Ch138 GHLCS
رمى شو هانغ المسدس بلا مبالاة وقال:
“ كما هو متوقّع من رئيس الأركان ، أنت تفهم قلوب الناس جيدًا ...”
مال بجسده إلى الأمام وأضاف:
“ أنت على حق — أستطيع أن أحمي عائلة تشانغ من الانهيار ... كل شيء يتوقّف على مدى تعاونك .”
مع أنه يعلم أن تشانغ يينشي وتشانغ شيومينغ يستحقّان
الموت ، إلا أنه بالنسبة إلى شو هانغ لم يكن لهما دين
عنده ، لذا لم يكن لديه سبب ليطالبهما بالسداد
و كأن دودة في تشانغ ياوتشن يعرف ما يدور في ذهنه ، فتابع :
“ ما دمتَ يا تشانغ ياوتشن لم تُسقط بتهمة الخيانة ، فلن تسقط عائلة تشانغ
و حتى لو متَّ ستترك خلفك ثروة ، وسيُنظر إليك كشخصية نبيلة ،
وإذا التزم أبناؤك بالحدود ، فلن يواجهوا مشكلة في عيش حياة هادئة .”
لكن أبناء عائلة تشانغ اعتادوا حياة الترف ، فكيف لهم أن يكونوا مقتصدين ؟
حتى لو امتلكوا جبالًا من الذهب والفضة ، فإفلاسهم مسألة وقت لا أكثر
ابتسم تشانغ ياوتشن بمرارة :
“ هل ما زال لديّ حق الرفض أصلًا ؟”
ليس ذلك فحسب ، بل لم يكن أمامه إلا الطاعة
شو هانغ بهدوء :
“ بالطبع لديك ... إن كنتَ مصمّمًا على التضحية بنفسك
من أجل سمعة العائلة ، وتفضّل الموت على العيش بذلّ
فلا حيلة لي.”
قال ذلك عمدًا ليستفزّه
لم يستطع تشانغ ياوتشن التخلّي عن أبنائه ، فقال:
“ أنا أب، ومن الطبيعي أن أقدّم التضحيات .”
ضحك شو هانغ ضحكة خافتة ، وحرّك القهوة بملعقته،
محدّقًا في انعكاس وجهه على سطحها — بدا شريرًا إلى حدّ بعيد :
“ الآباء الذين يحبّون أبناءهم يخطّطون لمستقبلهم البعيد ...
يا رئيس الأركان أنت لا تتذكّر سوى طفليك الحاليين
هل تذكّرت يومًا شين جينغمو — الابن الذي أنجبته ؟
حتى النمر لا يأكل جراؤه — أنت أسوأ من نمر —
من بين الأطفال الثلاثة الذين أنجبتهم ، الوحيد الذي لم
تحبّه هو من نال أفضل مصير — هذا يُسمّى الكارما .”
تذكّر شو هانغ عيني شين جينغمو اللتين لن تُشفى أبدًا ،
كاد يقتلع عيني تشانغ ياوتشن ورميهما أمامه ليذيقه طعم الظلام
ومع ذلك، فإن توبيخه على يد شاب أمام وجهه جعله يشعر
بشيء من الحرج ... شدّد صوته وقال :
“ ماذا تريد أن تفعل بالضبط ؟ كفّ عن إضاعة الوقت .”
في هذه اللحظة ، لم يعد شو هانغ بحاجة إلى التحفّظ
و لم يرغب في قول المزيد ، فقال مباشرةً :
“ أتذكّر أن هناك منصب لمفوّض خاص ، مختصّ بالإمدادات العسكرية ،،
وبمكانتك كرئيس أركان لا ينبغي أن يكون من الصعب إيجاد وظيفة كهذه لي "
: “ صحيح ، يوجد مثل هذا المنصب . سأكتب رسالة وأضع
ختمي لضمانها ،
لن يستغرق رفعها إلى مجلس الوزراء سوى ثلاثة أو أربعة أيام ،
لكن… لماذا تريد هذا المنصب ؟”
هذا المنصب بالغ الخصوصية ، يتيح التعامل المباشر مع
إمدادات زمن الحرب ، ويرتبط مباشرةً بمجلس الوزراء لمنع
تسلّل الجواسيس — وفي فترات خاصة ، قد تفوق صلاحياته حتى رتبة القائد العسكري
شو هانغ :
“ لا داعي لأن تعرف . عليك فقط أن تنفّذ ….”
أخرج ورقة وقلم من جيبه وأضاف :
“ هذه قد تكون آخر قيمة تملكها قبل موتك .”
عند رؤية القلم ، شعر تشانغ ياوتشن بغصّة في حلقه
رغم أنه كان قد استعدّ نفسيًا ، إلا أن الذهاب فعليًا إلى الموت ظلّ مؤلمًا للغاية
بسط الورقة وبدأ يكتب بندًا بندًا وفق الصيغة الرسمية
للوثائق ، ثم أخرج ختمه الشخصي وختم التوقيع ،
ثم سلّمها إلى شو هانغ
لم تكن تلك الورقة سوى صفحة رقيقة ، لكن شو هانغ وحده يعلم بما تحمله من ثقل
{ كيف لشيء بهذه الخفّة أن يحمل وزن أربعة سنوات كاملة ؟ }
ارتعشت حاجباه بعنف
عض شو هانغ على لسانه سرًا ، أخذ الورقة ببطء ، طواها
بعناية ، ثم أدخلها في كُمّه
بعد ذلك ، بدا وكأنه يستدير ليغادر
تفاجأ تشانغ ياوتشن قليلًا وسأله:
“ ألن تقتلني ؟”
وما إن نطق بالسؤال حتى ندم عليه ، كأنه يستجدي الموت
فتح فمه وأغلقه ، وشعر بحرج شديد
توقّف شو هانغ فعلًا ، والتفت إليه بابتسامة نصفية:
“على مدى أحد عشر عامًا ، كلما تألّمتُ فكّرتُ في الكيفية التي ينبغي أن تموت بها
هل أحرقك حيًّا لتذوق يأس أهل شوتشنغ؟
أم أقطّعك إربًا لتكفّر عن خطاياك مع كل ضربة ؟”
كان كقاضٍ ، يبدو بريئًا ، لكن كلماته قاسية حدّ الوحشية :
“ وفي النهاية ،،، اكتشفت أن هذا كلّه غير كافٍ ….
مهما كانت طريقة موتك مأساوية ، فلن يغسل دمك خطايا الماضي
بل سيجعلني أشعر بمزيد من القرف .”
بعد حادثة يوان سن ووانغ رونغهوا — اغتسل شو هانغ مرتين لفترة طويلة ، ومع ذلك ظلّ يشعر برائحة الدم تتسرّب إلى عظامه
: “ لذا هذه المرّة متْ بسلام… ولا توسّخ عينيّ .”
عبس تشانغ ياوتشن :
“ أتريدني أن… أنتحر ؟”
: “ إن لم تستطع تحمّل ذلك ، فلا بأس .”
قال شو هانغ هذه الجملة فجأة ، بلا سبب واضح ، فبدا تشانغ ياوتشن حائرًا
: “ ما الذي لا أستطيع تحمّله؟”
عاد شو هانغ بضع خطوات ، مرّر أصابعه على حافة فنجان
القهوة الذي شرب منه تشانغ ياوتشن، وسأله بنبرة ذات مغزى :
“ هل القهوة جيدة ؟”
{ يوووجد سمّ في القهوة !!! }
و فهم تشانغ ياوتشن كل شيء في لحظة واحدة
أمسك عنقه بقوة ، كأنه ابتلع حمض الكبريتيك الذي بدأ يلتهم أحشاءه و شحب وجهه فورًا
وأمام ذعره ، شرح له شو هانغ بهدوء يكاد يكون لطيفًا :
“ أنت من خصّص قطعة الأرض تلك ، وسمح لليابانيين
بإجراء تجاربهم على البشر الأحياء بلا قيود في نانجينغ ،
أليس من العدل إذن أن تتذوّق بنفسك نتائج أبحاثهم ؟ تشانغ ياوتشن أمامك ثلاثة أيام لتتذوّق ببطء ثمار ما زرعته بيدك .”
لسببٍ ما لم يشعر شو هانغ هذه المرة بمتعة تُذكر من الانتقام
ربما لأن كل شيء سار تمامًا وفق خطته ، بلا مفاجآت ، فبدا الأمر باهتًا
شعر أنه إن بقي في المكان لحظة أطول واستنشق الهواء
نفسه الذي يتنفّسه تشانغ ياوتشن، فسيتقيأ
توجّه نحو الباب خطوة خطوة ، ووضع يده على المقبض
جاء صوت تشانغ ياوتشن فجأة من خلفه ، فأوقفه :
“ هل تفعل كل هذا من أجل دوان ييلين ؟!
هل تعتقد حقًا أنه بعد موتي ستكون نهايتكما هادئة؟”
تشانغ ياوتشن الذي عاش حياة طويلة ، شخصية قوية منذ شبابه و هزم أعداء كُثر ليصل إلى ما هو عليه اليوم في
شنغهاي، لكنه في النهاية خسر أمام هذا الفتى الصغير
والقول إنه تقبّل ذلك طوعًا ليس سوى كذبة كبيرة
كان يشعر بصراع داخلي حاد
من جهة — يدرك أنه ينال جزاءه ، وأن كل ما يحدث خطؤه وحده
ومن جهة أخرى — ما زال خبيثًا وجشعًا
وربما حين يصل الإنسان إلى اليأس ، لا يفكر إلا في جرّ الآخرين معه إلى الهاوية
: “ قبل أحد عشر سنة في حريق شوتشنغ لعبتُ بالنار واحترقت ... أعترف بذلك ...”
بنبرة توحي بأنه على وشك كشف أمرٍ مرعب :
“ لكن هل تعتقد حقًا أن انتقامك قد اكتمل ؟”
اضطرب قلب شو هانغ قليلًا ، لكن ملامحه بقيت جامدة
أما تشانغ ياوتشن فتابع وكأنه يروي قصة مسلية :
“ أنا — ويوان سن — ووانغ رونغهو — ألحقنا بك الأذى ، هذا صحيح
لكن هل دوان ييلين بريء ؟
أتذكر جيدًا أنه كان قائد فرقة آنذاك ، وكان ضمن الجنود
الذين أشعلوا النار في شوتشنغ!
تردد دائمًا أنك تريد الانتقام ، لكن هل فكّرت يومًا أن دوان
ييلين كان واحدًا منهم ؟!”
انخفضت حرارة المكان تدريجيًا ، تمامًا كما برد فنجان القهوة على الطاولة
لم يُبدِي شو هانغ أي ردّة فعل ، وكأنه لم يسمع شيئ
و استدار بلا مبالاة وقال:
“ أتظن أنك بقولك هذا تستطيع أن تنتقم مني قبل موتك
فتمنح قلبك القبيح بعض التوازن ؟”
هذا الرد خارج توقّعات تشانغ ياوتشن :
“ أنت… ألا تصدّق ؟!
يمكنك أن تتحقّق من أمر دوان…”
أجاب شو هانغ ببرود : “ أعرف ذلك .”
هذا كافي لكسر آخر أنياب تشانغ ياوتشن وجعل شراسته تبدو مثيرة للسخرية
حينها فقط أدرك تشانغ ياوتشن أخيرًا لماذا استطاع شو هانغ — ذلك الطفل الذي يبدو ضعيفًا ، أن يدفعه إلى طريقٍ مسدود
السبب الوحيد هو أنه قد أعدّ لكل شيء قبل أن يتحرّك —
و لم يكن أحد قادرًا على كشفه ، ولا أحد يعرف نقاط ضعفه
{ لستُ أخاف من قوّة العدو ،
أخاف فقط من ألا أتمكّن من إيذائه …
هذا كل ما في الأمر }
نظر إليه شو هانغ للمرة الأخيرة ، كما لو أنه يتأمّل نملة
تصارع الموت فوق مقلاة ساخنة
ثم فتح الباب وخرج
لامس ثوبه الرمادي الطويل إطار الباب ، وانساب كنسمة عابرة ، صعب الإمساك ، حتى بدا وكأنه لم يكن هنا أصلًا
“ رحلة آمنة يا رئيس الأركان
أعتذر لعدم قدرتي على توديعك .”
ومع طَقّة خفيفة ، أُغلق الباب
وانتهت هذه الصفقة الوداعية عند هذا الحد
أما التنهدات المختلطة بالاستسلام والعجز القادمة من خلف الباب ، فلنتركها جانبًا الآن
و خارج الباب مباشرةً ، خطا شو هانغ بضع خطوات ووجهه
شاحب ، ثم مال جسده إلى الجانب، واستند على الجدار ، وأمسك بقوة ذراعه ——-
يتبع
الفصل التالي الفصل السابق
تعليقات: (0) إضافة تعليق