Ch119 GHLCS
المصابون يُعاملون دائمًا بأولوية ، ودوان ييلين مثال واضح على ذلك
نادرًا كان شو هانغ يعتني به بهذا القرب : يبدّل له الضمادات ،
يغيّر له ملابسه ،
بل ويساعده على الاستحمام ،
ولولا أن دوان ييلين لم يتوقف عن لمسِه —- لكانت آثار
الصفعات على وجهه أقل بكثير ~
في فترة ما بعد الظهر ،
دخل شو هانغ الغرفة وهو يحمل حوض من الماء ، وسرعان
ما تسللت أصوات مريبة من الداخل ، تتخللها أحيانًا نبرات غضب مكبوتة
“ أنت مصاب ألا تستطيع ضبط نفسك ؟”
“ أنت من يدور أمامي طوال الوقت ويجعلني غير قادر على الهدوء "
دوّى صوت خفيف ، صفعة لا ألم فيها ، ثم من خلف
النافذة المغطاة بالورق ، يُمكن رؤية ظلّ شخص يجلس فوق دوان ييلين ،
ملامحه مشدودة بالكبت ، و خطوط ظهره واضحة على نحو لافت ، والبطانية الخفيفة في يده
تغطي المكان المتصل بينهما
عينا شو هانغ شاردة بعض الشيء ، وكان دوان ييلين يلاطفه
متذرعًا بصعوبة حركته ، فيدعُه يكون في الأعلى
وحين لمح عنقه الأبيض ، مال عليه وقبّله
لماذا توجد الرغبة الجنسية في هذا العالم ؟
بدأ شو هانغ يفهم هذا تدريجيًا
حين تترك آثارًا حمراء وكدمات على جسد أبيض كالورق ،
ستشعر أن كل تلك الأشياء التي لا تطاق هي توقيعك الخاص
التلامس الجسدي قادر على جعل الإنسان ينسى الأرواح التي
لم تلتصق ببعضها ، وسط لذة جارفة
الرغبة الجنسية تمنح وهم الحب ، وتغطي كل شيء ،
تجعل الناس ينسون الزمن وينغمسون فيه
لا داعي للتفكير أكثر و الغوص أعمق هو الصواب
بداية ، ثم امتداد ، ثم ذروة ، ثم نهاية ، مع اتصال ما قبلها
بما بعدها ، عندها فقط تصبح المشاعر حيّة
لم يكن الأمر سوى مشهد واحد ، لا أكثر
نام دوان ييلين وهو يعانق شو هانغ من الخلف
ومع ذلك ، لم يكن أيٌّ منهما قد اندفع إلى حدّ الإفراط ،
فلم يغرقا في نوم عميق ، بل ظلا على غير العادة في يقظة وحذر خفيف
وهو يحدّق في مؤخرة رأس شو هانغ ، تذكّر دوان ييلين أن
تشياو داوسانغ قد انطلق بالفعل إلى شوتشنغ
{ الذهاب والعودة والتحقيق سيستغرقون على الأرجح شهرًا كاملًا
إذًا ، هذا السلام الذي نعيش فيه الآن لن يدوم أكثر من شهر ؟ }
شدّ ذراعيه حول شو هانغ وقال بنبرة لطيفة :
“ شاوتانغ هل فكّرت يومًا في المستقبل؟”
: “ أيّ مستقبل ؟”
دوان ييلين بصوت كأنه مغمور في ماءٍ حارّ ، ينساب إلى
الأذن ويجعل المرء يرى صورة هادئة أمامه :
“ دائمًا أشعر أنني لا أستطيع انتظار انتهاء الحرب و أريد
فقط أن أعتزل وأعود إلى الريف
أنت تواصل عملك طبيبًا ، وأنا أتوقف عن كوني قائدًا ،
ما رأيك أن نفتح مدرسة للفنون القتالية ؟”
: “ مدرسة فنون قتالية ؟”
: “ و تكون إلى جوار عيادتك ، أيّ تلميذ من تلاميذي يُصاب
أو يُصبح أعرج ، يُرسَل مباشرةً إليك …. ثم… سأشتري لك
قطعة أرض أخرى ، وأزرع فيها أزهار الفاوانيا ثنائية اللون
التي تحبها ، حسنًا ؟
أعدك بأنها ستكون أجمل من تلك التي في تشييوان .
يجب أن يكون لبيتك نافذة تطل على غابة الخيزران ،
وأخرى تطل على بركة اللوتس ...
و عوارض السقف تُنقش بخشب الجنكة ، ومبخرة العطر لا
تنطفئ أبدًا ، يبقى فيها بخور قرن وحيد القرن …”
توقف قليلًا ، ثم تابع بصوتٍ أكثر ليونة :
“…ولحسن الحظ أنك لا تحب الأطفال ... وإن أحببتهم في المستقبل ، فلا بأس أيضًا …
يمكنك أن تضمّ الكثير من فتية الطب ، لكنني لا أجيد العناية بالأطفال ، فلا تعتمد عليّ في ذلك ،
أي شيء آخر تريده ، سأبذل جهدي لأجله …
يمكننا أن نعيش هكذا بقية حياتنا ، أليس هذا جيدًا ؟”
كلما واصل دوان ييلين حديثه ، دفن وجهه أكثر في كتفي
شو هانغ ، وفركهما برفق ، وشدّ ذراعيه ، كأنه يخشى أن
يتحول شو هانغ فجأة إلى رمل ويتلاشى
لم يجرؤ شو هانغ على الكلام ، ولم يُجب
لم يرغب أن يعترف بأن المشهد الذي رسمه له دوان ييلين قد حرّك قلبه بعنف
و في هذا الظلام ، أسند رأسه إلى ذراع دوان ييلين ، وعيناه
مفتوحة على اتساعهما ، يحدّق في الفراغ المضيء عند باب الغرفة
قلبه يخفق بشدّة ، حتى إنه للحظة ، كاد ينسى انتقامه من تشانغ ياوتشنغ
كان هناك صوت يهمس بإلحاح في أذن شو هانغ — يأمره أن يوافق ، أن يعد دوان ، أن يتوقف ، أن يتوقف …
صوت سام ، تسلّل إلى عروقه وكاد أن يسلبه رشده و قناعته
هزّ رأسه بقوة ، وغرس وجهه في السرير ، وسدّ أذنيه
كان دوان ييلين خلفه ، يقبّل شعره —
—————-
وفي الوقت نفسه —- الأطباء يدخلون ويخرجون من قصر عائلة تشانغ —- دفعةً بعد دفعة
قيل إن الطبيب القادم سيكون طبيبًا أجنبي
الجميع يبذل قصارى جهده من أجل صحة السيد الشاب من عائلة تشانغ
تشانغ شيومينغ — الراقد على السرير — كان مستيقظًا منذ يومين كاملين
كان الجميع ينتظرون انفجاره غضبًا أو انهياره بعدما يعرف
أنه أُصيب بعجز دائم، لكن على غير المتوقع، لم يقل كلمة
واحدة، وبقي ساكنًا على هذه الحال يومين متتاليين
و في كل مرة تدخل الخادمة ، كانت تراه يحدّق في السقف
طويلًا دون أن يرمش ، ولا أحد يعلم بما يفكّر
بدأ الناس يتهامسون بأن تشانغ شيومينغ قد فقد عقله تمامًا ،
وأنه جُنّ لأنه لم يستطع تقبّل الواقع ،
وربما …
كانوا عائلة تشانغ فعلًا على وشك السقوط
تشانغ يينشي التي لطالما ربطتها علاقة عميقة بتشانغ شيومينغ —- عاجزة عن مواجهته
لم تستطع أن تزوره إلا بعد يومين
جلست عند سريره ، وبكت طويلًا وهو نائم ، حتى مدّ تشانغ
شيومينغ يده فجأةً وأمسك بيدها
: “ أختي الصغيرة…”
أنزلت تشانغ يينشي رأسها
لم تجرؤ على إخبار أخيها أو أبيها بالخطأ الذي ارتكبته ،
ولم تعرف كيف تواسي أخاها بكلمات بسيطة ،
لم تستطع سوى أن تبكي بصمت ،
: “ يا أختي… لا تبكي "
لم يحتمل تشانغ شيومينغ رؤية دموعها ، فابتسم
ألم ساقه حقيقي وواضح ، لكنه يشعر بتوهان غريب ،
كأن الساق ما زالت موجودة
مدّ يده ومسح الدموع عن وجه تشانغ يينشي ثم سألها:
“ هل ما زلتِ تذكرين آ-تشي ؟”
{ آ-تشي } تجمّدت تشانغ يينشي حين سمعت الاسم
كان ذلك الخادم الذي رافق تشانغ شيومينغ منذ الطفولة ،
ودرس معه منذ صغره ، لكنه مات قبل ثماني أو تسعة سنوات
موت بالغ القسوة
لم تُعثر له على جثة كاملة ، بل على أشلاء متناثرة في كل مكان
كانت تعرف فقط أنه منذ وفاته أصبح تشانغ شيومينغ مولعًا
بجمع عظام البشر ولحومهم —-
لم ينتظر تشانغ شيومينغ جوابها ، وبدأ يتحدث بنفسه :
“ أظنني كنت دائمًا أتنمّر على آ-تشي ...
وكان دائمًا يخاف مني ...
مهما فعلتُ ، كان يطيعني ، ولا يجرؤ على المقاومة .
إلى أن جاء يوم قال فيه إنه يريد العودة إلى قريته…
قال إنه يريد أن يتزوج آ-يو — جارتهم التي كبرت معه .
لم أسمح له
وكانت تلك أول مرة يعارضني فيها .”
أغمض عينيه
وتذكّر نظرة آ-تشي في تلك اللحظة—
العينان المظلومة دائمًا ، وقد امتلأت فجأةً بحزمٍ لا يلين ، وهو يقول له: لا
في ذلك الوقت ، لعلّه شعر أن آ-تشي تحدى سلطته ،
فاشتعل غضبه
و قيّد آ-تشي بالسلاسل ، وأغلق عليه الغرفة
في اليوم الأول ،
اغتصب آ-تشي وكاد أن يموت من النزيف على السرير ——
في اليوم الثاني ،
ضربه ضربًا مبرحًا ، لكن آ-تشي لم يتوسّل ——
في اليوم الثالث ،
أمر بقتل الفتاة آ-يو وأُلقيت الجثة أمام آ-تشي ——
في اليوم الرابع ،
ابتسم آ-تشي وقال إنه مستعد للبقاء مع تشانغ شيومينغ ——
في اليوم الخامس ،
فكّ تشانغ شيومينغ قيوده ——
أمسك آ-تشي بسكين وقطع قدميه الاثنتين ويده اليسرى
كان جسده مغطّى بالدم ، وصوته غريبًا ومبحوحًا وهو يقول له :
“ أنت دمّرتني…
إذًا كل ما تعتقد أنه جميل فيّ…
سأدمّره أمام عينيك .”
ثم أشعل برميل صغير من البنزين ، وفجّر نفسه ، متحوّلًا إلى كتلة دامية
كانت كلماته أشبه بتعويذة
منذ ذلك الحين أخذ تشانغ شيومينغ على مدى سنوات
يبحث بجنون عن تلك الأجساد الجميلة ،
وكأنه يريد أن يثبت أنه حتى من دون آ-تشي ما زال قادرًا
على الحصول على ما يريد
وعند المرسى ، في لحظة الانفجار ، وتحت ضوء اللهب—
خيّل إليه أنه رأى آ-تشي جالسًا على الأرض ، مغطّى بالدم ، يبتسم له…
ويرفع يده ملوّحًا
منذ أن انكسرت ساقه ، ورقد في السرير ليومين كاملين
لم يفارقه آ-تشي في أحلامه
ولهذا كان مُلحًّا إلى هذا الحدّ في رغبته بأن يرى شو هانغ ينكس رأسه أمامه
كان يكره شعور الرفض
و كل نظرة باردة في عيني شو هانغ كانت تمامًا كالنظرة التي
رآها في عيني آ-تشي قبل موته—
ممتلئة بالكراهية والازدراء
لم يستطع إلا أن يتساءل
{ هل كان الألم بهذا القدر حين قطع آ-تشي ساقيه بنفسه ؟ }
: “ تذكّرت فجأة أن آ-تشي قال لي ذات مرة —
« الجزاء من جنس العمل . كل ما فعلته بي اليوم ،
سيُردّ عليك يومًا ما ألف مرة»
أظن أن لعنته قد تحققت ”
ألقت تشانغ يينشي بنفسها على صدر تشانغ شيومينغ ، وانفجرت بالبكاء :
“ أي لعنة هذه ! تبًّا لها ، تبًّا لها !
من الواضح أن شو هانغ ودوان ييلين هما من آذوك !
لا تقلق يا أخي ، سيَدفعان الثمن… سيدفعانه حتمًا !”
كانت عينا تشانغ شيومينغ الفارغة مفتوحين على اتساعهما
لم يكن واضح إن كان قد سمع بكاء أخته أم لا
ارتعشت زاوية فمه ، كأنه على وشك الابتسام… أو لا
وفي النهاية ، بدأ يتمتم لنفسه بصوت خافت :
“ آ-تشي لم يبقَى معي حتى النهاية ...
شو هانغ… شو هانغ…
ربما يستطيع أن يحلّ محل آ-تشي…
ههه…”
لم يسمع هذا الهمس الغريب…
سوى تشانغ يينشي
يتبع
تعليقات: (0) إضافة تعليق