Ch40 BFIHTE
حين عاد لي تينغيان إلى منزله ،
كان لين تشي فعلًا جالسًا في صالة المعيشة ، مطيعًا كما قال
لم يخرج من الفيلا طوال اليوم —
في الصباح ذهب يسبح قليلًا ،
وبعد الغداء دخل ميدان الرماية وتدرّب على القوس لبعض الوقت ،
يومه كان رياضيًا وصحيًا بامتياز
والآن — جالس على الأريكة ،
يتناول الفراولة وهو يتابع مسلسل رومانسي مبتذل
حين جلس لي تينغيان إلى جانبه ،
كانت البطلة تبكي بعينين دامعتين ،
وتتبادل قبلة طويلة مع البطل
كان لين تشي يحدّق في الشاشة دون أن يرمش
لم ينتبه إلى وجود لي تينغيان
إلا عندما ضحك
التقت عيناهما
جلس لي تينغيان بجانبه ،
ومدّ أصابعه الطويلة ،
التقط من وعاء لين تشي حبّة فراولة مغطاة بالسكر ،
وقضمها قضمة واحدة
لي تينغيان بوجه خالٍ من التعابير : “ حلوة جدًا "
لين تشي قد أضاف فوق الفراولة حليبًا مكثّف —
غير مهتم بكمية السعرات الحرارية —-
رفع حاجبه ،
وأمام عيني لي تينغيان،
وضع حبّة أخرى في فمه
: “ أنا أحبها هكذا ~ "
قالها وهو يعضّ الفراولة ،
والعصير المتسرّب صبغ شفتيه بحمرة أعمق
ابتسم لي تينغيان ولم يقل شيئ
لكن أصابعه مرّت بخفّة على زاوية فم لين تشي ،
ومسح أثر العصير العالق
جلس معه يشاهد حلقة كاملة من هذا المسلسل الممل،
لكنه لم يبقَى لتناول العشاء
عليه في هذه الليلة أن يتوجّه إلى منزل العائلة حيث يقيم جدّه لي تشنغداو
لي تشنغداو بلغ الخامسة والسبعين ولا يزال بصحة جيدة
رغم أنه يُعدّ متقاعدًا في نظر الناس ،
إلا أن كثيرًا من شؤون مجموعة تشانغهي
ومجموعة شوجيا ما زالت تحتاج إلى موافقته
هو لا يقيم في مدينة C بل في جزيرة صغيرة مجاورة لها،
ويستغرق الوصول من بيت لي تينغيان نحو ساعة ونصف بالسيارة
لذا لم يمكث لي تينغيان طويلًا بعد عودته ،
بل ارتدى معطفه مجددًا ،
واستعد للمغادرة
وبينما يعدّل ياقة قميصه ، قال للين تشي :
“ قد لا أعود إلا مساء أول أيام السنة الجديدة ...
إن احتجت إلى أي شيء ، أخبر مدير المنزل ،
ويمكنك أيضًا الاتصال بي في أي وقت .”
عند سماع لين تشي الجملة الأخيرة ، رفع حاجبه :
“ حقًا ؟ ظننت أن لديكم تجمع عائلي ،
وقد يكون الاتصال بك غير مناسب .”
ابتسم لي تينغيان :
“ ليس إلى هذا الحد ،،
سنجتمع فعلًا ، لكن غالبًا لساعتين أو ثلاث فقط .”
لكن حين قال ذلك ،
بدت ملامحه أكثر قتامة بقليل
فمثل هذه الأيام —- أيام لمّ الشمل العائلي —
هي من المناسبات القليلة في السنة التي يضطر فيها للقاء والده
وأخيه غير الشقيق
الجلوس لساعات في مأدبة ،
وسط أقارب لا تجمعه بهم أُلفة حقيقية ،
والاستماع إلى مجاملات فارغة وتباهٍ مصطنع ،
كان مملًا بما فيه الكفاية
{ تناول عشاء رأس السنة مع لين تشي سيكون أمتع بكثير }
فكّر بذلك وألقى نظرة جانبية نحوه
لين تشي لا يزال جالس على الأريكة يعانق وعاء الفراولة
يرتدي بجامة نوم أزرق داكن ،
وشعره الأطول قليلًا مربوط خلف رأسه
وجهه صافٍ ، أبيض ،
وبدا أهدأ من المعتاد
بل…
أصغر سنًا قليلًا
عادةً لين تشي يظهر أمامه بثقة عالية ، مستقلًا ، متحكمًا بكل شيء ،
لدرجة أن لي تينغيان ينسى أحيانًا أن لين تشي لا يزال يفصلُه
عن التخرج من الجامعة سوى بضعة أشهر
لكن الآن ،
وهو ينظر إلى هذا الهدوء النادر عليه ،
اكتشف لي تينغيان أنه…
يريد —- ولو للحظة —- أن يعانقه إلى صدره ويأخذه معه
طبعًا كان ذلك ضربًا من الخيال
لم يقل لي تينغيان شيئ
أخذ القفازات التي ناوله إياها مدير المنزل ،
وارتداها ببطء ، حركةً حركة
كان لين تشي يحدّق في أصابع لي تينغيان المغطاة بالقفازات السوداء ،
و… بلا كرامة تذكر شيء ما ،و ابتلع لعابه مجدداً
{ يا للعجب … كيف يمكن لأمّ لي تينغيان أن تُنجب إنسانًا
متقن الصنع إلى هذا الحد ؟
كل تفصيل فيه جميلة …..
حتى أصابعه ….
ومع القفازات السوداء…
أصبحت أكثر إثارة }
رافقه لين تشي خطوة بخطوة حتى الباب
الهواء البارد اندفع من الفتحة المفتوحة ،
حاملًا معه صرير الليل
ذكّره لي تينغيان:
“ الجو بارد في الخارج ، عد إلى الداخل .”
هزّ لين تشي رأسه ،
وشدّ رداء نومه حول جسده
“ لستُ بردانًا .”
الأرضية دافئة بنظام التدفئة ، ولم يشعر فعلًا بأي برد
لا يزال يمسك بوعاء الفراولة ،نسي أن يضعه جانبًا
وفي اللحظة التي رفع فيها رأسه لينطق بشيءٍ آخر،
انفلت الوعاء من يده
تحطّم
و تناثر الزجاج الشفاف على أرضية الرخام ،
وتطايرت إحدى الشظايا لتصيب ساق لين تشي المكشوف
في البداية ،
بدا كأنه لم يدرك ما حدث ،
شعر فقط ببرودة على ساقه
انحنى ونظر ،
فرأى جرحًا طويلًا مائلًا يمتد على ساقه ،
الدم بدأ يتسرّب ببطء ،
يرسم خطوطًا حمراء متتابعة ،
منظرها كان مقلقًا بعض الشيء
ركع لي تينغيان فورًا ،
وعقد حاجبيه وهو يمسك كاحل لين تشي
الطاقم القريب أسرع لإحضار حقيبة الإسعافات ،
يريدون إيقاف النزيف
لكن لي تينغيان أخذها بنفسه و ضغط بشاشٍ نظيف على الجرح ،
ثم رفع رأسه وسأل بهدوء :
“ هل يؤلمك ؟”
هزّ لين تشي رأسه نفياً
كان معتادًا على تحمّل الألم :
“ لا بأس ...”
انحنى ،
وأخذ الشاش من يد لي تينغيان ليضغط على الجرح بنفسه :
“ اذهب بسرعة ، أليس عليك أن تصل قبل السابعة ؟”
حثّه بصوت خفيف :
“ لا شيء خطير ، أستطيع التعامل مع الأمر وحدي ”
ربت لين تشي على يدَ لي تينغيان مبتعدًا
شد لي تينغيان شفتيه …
يعرف أن ما قاله لين تشي منطقي ،
لكنه حين استقام ببطء ،
ظلّ حاجباه معقودين
يانده حتى أجلس لين تشي من جديد على الأريكة
و كان لين تشي يضغط بيد على مكان الإصابة ،
وعلى وجهه …
لم يظهر أي أثرٍ للألم
بل لوّح له بيده الأخرى ،
كأنه يطرده
لين تشي وهو يبتسم : “ كفى نظرًا ، اذهب بسرعة ،،
لا يعقل أن يكون كل أقربائك قد وصلوا — وأنت وحدك ، صاحب المنزل غائب .”
ألقى لي تينغيان نظرة على ساعته
الوقت بالفعل تأخر
لم يقل شيئ آخر
في المنزل حقيبة إسعافات وممرضون ولا داعي للقلق المفرط
قال بصوت خافت : “ سأغادر إذن ،، لا تتحرك كثيرًا في المنزل .”
لكن لين تشي اكتفى بالابتسام ،
من دون أن يقول نعم أو لا
خطا لي تينغيان خطوة بعد خطوة نحو السيارة
وعندما فُتح بابها،
التفت ونظر مرة أخيرة
كان لين تشي يقف ينظر إليه
في الخارج…
ليلٌ بارد حالك السواد
وفي الداخل ،
لين تشي كأنه يقف وسط هالة من الضوء
لكن في اللحظة التالية ،
أُغلق باب السيارة باحترام ،
والسائق ينتظر أمره
صمت لي تينغيان ثانيتين،
ثم قال أخيرًا :
“ انطلق .”
—
ربما بسبب هذه الحادثة الصغيرة قبل خروجه ،
ظلّ لي تينغيان شارد الذهن حتى بعد وصوله إلى منزل جدّه
لقد تأخر فعلًا بعض الشيء ،، و القاعة مليئة بالأقارب ،
يبدون وكأنهم يتجاذبون أطراف الحديث ،
لكن كل واحد منهم كأنه يرتدي قناع
المجوهرات تتلألأ تحت الأضواء بحدة مزعجة للعين ،
ورائحة العطور تختلط برائحة سيجار خفيفة جدًا
عدّل لي تينغيان ملابسه ، ودخل بخطوات هادئة
ما إن دخل
حتى خيّم صمتٌ خفيف
استمر ثانية واحدة فقط
توجّه أولًا إلى المقعد الرئيسي ،
وانحنى مبتسمًا :
“ جدي ”
ثم حيّا الأقرب إليه واحد تلو الآخر ،
ثم وجّه نظره إلى الرجل الجالس على الجهة اليسرى
رجل في منتصف العمر ،
ملامحه تشبه لي تينغيان
بنسبة ضئيلة لا تتجاوز اثنين أو ثلاثة من عشرة
ملامح عادية
في شبابه ربما كان يُعدّ وسيمًا ،
أما الآن —- فلم يبقَى سوى آثار التقدّم في السن
والدهاء الدنيوي
خفتت الابتسامة عند زاوية فم لي تينغيان،
لكنه حيّاه على أي حال:
“ أبي ”
إنه والده البيولوجي —- لي جيانغ
وبجواره يجلس شاب أصغر سنًا ،
ملامحه جيدة ،
لكن بلا هيبة
يرتدي بدلة ،
ومع ذلك لا يبدو رزينًا
وحين التقت عيناه بعيني لي تينغيان،
تجنّب النظر لا شعوريًا
هذا هو الابن الثاني لعائلة لي —- الذي يعرفه الجميع ،
لكن لم يتم الاعتراف به رسميًا يومًا
لي غوانغي ——
لي جيانغ يمرر من بين أصابعه سبحة بوذية ،
ابتسم مجيبًا على تحية لي تينغيان،
ثم دفع لي غوانغي بخفة :
“ ما بك جالسًا هكذا ؟
ألن تحيي أخاك ؟”
شدّ لي غوانغي شفتيه ، واضح أنه غير متحمس
منذ أن كان في العاشرة حين رماه لي تينغيان في البركة
وكاد يختنق لولا أن انتشله لاحقًا ،
وهو يخاف لي تينغيان خوفًا حقيقيًا
لكن في النهاية ، وبما أن لي تينغيان هو من يتولى زمام الأمور الآن ،
وأمام هذا العدد من الناس ،
حيّاه لي غوانغي على مضض ، وبطاعة :
“ الأخ الأكبر "
لم يتغيّر تعبير لي تينغيان
يعلم أن أنظار من في القاعة كلها موجّهة إليهم
هذا المشهد يتكرر كل عام
لا يعرف إن كان الآخرون قد سئموا أم لا،
لكنه شخصيًا…
سئم حدّ الضيق
اكتفى بإيماء رأسه ببرود ،
ثم اتجه مباشرةً ليقف إلى جانب لي تشنغداو
حين واجه تيغيان ابتسامة جده لي تشنغداو ،
بدت نبرته أصدق بكثير و جلس تلقائيًا في المقعد المجاور له
وقال بنبرة أقرب ، مازحًا :
“ لم نبدأ العشاء بعد ومع ذلك أشمّ رائحة الكحول منك…
هل شربت خلسة مجدداً ؟”
الجد لي تشنغداو يعاني من دهون الكبد وارتفاع ضغط وسكّر ،
والأطباء يمنعونه من الإكثار من الشرب
ضحك الجد لي تشنغداو بصوت عالٍ
“ لا تتدخل في شؤون جدّك ...”
لكنه ربّت على تينغيان وأشار له بإصبعيه 🤏🏼 :
“ مجرد القليل .”
ضحك لي تينغيان لا إرادياً ونظر إليه بعجزٍ واضح
كان واضحًا للجميع مدى قرب هذا الجدّ وحفيده ،
في حين أن الابن البيولوجي ، لي جيانغ ،
لم ينل مثل هذه المعاملة
وأثناء حديثهما ،
وصل عدد آخر من الأقارب تباعًا ،
وتبادلوا التحيات
رفع لي تينغيان عينيه، فرأى عائلة عمّته
مسح لي تشنغداو القاعة بنظرة ،
وبدا أن الجميع قد حضر
أمسك بيد لي تينغيان، ونهض :
“ حسنًا ، بما أن الجميع هنا ،
فلنترك الرسميات جانبًا ولنذهب إلى قاعة الطعام .”
تحرّك الجميع تباعًا
وأثناء سيرهم من الصالة إلى قاعة الوليمة ،
ظلّ لي تشنغداو ممسكًا بيد لي تينغيان،
وسأله مبتسمًا:
“ لماذا تأخرت اليوم؟
قلت لك أن تأتي بعد الظهر لتلعب معي جولة شطرنج ،
لكنك لم تأتِي
هل لأنك لا تريد رؤية أبيك وأخيك ؟”
ضحك لي تينغيان بخفة و هزّ رأسه :
“ ليس إلى هذا الحد ...
فقط كان هناك بعض الأمور في الشركة .”
وجود أمور في الشركة كان صحيح ،
لكن مرافقة لين تشي لبعض الوقت…
كانت حقيقة أيضًا
سخر لي تشنغداو شخيرًا خافتًا
“ تسسسك ،، غريب
سمعت أنك غادرت الشركة مبكرًا اليوم ،
و ما إن عدت إلى منزلك حتى اختفيت هناك فترة طويلة ”
كان كلامه إما ذا مغزى مبطّن ،
أو مجرد حديث عابر
أنزل لي تينغيان رموشه ، لكن صوته بقي هادئ :
“ عدت فقط لأبدّل ملابسي .”
نظر لي تشنغداو حفيده بنظرة سريعة
كانا يسيران في الممر ،
وتعبير تينغيان لم يتغيّر لذا لم يواصل السؤال
وصلا إلى قاعة الوليمة ،
و جلس الجميع في أماكنهم المحددة
مهما كانت الصراعات الخفية ،
ومهما تشابكت المصالح داخل إمبراطورية عائلة لي،
ففي رأس السنة ،
حين يرى لي تشنغداو هذا العدد الكبير من أفراد العائلة مجتمعين ، تلين تعابيره قليلًا
كان في الأصل رجلًا نحيلًا حادّ الملامح ،
كأنه نصل سيف ،
ولم يتعلّم اللين حتى مع تقدّم العمر
وإن كان له تفضيل واحد ،
فهو لي تينغيان
نشأ لي تينغيان تحت يده ،
وزوجته الراحلة كانت تحب لي تينغيان أكثر من الجميع ،
وكان الاثنان يشتركان في وحمة واحدة
حين كانت زوجته على قيد الحياة ،
كانت تمزح قائلة :
“ من له نفس الوحمة ،
لا بد أنه كان من نفس العائلة في حياة سابقة .”
ولهذا ،
جلس لي تينغيان ملاصقًا له تمامًا ،
بينما جلس لي جيانغ ولي غوانغي في أماكن أبعد
أما مأدبة العائلة قبل ليلة رأس السنة هذه …
فلم يكن لها في الحقيقة أي معنى خاص
الجالسون على طاولة لي تينغيان كلّهم من الأقارب المقرّبين
من المفترض أن يكونوا عائلة واحدة شديدة القرب،
لكن حين يجتمعون هكذا على مائدة عائلية،
ولا يمكنهم التحدّث عن العمل،
لا يبقى سوى أحاديث خفيفة لا تؤلم ولا تُشبع
عائلة عمّته القريبة رُزقوا مؤخرًا بحفيدة صغيرة
ولأنها لا تزال رضيعة ، لم يحضروها معهم ،
واكتفوا بعرض صورها على الجميع
لي تينغيان لم يكن مهتمًا بالأطفال
رفع عينيه قليلًا وألقى كلمتي مجاملة من باب الذوق لا أكثر
لكن والده لي جيانغ — وكأنه وجد أخيرًا فرصة ليُظهر جانبه كأب حنون ،
مع أن العلاقة بينه وبين ابنه باردة إلى درجة
أنهما لا يتبادلان الحديث إلا مرات معدودة في السنة،
نظر إلى لي تينغيان مبتسمًا وقال:
“ تينغيان لا تكتفِي بالنظر إلى أطفال الآخرين ،
متى يحين دورك أنت ،
وتدعني أرى حفيدًا أو حفيدة ؟”
رفع لي تينغيان عينيه
كان لي جيانغ ينظر إليه ،
بذلك الوجه الذي لا يشبهه إلا في اثنين أو ثلاثة من عشرة ،
يبتسم…
لكن الابتسامة لا تصل إلى عينيه ،
ومع ذلك بدت مليئة بالـ«اهتمام»
وتابع لي جيانغ ، مازحًا لي تشنغداو :
“ لقد عرّفت تينغيان من قبل على فتاة ،
ابنة الوزير تشاو ،
تخرّجت حديثًا من ستانفورد ،
ذكية ومهذبة ،
وأصغر منه بثلاث أو أربع سنوات ،
لكنه لم يذهب حتى لمقابلتها
الأبناء حين يكبرون تكثر أفكارهم ولا يعودون يقبلون أن نُدير أمورهم .”
تجاوب بقية كبار السن على الطاولة مع الحديث —-
في ولائم رأس السنة الصينية ،
زواج الجيل الأصغر دائمًا موضوع مثالي لفتح الأحاديث
وإلا — فأين يجد جمعٌ من الناس تتظاهر وجوههم بالانسجام بينما قلوبهم متباعدة في ما يتحدثون عنه؟
حتى لي تشنغداو وجّه نظرته الحادّة نحوه
ونادرًا ما وافق ابنه ،
لكنه قال مخاطبًا لي تينغيان:
“ ما يقوله والدك ليس خطأ ...
بلغت هذا العمر ولا نراك ترتبط بأحد ،،
إن لم تعجبك الفتيات اللواتي يرشّحهن والدك فلا بأس ،
ما زال لهذا العجوز بعض الوجاهة .
إن أعجبتك ابنة أي عائلة ،
سأذهب بنفسي وأتوسّل لهم كي يوافقوا على لقائكما "
لي تينغيان في مركز كل الأنظار
هذه الكلمات لم تكن خاطئة أبدًا
فبعد هذا العيد سيبلغ الثامنة والعشرين
في هذا العمر ،
وفي ذروة شبابه ،
ومن خلفية عائلية كهذه ،
أن يُطرح موضوع الزواج على الطاولة أمر طبيعي تمامًا
توقّعات العائلة منه واضحة :
أن يتزوج ابنة عائلة مرموقة ،
ومن الأفضل أن تكون نافعة لمسيرته ،
وإن لم تكن ،
فعلى الأقل أن تكون «مساوية » له مقامًا
لكن ما خطر على باله في هذه اللحظة هو صورة لين تشي
وهو ينظر إليه من بعيد
لي تينغيان بهدوء : “ دعونا نؤجل هذا الحديث ،
أنا لست مستعجلًا .
لا أملك اهتمامًا كبيرًا بالزواج .”
كان يفهم تمامًا قصد والده
الفتيات اللواتي يعرضهن عليه
كلهن بنات مسؤولين مقرّبين من لي جيانغ
ضحك بخفة ،
ثم ألقى القنبلة بنبرة عابرة :
“ بدلًا من ذلك ،
لماذا لا نقلق قليلًا على غوانغي؟
أذكر أنه كان له حبيبة في الجامعة ،
واستمرا معًا لأكثر من عامين ، أليس كذلك ؟
أظنني رأيتهما معًا الشهر الماضي في قصر هونغ .”
ابتسم لي تينغيان موجّهًا كلامه إلى لي غوانغي، وقال بهدوء :
“ عندما يتاح لك الوقت ، أحضر حبيبتك ليتعرّف عليها أفراد العائلة .”
تصلّب جسد لي غوانغي في الحال
ما إن سمع لي جيانغ ذلك حتى عقد حاجبيه
صحيح أن لي غوانغي لديه حبيبة ،
لكن خلفيتها الاجتماعية لم تكن لائقة إطلاقًا ،
و قد أمره مباشرةً بقطع العلاقة
لم يتوقع لي غوانغي أن يكون لي تينغيان على علم بالأمر ...
فهو، على الأقل في العلن ، قد انفصل عنها ،
بينما في الخفاء أبقاها في مدينة أخرى ،
يتكفّل بها هناك
ضحك غوانغي ضحكة جافة وقال :
“ أخي لا بد أنك رأيت خطأ .”
ابتسم لي تينغيان وتوقّف عند هذا الحد
لأن الاستمرار في الكلام كان كفيلًا بأن يخرج الموقف عن السيطرة
فحبيبة لي غوانغي لم تنفصل عنه بل حامل أيضًا
لي جيانغ يتوق إلى الأحفاد ،
لكنه أخطأ الشخص الذي يضغط عليه ،
فالجواب كان قريبًا منه أكثر مما يتخيّل
.
بعد انتهاء العشاء ،
وباستثناء الأقارب المقرّبين ،
بدأ الناس يودّعون بعضهم البعض تباعًا
و من عادات عائلة لي أن تُقام مأدبة كبرى في الليلة التي تسبق رأس السنة ،
يُجمع فيها الأقارب من القريب والبعيد ،
لكن ليلة رأس السنة نفسها يعود فيها كل بيت إلى منزله
لتقديم الطقوس ،
ولا يبقى سوى أقرب الأقرباء
لي تشنغداو لم يُكثر من الاحتفاظ بالناس
و مزاجه جيد الليلة ،
يجلس ويتحادث مع بعض كبار السن
لي تينغيان جلس قليلًا في الأسفل مجاملة ،
ثم عاد إلى غرفته ،
وأجرى اتصالًا بلين تشي
لين تشي قد انتهى لتوّه من العشاء ———
غياب لي تينغيان عن المنزل جعل المكان يبدو أكثر فراغًا ،
لكن لا يعرف إن كان لي تينغيان قد أوصى بذلك أم لا ولكن عدد من العاملين القدامى في المنزل ، إضافةً إلى كبير الخدم ، جلسوا وتناولوا العشاء معه
العمة شاو التي اعتادت رعاية لي تينغيان منذ صغره ،
أخرجت له سراً صورًا قديمة له في طفولته
نظر لين تشي إلى تلك الصور —
صبي صغير بوجه متجهّم ،
يعانق سمكة ذهبية ويرفض تركها
ضحك حتى كاد يختنق
وفي تلك اللحظة بالذات ، جاءه اتصال لي تينغيان
كان لين تشي يعضّ قطعة من حلوى مقرمشة ،
وحين رأى اسم المتصل ،
رفع حاجبه قليلًا
رغم أن لي تينغيان قال له إنه يستطيع الاتصال متى شاء،
إلا أنه لم يكن بهذه الدرجة من عدم اللباقة
فمآدب العائلات الكبيرة ، ولي تينغيان مركزها ،
لا بد أن تترك له حيّزًا ضيقًا من الحرية
لكن لي تينغيان هو من بادر بالاتصال
أجاب لين تشي فوراً :
“ ألو؟”
كان في صوته شيء من الابتسامة دون وعي ،
“ لي تينغيان؟”
لي تينغيان جالس في غرفته ،
على الكرسي الهزّاز في الشرفة
البيت من حوله هادئ
و الضجيج في الأسفل من أحاديث الناس ، وأصوات العروض ، بدى و كأنه عالم آخر ،
لا يصل صداه إلى هنا
في الحقيقة قبل أن يضغط زر الاتصال ،
لم يكن لي تينغيان يعرف تمامًا لماذا يتصل
لين تشي بخير و يمكث في البيت كما ينبغي
العاملون الذين تركهم سيهتمون به على أكمل وجه
لا يوجد ما يدعو للقلق
لكن حين فُتح الخط فعلًا ،
وحين ناداه لين تشي باسمه ،
أدرك فجأة السبب
في هذا الليل الساكن ،
كل ما أراده هو أن يسمع صوت لين تشي …
يتبع
الفصل التالي الفصل السابق
تعليقات: (0) إضافة تعليق