Ch51 GHLCS
شو هانغ بنبرة غامضة : “ دوان… ييلين ؟”
: “ نعم! نعم! كيف تشعر؟”
حاول شو هانغ جاهدًا فتح عينيه : “ أنا محظوظ…” ألقى
نظرة على المجموعة الواقفة خلف دوان ييلين ، ثم أمسك
بياقته وجذبه ليُقرب أذنه منه : “ أسرِع… لنذهب…
كونغ لين خلفنا ... إن لم نغادر الآن…
أخشى أننا لن نتمكن من المغادرة …”
تفاجأ دوان ييلين فعلًا حين سمع الاسم ،
لكنه لم يكن يملك وقتًا للتفكير ،
حمل شو هانغ بين ذراعيه ، و قفز بسرعة على ظهر الحصان ،
وانطلق مع المجموعة مسرعين في النزول من الجبل
الرياح تعصف بعنف
ولعلّ شو هانغ شعر بالاطمئنان ، فسقط في غيبوبة
كان دوان ييلين يضمه بينما يلوّح بالسوط أسرع فأسرع
قلقه في هذه اللحظة كان أشد من الإحساس بالاحتراق ،
حتى كاد يشعر أن روحه توشك أن تغادر جسده
امتزج الغضب بالذنب في صدره ، وكان يتمنى لو يقتحم
قصر مفوض الرقابة العسكرية حاملاً بندقية ، ويطلق
رصاصة على رأس يوان سن
{ متى تعرّض الشخص الذي أحتضنه بين كفيّ ،
و أحبه كطائر كناري … لمثل هذا الإذلال خلال أربعة سنوات ؟
من يجرؤ ؟ من يجرؤ على فعل هذا ؟ }
الحصان يندفع على طريق الجبل الوعر ، مقتربًا أكثر فأكثر من مخرج الجبل
ظهر أمامهم جسر معلّق
ما إن يعبروا الجسر ، سيخرجون من الجبل ، وبعد ساعتين
أخرى من الركوب سيدخلون المدينة
يبلغ طول هذا الجسر المعلّق نحو نصف ' تشانغ '
وتحتَه نهر هائج
وبما أنه مصنوع من ألواح خشبية ، فمن المستحيل عبوره على ظهر الخيل
بعد أن وضع دوان ييلين شو هانغ بثبات على ظهر الحصان ،
نزل هو والآخرون
وما إن وطأت قدمه الجسر حتى أصدرت الألواح الخشبية
العتيقة صريرًا مزعج
و الجسر يتمايل يمينًا ويسارًا ، مما اضطر الجميع إلى
التقدم ببطء شديد وهم يمسكون بالحبال للتوازن
في هذه اللحظة —- ضرب حصان دوان ييلين الأرض بحوافره بقوة ،
وبدأ يلهث بشدة، يهز رأسه بقلق ، بل ويتراجع بعناد
تصلبت أذنا دوان ييلين ، وعبس بحاجباه
استدار فجأة وصرخ في الآخرين : “ ارجعوااااا ! بسرعة !”
لم يكن لدى الجمع وقت ليفهموا ما يحدث، فاكتفوا بتنفيذ
الأمر وسحب خيولهم إلى الخلف
وفي لحظة خاطفة ،
وما إن غادرت قدما دوان ييلين الجسر المعلّق ،
حتى انقطع أحد حبال الجسر المتمايل فجأة، وانهار الجسر بأكمله
تناثرت الألواح الخشبية كأسرى طال سجنهم ثم أُطلق
سراحهم فجأة ، فتطايرت بعنف وتحطمت في لحظة
أما الجنديان الأخيران ، فلم يتمكنا من الهرب في الوقت المناسب ،
ولم يسعهما سوى الصراخ بصرخة واحدة و سقطوا في النهر ، واختفيا بلا أثر
“ كـ… كاد الأمر أن يكون قاتلًا !”
قال أحد الجنود وهو يربت على صدره ، ولا يزال الخوف يملأ وجهه
قال جندي آخر وهو لا يقل فزعًا عنه : “ ماذا حدث ؟
كان الجسر متينًا تمامًا عندما مررنا قبل قليل !”
راقب دوان ييلين الجسر المعلّق وهو ينهار ، ثم قرفص
ليتفحص أعمدة الجسر العالقة عند حافة الجرف
كانت الحبال المتبقية عليها تحمل آثار قطع واضحة ، لكنها
لم تكن عميقة ، بل بدت وكأنها صُممت للتأخير لا للقطع الفوري
{ هكذا إذاً … }
لم يشعر دوان ييلين ورجاله بأي خلل أثناء دخولهم ، لأن الخلل لم يظهر إلا الآن
و من الواضح أن الفخ كان مُعدًا بعناية ، حتى هذا الطريق
الجبلي غير اللافت لم يُترك للصدفة
ابتسم دوان ييلين بسخرية وقال: “يريدونني أن أصل حيًّا… وأعود ميتًا ”
سأل أحد الجنود : “ يا القائد ماذا نفعل الآن ؟”
وبالنظر إلى تضاريس ههتشو فإن فقدان هذا الجسر
المعلّق يعني أن سلوك طريق بديل سيستغرق نصف يوم إضافي
وكان من المستحيل العودة ضمن الوقت المتفق عليه مع تشياو سونغ
أما المواجهة المباشرة مع قطاع الطرق ، فقد باتت حتمية
في هذه اللحظة ، كان هدف مفوض الرقابة العسكرية قد تحقق بالفعل
أصدر دوان ييلين أمره : “ لنبحث عن مكان قريب للراحة ،
ونأخذ فترة من الراحة .”
{ فما دام القتال قادمًا ، فلا بد من الحفاظ على القوة أولًا }
————
لا يبدو فجر جبل جيوهوانغ مرعبًا كما كان في أعماق الليل
و زقزقة العصافير على الأغصان بددت قسوة الليل بأكمله
حين استيقظ شو هانغ لم يشعر بألم شديد
و جميع إصاباته ، الكبيرة والصغيرة ، قد عولجت
و كان ملفوف بمعطف عسكري ، وممدد داخل كهف صغير
{ هذا معطف دوان ييلين } لقد تعرّف على الرتبة العسكرية فورًا
خرج مرتديًا المعطف ، فرأى أكثر من عشرة جنود يغتسلون عند ضفة النهر
و كان دوان ييلين عاري الصدر ، يغسل نفسه غير مبالٍ بالبرد ، بل ويمازح الجنود ضاحكًا
لم يبدُو المشهد وكأنهم على وشك خوض معركة ، بل أشبه بنزهة
استدار دوان ييلين حين رآه ، وتقدم نحوه وهو يحمل قارورة ماء نبع في يده
: “ استيقظت ؟ تعال واشرب قليلًا .”
كان شو هانغ عطشان فعلًا ، فشرب الماء ثم سأل:
“ لماذا لا ننزل من الجبل ؟”
جلس دوان ييلين على صخرة ، ينتظر حتى يجف الماء عن جسده ، وقال : “ الجسر المعلّق دُمّر —
لقد ابتعدتُ عن مدينة ههتشو لأكثر من يوم ،،
وحتى لو سلكت طريقًا التفافيًا للنزول من الجبل ، فأخشى
أن تشياو سونغ يكون قد حصل بالفعل على إذن إرسال القوات .”
فمتى صدر أمر التحرك ، لا بد من الصعود إلى الجبل لقمع قطاع الطرق ، وإلا عُدّ ذلك حادثًا عسكريًا جسيمًا
لم يستطع شو هانغ إلا أن يتذكر كلمات كونغ لين السابقة ،
تلك التي لم يُكملها ،
والآن أدرك أن هذه اللعبة كانت فعلًا صعبة
{ حذوة الحصان أولًا ، ثم الجسر المعلّق
كونغ لين ' دقيق ' إلى حد مخيف ….
' السرعوف يترصد الزيز ، ولا يدري بوجود العصفور خلفه'
الأحداث توالت واحدة تلو الأخرى ، وقد خسرتُ مجدداً }
( السعي وراء مكاسب ضئيلة مع إهمال خطر أكبر — شو هانغ يشبّه نفسه بالزيز —- يركز على تهديد مباشر
ففوجئ بأن الخصم (كونغ لين و رئيس الأركان ) لديهم
خطوة استراتيجية أكبر وأبعد مدى (العصفور) )
أومأ شو هانغ : “ كانوا يتعمدون كسب الوقت
ورغم أنني لم أقع في أيديهم ، إلا أنهم حققوا هدفهم .”
نظر دوان ييلين مباشرة إلى عينيه : “ لا، الأمر مختلف ،،
ما دمتَ لست في أيديهم ، فلا قيود لديّ ، ويمكنني القتال بلا تردد .”
ورغم أن الخطر لا يزال موجود ، لكن شو هانغ شعر أن
المعطف على جسده دافئ جدًا ، كنجدة جاءت في وقتها
و في الكهف نار توشك على الانطفاء
أخذ دوان ييلين عود وحرّك به الرماد ، ثم أخرج كرة سوداء كبيرة ، وضربها بقبضته ، ففاحت رائحة لحم خفيفة
فككها بمهارة ، —- حمامة ملفوفة بأوراق اللوتس ، مغطاة
بالطين الأصفر ومشوية
حدّق شو هانغ فيه شاردًا
الجنود يجيدون البقاء في البرية ، لكنه لم يرَى دوان ييلين هكذا من قبل
مزّق اللحم قطعة قطعة ، ووضعه على أوراق خيزران نظيفة، ونزع كل العظام
كان جندي في الأصل ، لكنه بدا رقيقًا إلى جانب شجاعته
{ لا عجب أن كل العائلات الثرية كانوا يرغبون في تزويج بناتهم للقائد دوان }
ناول أوراق الخيزران إلى شو هانغ وقال: “ كُل قليلًا ؟”
بعد يومٍ وليلةٍ من التقلبات ، كان شو هانغ بطبيعة الحال متعبًا وجائع
أخذ قطعة صغيرة بأصابعه ووضعها في فمه ، ثم أومأ: “ لذيذة جدًا .”
ابتسم دوان ييلين ودفع الطعام كله إلى يده :
“ هذه وصفتي السرية الخاصة ،،
حتى ابن عمي تشانغتشو لم يجرّبها
كُلها أنت .”
لم يكن شو هانغ متأكد إن كان دوان ييلين قد أكل أم لا،
وخشي إن سأل أن ينال جوابًا مختصر بـ ' لست جائع ' لذا ،
و ببساطة —- أخذ قطعة ورفعها إلى شفتي دوان ييلين
فاجأت هذه الحركة دوان ييلين بوضوح
تجمّد لحظة ، وعجز عن الكلام ،
ثم فتح شفتيه ببطء وتقبّل اللقمة ، ومضغها على مهل ،
كأنه يتذوّق كل قضمة بصمت ،
وبعد أن ابتلعها قال: “ حيوانات الجبل لحمها لذيذ ،
لكن والعدو على الأبواب ، سيبدو الطعام بلا طعم ،،
عندما تنتهي هذه المسألة ، سأصطاد بعض الحمام البري
وأحضره لك لتأكل .”
: “ أنت الوحيد الذي ما زال يفكّر في الفرائس البرية وهو يواجه عدوًا قويًا .”
و بعد جلوس طويل ، كان جسد دوان ييلين قد جفّ، فأراد أن يرتدي ملابسه ،
وحين استدار جانبًا ، لمح شو هانغ أثرًا خافتًا على ظهر كتفه
كان الأثر يشبه هلال متزايد ، أربع علامات صغيرة مصطفّة
على قوس منحني
وعلى عكس الندوب المعتادة التي تشبه آثار أم أربعة وأربعين ، بدا أدقّ منها ، ولونه أميل قليلًا إلى الرمادي
مقارنةً بالجلد المحيط — كأنه… آثار أسنان
كان الأثر ضحلًا جدًا
ورغم أن شو هانغ ودوان ييلين مرا بتفاعلات صادقة كثيرة ،
فإن شو هانغ لم يكن يومًا متساهلًا إلى حد التحديق في جسده ، ولذلك لم ينتبه له من قبل
و لولا ضوء الصباح الساطع وقرب دوان ييلين منه ، لكان
من الصعب ملاحظة هذه العلامة الصغيرة
و لسببٍ غير معلوم ، مدّ شو هانغ يده ولمسها :
“ هذه الندبة… موجودة منذ سنوات طويلة ”
فهو طبيب، ويعرف الندوب كما يعرف أفراد عائلته
أدار دوان ييلين رأسه بعيدًا ، إذ لم يستطع رؤيتها من زاويته
جراح الجنود أشبه بالأوسمة ؛ منها الكبير ومنها الصغير ،
كثيرة إلى حد لا يُحصى
و بعد سماعه سؤال شو هانغ ، فكّر قليلًا ثم قال :
“ نعم ، مضى عليها سنوات طويلة ،، دعني أتذكّر…
كنت حينها ما زلت قائد ميداني ، منذ نحو عشر سنوات .”
: “ ليس من السهل أن يترك أحدٌ آثار أسنان عليك.”
ابتسم دوان ييلين موافقًا، واستعاد ذكرى من طفولته :
“كانت تلك سنوات مضطربة — أذكر أنه حين اندلعت
أعمال شغب كبيرة في المدينة ، أُصبت بجروح كثيرة وأنا
أنقذ الناس ... مممم ؟ … نسيت أي طفل عضّني "
: “ طفل ؟”
: “ لا بد أنه كان خائفًا وقتها ….” لم يكن دوان ييلين يتذكر
التفاصيل بوضوح ، بل كان لديه انطباع غامض فقط :
“ أتذكر كل الإصابات الكبيرة في جسدي ، لكنني نسيت
معظم البسيطة — هذه وحدها بقيت في ذاكرتي قليلًا ،
لأن أسنان ذلك الصغير كانت شرسة حقًا .”
حقاً بعد كل هذه السنوات ، ما زالت آثار العضة ثابتة —
تمامًا كجروح الرصاص والسكاكين على جسد دوان ييلين
يمكن للمرء أن يتخيّل كم كان صاحبها عنيد
تأمّل شو هانغ الأثر لحظة ، ثم أنزل رأسه
خلع المعطف وأعاده إلى دوان ييلين قائلًا :
“ أعطني حصانين لاحقًا ، سأركب بأقصى سرعة وأعود إلى ههتشو عبر طريقٍ ملتف
و عندما أنزل من الجبل ، سيكون تشياو سونغ قد صعد بالفعل من المدخل الرئيسي .”
أومأ دوان ييلين:
“ هذا ما فكّرتُ به أيضًا . سأرسل شخصًا آخر ليُرافقك .”
حدّق شو هانغ فجأة بحدّة : “ هذا ليس ما أقصده ...
أنت تبقى هنا وتنتظر تعزيزات تشياو سونغ ،،
أنا سأعود إلى المدينة لأحلّ المشكلة من أجلك .”
كانت هذه كلمات خطيرة —- رمى دوان ييلين معطفه جانبًا ،
وأمسك بكتفي شو هانغ بقوة ، وقال بصرامة :
“ لا تفكّر في ذلك حتى !
أنا القائد ، وأعرف أكثر منك في قيادة الجنود والقتال
إن قلت لك عُد إلى المدينة ، فعليك أن تجد مكانًا تختبئ فيه ،
ولا تدع يوان سِن يعثر عليك !
لقد نجوتَ أخيرًا فلا تُسبب المتاعب مجدداً
هل تسمعني ؟”
: “ أتريدني أن أنكمش مثل سلحفاة ؟”
: “ سأتكفّل أنا بالأمر !”
نظر إليه شو هانغ ببرود : “ دوان ييلين ….”، وقال دون أن
يترك له مجالًا للرفض : “ أنا لستُ امرأة ”
اختنق دوان ييلين للحظة
رغم أنه كان في وضعٍ يائس ويحاول حماية شو هانغ ،
فإن نزعة الرجولة المفرطة لديه جرحت كرامة شو هانغ ،
{ كيف نسيت أنا بالذات — أكثر ما يكرهه شو هانغ ؟ }
من جهة ، عذاب القلق ، ومن جهة أخرى ، كرامة شو هانغ ؛
كلاهما لا يمكن الاستهانة به
بعد تفكيرٍ قصير ، قال دوان ييلين بنبرة أكثر لِينًا :
“ لكنّك أيضًا من أبناء الشعب الذين عليّ حمايتهم ،،
يمكنك بطبيعة الحال أن تختبئ في المدينة ، دون أن تسمع
طلقات أو ترى دماء ، واترك لي حمايتك .”
: “ دون أن أسمع طلقات ؟ دون أن أرى دماء ؟” هزّ شو هانغ رأسه بمعنى ، و بعدم التصديق :
“ لا بد أنك نسيتَ—دمك وسلاحك هما من شقّا لي الطريق
إلى شياوتونغ غوان "
: “ الأمر مختلف…”
لم يتركه شو هانغ يُكمل ، بل قاطعه بحدّة :
“ أولئك الذين يختبئون في المدينة ليسوا مقاتلين حقيقيين ؛ إنهم جبناء ،
المحاربون الحقيقيون هم عامة الناس ، أولئك الذين
يحملون السلاح ويغادرون المدينة للقتال عندما يأتي الخطر .”
: “ هذا لا يكون إلا بعد سقوط المدينة ، عندما نكون قد
قطعنا طريق العودة ،
شاوتانغ أنا أدافع عن أمن ههتشو وسلامها لسببٍ أناني —
أريد أن أضمن أنك لن تصل يومًا إلى موقفٍ تضطر فيه لرفع
السلاح لتنقذ نفسك مجدداً !”
كان لكلٍّ منهما رأي مختلف ، وتصلّبت أعناقهما من شدّة الجدل
لم يكن أيٌّ منهما مستعدًا للتنازل ، فأبعدا وجهيهما معًا
ساد جوّ متيبّس ، وحتى الرياح التي هبّت بينهما بدت محرجة
عبث شو هانغ بأكمام المعطف العسكري ، وقد كانت
ممزقة قليلًا ومتآكلة عند الأطراف
تذكّر أن الخادمة تشان يي قد نبّهت دوان ييلين قبل أشهر
إلى ضرورة ترقيعه ، لكنه كان ينسى كلما انشغل ،
فظلّ الأمر معلّقًا كل هذا الوقت
{ هذا الرجل… لعلّه وُلد ليكون جنديًا }
و من دون أن يلتفت ، لان صوت شو هانغ كثيرًا —
“ الوحيدون القادرون على «حماية» أهل ههتشو هم الآلهة في المعابد
أمّا أنت — يا دوان ييلين — فأنت مجرّد إنسان.”
الناس من لحمٍ ودم
مهما بلغوا من قوة وقدرة ، لا يمكنهم مقاومة تهديد
الرصاص الذي يخترق الجسد
دوان ييلين اعتاد ذلك أكثر من اللازم
اعتاد أن يكون حارسًا ، وأن يقاتل في ساحة المعركة ،
وأن يقود الجنود ، لذا لم يفكّر يومًا أنه مجرد إنسان عادي
لم يتخيّل أبدًا أن شو هانغ — الهادئ عادةً — يمكن أن يتحدث بهذه الصراحة ،
وأن تكون كل كلمة منه قاسية وصادقة إلى هذا الحد ،
حتى تركه عاجزًا عن الرد
حين رأى تردّد دوان ييلين ، حسم شو هانغ القرار عنه:
“ إمّا أن تُبقيني هنا لأقاتل اللصوص معك ،
أو أن تتركني أعود إلى المدينة ،
لا يمكنك التحكم فيما سأفعله بعد عودتي ،،
يوان سِن سيقطع طريق انسحابك حتمًا ،،
إن متَّ في جبل جيوهوانغ فسأكون التالي الذي يقتله
دوان ييلين عليك أن تعرف أن مخاطرتي هذه هي الخيار الصحيح ”
توقّف لحظة ، ثم أضاف :
“ ليس من أجلك ، بل من أجل نفسي ”
في الحقيقة لم يكن دوان ييلين جاهلًا بذلك
في فنّ الحرب—الموازنة بين المكاسب والخسائر ، ترتيب
الأولويات ، والمجازفة المحسوبة — يفهم كل هذا جيدًا ،،
ففي النهاية ، الأمر ليس سوى عدم القدرة على الفِراق ،
لكن للأسف لا يمكنه الإمساك بكلا الأمرين ، فلم يبقَ له
سوى أن يُقسّي قلبه
أمسك بيد شو هانغ بإحكام ، حتى ابيضّت مفاصله ، وقال:
“…أفهم ... إذن اذهب ...
لكن تذكّر، إن حدث أي شيء ، فاهرب وحدك
كلما ابتعدت أكثر ، كان أفضل .”
نظر شو هانغ إلى اليد المشدودة بقوة
شعر بانقباض في صدره
أراد أن يقول شيئ ، لكن الكلمات تلاشت عند شفتيه
فسحب يده ببطء :
“ إن جاء ذلك اليوم ، فسأعتني بنفسي بالتأكيد— عليك أنت
فقط أن تعتني بنفسك .”
بعد أن قال هذا ، شعر أن كل كلمة إضافية ستزيد العبء ثقلاً
و لم يُماطل دوان ييلين ، بل قاد حصانين إليه
ركب شو هانغ أحدهما ، وضربه بالسوط بحزم
و وسط غبار كثيف ، اختفى عند نهاية طريق الجبل
ولمّا تلاشت الهيئة تمامًا عن الأنظار ، أبعد دوان ييلين بصره أخيرًا
تحت الجبال الخضراء ، أهل المدينة يعيشون في راحة وطمأنينة
من كان ليتخيّل أن القائد الذي يرونه إله الحرب كان يمرّ في
هذه اللحظة بأزمة حياة أو موت ؟
يتبع
تعليقات: (0) إضافة تعليق