Ch20 GHLCS
تلك القبور تعود إلى عائلة الخال جين هونغتشانغ —-
شو هانغ هو من أمر بدفنهم هنا خصيصًا قبل أربعة سنوات ،
والآن وهو يفكّر في الأمر… أدرك أنه لم يأتِ لزيارتهم منذ أربعة سنوات كاملة ،
القبر يقع في عمق الحديقة الجميلة ، في زاوية نائية موحشة ،
وقف شو هانغ على بُعد عدة أمتار ، يحدّق بنظرة باردة ،
غير راغب في التقدّم خطوة واحدة، كأنه يخشى أن تتّسخ قدماه
تمتم بصوت خافت:
“ يا خال … يا خال يا تُرى هل سنحت لك فرصة لتتناسخ
بعد كل هذا الوقت؟”
بلا تعبير :
“ لكنني أظن أن مكان شخص مثلك… هو الجحيم "
مات جين هونغتشانغ في اليوم الذي خرج فيه شو هانغ من شياوتونغ غوان
في ذلك اليوم قدّم دوان ييلين إلى شو هانغ كأسين من الخمر
وقال له:
“ هذه كأس حياة ، وتلك كأس موت — سأمنحك حق الاختيار —
الشخص الذي أريده ، لن أسمح له بالعودة ليُعرض على
رجالٍ آخرين ، لذا… إمّا أن تختارني ، أو تختار التحرّر ”
في الحقيقة كان شو هانغ يعلم جيدًا أن دوان ييلين لم يكن
مضطرًا أصلًا لمنحه هذا الخيار
و بإمكانه أن يكون قاطع طريق مثل جين هونغتشانغ و أن
يكسر جناحيه ، ويمنعه من الهرب إلى الأبد
ومع ذلك، أصرّ على أن يفعل هذا
شو هانغ { يبدو أنه أراد فقط أن يمنحني سببًا لأكون ' راضيًا '
هكذا هم البشر ؛
يقاومون حين يُجبرون ،
لكن ما إن يُمنحوا — حتى ولو وهم — حق الاختيار ،
يتولّد لديهم شعور زائف بالسيطرة ،
يخفي عدم التكافؤ القائم تحت السطح }
جلس شو هانغ على الكرسي ،
وأخذ كأس الحياة دون أي تردّد :
“ لو كنتُ أريد الموت ، لكنتُ متّ منذ زمن طويل بعد كل
تلك السنوات مع جين هونغتشانغ
لكنك تريدني أن أختارك…
هل رهانك حقًا هو هذه الكأس ؟”
جثا دوان ييلين على ركبة واحدة ، ونظر إليه مباشرةً ، كأنّه مؤمن يتعبّد :
“ ماذا تريد ؟”
: “ لا أملك شيئًا سوى نفسي ، لذا فالأمر ليس ما أريده أنا ،
بل ما يمكنك أنت أن تمنحني إيّاه "
ما إن سمع ذلك ، حتى لمعت عينا دوان ييلين بثقة واضحة
نهض ، ونفض الغبار عن ركبته وقال :
“ فهمت "
و في الليل ، تناقل أهل مدينة ههتشو أخبار كرم القائد دوان ،
قائلين إنه أعدّ أضخم عرض ألعاب نارية شهدته المدينة ، ليفرح بها الجميع
وهكذا ،
وسط ضجيج المفرقعات التي ملأت السماء طوال الليل ،
صاخبة كليلة رأس السنة ،
اندفع فريق من الجنود المسلحين إلى فناء جينجيا تانغ،
ونفّذوا مجزرة لم يعلم بها أحد ——-
و حين اقتاد الجنود الخال جين هونغتشانغ تحت تهديد السلاح ،
كان قد خرج لتوّه من الحمّام ، لا يرتدي سوى منشفة
ما إن دخل القاعة حتى رأى الجثث والدماء في كل مكان،
ورأى شو هانغ جالسًا بهدوء يشرب الشاي دون أن يتغيّر تعبيره
سقط على ركبتيه في الحال، وكاد يُغمى عليه
بكى وصرخ ، وزحف حتى قدمي شو هانغ
صفع نفسه ، شتم نفسه ، وتوسّل بيأس طلبًا للرحمة
كان خائفًا من الموت —-
خائف جدًا —-
“ شياوتانغ… شياوتانغ…
أنا أخو أمك من دمها ! أنا خالك الحقيقي !
هذا الخال أخطأ ! هذا الخال كان مشوّشًا !
من الآن فصاعدًا سأطيعك ، سأكون عبدك !”
كان المشهد قبيحًا… مقرفًا
راقبه شو هانغ بصمت للحظات ، ثم مال قليلًا إلى الأمام ، وقال بصوت خافت:
“ أخ حقيقي ؟
لا أذكر سوى أنك حين فشلت تجارتك وجئت إلى شوتشنغ مفلس ، أخرجت هي كل مهرها دون كلمة واحدة وساعدتك
لتقف على قدميك من جديد ، حتى تبني ما لديك اليوم —
لقد اعتبرتك فعلًا من أهلها — ومع ذلك فعلتَ بي أمرًا لا يُغتفر !!! "
بدأ جين هونغتشانغ يضرب رأسه بالأرض بقوة ، والدموع والمخاط يسيلان معًا :
“ الخال أخطأ ! الخال كان أعمى !
أنت شخص عظيم ، لا ينبغي لك أن تحاسب وضيعًا مثلي !”
وضع شو هانغ فنجان الشاي ، وأسند ظهره على الكرسي :
“ لكنني شخص وضيع ، ولا يهمّني أن أكون عظيم ،،
يا خال … هل ما زلتَ تذكر أن ابنك سقط في الماء ومات العام الماضي ؟”
تجمّد جين هونغتشانغ في مكانه —-
شو هانغ يتحدث عن ابنه الوحيد —- جين ونشيانغ —
أصغر من شو هانغ بعامين فقط — لكنه مدلّل إلى حد
الفساد ، و يتصرّف بطغيان في البيت وخارجه —-
كان يعامل شو هانغ كخادم ، يأمره ويعاقبه كما يشاء —-
ثم في إحدى الليالي ، ثملَ وسقط في الماء… ومات
شو هانغ بهدوء : “ حين مات ابنك كنتُ واقفًا على الضفّة
و كان ينادي اسمك بلا توقف
لذا أظنّ أنه كان يريدك… أن تنزل وترافقه "
ارتجف جين هونغتشانغ من الصدمة —
عاري الجسد ، يتصبّب عرقًا ، ومع ذلك شعر ببرودة تخترق عظامه
اختلطت في صدره مشاعر شتّى، لا يدري أهي مرارة فقدان الابن أم حقد مكبوت…
لكن في النهاية — غلبه هوس البقاء حيًّا ——
ارتجف وهو يقول:
“ كله… كله خطئي … سأكفّر عن ذنوبي ….
اعتبره تكفيرًا عن خطايا ابني ، أليس هذا كافيًا ؟
دعني أذهب
لن أظهر أمامك أبدًا في هذه الحياة… حسنًا ؟”
وافق شو هانغ : “ حسنًا "
اتّسعت عينا جين هونغتشانغ وتوقّفت دموعه فجأة:
“ حـ… حقًا؟!”
: “ بالطبع أستطيع أن أسامحك يا خال ...” و ابتسم شو
هانغ ابتسامة مشرقة ، كنبيل لطيف في مسرحية ،
لكن كلماته مرعبة إلى حدّ القشعريرة :
“ لكن إن كانت أمّي ستسامحك أم لا… فاذهب واسألها بنفسك "
من دون أن يمنحه فرصة للإجابة ، و لوّح شو هانغ بيده
و سارع أحد الجنود إلى تلقيم بندقيته ،
وأطلق النار على كتف جين هونغتشانغ
“ آآآآه!!!!”
ثم تقدّم عدة جنود آخرين ، وأطلقوا عليه النار مرارًا
بعد تعذيبه لبعض الوقت ، لفظ أنفاسه أخيرًا
وأثناء تنظيف المكان ، سأل الجنود شو هانغ عمّا ينبغي فعله بالجثة.
كان مستندًا على الباب ، يعانق نفسه بذراعيه ، يحدّق في
الألعاب النارية الملوّنة العابثة في السماء ، وقال بخفّة:
“ ادفنوه في تشييوان "
أراد لجين هونغتشانغ أن يشاهد كيف انتهت الثروة التي
جمعها طوال حياته في أيدي الآخرين
أراد أن يرى أن كل ما كان يملكه ، تحوّل في النهاية إلى قبره
أراد أن يرى كيف انتقم هو في آخر المطاف ، حتى وهو عاجز ، بلا مأوى
{ لكن أربعة سنوات مضت الآن —-
وأظنّ أن ذلك الخال قد شاهد ما فيه الكفاية —-
ففي الجحيم لا يبدو أن الشياطين أكثر من عالم البشر
ويبدو أنه وجد له بعض الرفاق ؛
وإلا، فسيكون الشرير الوحيد في جحيمٍ فارغ…
وسيكون ذلك موحشًا للغاية }
أخيرًا، أصدر شو هانغ أمره للبستاني :
“ اهدم هذا المكان تماماً "
—————-
في الليل ،
عاد دوان ييلين إلى فناء جينيان تانغ
كان شو هانغ جالسًا إلى جانب السرير ، ينقع قدميه في
الماء و يقرأ كتاب طبي
اقترب دوان ييلين ، قرفص ولمس الماء ، فوجد أنه لم يعد ساخن
أخذ منشفة موضوعة إلى جانبه ، و أخرج قدمي شو هانغ
من الحوض ، لفّهما بها وجففهما قائلًا :
“ لا تقرأ كتب الطب وأنت تنقع قدميك بعد الآن
حتى إن الماء برد ولم تنتبه ”
وبينما يمسح ، انخفض نظره فرأى أظافر قدمي شو هانغ
غير متساوية وحادّة الأطراف ، كأن كلبًا قضمها ، فلم يستطع إلا أن يضحك
شو هانغ لا يملك الكثير من نقاط الضعف ، وقصّ الأظافر إحداها
يمكنه أن يقطع جذور العشب السميكة حتى تصبح رقيقة
كالورق ، لكنه لا يحسن قصّ أظافره بنفسه
جلس دوان ييلين على السرير ، وفرش منشفة على ركبتيه
وضع إحدى قدمي شو هانغ فوقها ، ثم خلع معطفه وأسند
القدم الأخرى إلى بطنه ليُبقيها دافئة
و التقط المقصّ القريب وبدأ يقصّ بعناية
في المرّة الأولى التي قصّ فيها دوان ييلين أظافره ، شعر شو هانغ بالحرج والتوتّر
أما الآن، فقد اعتاد الأمر
لم يكن يقصّ أظافره بنفسه لأنه يخشى أن يجرح جلده ، ولهذا كان يشعر بالطمأنينة حين يترك الأمر لغيره
سوّى دوان ييلين الحواف غير المنتظمة ، وجعل الأظافر
مقوّسة ومرتّبة ، ثم قال:
“ إن أردت قصّها في المرة القادمة ، فانتظرني حتى أعود .”
“ ههم.” أجاب شو هانغ بصوت منخفض ، وفي آخره لمحة نعاس
بعدها أدخله دوان ييلين في السرير ، غطّاه باللحاف،
ثم تمدّد إلى جانبه بثيابه
في هذه اللحظة قال شو هانغ بتكاسل :
“ أنت أدرى بالتعامل مع الأجانب…
ساعدني في شراء بعض الحُليّ ”
: “ ولماذا تحتاج الحُليّ؟”
تثاءب شو هانغ :
“ الآنسة قو قدّمت الكثير من الزبائن إلى قاعة الطب خاصتي ،
إن لم أُظهر بعض الامتنان ، فسيبدو الأمر بخلًا
لا أفهم كثيرًا في الأشياء الأجنبية ، فاختر أنت .”
فكّر دوان ييلين قليلًا ، ثم قال:
“ أنت لا تفهم الأجانب ، وأنا لا أفهم أذواق النساء
أظنّ أنني سأطلب من تشياو سونغ أن يجلب بعض تصاميم
الحُليّ الجديدة ، ثم تختار أنت منها ما يناسبها .”
أومأ شو هانغ إيماءة خفيفة ، أغمض عينيه ، وبدا كأنه قد غفا …
يتبع
الفصل التالي الفصل السابق
تعليقات: (0) إضافة تعليق