Ch36 GHLCS
الطقس يزداد دفئًا — جلست الخادمة تشان يي صباحًا على
مقعد صغير تخيط ، وهي تتمتم بلا توقف :
“ لقد غاب القائد سبعة أيام بالفعل…”
وبمحض الصدفة ، كان هذا اليوم هو يوم عودة دوان ييلين،
وهو أيضًا اليوم الذي يستعد فيه دوان تشانتشو ومرافقوه
لمغادرة تشييوان
لم يكن شو هانغ يرغب أصلًا في الذهاب إلى محطة
القطار ، لكن دوان تشانتشو دفعه وسحبه معًا ،
فلم يجد مفرًا من مرافقته
لم يكن في المحطة أحد غيرهم
فهذا القطار مخصص للعسكريين فقط
وباستثناء دوان تشانتشو — شو هانغ — و كونغ لين —
لا يوجد هنا سوى صف من الجنود يقفون بعيدًا على الرصيف
ومع صفير طويل ، اندفع القطار إلى المحطة بزخم هائل
نظر شو هانغ إلى الغبار المتطاير من العجلات الدوّارة ،
فتذكّر نفسه حين هرع إلى هنا من شوتشنغ — مغطّى بالغبار
{ المسار نفسه ،،،
لكن المزاج مختلف تمامًا … }
وبعد أن دخلت عدة عربات فارغة ، ثم عربة دوان ييلين التي
كانت في المنتصف ، استغرق القطار وقتًا طويلًا حتى اكتمل
دخوله المحطة وتوقّف أخيرًا
وقف شو هانغ دون حراك ، يحدّق في القطار بشرود
ربما كان مطمئنًا أكثر من اللازم ، فلم يشعر باليدين اللتين
امتدّت ببطء نحو ظهره
وفجأة ، دفعة قوية من الخلف جعلته يترنّح إلى الأمام ،
كاد يصطدم بالقطار المتحرّك —-
وفي اللحظة التي أدار فيها دوان تشانتشو رأسه لينظر إلى المسافة ، سمع صرخة شو هانغ المفزوعة
انقبض قلبه رعبًا ، ومدّ يده غريزيًا ، لكنه يعلم أن المسافة بعيدة جدًا
لو اصطدم شو هانغ بالقطار وسقط على السكة ، لانحشر
بين العجلات والتروس—ولما كانت هناك أي فرصة للنجاة
في هذه اللحظة الحرجة ، رفع شو هانغ ذراعه غريزيًا ليحمي نفسه ، آملًا أن يخفف الاصطدام ولو قليلًا ،
كأنه بطل في لحظة يأس
لكن قبل أن يتمكن من ردّ الفعل ، امتدت ذراع نحيلة
وأمسكت بذراعه بقوة ، ثم سحبته إلى الخلف بعنف
كان شو هانغ على بُعد شبر واحد فقط من الاصطدام بالقطار ، لكن القوة المفاجئة أفقدته توازنه ، فتعثّر وسقط
ولحسن الحظ أمسكت به اليدان خلفه في اللحظة الأخيرة
همس صوت منخفض ثقيل في أذنه ،
خشن كمدخنة قديمة : “ الطبيب شو لا تسرح بذهنك كثيرًا.”
أبشع صوت سمعه شو هانغ في حياته ؛
ولو وُجدت الأرواح الشريرة حقًا ، فلا بد أن أصواتها ستكون على هذا النحو
كان الصوت منخفض إلى درجة لا يسمعه سواهما
استدار شو هانغ — فرأى وجه كونغ لين الذي يشبه وجه مهرّج
شو هانغ : “ إذًا أنت لست أبكم "
كان قلبه يخفق بعنف ، فردّ هو الآخر بهمهمة خافتة
أجبر كونغ لين نفسه على ابتسامة وقال :
“ أنت وأنا… كلانا نتظاهر "
وبعد أن قال ذلك ، سحب كونغ لين يده بسرعة ، وتراجع خطوة ، متظاهرًا بالوقوف في طاعة
اندفع دوان تشانتشو مسرعًا وساعد شو هانغ على الوقوف :
“ هل أنت بخير ؟ كيف سقطت فجأة هكذا ؟
كدتَ تفزعني حتى الموت !
لو متّ هنا، لكان أخي قد جرّني مباشرةً إلى سكة القطار !
لحسن الحظ أن هناك من أنقذك هذه المرة !”
ألقى شو هانغ نظرة جانبية على كونغ لين، ثم نفض الغبار عن ملابسه :
“ لم أنم جيدًا ، أشعر بقليل من الدوار "
لم يكن لينقلب على كونغ لين ، لأنه فهم مقصده بالفعل—
كان دفعه للقطار — تحذير —- إن أفشى ما رآه ، فسينتهي به الأمر مقتولًا
أما المعنى الأعمق للجملة التي قالها بعد ذلك ،
{ أكان اختبارًا متعمدًا أم ثقة نابعة من اليقين ،
فهو أمر يستحق التفكير …
لكن على الأقل … } أدرك شو هانغ أن كونغ لين ليس سهمًا خفيًا ، بل ذئب واضح
بدأ القطار يبطئ شيئًا فشيئًا ،
ثم أطلق صوتًا طويلًا كحصان عجوز ، وتوقّف تمامًا
فُتح الباب ببطء ، وبدأ الجنود ينزلون واحد تلو الآخر
آخر من نزل هو دوان ييلين —-
لحيته الخفيفة قد نمت ، وبدا أكثر سُمرة
و من الواضح أنه لم يتوقع رؤية شو هانغ في استقباله ،
فتلألأت عيناه فوراً
تقدّم دوان تشانتشو نحوه وتبادلا التحية بقبضتيهما
وحين رأى تعبير وجهه ، انتفخ صدره فخرًا وقال:
“ ما رأيك ؟ أليس أخاك الصغير لطيفًا ومراعيًا بما يكفي ؟”
دوان ييلين وهو يبتسم ابتسامة ماكرة : “ حسنًا، سأحسبها لك ...” ثم نزع معطفه ورماها بين يديه ،
التفت إلى شو هانغ وسأله:
“ ماذا تفعل هنا ؟”
لقد غاب سبعة أيام ، وخلال تلك الأيام السبعة كان هو وشو هانغ في حالة جفاء
قضى دوان ييلين تلك الفترة وهو يهدّئ نفسه ويفكّر
وفي النهاية توصّل إلى نتيجة واحدة : { انسَى الأمر
ماذا يمكنني أن أفعل بطباع شو هانغ ؟
لا أستطيع ضربه ولا توبيخه ، وليس أمامي إلا أن أتحمّل }
وفي شوتشنغ، صادف زميل دراسة قديم لم يره منذ سنوات
وبعد أن شربا معًا ، دار الحديث عن الحب بين الرجال والنساء
و كان ذلك الزميل قد تزوّج ، فربت على كتف دوان ييلين
وقال إن سرّ استمرار أي علاقة طويلة الأمد هو التحمّل
: “ لا يمكنك أن تتزوّجها ثم تبدأ بكراهيتها لهذا السبب أو ذاك ... عليك أن تتحمّل .”
كلمات بسيطة ، لكنها منطقية
دوان { في هذا العالم كثيرون أصحاب مزاج جيد ،
لكن أنا دوان ييلين لا أحب إلا ذلك الشخص …
فكيف لا أصبر عليه ؟ }
…
سعل شو هانغ مرتين وقال :
“ بما أنك عدت ، فارجع بسرعة ... لماذا تقف هنا تتنفس الغبار ؟”
كان هذا ، بالنسبة لشو هانغ — دعوة لطيفة إلى حدّ كبير
: “ ألستَ غاضبًا مني بعد الآن؟”
ردّ شو هانغ بسؤال:
“ أليس أنت من كان غاضب ؟”
: “ حسنًا، أنا، أنا " و أمسك دوان ييلين بيد شو هانغ وسحبه
باتجاه المكان الذي كانت السيارة متوقفة فيه
وبعد أن مشيا قليلًا ، التفت شو هانغ خلسة فرأى كونغ لين واقفًا قريبًا جدًا من دوان تشانتشو مما أثار ضيقه من جديد
ونتيجةً لذلك ، كان كونغ لين يتلقى توبيخًا قاسيًا من دوان تشانتشو
لاحقًا ، عندما انطلق الموكب ، تُرك كونغ لين وحيدًا في محطة القطار
و لم يسمح له دوان تشانتشو بالصعود
و وسط الغبار المتصاعد ، كانت خصلات الشعر المتدلية أمام جبينه تحجب عينيه
القلقتين وملامحه القاتمة
وأثناء جلوسهما في السيارة ، أخرج دوان ييلين كيسًا صغيرًا من الجيب الداخلي لملابسه ،
لكنه تردّد طويلًا ثم مدّه
لاحظه شو هانغ بنظره الحاد وسأله:
“ أهو لي؟”
: “ نعم “
كانت حادثة كرات السمك السابقة لا تزال عالقة بينهما ،
تخلّف أثرًا من الضغينة ، وكان دوان ييلين يخشى أن يتكرر الخطأ نفسه هذه المرة
: “ كيس معطّر ؟”
: “ نعم … مصنوع من زهور الفاوانيا المجففة ….” ناولها له دوان ييلين :
“سمعتُ ما قلته لتشان يي في المرة الماضية ، فظننتُ أنك قد تشتاق إلى فاوانيا شوتشنغ ،،
لذا ذهبتُ خصيصًا أبحث عن حديقة فاوانيا
هذا من أجود الأنواع — وإن لم يعجبك ، فقط ضعه في مكان لا تراه…”
وقبل أن يُكمل كلامه ، كان شو هانغ قد ربط الكيس عند ياقة ردائه —
كان الكيس من حرير أبيض ، منقوش بنقشة طول العمر ،
لا مبالغة فيه ولا ابتذال ، وكأنه صُنع خصيصًا له —
هذه الحركة البسيطة جعلت دوان ييلين يشعر كأنه غُمر بينابيع ساخنة ،
فتبدّد تعب الأيام الماضية في لحظة ….
لم يكترث حتى بوجود السائق أمامهما ، فانحنى وقبّل شو هانغ على شفتيه
و خوفًا من أن يضايق هانغ ، لم يجرؤ دوان على الإطالة أو التعمّق
اكتفى بلمستين سريعة ، خفيفة ، ثم ابتعد
مسح أثر البلل بظهر يده ، وجلس مستقيمًا من جديد
تذكّر دوان ييلين ما قاله ذلك الزميل القديم أيضًا :
“ الغياب القصير أجمل من عشقٍ جديد ”
{ يبدو …. أن هذا القول صحيح فعلًا ….
آمل فقط أن يدوم هذا “ العشق ”…
وأن يطول أكثر فأكثر …. }
يتبع
الكيس العطري :
ز


تعليقات: (0) إضافة تعليق