القائمة الرئيسية

الصفحات

آخر الاخبار

Ch58 GHLCS

 Ch58 GHLCS



لم يصل قصر مفوّض الرقابة العسكرية يومًا إلى هذا الحد 

من الإحكام —— ثلاث طبقات من الأسوار تحيط 

به من الخارج ، 

حتى حمامة حطّت قرب الجدار أُطلق عليها النار فورًا


وعلى العكس ، بدا الركن الصغير من الفناء الجانبي داخل 

الدار هادئًا على نحو غريب


كبير الخدم —- لاو يانغ — عجوز طاعن في السن ، وقد 

منعه مفوّض الرقابة العسكرية منذ زمن من الركض في المهمات — و يُعامل معاملة حسنة ، ولم يُترك له سوى 

الإقامة في هذا الفناء النائي — وخلال اليومين الماضية 

أُضيفت إلى مهامه مهمة أخرى : حراسة سجين —-


كان السجين محتجزًا في زنزانة تحت الأرض في الفناء الجانبي ، لا يرى ضوء النهار مطلقًا


لم يكن على لاو يانغ سوى الاحتفاظ بمفتاح الباب ، 

فالحراس المسلّحون متمركزين في الخارج ، 

ولم يكن عليه أن يقلق من شيء ،


في الليل ، 

تسلّل يوان يي إلى الفناء برفقة رجل يرتدي معطف أسود ، 

نصف وجهه مغطّى


استغل يوان يي تبديل الحراسة ، وأدخل الرجل بمساعدة 

أحد حرّاس البوابة الذين نالوا حظوته


السجين سيُنقل في الغد ، ولم تكن هذه الليلة سوى الفرصة الوحيدة لرؤيته 


ما إن رأى لاو يانغ يوان يي حتى ابتسم وقال:

“ ما الذي جاء بك إلى هنا، أيها السيد الشاب ؟”


أجابه يوان يي دون مقدمات :

“ لاو يانغ افتح الباب —- أريد أن أرى السجين .”


تغيّر وجه لاو يانغ وانكمش جسده المنحني قليلًا ، وتوسّل قائلًا :

“ السيد الشاب أنا وحدي الآن — عجوز كبير في السن …. 

دعني أقضي ما تبقى من عمري بسلام ، أشفق عليّ .”


يوان يي:

“ لاو يانغ لن آخذ الرجل ، ولا أستطيع أصلًا

نريد فقط أن نلتقي ونتحدث .”


هزّ لاو يانغ رأسه بقلق:

“ يا السيد الشاب … السيد أصبح أكثر ريبة في الآونة الأخيرة ... هذه الأمور ملوّثة ، لا تتورط فيها .”


وحين أدرك يوان يي أن التوسل لا يجدي ، غيّر أسلوبه وقال:

“ لاو يانغ عندما كان ابنك مطاردًا بسبب ديون القمار ، كنت أنا من أنقذه ،، 

لا أقول هذا لأحمّلك جميلًا ، بل فقط لأطلب منك أن تضع 

ذلك في الحسبان ،، 

لقد رأيتني أكبر أمام عينيك ، وأنا لن أؤذيك .”


أصاب الكلام موضعه


شد لاو يانغ شفتيه ، رفع رأسه نحو السماء ، ثم أخرج غليونًا من جيبه ، أشعله ، نفث بضع حلقات من الدخان ، ثم قال بأسنان مشدودة :

“ حسنًا… علبة سجائر واحدة فقط "


وهو يدخّن ، استدار ليفتح باب الزنزانة وهو يتمتم :

“ الرجل في الداخل قاسٍ على نفسه إلى حدّ مخيف —- 

في اليوم الأول الذي أُحضر فيه ، حاول الانتحار — 

بلا سكين —- عضّ معصمه بأسنانه… تسك تسك تسك… 

حتى قطع أوتاره بنفسه —- عشت عمرًا طويلًا ، ولم أرَى 

أبداً إنسانًا بهذه الوحشية مع نفسه .”


( الأوتار = الأربطة العضلية )


تحرّكت السلسلة مُصدِرة خشخشة خفيفة ثم سقطت على الأرض


فتح لاو يانغ الباب ، تنحّى جانبًا ، وأشار بغليونه نحو الداخل ، مشيراً لهما بالدخول


قال يوان يي للرجل الذي يرتدي المعطف الأسود :

“ شو هانغ سأبقى أراقب هنا —- إن كان لديك ما تقوله 

فاسرع ، فالاكتشاف ليس بالأمر الهيّن .”


خلع شو هانغ معطفه ، أخذ مصباح الكيروسين، أومأ برأسه ، 

ثم نزل إلى الزنزانة


باب الزنزانة في الأعلى ، والسلالم المؤدية إلى الأسفل مغطاة بالطحالب


لم يكن في الداخل أي ضوء ، والهواء مشبع برائحة العفن والرطوبة والدم


كان واضح أن المكان مهجور منذ زمن طويل ولم يُعاد 

استخدامه إلا مؤخرًا ؛ و الغبار متراكم في الزوايا ، ونافذة 

السقف مختنقة بخيوط العنكبوت ، وبقايا فئران وصراصير 

يابسة متناثرة في الأرجاء


الهواء خانق ، وكل خطوة إلى الأمام أشبه بالهبوط في هاوية


لم يقوَى مصباح الكيروسين على الرطوبة ، فتأرجح كأنه على 

وشك الانطفاء ، لكنه تشبّث بنوره بعناد حتى بلغ عمق الزنزانة 


شعاع ضئيل من الضوء بدّد الظلام كله


رأى شو هانغ وضع كونغ لين الحالي بوضوح


راكع عند أسفل الجدار ، وإبرة فولاذية بسماكة الإبهام 

مغروسة في كتفه الأيمن — سال الدم من الجرح ثم بدأ 

يجفّ مكوّنًا قشورًا داكنة


معصماه مغطّيين بعضّات عميقة ، عميقة إلى حدّ ظهور 

العظم ؛ اللحم والدم مكشوفان، والقيح يسيل بسبب 

التقيّح ، وقد انقطعت أوتاره ، فأصبحت يداه عديمتي الفائدة ، متدلّية إلى جانبيه


جسده مليء بندوب متفاوتة الحجم ، ونصف وجهه مغطّى بالدم


وحين سمع صوت الخطوات ، رفع رأسه ببطء


من المدهش حقًا أنه لم يمت بعد أن وصل إلى هذه الحال


و حين رأى كونغ لين من القادم ، ابتسم ابتسامة واهنة للغاية


كان صوته كالصدى في جذع شجرة ميتة متعفّنة :

“ السيد الشاب شو… أنت الوحيد القادر على دخول مكان كهذا لرؤيتي ”


وضع شو هانغ مصباح الكيروسين جانبًا ، جلس متربّعًا أمامه ، وقال:

“ لو متَّ بهدوء هكذا ، لكان ذلك إهدارًا ”


كونغ لين اعترف بذكاء شو هانغ : 

“… لا أشعر بالاستياء لأنني خسرت أمامك .”


هزّ شو هانغ رأسه برفق:

“ أنت ذكي جدًا — لو وُلدت قبل عشر سنوات ، ربما لم أكن خصمك — خسرت فقط لأنك صغير السن .”


: “ ههههه …” ضحك كونغ لين بخفوت ، ثم عبس من ألم الجرح : “ لو لم نكن نسير في طريقين مختلفين ، 

لكان بوسعنا أن نقدّر بعضنا… يا للأسف .”


نظر شو هانغ إلى الجراح المروّعة ، فرفع حاجبيه قليلًا وقال :

“ يبدو أنك مصمّم حقًا على قطع يديك بنفسك —- 

الآن بعد أن مات أولئك الخارجون عن القانون ، ويعتقد يوان سن أنك أبكم ، 

فلا كتابة ولا كلام… كبش فداء مثالي "


حين أُخذ كونغ لين على يد يوان سِن ، فقد توقّع مصيره منذ البداية


إن لم يُقدِم هو بنفسه ، فسيُجبره يوان سِن على الإدلاء 

بشهادة زور وتوريط دوان تشانتشو


ومهما بلغت قوّة إرادته ، فلن يفلت من التعذيب


وبما أن السكين لا مفرّ منها ، اختار أن يمسكها بيده —لعلّ يوان سِن يتراجع


و بهذه الطريقة ، لم يبقَى له سوى قيمة واحدة : أن يتحمّل الذنب


يمكن اعتبار ذلك منحًا لنفسه مساحة أنفاس أخيرة ، 

ويمكن اعتباره أيضًا… حمايةً لدوان تشانتشو


ومع ذلك ، كان على شو هانغ أن يعترف — ليس في هذا 

العالم كثيرون يملكون شجاعة كونغ لين ، 

شجاعة أن يعضّ أوتاره بنفسه حتى تنقطع 


كان الوقت يداهمهما ، ولا مجال للاسترسال في الذكريات

و قال شو هانغ مباشرةً :

“ صدر الحكم بحقك — سيتم إعدامك رميًا بالرصاص بعد ثلاثة أيام "


تلقّى كونغ لين الخبر بهدوء تام، من دون أي خوف من الحياة أو الموت:

“ هذا… جيد "


: “ أريد أن أعقد صفقة معك ... أنت تعرف أشياء كثيرة ، 

وهذا بالضبط ما أحتاجه ... 

هل أنت مستعد لاستخدام ما تبقّى لك من قيمة وأوراق 

تفاوض ، مقابل ضمان سلامة السفينة الحربية ؟”


الشرط الذي طرحه شو هانغ كان ' إنقاذ دوان تشانتشو ' 

و ليس ' إنقاذه ' —- يدرك شو هانغ جيدًا أن دخوله اليوم 

بحد ذاته كان ضربة حظ، ولا إمكانية لإخراج كونغ لين 


ثم حتى لو أُطلق سراحه ، فلن يسمح له رئيس الأركان بالعيش ، 

وسيبقى ميّتًا طوال عمره ، خصوصًا بعد أن تهشّم جسده إلى هذا الحد


و كونغ لين يعرف هذين السببين أيضًا ——


: “ السيد الشاب شو أنت من قادني إلى الهزيمة 

هل يمكنني الوثوق بك؟”


نظر إليه شو هانغ بثبات : “ يمكنك ، بل يجب عليك ،،، 

بعد ما حدث ، صرتَ في نظر رئيس الأركان قطعة شطرنج 

عديمة الفائدة ... سيُرسل قتلة جدد إلى دوان تشانتشو ،

وحين تموت ، لن تعود قادرًا على حمايته ... 

عليك أن تعرف أنني الوحيد القادر على مساعدته في 

مواجهة مؤامرة رئيس الأركان وإنقاذ حياته .”


حدّق كونغ لين طويلًا في الضوء المرتعش بعينين قاتمة


عاد شو هانغ وقال:

“ ولا تحدّثني عن هراء رابطة السيّد والخادم — 

من أجل دوان تشانتشو — قتلتَ أختك بيدك — فلا تكلّمني عن هذا 

الإخلاص والثقة الفارغين .”


ضحك كونغ لين ضحكة ساخرة — { ففي نهاية المطاف ، 

هذا هو الشخص الوحيد في هذا العالم الذي فهمني حقًا… 

هو هذا الخصم }

: “ سعال… سعال… سعال… السيد الشاب شو أنا حقًا أزداد 

إعجابًا بك يومًا بعد يوم…”

حرّك ركبتيه اللتين تآكلت من طول الركوع ، وتنهد تنهيدة طويلة : “ كنت أظن أنني سأدفن هذه الأمور

 في صدري حتى نهاية حياتي ، لكنني لم أتوقع أن تكون أنت أول من يسمعها .”


رأى شو هانغ ألمه ، فتقدّم ووضع منديلًا تحت ركبتيه ، ثم سأله :

“ أنت لم تقتل كونغ وي بدافع الغيرة ، أليس كذلك ؟”


: “ لو كانت أختي تحب دوان تشانتشو حقًا، لما وصلتُ إلى هذا الحد ... لكن… هي حاولت قتله …. 

أختي الحمقاء تعلّقت بعجوز لا يرانا سوى أدوات… 

كانت ساذجة للغاية ….”


وبدأ كونغ لين في السرد 


تبيّن أن دوان تشانتشو كان قد ثمل صدفة في منزل رئيس الأركان —- وعندما استيقظ ، 

وجد كونغ وي عارية إلى جانبه


رأى الفتاة تبكي و ظنّ أنه ارتكب فعلًا مشينًا وهو مخمور ، 

فبادر إلى الزواج من رئيس الأركان —-


قال شو هانغ بثقة :

“ و في الحقيقة دوان تشانتشو لم يضاجع كونغ وي 

بل أنت من فعل ذلك أليس كذلك ؟”


رفع كونغ لين رأسه فجأة :

“ اكتشفتَ الأمر ؟”


: “ منذ أن ضبطتك وأنت تقيم في تشييوان، شعرتُ أن في 

الأمر ما يثير الشك ... في البداية ، ظننت أنك دسستَ له مخدّرًا ، لكن حين فحصتُ نبضه ، 

كان كل شيء طبيعي كما أنه لم يتذكّر شيئ ...

 لا أظن أن في هذا العالم عقار قادر على محو الذاكرة بهذه الطريقة .”


: “… أنت دقيق فعلًا "


شو هانغ:

“ بعد مراجعة عدد كبير من الكتب القديمة ، استنتجت إلى 

أنه ربما يعاني من نوع من اضطراب ’ التجوّل الليلي ‘

صحيح أن سلوك دوان تشانتشو في نومه نادر جدًا ، لكن 

من حيث الأعراض فهو قريب من ذلك ، ولذلك ليس غريبًا أن يُستغل .”


التجوّل أثناء النوم حالة غريبة — ففي كتاب [ مجموعة مصابيح الخريف ] الذي ألّفه وانغ شي في عهد أسرة تشينغ، 

ذُكرت قصص كثيرة عن أشخاص يرقصون وهم نائمون ، 

أو يتجوّلون في أحلامهم ، 

أو يقومون بتصرفات عجيبة لا تُحصى


ضحك كونغ لين ضحكة جافة وهزّ رأسه : 

“ ليس تمامًا ... في ذلك اليوم… رئيس الأركان دسّ شيئًا في 

شرابه لإثارته ، لكن لا أحد يعلم بمرض التجوّل الليلي الذي لديه ….

وعندما أُدخلت أختي إلى غرفته ، لم يكن هناك أصلاً … 

بل انتهى به الأمر في… غرفتي .”


كانت تلك الليلة فوضوية ، غريبة ، قلقة ، ومشوّشة ، وتركت 

في نفس كونغ لين أثرًا لا يُمحى


في الحقيقة حتى لو كان دوان تشانتشو واعيًا ، كان كونغ لين 

يعرف أنه إن لم يرغب ، فلن يستطيع دوان تشانتشو أن 

يفرض عليه شيئًا حقًا


لكن في النهاية ، وبنوع من التواطؤ الصامت ، كان أحدهما 

مستعدًا للقتال ، والآخر مستعدًا لتلقّي الهزيمة


و مع بزوغ الفجر ، أُعيد ترتيب الخطة المرتبكة ، 

وأُخفيت الحقيقة ، واستُبدل الأمير بقط


و سارت الأمور تمامًا كما أراد رئيس الأركان


لاحقًا سأل كونغ لين الخدم الذين خدموا دوان تشانتشو سرًّا ،

 فأكدوا جميعًا أنه كان يخرج للمشي أثناء نومه فقط، 

ولم يحدث أي أمر غير طبيعي


لكن تلك الليلة وكأنها مفتاح غامض ، فتحت بابًا خفيًا في 

جسد دوان تشانتشو


ومنذ ذلك الحين ، صار يتعثّر أحيانًا ويدخل غرفة كونغ لين 

بالطريقة نفسها ، ثم ينسى كل شيء عند الفجر


كان الأمر كحلم …. عبثي تمامًا


دُفنت هذه الرابطة السرية عميقًا في قلب كونغ لين ، رابطة مخزية وعاجزة في آنٍ واحد 


لم يكن ذنبه أنه لم يتكلم — فمن سيصدّق أمرًا كهذا لو رواه ؟

لو لم يشهده شو هانغ بعينيه ، لسخر منه أيضاً


رفع كونغ لين نظره إلى السقف المعتم :

“ رئيس الأركان دبّر كل شيء بإتقان ... المفاجأة الوحيدة أنه 

لم يتوقّع أبدًا أنني خنته منذ البداية .”


في الأصل كان دوان تشانتشو قد أُمر بمقاومة الغزو الياباني، 

بينما رئيس الأركان قد تلقّى رشاوي من اليابانيين واستعدّ 

للانقضاض عليه — لذا في ليلة الزفاف — لو لم تمت كونغ وي —- لكان الذي مات هو دوان تشانتشو


ظنّ الجميع أن كونغ لين قاسٍ بلا رحمة ، لكن لا أحد يعلم 

أنه أكثر من انكسر قلبه في هذا العالم عند موت كونغ وي


في يوم الزفاف —- كانت كونغ وي ترتدي فستانًا أبيض ، 

جميلة كالملاك كما يقول المبشّرون


ابتسامتها عذبة ، أجمل لحظة رآها كونغ لين لها في حياته


لذا حين وقف أمامها والسكين في يده ، ارتجف حتى كاد أن يسقطها


نظرت إليه ، وتبدّلت عيناها من الصدمة إلى الشك ، 

ومن الحزن إلى الارتياح ، ثم عادت أخيرًا إلى السكون


اهربِي يا أختي


لا


ألا يمكنك ألا تقتليه ؟


لا أستطيع 


فهم كونغ لين كل ما قالته عينا كونغ وي —-

كانت تحب رئيس الأركان ، لذا رضيت أن تُستَغل ——


مثل أخيها —-  أحب دوان تشانتشو — ورضي أن يصير 

عدوًّا لعائلته من أجله ——


كونغ وي هي من بادرت بالإمساك بسكين كونغ لين ، 

وضغطته بنفسها على قلبها


قالت:

“ أخي الصغير… أنت تعرف أن الجواسيس الذين يفشلون 

في مهمتهم لا يكون مصيرهم إلا الموت ،، لذا لا بد أن 

يموت أحدنا الليلة ،،،

لا أريد أن أكون عدوّك ، ولا أريد أن أؤذي من تحب ، لكن… 

منذ اللحظة التي صرنا فيها قتلة مأجورين ، كان مصيرنا قد 

كُتب له نهاية مأساوية ،، 

و قبل أن تبتلعني الخطيئة ، أفضل أن تنهي الأمر بيدك ... 

افعلها .”



امتلئت عينا كونغ لين بالدموع ، وارتجفت كتفاه


وفي اللحظة التالية ، شدّت كونغ وي معصمه بقوة


ومع صوت حادّ ، اخترق نصل السكين الجلد ، وغاص في 

اللحم ، وطعن القلب النابض


تناثر الدم ، وصبغ نصف فستان زفافها بلونٍ قرمزي دافئ


فتحت كونغ وي فمها وبصقت دمًا، لكنها حاولت أن تبتسم


احتضنت كونغ لين وقالت:

“ أخي الصغير… أختك ظلمتك ... 

في البداية كنتُ قد أعمَتني الشياطين… و غرتُ من محبة 

الأب والأم لك، فخدعتك ودفعتك للذهاب مع بايهوا زي… 

لو لم أفعل ذلك ، لما عشتَ كل هذا الشقاء…”


كانت تشعر دائمًا بالذنب لأنها دمّرت حياة أخيها ، ولذلك 

أرادت أن تهبه هذه الحياة تعويض ——-


شدّ كونغ لين أخته الكبرى إلى صدره ، ولم يدرك حينها أن 

هذه الفتاة التي كانت تدفئه بجسدها في برد الشتاء ، 

صارت الآن ضعيفة وخفيفة إلى هذا الحد بين ذراعيه


أمام الحب والعائلة ، اختارت أن تضحي بنفسها كي تجنّب كونغ لين الألم


ربما وحدها تعرف إن كان ما دفعها إلى ذلك هو إنهاك حياة 

القتل ، أو شعورها العميق بالذنب تجاه أخيها 


لكن لم يعد ذلك مهمًا 


كل ما بقي في ذاكرته هو تلك الأخت التي كانت تتقاسم 

معه اللحم عند الطعام ، وتدفئه عند النوم ، 

وتقف أمامه في المهمات — لكنها لم تعد موجودة


———


وحين تذكّر أخته كونغ وي ارتسمت على وجه كونغ لين 

ابتسامة دافئة نادرة


شو هانغ، الذي لا إخوة له، شعر بألمه رغم ذلك، فعبس وقال :

“ كيف أخفيتَ الأمر عن رئيس الأركان بعد ذلك ؟”


كونغ لين:

“ كذبتُ عليه وقلت إن أختي وقعت في حب دوان تشانتشو

وأرادت أن تخبره بكل الخطط ، لذا قتلتُها .”


شو هانغ:

“ وهل صدّق رئيس الأركان هذا ؟”


رد بصوت منخفض : “ كان مترددًا بين التصديق والشك ، 

لذا … ابتلعتُ الفحم ...” وعندما ذكر كونغ لين هذا ، لم 

يستطع إلا أن يتذكر الإحساس المؤلم للفحم المحترق وهو 

يحرق فمه : “ كانت مسرحية متعمدة لأجعل رئيس الأركان 

يصدق ولائي له —- و بهذه الطريقة فقط كان سيطمئن أنني 

شخص يطيع بلا تردد حتى ابتلاع الفحم ، مخلص له ، 

فيضعني إلى جانب دوان تشانتشو .”


يبدو الأمر سهلًا عند قوله ، لكن الثمن كان فادح —-


أي نوع من القتلة كان كونغ لين؟ 


كان يملك ذكاءً ومهارات استثنائية ، لكنه لم يكن يملك 

القسوة التي يجب أن يتحلى بها القاتل


وإن لم يتجاوز كارثة دوان تشانتشو ، فالموت بانتظاره


شعر شو هانغ بشيء من الأسف : “ كنت أظن أننا متشابهان، 

لكن يبدو أننا لسنا كذلك …. 

على الأقل أنا لا أستطيع حماية شخص بلا قلب كهذا .”



ضحك كونغ لين بخفة ، ثم سعل قائلًا : “ لو لم أقع في هذا 

المأزق ، لما صدقت أنني قادر على فعل ذلك …

الأمر يشبه المقامرة ، أراهن بكل ما أملك ، وأقنع نفسي 

دائمًا أن الجولة القادمة ستقلب الطاولة ، فلا أجرؤ على التوقف ”

تحولت ضحكته إلى مرارة 



شو هانغ: “ إذًا أنت مقامر فاشل حقًا "


 : “ حميته إلى هذا الحد ، ومع ذلك لم يكن يعلم شيء ، بل… يكرهني …. "


رفع كونغ لين عينيه إلى فراشة صغيرة تدور حول لهب الشمعة — 

ترددت طويلًا ، ثم اندفعت أخيرًا واحترقت حتى صارت رماد


تابع بهدوء : “ لا بد أنه سعيد الآن … 

سأموت ، وسيكون سعيدًا بالتأكيد .”



ورغم أن كونغ لين كان قد آذى شو هانغ سابقًا ، إلا أن هذا 

الأخير لم يشأ أن يزيد ألمه


نهض ، تقدم خطوة ، ثم قرفص مجددًا ، وأبعد شعر كونغ 

لين المبعثر ، كاشفًا عن وجه صغير مليء بالكدمات والجروح



من ملامحه وحدها ، بدا كأنه لا يزال فتى في السابعة عشرة


تنفس شو هانغ برفق وقال: “ كونغ لين … دوان تشانتشو يحبك "


تجمد كونغ لين للحظة ، ثم ابتسم ابتسامة عاجزة : 

“ السيد الشاب شو … حتى وأنا على وشك الموت … 

لست مثيرًا للشفقة إلى هذا الحد .. لا داعي لمواساتي…”


شو هانغ بحزم : “ إنه يحبك " 



هز كونغ لين رأسه : “حتى لو مات كل من في هذا العالم ، فلن يكون سعيد …”


قاطعه شو هانغ بسرعة : “ من أجلك كاد يقتحم قصر 

مفوّض الرقابة العسكرية وحده ،،، 

من أجلك ، كان مستعدًا للتخلي عن منصب الحاكم الذي 

كان في متناول يده ،،،

ومن أجلك ، خطط حتى لاقتحام ساحة الإعدام ،،، 

كونغ لين إن لم يكن هذا حبًا ، فماذا تسميه ؟”



صُدم كونغ لين


كل كلمة قالها شو هانغ كانت قوية ، لكن عقله لم يستطع 

ربطها بدوان تشانتشو الذي يعرفه


تمتم بتلعثم : “ أنت… تقول إنه… هو… هذا مستحيل…”


ولكي يجعله يصدق ، أمسك شو هانغ بوجهه بكلتا يديه ، 

ونظر إليه مباشرةً وقال بجدية : “ باستثنائك أنت ، كل من لديه عينان يرى ذلك ... 

هو فقط لا يستطيع تقبل أنه منجذب إليك ،

وأنت لم تجرؤ يومًا على أن تأمل بأنه قد يعاملك بلطف —- 

ألست أنت أكثر من يعرفه في هذا العالم ؟”

تابع بعد أن أخذ نفسًا : “ لو كان يكرهك حقًا حتى النخاع ، 

هل كان دوان تشانتشو سيتركك حيًا كل هذه السنوات لمجرد خوفه من رئيس الأركان ؟ ففكّر جيدًا —- 

هل أظهر يومًا أدنى شوق لأختك ؟ 

وبصفتك جاسوس ، هل كان من الممكن إنزالك من جبل جيوهوانغ ؟”


سؤال بعد سؤال — كالرصاص — أصاب قلب كونغ لين مباشرةً


يتبع

  • فيس بوك
  • بنترست
  • تويتر
  • واتس اب
  • لينكد ان
  • بريد
author-img
Fojo team

عدد المقالات:

شاهد ايضا × +
إظهار التعليقات
  • تعليق عادي
  • تعليق متطور
  • عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق

X
ستحذف المقالات المحفوظة في المفضلة ، إذا تم تنظيف ذاكرة التخزين المؤقت للمتصفح أو إذا دخلت من متصفح آخر أو في وضع التصفح المتخفي