Ch126 GHLCS
قبل سنوات طويلة —— قو فانغفي ما تزال طفلة صغيرة
رافقت والدها إلى شوتشنغ للتجارة ، وأقامت هناك فترة من الزمن
كانت صغيرة وذاكرتها ضعيفة — لم تكن تعرف سوى أن
الجار يملك حديقة جميلة جدًا ، وأن في الحديقة سيدة
جميلة جدًا كانت تناديها بـ“العمة يان”
و كانت العمة يان لطيفة معها للغاية ، وغالبًا تمسك بيد أخ
أكبر جميل الملامح ، وكان ذلك الأخ يأخذ قو فانغفي كثيرًا
لتطيير الطائرات الورقية
اسم ' فانغفي ' يعني عبير الزهور ، لذا كان الأخ الصغير يناديها : “شياو هوا ميمي” ( هوا = ورد )
أما اسم ذلك الأخ فكان صعب التذكر ، لكنها كانت تتذكره
كلما رأت الطائرة الورقية ، فصارت تناديه : “ فنغ تشنغ غاغا ”
فنغ تشنغ غاغا شخص طيب جدًا — ذات مرة — نامت قو
فانغفي في غرفة حرق الفحم ، وكادت تختنق
و كان فنغ تشنغ غاغا هو من حملها وأخرجها
و كانت العمة يان دائماً تأخذها إلى البيت ، وتهدهدها حتى
تنام حين ينشغل والداها بالخارج
ثم… لاحقًا ، اندلعت الحرب ، وغادرت مدينة شوتشنغ مع والدها
سألت والدها : إلى أين ذهب ذلك الأخ ؟
فقال لها والدها: مات
في ذلك الوقت لم تعرف ما معنى الموت
و لاحقًا حين كبرت ، وفهمت معنى ' سياسة إحراق الأرض '
لم تكن سوى تتنهد لذلك الفتى الطيب كلما رأت طائرة
ورقية عالقة على أغصان الأشجار في الربيع
إلى أن جاء هذا اليوم ——
حين وقف شخص أمامها ، وناداها : “شياو هوا ميمي”،
مستخدمًا ذلك اللقب الذي لم يكن يستعمله سوى ذلك
الأخ في الماضي ، شعرت قو فانغفي فجأة وكأن أحدهم
سحبها بقوة إلى ما قبل أكثر من عشر سنوات
“ أنت… أنت فعلًا…”
نهض شو هانغ وارتجفت شفتاه قليلًا ثم أومأ برأسه:
“ أنا من أخذتكِ لتطيير الطائرة الورقية ...
قلتِ إنك تريدين طائرة على شكل عنقاء ، فقلتُ…
سأجلبها لكِ في المرة القادمة… لكن للأسف ،
لم تكن هناك مرة قادمة ... لذا حين تزوجتِ أهديتكِ تاج
العنقاء ، كتعويض عن طائرة العنقاء التي بقيتُ مدينًا لكِ بها منذ ذلك العام .”
هاتان الجملتان وحدهما كانت كافية لتجعلَا قو فانغفي تنفجر بالبكاء
توجد قصص كثيرة جدًا في هذه الليلة — بدى ككأس امتلأ
حتى حافته ، فلم يعد يحتمل المزيد ، فانسكب كل شيء دفعة واحدة
قو فانغفي : “ لهذا كنت أشعر دائمًا أنني أعرفك من قبل…
واتضح أن الأمر لم يكن مجرد وهم ...”
: “ لولا الوضع الحالي ، لما أردت أن أخبركِ .”
: “ لماذا لم تخبرني من قبل؟!”
ابتسم شو هانغ ابتسامة مرّة وقال:
“ علاقتنا نفسها فوضى… لا يُعرف أهي امتنان أم ضغينة ،
صواب أم خطأ… كح، كح… ااهههخ !”
وضغط بقوة على جرحه محاولًا إيقاف النزيف
الجنود خارج الباب قد بدأوا يطلقون اللعنات والسب . مسحت قو فانغفي دموعها وقالت بسرعة :
“ اختبئ خلف الستارة ... إن لم أستطع إيقافهم ، فاهرب عبر المدخنة .”
في النهاية لم تستطع أن تقسو إلى هذا الحد و استدارت
وخرجت من صالة الجلوس ، أخذت نفسًا عميقًا ، ثم
تقدّمت لتفتح الباب
كان الجنود في الخارج قد انتظروا طويلًا ونفذ صبرهم
و ما إن فُتح الباب حتى همّوا بالاندفاع إلى الداخل
فأسندت قو فانغفي يدها على إطار الباب ، ورفعت ذقنها قليلًا وقالت ببرود :
“ ماذا تريدون أن تفعلوا ؟”
قال الجنود بتعالٍ : “ نؤدي عملنا — نحن نحقق في قضية
مجرم ، تعاوني قليلًا .”
اتخذت قو فانغفي هيئة سيدة من عائلة مرموقة ، ووقفت
واضعة يديها على خصرها:
“ هل تعرفون أين أنتم ؟ هل تعرفون من أكون ؟
وتجرؤون على التفتيش هنا ، هااه ؟”
من نظرة واحدة إلى هيئتها ، عرف الجنود أنها ليست من
عامة الناس و نبرتها متحدية ، لا تشبه خوف الناس العاديين
حين يواجهون الجنود
وفوق ذلك — هذا المكان قريب من منطقة الامتيازات ،
حيث تقيم عائلات ثرية كثيرة —- من يدري ؟
و ربما فعلًا صاحبة نفوذ
لذا لم يجرؤوا على الدخول ، واكتفوا بالاتكاء على الباب ومدّ أعناقهم:
“ هذا… نحن نقوم بواجب رسمي ...
إن آخفيتِ مجرمًا ، فلن تتحمّلي العواقب .”
: “ إخفاء مجرم؟” سخرت قو فانغفي ووضعت يديها على خصرها :
“ لديّ علاقة بالسفير الأمريكي ، نجلس ونتبادل الأنخاب والحديث ،
وغدًا لديّ حفل كوكتيل مع ضباط ألمانيين ،
أيُّ مجرم ذاك الذي يجعلني أنحطّ إلى درجة إخفائه ؟”
اختنق الجنود بالكلام
تابعت : “ ارفعوا رؤوسكم وافتحوا أعينكم ...
الورقة المعلقة هنا هو أمر حماية صادر من منطقة الامتيازات
ولولا أن البيوت هناك نفذت ، لما سكنت خارجها أصلًا .”
وأثناء حديثها ، لمحت قو فانغفي قطرات دم من حذاء شو هانغ عند المدخل و خشية أن يُكشف الأمر ،
تقدّمت خطوة وداست بقدمها على بقع الدم ، ثم تابعت بتكبّر :
“ حسنًا لا تقولوا إنني لم أسمح لكم بالتفتيش ،
إن وجدتموه ، فالمسؤولية عليّ ...
أما إن لم تجدوا … ههءء فلا تلوموني إن ذهبت غدًا إلى
رئيسكم لأفرغ غضبي فيه .”
هؤلاء الجنود من النوع الذين يتنمرون على الضعفاء ويخشون الأقوياء
ألقوا نظرات سريعة حولهم ، ولمّا رأوا أناقة المرأة وهيئتها
الراقية ، خمّنوا أنها سيدة ثرية ، ومن الواضح أنها لا يمكن
أن تكون على صلة بأي مجرمين — تبادلوا نظرات سريعة ،
ثم تراجعوا بابتسامة مصطنعة :
“ ماذا تقولين… نعتذر عن الإزعاج ، نعتذر عن الإزعاج ،
نحن فقط قلقون على سلامتكِ ...
بما أنكِ تشعرين بالأمان ، فنحن مطمئنون .”
لوّحوا بأيديهم :
“ هيا بنا ! فتّشوا المنزل التالي !”
بعد أن ودّعت الوباء أخيرًا ، نظرت قو فانغفي إلى الخارج
عدة مرات ، ثم أغلقت الباب بإحكام وعادت إلى الداخل
شو هانغ استخدم صندوق إسعاف قو فانغفي ليوقف
النزيف ويضمّد جراحه ، وقد غطّى العرق جبينه
صعدت قو فانغفي إلى الطابق العلوي وجلبت بعض الملابس النظيفة
: “ هذه الملابس كنت سأرسلها إلى يوان يي
قد تكون واسعة عليك قليلًا ، لكن ارتديها مؤقتًا .”
و انشغل الاثنان فترة من الوقت ،
حتى تمكّنا أخيرًا من تنظيف شو هانغ وترتيبه
أشعلت قو فانغفي النار ، وأحرقت جميع ملابسه الملطخة بالدم
وهي تنظر إلى الرماد ، تلألأت عينا قو فانغفي قليلًا بالدموع :
“ كيف وصلتَ إلى هذه الحال ؟”
: “ يصعب شرحه ... ليس أنتِ وحدكِ ، حتى أنا لا أعرف متى
أصبحتُ بهذه القسوة ...” نظر شو هانغ إلى يديه ،
كانت يدي طبيب ؛ أنقذ بهما أرواح لا تُحصى ،
وبسببهما أيضًا أُزهقت أرواح كثيرة : “ لكنني لا أقتل الأبرياء"
استغربت قو فانغفي:
“ أي حقد هذا الذي يجعلكَ متمسكًا إلى هذا الحد ؟”
عبس شو هانغ بحاجبيه :
“ حقد إبادة العائلة بأكملها… لا يمكن التصالح معه"
ثماني كلمات بسيطة ، سهلة على اللسان ، لكنها موجعة إلى حد لا يُحتمل في العيش
لم تختبر قو فانغفي مثل هذا من قبل ؛ فقد نشأت مدللة ،
كمن تربّى في وعاء من العسل
لكنها تدرك أن مثل هذه الأمور لا تُسوّى بديون الدم ولا بالثأر المتبادل
و كل حديث عن التعاطف ليس سوى وهم
أنتَ لستَ هو — فكيف لك أن تجزم أن سكين تطعن جسده ستؤلمك بالطريقة نفسها ؟
و تحت نظرة قو فانغفي المتفحصة ، لخّص شو هانغ بإيجاز
تلك الأحداث الماضية
ورغم بساطة السرد ، كان مضمونه صادم بما يكفي
حاولت قو فانغفي تشتيت نفسها بإعداد الشاي كي لا تبدو مضطربة أكثر من اللازم :
“ وما الذي حدث… هذه الليلة تحديدًا ؟”
: “ محاولة اغتيال تشانغ ياوتشن فشلت ، فاضطررتُ إلى الهرب .”
لم تكن فوهة إبريق الشاي موجّهة نحو الفنجان فانسكب الماء خارجه
سارعت قو فانغفي إلى مسحه بمنديل :
“ أنت جريء إلى حدٍّ مخيف !
لم أسمع قطّ عن أحد حاول اغتيال تشانغ ياوتشن وخرج حيًّا"
: “ لم يكن هناك مرة سابقاً ، لكن يوجد الآن —
لم يستطع أحد قتله سابقًا ، لكن ذلك سيحدث في المستقبل ” و ابتلع شو هانغ بضع حبوب ؛ مهدئات غربية
سريعة المفعول ، خففت قليلًا من نوبات اشتهائه للمخدرات
استدارت قو فانغفي فجأة :
“ ما زلتَ تريد القتل ؟!” أمسكت بمعصمه :
“ انظر إلى حالك ، أليس هذا كافيًا ؟
لو رأتك العمة يان هكذا ، هل كانت ستموت وهي مبتسمة؟
نعم… هم يستحقون الموت ، لكن حياتهم ليست أثمن من حياتك !”
نظر شو هانغ إلى وجهها المليء بالقلق ، ولم يعد يرى فيه أي لوم ، شعر بحزن عميق:
“ فانغفي هذا هو سبب بقائي حيًّا ….
إن لم أفعلها ، أشعر أن الحياة بلا معنى ،
وحين يضيع المعنى ، لا فرق بين العيش والموت .”
أفلتت قو فانغفي يده بألم شديد
لم تستطع فعل شيء
تمامًا كما عجزت عن منع يوان يي من الرحيل ،
عجزت عن منع فنغ تشنغ غاغا من أن يصبح هكذا
: “ لا عجب أنك لم تكن راضيًا عن زواجي من يوان يي
هل لأنك كنت تعرف كيف ستنتهي الأمور ؟”
بدت على شو هانغ لمحة حرج ، وازداد وجهه الشاحب شحوبًا :
“ نعم… هل ما زلتِ تذكرين المرأة ذات الرداء الأخضر التي
مرضت بحساسية حبوب اللقاح في فرقة بايهوا؟”
كان ذلك مشهد اللقاء الأول بين قو فانغفي وشو هانغ
و حين ذكره فجأة ، تصلّب وجهها
: “ أنت… لا تقل إنك…”
أعطاها شو هانغ جوابًا قاطعًا : “ أنا من فعلها ...
لكي أتعرّف عليكِ بطريقة ‘طبيعية’ "
كان يظن أن معرفة من هي المؤدية على المسرح يومها أمر سهل ، ثم يضع في حقيبتها كمية من حبوب اللقاح يكفي
لإحداث مرض دون أن يكون قاتلًا ، لجذب انتباه قو فانغفي
كان يعلم أن قو فانغفي تريد طلب أمر ما من دوان يلين ،
فكان من الأفضل أن تطلبه منه هو وليس من دوان يلين ،
والغاية النهائية لكل ذلك ، كانت استعارة وجاهة قو فانغفي
لحضور مأدبة عيد ميلاد وانغ رونغهو ——
رتّبت قو فانغفي أفكارها وقالت :
“ مأدبة عيد ميلاد وانغ رونغهو… لكن كان بإمكانك ببساطة
الاستعانة باسم دوان يلين — لماذا كل هذا الالتفاف ؟”
لم يُخفِي شو هانغ الحقيقة عنها:
“ وانغ رونغهو ودوان يلين لا يطيق أحدهما الآخر —
لو دخلتُ قصر عائلة وانغ بصفتي مقرّبًا من دوان يلين ، فلن أنال ثقته أبدًا .”
لم يكن هناك من يصلح للتقدّم سوى قو فانغفي، ابنة تاجر،
والصديقة المقرّبة لعائلة وانغ
وحدها كانت قادرة على تقديمه من دون أن تثير أي ريبة
اجتاح قو فانغفي شعور بالقفر والعجز بعد انكشاف الحقيقة
قرفصت على الأرض واحتضنت نفسها ، محاولة أن تمنح جسدها بعض الدفء :
“ كنتَ تحسب كل شيء منذ وقت مبكر إلى هذا الحد…”
: “ آسف ،،،، آسف يا فانغفي…”
لم تستطع قو فانغفي التوقف عن البكاء ، وانفجرت :
“ لو كنتُ مكانك ، وبعد كل ما مررتَ به، لكنتُ فعلتُ أشياء
أشدّ منك مئة مرة ...
أنت محق ، من الصعب تحديد من هو على صواب ومن هو
على خطأ… أنت أنقذتني آنذاك ، والآن استغليتني ، فليكن
هذا دينًا بدين .”
تسللت دموعها من بين أصابعها وسقطت على الأرض قطرة
قطرة ، مشهد يثير الشفقة في القلب
{ طيبة إلى حدٍّ موجع ، تشبه يوان يي كثيرًا }
كان شو هانغ يعاملها كأخته الصغرى ، ولهذا أخفى عنها
الحقيقة ، ولم يرغب أن تعرف هذه الأمور
ربما كان يستغلها ، لكنه كان يشعر أيضًا بوخز الذنب
في طريقه للثأر ، ضحّى بالكثير ، ويومًا ما، لا بد أن يواجه العواقب
و قرفص شو هانغ أيضاً ، وأمسك بكتفي قو فانغفي وتوسّل إليها بصدق :
“… فانغفي ما زلتُ بحاجة إلى مساعدتك "
رفعت رأسها:
“ ماذا أستطيع أن أفعل لأجلك ؟”
همس شو هانغ ببطء قرب أذنها:
“ أتذكرين أن غرفة تجارة بنغيون تتعامل أيضًا في الأدوية
الغربية… أحتاج إلى…”
أصغت قو فانغفي بتركيز
و تبدّل تعبيرها من توتر إلى جدّية ثقيلة ——
———
الفجر على وشك البزوغ حينها عاد شو هانغ من منطقة
الامتيازات إلى الساحة
و دوان يلين ما يزال نائم ، وجرّة الدواء على الطاولة تشهد أنه أخذ علاجه بالفعل
أنزل شو هانغ عينيه ونظر إلى وجهه النائم ، فَلانت نظرته
كثيرًا ، وسارع إلى تبديل ملابسه
بعد أن خلع حذاءه واستلقى على السرير ، مدّ يده وربّت
برفق على خدّ دوان يلين ، وأسند رأسه على كتفه ،
شعر بحرارة جسده ، وتنهد تنهيدة ارتياح ، وتمتم :
“… لقد عدت "
{ لقد عدت
لم أمت في الخارج ، ولم تموت معي }
يتبع
بالنسبة لـ [ بدت على شو هانغ لمحة حرج ، وازداد وجهه الشاحب شحوبًا :
“ نعم… هل ما زلتِ تذكرين المرأة ذات الرداء الأخضر التي
مرضت بحساسية حبوب اللقاح في فرقة بايهوا؟”
كان ذلك مشهد اللقاء الأول بين قو فانغفي وشو هانغ
و حين ذكره فجأة ، تصلّب وجهها ]
هو الفصل 7
وكان فيه تلميح واضح :——
أما العجوز صاحب الفرقة فبدا محرجًا بعض الشيء ، ولوّح
بيديه وهو يتمتم :
“ كيف يمكن لحبوب اللقاح أن تهبّ من العدم في مسرح
أوبرا جميل كهذا ؟ يا للخزي !”
شمّ الفتى إلى جانبه وقال :
“ ممم … يبدو أنها رائحة أزهار الفاوانيا…”
ازهار الفاوانيا موجودة في حديقة تشييوان في فناء جينيان تانغ
تعليقات: (0) إضافة تعليق