Ch146 GHLCS
في اليوم السابع ،
بينما المدينة بأكملها تستعدّ للحرب ،
غادر جميع أفراد القنصلية اليابانية ،
وعاد معسكر شياوتونغ غوان إلى هدوءٍ ظاهري
لكن فناء جينغيان تانغ تعرّضوا لعدد كبير من محاولات الاغتيال ،
مما أثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن جاسوس كان متخفيًا داخل شياوتونغ غوان
وبمحض المصادفة ، في اليوم نفسه الذي انسحب فيه اليابانيون ،
قُتلت الفتاة التي قد تطلّقت من تشياو سونغ برصاصة ——
حينها فقط تبيّن أن الجاسوس الذي زرعه كينجي هنا لم
يكن سوى تلك الفتاة الضعيفة ذات المظهر البائس —-
كيف لـتشياو سونغ أن يعلم أن هذه الفتاة ، التي كانت
تحضر له الطعام كل يوم ، كانت تراقب كل تحرّكات شياوتونغ غوان ؟
وأن كل سؤالٍ كانت تطرحه ، مهما بدا عابرًا وبريئًا ، لم يكن سوى فخ؟
وبسبب ثقته المفرطة بها ، أفشى تشياو سونغ بعض المعلومات لها
ولولا أن تشياو سونغ كان غالبًا مشوّشًا ، وأن دوان ييلين
كان يجد الأمر مزعجًا فلا يطلعه إلا نادرًا على التفاصيل ،
لكانت الكارثة قد وقعت منذ زمن
لذا وقبل انسحابهم — تخلّص اليابانيون من هذا الجاسوس
عديم الفائدة الذي لم يرغبوا في أخذه معهم
على أي حال… الموت نهاية كل شيء
ومع تشديد الحراسة في مدينة ههتشو يومًا بعد يوم، ازداد الجو فيها كآبةً وخنقًا
أُغلقت بوابات المدينة بإجراءات صارمة للغاية ، بل جرى حتى تعيين حارساتٍ نساء خصيصًا
نُصبت خيام مؤقتة لتبديل الملابس والتفتيش الجسدي
باختصار ، كل من يدخل المدينة أو يغادرها يُفتَّش بدقة شديدة
و كل من كانت له علاقة جيدة سابقًا بـشو هانغ، بل وحتى
العاملين في قاعة هيمينغ الطبية ، أُدرجوا جميعًا في
القائمة السوداء ، ومُنعوا من مغادرة المدينة
———-
في الصباح الباكر ،
وفي ذروة ازدحام الطوابير ، خرجت امرأة من خيمة التفتيش
كانت ترتدي تشيبـاو قطني من الكتّان بأكمام طويلة
ورغم اتساع الرداء ، لم يستطع أن يُخفي قوامها الجميل
أشارت الحارسة التي فتّشتها بيدها :
“ تم تفتيشها ، لا شيء معها .”
ألقى الحارس نظرة إضافية عليها ، ليس لسبب سوى أن ابتسامتها كانت لطيفة
حتى من دون مساحيق ، بدت نقية كزهرة لوتس في الماء
وحين ابتسمت ابتسامة خفيفة ومرّرت يدها على شعرها بمحاذاة عنقها ، بدت مفعمة بالحيوية والعذوبة
وعلى الجانب الآخر من خطوات تلك المرأة المتقدّمة ،
ارتسمت على شفتيها ابتسامة ماكرة ، وفي عينيها نظرة تحمل حكاية كاملة
وبعد ستة ساعات فقط من خروجها من التفتيش ودخولها المدينة ،
تلقّوا معسكر شياوتونغ غوان اتصال هاتفي عاجل
و كان سبب الاتصال أن تشياو سونغ أُرسل إلى لينتشنغ
لتسلّم دفعة الدواء الخاصة
ورغم أن الموعد الرسمي لم يحن بعد ، ولم يكن مسموحًا
له بإخراجها ، فقد انطلق مبكرًا تحسّبًا لأي طارئ
و بعد وصوله إلى لينتشنغ ودخوله المعهد الطبي ، تبادل الأحاديث مع أصدقاء قدامى
وخلال الحديث ، اكتشف أن دفعة الأدوية قد سُلّمت صباح
أمس الباكر لشخص يحمل خطاب تفويض من المفوض
الخاص ، ولم يتبقَّى منه شيء على الإطلاق
شدّ دوان ييلين قبضته على سماعة الهاتف :
“ بعد كل هذه الحراسة والحصار … كيف سبقنا أحدهم؟!”
كان تشياو سونغ يعتذر بلا انقطاع من الطرف الآخر:
“ أنا آسف أيها القائد — أرسلنا رجالًا للتعقّب فورًا
إذا لم يستقل الشخص القطار ، فلا يوجد سوى طريق واحد
من لينتشنغ إلى ههتشو ،
طاردهم رجالنا طوال الطريق ، ويبدو أننا كنّا على بُعد
خطوة واحدة فقط… لكننا مع ذلك سمحنا للشخص بدخول المدينة .”
أجبر دوان ييلين نفسه على الهدوء:
“ إذا دخل المدينة ، فلن يتمكّن من إدخال الدواء معه ،
وإلا لكُشف أثناء التفتيش — فتّشوا لينتشنغ أولًا
و دقّقوا في المخازن المهجورة ، والأرصفة ، والمعابد
المتهدّمة… ابحثوا عن مكان قد يكون أخفى فيه الدواء .”
: “ مفهوم ! — وماذا عن الشخص الذي دخل المدينة ؟”
: “ سأرسل رجالًا لمتابعة المطاردة — أمّا داخل المدينة…
فشدّدوا الرقابة على جينغيان تانغ، ولا تمنحوهم أي فرصة
لتمرير الأخبار . هذا كل شيء الآن .”
ما إن أغلق دوان ييلين الهاتف ، حتى طرق دوان تشانتشو الباب ودخل
لقد استمع إلى المكالمة كاملة من الخارج ، فلم يستطع إلا أن يتنهّد :
“ كنت أعلم أن شو هانغ ليس شخصًا بسيطًا
حتى وهو محبوس لديك ، ما زال يمدّ يده كأن له معاون خفي ...
الوضع يزداد تعقيدًا .”
أنزل دوان ييلين رأسه ، وبدأ يفكّر بلا توقف
{ أين تحديدًا استغلّني شو هانغ ؟
ومن أين شقّ هذا المهرب الصغير ؟ }
: “ هل أُلقي القبض على جميع الخدم الذين طردهم شو هانغ سابقًا ؟”
: “ قبل قليل عُثر على آخر خادم أيضًا — احتجزتهم جميعًا مؤقتًا ،
واستجوبتهم وتحقّقنا من تحرّكاتهم الأخيرة ،
لذا … ليسوا هم "
{ ليسوا هم ؟
هل يُعقل أن يكون لدى شو هانغ مساعدين آخرين؟
ومن يكونون ؟
يوان يي لا يزال في الخارج ، وقو فانغفي غادرت البلاد لتوّها }
لم يستطع دوان ييلين أن يتخيّل شخصًا آخر قد يبذل كل
هذا الجهد من أجل شو هانغ
ومن يقدر على فعل ذلك، لا بد أن يكون شخصًا شديد الإخلاص له
كلما فكّر أكثر ، ازداد غضبه
لم يكن يشعر فقط بأنه خُدع وخُطط له، بل كأنه يُدار ويُلهى كما يُلهى القرد
طرق جندي باب مكتب دوان ييلين :
“ أيها القائد هناك تحرّك في جينغيان تانغ "
وضع دوان ييلين دفتر خطط القتال جانبًا :
“ ما الأمر ؟”
تردّد الجندي وبدت عليه الحيرة :
“ إنها الخادمة هناك ... أصرّت على الخروج ، وتريد مقابلة القائد ...
منعها الجنود ، فلم نسمح لها بالمغادرة ، فوضعت خنجرًا على عنقها ...
خشينا أن يصيبها مكروه ، فأحضرناها مؤقتًا — هل تودّ مقابلتها ؟”
أغلق دوان ييلين الدفتر بحدّة
كان غضبه موجّهًا إلى ذلك الماكر القابع في جينغيان تانغ، لكنه وجد نفسه عالقًا في الوسط:
“ لا. أعيدوها "
ابتلع الجندي وقال بحذر:
“ قالت إن لديها أمرًا مهمًا… يتعلّق بـ… حياة سيدها الشاب .”
الجميع يعرف مدى أهمية شو هانغ في قلب دوان ييلين
وبالفعل — عبس دوان ييلين بحاجبيه وقد بدا عليه الارتباك :
“ ماذا تعني ؟”
: “ رفضت أن تخبرنا — لم تكرّر سوى أنها تريد مقابلتك أيها القائد"
دوان { لو كان هناك خطر حقيقي — فلماذا كل هذا الكتمان ؟ }
غالبًا يظنّ دوان أن تشان يي تعتقد أن ما بينهما ليس سوى
شجار عابر ، وأنها تريد التوسّط
في السابق حين كانا يختلفان ، كانت تشان يي تتدخّل بالطريقة نفسها
لكن ما بينهما الآن لم يعد خلافًا يمكن تهدئته في ليلة واحدة
فكّر قليلًا ، ثم برد قلبه :
“ إذًا ليس أمرًا مهمًا . اطلبوا منها العودة .”
بعد سماع أمره ، لم يجرؤ الجندي على قول كلمة أخرى ،
فاستدار وخرج مسرعًا
لكن بعد فترة قصيرة ، عاد وطرق الباب مرة أخرى
“ أيها القائد — تلك الفتاة كانت تركع بعنف في الخارج .
وعندما حاولنا إبعادها ، حاولت الانتحار
وأنتَ منعتنا من إيذائها… لا نعرف ماذا نفعل يا سيدي…”
كان دوان ييلين غاضبًا بوضوح ، فضرب الطاولة بكفّه :
“ أغبياء !
ألا تعرفون كيف تضربونها لتفقد الوعي ثم تعيدونها ؟!
إن أرادت الركوع فلتفعل — ستعود وحدها عندما تتعب!”
ارتعب الجندي حتى شحب وجهه ، وبقي واقفًا في مكانه بلا حراك
فتح دوان ييلين دفتره من جديد وصاح : “ لديّ شؤون رسمية .
لا تزعجوني مجدداً ، وإلا سأعاقبكم وفق القانون العسكري
بتهمة عرقلة العمل !”
وهكذا أُغلق الباب هذه المرة، ولم يُفتح لفترة طويلة
حدّق دوان ييلين في الباب المغلق ، وكان الغضب المكبوت
في صدره لا يجد منفذًا للخروج
لا يُعرف كم مضى من الوقت
أنجز دوان ييلين أكثر من عشرة ملفات ، وشرب ثلاثة أباريق
من الشاي ، ودخّن أربعة أو خمسة سجائر ، ولم يرفع رأسه
إلا عندما شعر بالجوع
لقد مرّت أربع أو خمس ساعات
الساعة على الجدار معطّلة قليلًا ، ودائمًا تتأخر عن الوقت الحقيقي
همّ بالنهوض ، فإذا بالباب يُدفع فجأة
اندفع الجندي إلى الداخل بقلق وكاد يسقط ، وكانت قبعته مائلة
تماسك على عجل وقال متلعثمًا: “أيها القائد… تلك الفتاة أُغمي عليها !”
{ يا لعنادها ، تشبه سيدها تمامًا } تنهد دوان ييلين وقال:
“ اطلبوا طبيب ليفحصها ، ثم احملوها وأعيدوها إلى جينغيان تانغ .”
الجندي بتوتر : “ لا، لا، ليس هكذا !
لم يُغمى عليها من الركوع… لقد قطعت خنصر يدها ! وقالت…
قالت إنها تريد أن تعلم أنك بأنها جاءت لأمر بالغ الخطورة…”
: “ ماذا ؟!” اتسعت عينا دوان ييلين ، فنهض فورًا واندفع إلى الأسفل
———-
في القاعة ،
عدد من الجنود يحيطون بـ تشان يي
بعضهم يناولها الشاش محاولًا إسعافها
دفعهم دوان ييلين جانبًا
نظر إلى الأسفل فرأى تشان يي تمسك خنجرًا بيد ، واليد الأخرى ترتجف وتنزف ،
وعلى الأرض إصبع صغير مبتور
وجهها مبلل بالعرق والدموع ، وبدا عليها البؤس ، وأسنانها تصطك من شدة الألم
توسلت بصوت متقطع : “ القائد دوان… أرجوك… أرجوك…
سيدي … الشاب … لم يعد قادرًا على الاحتمال…
حقًا لم يعد يتحمل…”
يتبع
الفصل التالي الفصل السابق
تعليقات: (0) إضافة تعليق