Ch52 GHLCS
هذه المحنة التي تدور بين الحياة والموت مليئة بالثغرات ،،،
وأكبر تلك الثغرات أنها جاءت على عجل ، لذا كان الخلل
كامنًا في ' العنصر البشري '
فكّر شو هانغ بطريقتين :
الأولى ، قطع تحرّك المفوض العسكري .
والثانية ، دعم دوان ييلين .
لذا كانت أول وجهة له هي القنصلية اليابانية ، وقد طلب
بالاسم مقابلة كوروميا كيكو
الجو غائم اليوم ، يوحي بقرب هطول المطر ، والرياح تهب من الجنوب الغربي
بدت كوروميا كيكو مولعة بالسواد فعلًا —- ترتدي اليوم
تشيباو أسود حالك ، و حين رأت شو هانغ ، هزّت السيجارة
بين أصابعها ، فسقط الرماد في المنفضة ، ثم مشت ببطء نحوه
قالت بابتسامة كسولة :
“ أوه ؟ زائر نادر~”
نفثت حلقة من الدخان ، أناقة قاتلة
أومأ شو هانغ وضمّ يديه:
“ آنسة كوروميا لن أقول كلامًا منمّقًا جئت اليوم لأطلب مساعدتك .”
بعد أن جلسا ، توقفت كوروميا كيكو لحظة ، ثم ابتسمت بدلال ،
ومدّت يدها نحو طقم الشاي على الطاولة
لكن شو هانغ أوقفها ، وأخرج الشاي الذي أحضره معه ، وقال:
“ بما أنني من يطلب المساعدة ، دعيني أنا أعدّ الشاي لكِ "
ابتسمت كوروميا كيكو وتركت له الأمر
كان شو هانغ بارع في إعداد الشاي —
ما إن صبّ الماء في الإبريق حتى بلغ الغليان بسرعة —
وعند سماعه صوت الفقاعات ، رفع الغطاء ليتفقده
دفّأ الأدوات ، أضاف أوراق الشاي ، نقعه ، ثم صبّه وقدّمه
ومع دوران أوراق الشاي في الماء ،
جاء صوت شو هانغ صافياً كالشاي نفسه ، يشرح بهدوء غايته
و حين وُضع كوب الشاي العابق أمام كوروميا كيكو ، كان
شو هانغ قد قال كل ما أراد قوله —-
لكنها لم ترفعه لتشرب
بدّلت جلستها ، شبكت ساقًا فوق الأخرى ،
وأسندت جسدها على مسند الأريكة كجمال مترف
استنشقت رائحة الشاي ، وأغمضت عينيها بنعومة ، ثم
سألت بتكاسل :
“ فهمت مقصدك يا سيد شو
لكن ما السبب الذي يدفعني لمساعدتك ؟”
قال بهدوء :
“ رغم أن لكِ اسمًا يابانيًا ، فإن اسمك الحقيقي هو آيسن غيورو وينهوي
أنتِ صينية ، وأظن أن في قلبك شيئًا من الرحمة .”
كانت جملة مهذبة ، خالية من الانفعال
ضحكت بخفة :
“ صينية ؟ يا سيد شو لا تمزح معي.”
غطّت فمها بيدها ، لكن الابتسامة لم تصل إلى عينيها
وعندما رفعت نظرها مجددًا ، الدفء قد اختفى تمامًا ،
وحلّت مكانه العداوة
و قالت ببرود :
“ حتى الإمبراطور نفسه طرده الصينيين من المدينة المحرّمة ،
نحن المانشو الساقطون ، ذُللنا منذ زمن بعيد ،
وفي النهاية ، لم يكن من آواني إلا اليابانيون ،،
الرحمة ؟ لو امتلكتُ شيئًا كهذا ، لكنتُ قد متُّ مرارًا منذ زمن.”
في ذلك العام —— دوّى الرصاص
الإمبراطور الذي ظل معزولًا آلاف السنين — أُزيح عن العرش
وأشرف الألقاب — آيسن غيورو — تحوّل في لحظة إلى سخرية
كانت ابنة عائلة نبيلة
لكن والدها وأخاها دفعا بها لتُتَبَنّى من عائلة كوروميا في
اليابان ، مقابل الحفاظ على حياة مترفة ، لا ينقصها شيء
فقط من أجل نيل حماية اليابانيين ، عاملوها عائلتها كهدية
و أُرسلت إلى سرير سيد عائلة كوروميا، رجل يكبرها بأربعين عام
حتى عندما بكت وتوسّلت ، لم تنل سوى أوامر باردة من أبيها وأخيها
منذ ذلك اليوم أحرقت كل ملابسها الفاخرة ، ولم ترتدِي بعده إلا السواد
من هو القريب ؟
ومن هو العدو ؟
لقد اختلطت عليها الأمور منذ زمن بعيد
نظر شو هانغ إليها طويلًا ، ثم قال:
“ إذًا لا تنوين التحرّك .”
قالت ببرود:
“ لا أحب أن أقوم بأمور لا تجلب لي سوى الخسارة .”
ابتسم شو هانغ ابتسامة خفيفة :
“ آنسة كيكو هل تظنين أنني جئت إلى هنا خالي الوفاض ؟”
ازدادت ابتسامة كوروميا كيكو شراسة ،،
تأملت أظافرها الطويلة ، وقالت بلا مبالاة :
“ جيشنا الياباني لا يفتقر إلى المال ،،
وفوق ذلك ، المفوض العسكري نفسه راغب في بناء صداقة معنا ،،
مجيئك اليوم ذكرني بأن التعاون معه خيار جيد ،،
من دون القائد دوان ، سيكون جيشنا في غاية السعادة .”
قال شو هانغ بهدوء ثابت:
“ آنسة كوروميا أفهم ما تقولينه ، ومع ذلك جئت .
لأنني واثق أنني أستطيع أن أطلب منكِ كبح المفوض
العسكري من أجلي .”
هزّت رأسها بازدراء ، وأغمضت عينيها كقطة كسولة :
“ أنا ؟
إذًا سيعود السيد شو خائب الأمل على الأرجح .”
كان رفضًا صريحًا ، لكن شو هانغ لم يُفاجأ به مطلقًا ،،
بل سأل فجأة سؤالًا لا علاقة له بما سبق :
“ آنسة كوروميا هل تودّين تذوّق الشاي الذي أحضرته ؟”
فتحت عينيها ، وقالت بنبرة انتقائية واضحة :
“ أنا معتادة على الشاي الياباني ،، لا أحب هذا النوع من الشاي المحلي .”
كانت تعرف من نظرة واحدة أنه ليس شايًا ثمينًا ،،
وهي ابنة عائلة ملكية سابقة ، ذوقها شديد الصرامة ،
ولا تشرب شايًا لا يرقى إلى مستواها
قال شو هانغ بهدوء:
“ شايّي لا تُقاس قيمته بالصنف ، بل بالشخص الذي زرعه .”
أثار هذا الكلام الغامض نفاذ صبر كوروميا كيكو —
نهضت واقفة وقالت :
“ السيد شو لدينا مبادئ مختلفة ، ولا يمكننا التعاون ،،
تفضّل بالمغادرة .”
خرج الخدم من الخلف ليجمعوا الأغراض ويطلبوا منه الرحيل
تنهد شو هانغ وصوته الخافت يحمل حدّة قاتلة :
“ يا للخسارة…
هذا هو الشاي الذي جفّفه المعلم تشانغ لينغ بيديه ،
ولا توجد منه سوى جرّة واحدة فقط .”
فجأة، توقفت كوروميا كيكو عن الحركة
استدارت ببطء ، وقد التقطت الاسم الدقيق وسط الحديث
“ ماذا قلت ؟”
: “ لو لم يكن لديّ ورقة أساوم بها ، فلماذا آتي إليكِ طالبًا
العون بلا مقابل ؟” رفع شو هانغ فنجان الشاي ، قرّبه من أنفه ،
استنشق عطره ، ثم ارتشفه ببطء ، كأنه يتذوقه حقًا
: “ مـ… ماذا تقصد ؟”
لاحظ أن كوروميا كيكو بدت مضطربة قليلًا
اقترب منها شو هانغ خطوة ، وخفّض صوته
همساته الباردة مرّت بمحاذاة أذنها :
“ كيف يمكن للمرء أن يرضي بوذا ونفسه معًا دون أن يخيّب أحدهما ؟
للأسف بوذا لا نية له والآنسة شديدة التعلّق… أليس كذلك ؟”
ما إن سمعت ذلك حتى تجمّدت كوروميا كيكو في مكانها
ارتجف جسدها لا إراديًا ، وانتفضت العروق عند حاجبيها ،
وشحب وجهها تمامًا
لوّحت بيديها المرتعشتين تطرد الخدم، وقالت بصوت مرتجف :
“ أنت… اصمت… اصمت !”
شو هانغ ببرود :
“ من لا يريد للآخرين أن يعرفوا ، لا يفعل من الأصل ،
آنسة كيكو ما دمتِ تجرأتِ على امتلاك مثل هذه المشاعر ،
فلماذا تخشين أن يتحدث عنها الناس ؟”
انقلب الموقف رأسًا على عقب
وفي لحظة واحدة ، انتقلت عجلة السيطرة
: “ كيف عرفتَ ؟!
أغلق فمك !”
وقف شو هانغ أمامها
ملامحه جميلة وبريئة في ظاهرها ،
لكنه بدا كجلّاد يمسك بعنق كائن حي،
وصوته كان دقيقًا وحاسمًا:
“ آنسة كوروميا دوركِ ليس سوى جاسوسة زرعها اليابانيون في الصين .
جمالكِ وحيلكِ هما سلاحكِ .
والجاسوس… لا يملك الحق في امتلاك المشاعر .
لو علم اليابانيون أنكِ بدأتِ تتزعزعين ،
فما الذي تظنين أنهم سيفعلونه ؟”
الجواسيس يجب أن يكونوا بلا قلب ولا تردد —-
ما إن يقعوا في الإغراء ، حتى يصبحوا بيادق عديمة القيمة ،
مهما بلغت مهارتهم
اليابانيون بذلوا جهدًا هائلًا في صناعة كوروميا كيكو —
ولو انكشف أمر حبّها لراهب ،
فلن يموت تشانغ لينغ فقط … بل سيموت ميتة بشعة
فالقوة التي تبدو في يدها ، لم تكن يومًا ملكًا لها ——
هي السكين ، وليست اليد التي تمسك بها
اختنق صوتها
نظرت إلى شو هانغ القريب منها جدًا ،
وشعرت ، لسبب لا تعرفه ، بخوف يتسلل إلى قلبها :
“ أتجرؤ على إيذائه ؟
صدقني سأقتلك !”
لم يتراجع شو هانغ خطوة واحدة ، وردّ بلا تردد :
“ هناك من يوجّه بندقية إلى ظهري الآن .
حياتي على المحك ، وليس أمامي خيار سوى المخاطرة .
فقط إذا ساعدتِني آنسة كوروميا على إزاحة تلك البندقية ،
سأضمن سلامة الشخص الموجود في معبد فاشي من أجلكِ "
: “ سأقتلك هنا والآن !
سأقطع لسانك ، وأرى كيف ستواصل الكلام !”
استدارت كوروميا كيكو لتحاول انتزاع السلاح ،
لكن شو هانغ أمسك معصمها بقوة ، حتى تركت أصابعه أثرًا أحمر واضح
قال بصوت منخفض ، قاسٍ ، لا يقبل الشك :
“ ما دمتُ لم أغادر هذا المكان اليوم ،
فغدًا سيعرف جميع من في مدينة ههتشو
من هو الشخص الذي تحبينه
وأعدكِ… أول من سيعرف بذلك — سيكون اليابانيين .”
سقطت هذه الكلمات على كوروميا كيكو كطلقات رصاص
اخترقت قلبها ، وخلّفت جرحًا عميقًا
تعجز عن تضميده
أعمق رغباتها ، وأكثرها خزيًا—
ذلك الحنان الذي لم تجرؤ يومًا على الاعتراف به—
أصبح الآن بين يدي الرجل الواقف أمامها ،
مكشوفًا ، أسيرًا ، مهدَّدًا
بعد سنوات من الاحتكاك برجال مقززين ،
ظنّت أنها ستكره إلى الأبد تلك الكائنات التي تتعامل مع
النساء من موقع التفوّق
من كان ليتوقّع أن نظرة عابرة واحدة
تكفي لأن تمسح من قلبها الميت
شبكات الغبار المتراكمة ،
بيدين تنقذان جميع الكائنات الحيّة ؟
{ تشانغ لينغ…
تشانغ لينغ…
الأرض الطاهرة الوحيدة في قلبي
في النهاية … هو بريئ …
ولا يمكنني أن أسمح لخطاياي
أن تجرّه معي .. }
نظرت إليه بنظرة غاضبة —-
شدّت أصابعها النحيلة على طرف فستانها طويلًا ،
ثم أرخته ببطء
نظرت إلى شو هانغ باستسلام ، وقالت بصوت خافت :
“…حسنًا …
أنت حقًا قاسي .”
…
تمّت الصفقة
وغادر شو هانغ القنصلية اليابانية على عجل
من خلفه ، انهارت كوروميا كيكو على الأريكة ،
كأن روحها استُنزفت بالكامل
حطّمت جميع فناجين الشاي بغضب ،
تشوّهت ملامحها الرقيقة ،
ثم دفنت وجهها بين كفّيها
{ اكتُشفت —-
اكتُشفت —-
اكتُشفت —- }
هذا الصوت الوحيد المتبقي في رأسها ،
يصرخ بالخزي والخوف من انكشاف رغباتها الدفينة العارية
منذ زمن طويل جدًا لم تشعر بهذا القدر من القهر والعجز
و من خلفها —-—- خرج كينجي ببطء —-—-
كان وجهه قاتمًا ، وصوته أجشًّا:
“ أخبرتك كيكو
ذلك الراهب سيقتلك ”
قفزت كوروميا كيكو مذعورة :
“ متى كنتَ هنا ؟!”
: “ كنتُ هنا منذ البداية ...” تقدّم خطوة ، وعيناه مليئتان بالقلق :
“ عليكِ أن تقتلي ذلك الراهب !
لا يمكنكِ السماح له بأن يصبح قيدًا عليكِ !
هل تفهمين ؟”
قسا صوته فجأة :
“وإن لم تستطيعي… سأفعلها أنا !”
طاااخ
جمعت كل قوتها وصفعته على وجهه
أشارت إليه بإصبعها وهدّدته :
“إن تجرأت على قتله ، فاقتلني قبله !”
استدارت بغضب ،
وغادرت مسرعة
ما طلبه شو هانغ كان عاجلًا ،
وعليها أن تجد طريقة لتأخير مفوّض الرقابة العسكرية
صرخ كينجي كوحش جريح : “ كيكو ! استفيقي !”
توقّفت عند الباب
ظهرها في الإضاءة الخلفية بدا وحيدًا ونحيلًا على نحو مؤلم
لم تلتفت،
لكن في صوتها أثر توسّل:
“ لن أخون الإمبراطورية اليابانية أبدًا ، أقسم ...
سأحتفظ به في قلبي…
في قلبي فقط ..
كينجي أنت تعلم أنني لا أستطيع الرحيل ... أليس كذلك ؟
دعني أكون أنانية قليلًا فقط…
أرجوك ”
صمت كينجي
لطالما استجاب لها ،
ولم يرفض لها طلب واحد أبداً ——
يتبع
الفصل التالي الفصل السابق
تعليقات: (0) إضافة تعليق