الرسومات متواضعة بعض الشيء… هل هي لك ؟”
أجاب فان شياو بابتسامة خفيفة ، كمن استعاد شيئًا بعيدًا :
“ نعم ، رسمتُها حين كنت في السابعة من عمري ...”
ثم أنزل رأسه حزينًا :
“ أما البقية… رسمتها أمي "
توقّف يو شولانغ أمام لوحة معينة ، تُصّور امرأة بابتسامة
خافتة وعينين مملوءتين بالحياة ، وقال متأملًا :
“ وهذه ؟
خطوطها ليست متقنة تمامًا ، لكنها نابضة ومعبّرة…
أحببتها كثيرًا "
قال فان شياو بصوت خافت تختلط فيه الذكرى بالحنين :
“ المرأة في اللوحة هي أمي ،،
هذه أكثر لوحة أعتزّ بها ، كنت أنوي تلوينها بعد عودتنا من
عطلتنا في إندونيسيا … لكن …..”
مدّ يو شولانغ يده ، وضغط برفق على أصابع فان شياو :
“ يمكنك أن تُكملها الآن ، ستكون أعظم أعمالك ”
الأفق قد ابتلع آخر خيوط الغروب ،
وتوارى كلّ أثر للضوء في السكون ،
الكوابيس التي كبّلَت فان شياو لعشرين عامًا انطفأت في
تلك العتمة الهادئة — لا أمواج ولا عواء رياح ،
لا برد ولا وحدة ، لا وجه شاحب يطفو فوق الماء ،
كلّ شيء في المرسم كان ساكنًا ودافئًا ،
والمرأة في اللوحة بقيت كما أحبّها — لطيفة ، رقيقةَ الملامح ،
خلفه حبيبه ؛ الذي خُدع ، وجُرح ، و سُرق ، ومع ذلك ظلّ
يؤمن أن هذا العالم ليس سيئًا للغاية و ما زال يستحق أن يُعاش ،
سمع صوته الهادئ يقول :
“ ارسم لي لوحة أخرى ،
التي رسمتَها المرة الماضية كانت فاشلة تمامًا ! ”
ضحك فان شياو وهو يمسح طرف عينه سريعًا :
“ حسنًا ، هذه المرة سأرسمها كما ينبغي …
بكل ما تعلمته في حياتي ! ”
رفع يو شولانغ جفنه ممازحًا :
“ وستختمها باسمك التايلندي مجددًا ؟”
تحسن مزاج فان شياو الكئيب ، وابتسم ببطء :
“ من أكثر المؤمنين بك إخلاصاً ، فان شياو "
⸻——-
بعد شهر ——-
خرج يو شولانغ من مقهى صغير من قلب بانكوك ،
يسمع بجانبه صوت فان شياو يتحدث بالتايلندية بطلاقة
مودّعًا صاحب المقهى ،
المدينة من حولهما تضج بالحياة ؛
ناطحات سحاب تلمع تحت الشمس ،
شوارع مزدحمة بالمارة والسيارات البطيئة ،
تمرّ عربات التوك توك السريعة مطلقةً هديرًا مرحًا وسط
هواءٍ رطب حارّ تتخلله نسمات خفيفة ،
قلّد يو شولانغ حبيبه ، وجمع كفّيه بتحية تايلندية وهو يودّع
فان بو وزوجته السابقة
اللقاء بين الأخوين ظلّ حذرًا متباعدًا كما كان دائمًا ،
بالكاد تبادلا بضع كلمات في المقهى ،
دفعت المرأة الجميلة برفق مرفق فان بو — فتكلم أخيرًا ، متردّدًا :
“ الأخ الثالث… عد إلى هنا مع مدير يو وتيانتيان كلما
سنحت الفرصة "
رفع فان شياو حاجبه ساخرًا :
“ يا لها من نغمة غريبة ، لم أسمعك تقول كلامًا لطيفاً كهذا
منذ سنين ، على أي حال ، أتفكرين في الرجوع إليه يا سيدة فان ؟
فكّري جيدًا ، وإن لم تفعلي… لديّ قائمة من الرجال
المميزين في البلاد ، أستطيع أن أعرّفك بأفضلهم ”
شهق فان بو غاضبًا وملامحه تتصلّب على نحو مألوف :
“ فان شياو !”
ضحك فان شياو بمرح ، وبدت ملامح يو شولانغ بجانبه أكثر ارتخاء —
كأنّ الزمن أخيرًا سمح لهم جميعًا بالتنفس
ضحك فان شياو بحرارة :
“ أنتِ فقط تعالي مع أخي الكبير وراقبيه بنفسك أليس هذا أسهل ؟”
ثم وضع يده على كتف شولانغ ولوّح بيده مبتسمًا :
“ هيا بنا ، إلى اللقاء "
أومأ يو شولانغ برأسه بخفة تجاه الاثنين ،
ومشى مع فان شياو بين الزحام ،
يختفيان تدريجيًا وسط سيل من البشر المتحركين تحت
شمس بانكوك الحارة
——————- …
أشعل يو شولانغ الشموع وعيدان البخور ،
ووضع اللهيب المتراقص داخل شمعدان مزخرف ،
ثم استدار متجهًا نحو تمثال البوذا ذو الوجوه الأربعة ،
ضمّ كفّيه معًا بخشوعٍ عميق ،
وانحنى باحترام ،
ثم وضع باقات الزهور حول القاعدة ،
تحرّك باتجاه الوجه التالي من التمثال ،
كرر الطقس نفسه أربع مرّات ببطءٍ مهيب ——
تطاير دخان البخور في الهواء ،
يلتفّ مثل ضبابٍ ناعم حول الضوء الذهبي ،
وبعد أن انتهى من جميع الجهات ، قاده راهب شاب إلى
قاعة جانبية من المعبد ،
تجاوز عتبة خشبية عتيقة صقلتها السنين ،
فاستقبله صدى التراتيل البوذية المتموجة ،
دافئة وعميقة النغمة
جلس الكاهن العجوز بلباس برتقالي أمام إناء نحاسي ،
عينيه مغمضتان ، يردّد السوترا بهدوء متواصل ،
و قدّم له يو شولانغ تميمة خشبية صغيرة ،
فغمس الراهب غصنًا ناعم في ماء مقدّس ،
ونثر قطراته على جبينه ،
البلل البارد تسلل عبر جلده حتى القلب ،
كأنه يغسل شيئًا خفيًا داخله ،
ثم أعاد إليه التميمة بابتسامة لطيفة ،
خرج يو شولانغ من القاعة ،
رأى فان شياو يقف تحت شجرة ضخمة من أشجار التاماريند ،
ظلّها الوارف يرقّ كالحرير ،
واقف هناك ، طويل القامة ، مائل الرأس قليلاً ،
والابتسامة على وجهه تلمع كشمس صغيرة بين الأغصان ،
خليط من الخفة والجرأة والسكينة ،
اقترب يو شولانغ منه ، لقد اشتدت حرارة الظهيرة ،
فالتقط أنفاسه في الظل ،
وشمّ من فان شياو رائحة خفيفة من الزهور الطازجة ،
سأله بابتسامة :
“ أين كنت ؟”
أجاب فان شياو وهو يلوّح بسلسلة ذهبية من الزهور :
“ كنت أساعد عجوز في بيع أكاليل الزهور ،
وبما أنني وسيم ، فقد بعتُها أسرع من الجميع ،
و هذه… أُهديها للبوذا ،
أما هذه ، فسأهديها للبوذا خاصتي "
علّق الإكليل حول عنق يو شولانغ، وتأمّله للحظات ، ثم
تظاهر بالعبوس :
“ الآن لم أعد أكثر رجل وسيم في هذا المعبد ،
يبدو أن لقب الـLaomama (الساحر الوسيم) سُحب مني "
نظر يو شولانغ إليه بنظرة ضاحكة ، ومدّ يده ليلتقط بعض
بتلات الزهور من شعره ، واقترب منه بخفة
في هذه اللحظة ،
سمع صوت فان شياو يهمس برقة قريب جدًا من أذنه :
“ وماذا كان يفعل المدير يو المحترم ؟”
انسابت من بين أصابع يو شولانغ تميمة جديدة من خشب
داكن تفوح منها رائحة السنديان ،
تتدلّى الآن أمام صدر فان شياو :
“ لقد تخلّصتُ من تميمتك القديمة ، وهذه واحدة جديدة
دعوتُها لك بنفسي ”
ثم رفع السلسلة ، وعلّقها حول عنق فان شياو ،
وبدأ صوته الهادئ ينساب كنسيم في ظلّ الشجرة :
“ البوذا ذو الوجوه الأربعة يجسّد الرحمة ، والحنان ،
والفرح ، والتجرّد .
وأنا… أتمنى أن تحيا بلا كره ، بلا غضب ، بلا حقد ، بلا ندم ؛
ألّا يثقلك الماضي ، ولا يُربكك المستقبل ،
أن تعيش حرًّا ومرتاح و تُحبّني ”
التميمة التصقت بأكاليل الزهور الذهبية ،
تتأرجحان معًا في ضوءٍ متكسّر بين الأغصان
في هذه اللحظة ،
يوجد روحان عرفتا الموت ثم اختارتا الحياة ،
تتعانقان في دفءٍ جديد ، كأنهما خُلقا من نور وطمأنينة ،
همس فان شياو وهو يعانقه برفق :
“ يا بوذا لتكن كلّ ولاداتي القادمة قرب طريقك ،
مرافقًا لك في مسيرة التنوير "
هبت نسمة لطيفة ،
وارتجفت أوراق الشجرة بلحن ناعم ،
وفي ظلّ التمثال الذهبي البهي ،
خُتم العهد — عهدٌ خالد ، لا يزول ، ولا يندم ...
يتبع
تعليقات: (0) إضافة تعليق