القائمة الرئيسية

الصفحات

آخر الاخبار

Ch154 GHLCS

 Ch154 GHLCS



هل رأيتَ حربًا من قبل ؟

إن لم ترَها ، فأنت غير مؤهّل لقراءة تاريخ الحروب بعينٍ مسترخية

باستثناء أولئك الذين خرجوا أحياءً من ساحة المعركة


أن ترى قذيفة تنفجر على بُعد ثلاثمئة متر فقط ، يشبه أن 

ترى الشمس تنفجر أمام عينيك


وميض مفاجئ —- دويّ هائل 


تتناثر الشظايا ، آلاف القطع ، تضرب جسدك


وموجة سوداء غير مرئية تندفع نحوك كالتسونامي


و الموت قريب جدًا


دوان ييلين مسنِدًا ظهره على جدار الخندق —-

أذناه صُمّت من شدة الضربة 

و دم ساخن لزج انساب من جبينه إلى عينيه وفمه — 

لم يكن لديه وقت ليمسحه ، فقد كان يحمل القذيفة على كتفه


و عند قدميه ، جثث مضى على موتها زمن ——

أطراف مبتورة 

وحتى أجزاء متناثرة : آذان ، أنوف ، أسنان مكسورة ، وشعر رؤوس


ساحة المعركة قاسية ،

لأنها تجعل الجحيم أمر طبيعي في وضح النهار


زحف دوان تشانتشو نحوه ، وصاح في أذنه :

“ يا غااا ! لم نعد نستطيع الصمود ! انسحاب !”


في هذه اللحظة ، هدأت ساحة القتال قليلًا 

و كلا الطرفين أنهكهما القتال ، فتوقّفا مؤقتًا


فهم دوان ييلين أن الجيش الياباني سيتقدّم بعد هذه الجولة من القصف 

لقد تراجعوا ثلاث مرات متتالية 

و هذه المرة ، لن يبقى بينهم وبين مدينة ههتشو سوى عشرة أميال 

{ عشرة أميال…

الخطوة التالية تعني —— سقوط المدينة }


عدد القوات اليابانية أكبر بكثير مما تخيّل

قيل إن قواتٍ يابانية من ساحات أخرى تخلّوا عن مواقعهم ، وتجمّعوا كلهم خارج ههتشو


وجوه الجنود من حوله قاتمة

مرّت أيام طويلة ، ولم تصل أي تعزيزات 

و كانوا جميعًا يفهمون ما يعنيه ذلك


دوان ييلين الشجاع اسم معروف في نظر اليابانيين —

فركّزوا نيرانهم كلها على إله الحرب هذا —-

فاستنزفوا قواتهم هنا ، ومنحوا جبهات أخرى فرصة لالتقاط الأنفاس


لن تأتي تعزيزات —- و هذه ساحة متروكة —-

ودورهم الوحيد هو كسب الوقت قدر المستطاع —-


نظر دوان ييلين إلى دوان تشانتشو 

دفع القذيفة عن كتفه ، وقال :

“ انسحاب—!”


وفي طريق التراجع ، رأوا جندي ياباني مجرم قد أفلت من قيوده ، وكان يخنق عنق أحد الجنود 

عينا الجندي تقلبّت ، ووجهه شحب


التقط دوان ييلين قنبلة يدوية وضرب بها رأسه


لم يُفلِت قبضته بعد الضربة الأولى — و ضربه مجدداً 

ومرة ثالثة —-

حتى اندفع شيءٌ أشبه بعجين التوفو

وسقط الجسد العنيف جثةً بلا حراك


لم يشعر دوان ييلين بفرح ولا بحزن

ففي ساحة المعركة ،

الحياة والموت لا يمنحان الناس وقتًا لأي إحساس


أنزل رأسه ، فرأى في عيني الجندي الذي نجا من الموت ضعفًا وعجزًا

كأنه رأى نهاية كثيرين دفعة واحدة


صرخ فجأة —- : “ تشياو سونغ! تشياو سونغ!”


بعد لحظة ظهر رجل ملوّث بالتراب والدم ، يعرج وهو يتقدّم نحوه

“ القائد ؟”


أطلق دوان ييلين النار فقتل جندي ياباني قد نهض مترنّح في المسافة، ثم قال بسرعة :

“ اركب حصاني وارجع إلى المدينة — انظر هل غادر أهل فناء جينيان تانغ أم لا "


: “ هذا… الجميع في المدينة غادروا — الحرب مشتعلة 

كيف يمكن أن يكون السيد الشاب شو ما زال هناك؟”


: “ لن أطمئن إلا إذا ذهبت بنفسك ورأيت — إن لم يكونوا 

قد غادروا ، فأخبرهم أن يرحلوا فورًا ! 

و كلما كان أبعد كان أفضل !”

لم يتوقف دوان ييلين عن إطلاق النار لحظة ——


تجمّد تشياو سونغ لثواني ، ثم مسح عينيه بقوة ، وأومأ 

بحزم ، وعرج مبتعدًا من جديد


لعق دوان ييلين الدم عند زاوية فمه ، ثم اندفع مجدداً إلى القتال


————




جينيان تانغ ——


تشان يي ترتّب بعض الأغراض المتفرقة والحاجيات اليومية ،

وكان الراهب الصغير ينسخ السوترا البوذية في الفناء


السنون بدت هادئة ، وكأن لا توتر في الأجواء على الإطلاق


خرج شو هانغ و ألقى عليهما نظرة ، ثم سأل فجأة :

“ هذه الحرب… مضى عليها قرابة شهر ، أليس كذلك ؟”


توقفت تشان يي عن نشر الملابس ، وعدّت على أصابعها :

“ شهر ونصف — وصوت إطلاق النار يقترب أكثر فأكثر ، 

كأنه عند الباب

لم يبقَى أحد في المدينة ، لذا الصوت أوضح

إطلاق النار البارحة أخافني حتى الموت !”

وبينما تتكلم ، هزّت الملابس ، فتساقطت ألياف دقيقة 

تحت ضوء الشمس ، وتراقصت في الهواء


كانت تشان يي تظنّ أن شو هانغ سيأمرها بأخذ الراهب 

الصغير والبحث عن ملجأ

لقد حسمت أمرها : فإن طلب منها ذلك ، فستركع وتموت 

في جينيان تانغ ، ولن تترك شو هانغ أبدًا


لكنها لم تتوقع أن شو هانغ من البداية إلى النهاية ، لم يذكر هذا الأمر مطلقًا


وعند التفكير في الأمر لاحقًا ، أدرك شو هانغ على الأرجح أنه — بالنظر إلى إخلاص تشان يي — فلن ترحل حتى لو وُضع السكين على عنقها — لذا كان من الأفضل ألّا يضيّع وقته في إقناعها


حان وقت الطهي — فذهب الراهب الصغير إلى حديقة 

الخضار ليقطف بعضها ، وذهبت تشان يي لإشعال النار


في هذه اللحظة ، سمع شو هانغ طرقًا متسارعًا على الباب، 

فلم يكن أمامه إلا أن يذهب ليفتحه بنفسه


ما إن فتح الباب ، حتى ظهر أمامه جندي مغطّى بالطين والغبار


حدّق شو هانغ فيه عدة مرات ، ولولا أنه تكلّم ، لما تعرّف عليه أصلًا

كان تشياو سونغ 


: “ السيد الشاب شو… لم أتوقع أنك ما زلت هنا ؟!”


“…تشياو سونغ؟” نظر شو هانغ خلفه، ولم يرَى أحد :

“ لماذا عدت ؟ هل… انتهت المعركة ؟”


: “ لا وقت للتفاصيل ... ارحلوا فورًا —- 

الجيش الياباني لم يعد يبعد سوى عشرة أميال عن المدينة. 

الوضع خطير للغاية !”


لم يضِع تشياو سونغ كلمة واحدة ، وصرّح بغايته مباشرةً


و بعد سماع هذا ، تجمّدت يد شو هانغ الممسكة بإطار الباب


لم يتغيّر تعبيره ، لكن مفاصل أصابعه شحبت قليلًا


أخذ نفسًا عميقًا أولًا ، ثم أخرجه ببطء ، وسأل بصوت منخفض :

“… هل سيهاجم اليابانيون ههتشو؟”


نزع تشياو سونغ قبعته ومسح العرق عن ذقنه :

“ لن تأتي أي تعزيزات ... جبهة ههتشو قيّدوا عدد هائل من 

قوات العدو ، وبقية الجبهات أيضًا في وضع متأزم ،

نحن… قد تُركنا .”


و بكلمات قليلة ، كان هذا خبرًا مرعبًا للغاية


رفع شو هانغ ذقنه قليلًا ونظر إلى السماء البعيدة :

“ لا عجب أنه يقاتل منذ كل هذا الوقت…”


حين رآه هادئًا إلى هذا الحد ، ازداد قلق تشياو سونغ:

“ لا تجمعوا شيئ —خذوا فقط الأشياء الثمينة وارحلوا فورًا ! 

لا أستطيع البقاء أكثر ، الوضع في ساحة القتال حرج جدًا !”


: “ ولماذا عليّ أن أرحل ؟”


: “ السيد الشاب شو أرجوك، ارحل ! أتوسل إليك ! 

كيف يمكن للقائد أن يقاتل مطمئنًا وأنت ما زلت هنا ؟!”


ما إن سمع ذلك ، حتى حدّت عينا شو هانغ فجأة ، وحدّق 

مباشرةً في تشياو سونغ وقال كلمةً كلمة:

“ لن أرحل ! موطني دُمّر ، ولا سبب لديّ لأغادر ههتشو مجدداً 

عودة أو فناء ، أنا سيّد حياتي 

ارجع وأخبر دوان ييلين أنني لن أغادر ههتشو أبدًا

من الولادة إلى الموت ، قراري بيدي ،

وقل له… أن يعتني بنفسه .”

 

: “ السيد الشاب شو!” مدّ تشياو سونغ يده ليمنع شو هانغ من إغلاق الباب :

“ أنا هنا بأوامر القائد ! إن لم تغادر ، فسأضطر إلى ضربك 

حتى تفقد الوعي وأحملك على ظهري !”


لكن ما إن خرج هذا التهديد ، حتى تقدّم شو هانغ خطوتين أو ثلاثة فجأة وانتزع المسدس من خصر تشياو سونغ

و أزال صمام الأمان ، وحشره في يد تشياو سونغ ثم وضع 

فوهته على جبينه :

“ إذًا اقتلني… وخذ جثتي معك "


: “ هـ… هذا… اهدأ… اهدأ قليلًا…” ارتعب تشياو سونغ إلى 

حدّ أنه بدأ يسحب يديه مرارًا وتكرارًا


لم يقل شو هانغ شيئ ، بل دفعه خارج الباب مباشرةً ، 

ثم أغلقه بسرعة وأحكم قفله ، من دون أن يمنحه أي فرصة للرد


و مشى بخطوات ثابتة نحو عمق الحديقة ، غير مهتم بصراخ تشياو سونغ في الخارج


“ السيد الشاب شو! السيد الشاب شو! اسمعني ! 

هذا ليس مزاحًا … السيد الشاب شو !”


ظلّ تشياو سونغ يطرق الباب بعنف ويصرخ مدة نصف 

فنجان شاي ، لكن في النهاية لم يكن بوسعه سوى 

الاستسلام ، وسرعان ما خيّم الصمت من جديد


————



مع حلول الليل ، 

أصبح دويّ إطلاق النار أكثر وضوحاً من ذي قبل ، متواصل 

بلا انقطاع — كان المرء ليتساءل حقًا 

هل أولئك الذين يصنعون القنابل لا يحتاجون إلى المال؟ 

أم أن لهذا السبب يهدرونه بلا حساب ؟


و على الرغم من الظلام الدامس ، بدا الأفق البعيد كأنه 

مغطّى بطبقة من الاحمرار ، و ألسنة اللهب ترتفع إلى السماء ، فتجعل القلوب ترتجف من شدّة الخوف


في هذه الليلة لم تكن لدى أحد شهية للطعام ، ولم يستطع 

أحد أن ينام في النصف الثاني منها

و سحب الراهب الصغير مقعد وجلس في الفناء يحدّق في النجوم


أخذ شو هانغ قطعة من الملابس وألقى بها على كتفيه ، ثم جلس إلى جانبه


قال الراهب الصغير بصوت مرتجف :

“ الأخ شو… أنا خائف جدًا… هذا الصوت يشبه الرعد "


ثم خبأ رأسه في صدر شو هانغ وبدأت كتفاه ترتجفان بخفّة


ربّت شو هانغ على رأسه الأصلع 

{ هذا الطفل لا يزال صغير جدًا ، ومع ذلك عاقل على نحو مؤلم …

يحاول جاهدًا ألّا يبكي .. }


لم يسبق لشو هانغ أن اعتنى بطفل من قبل ، ففكّر قليلًا ثم سأله :

“ هل تحب الألعاب النارية ؟”


: “ نعم "


: “ إذًا اعتبر هذا كله ألعاب نارية يشعلها الناس في مكان 

بعيد ، و عندها لن يكون الأمر مخيف .”


فكّر الراهب الصغير بالأمر ، ووجد أن ذلك صحيح فعلًا

شعر براحة أكبر ، فأخرج رأسه وسأل بعينين واسعة :


“ الأخ شو الجميع غادروا المدينة ، لماذا لا تغادر أنت ؟

أنا أريد البقاء لأن قبر معلمي هنا، والمعبد هنا أيضًا ،

لا أريد الذهاب إلى أي مكان ، 

وأنت ؟ هل لأن لك والدين هنا ؟”


ساد الحزن وجه شو هانغ : “ لا "


: “ إخوة أو أخوات؟”


: “ لا "


: “ أصدقاء ؟”


: “ ليس لدي "


: “ إذًا… إذًا…” احتار الراهب الصغير حقًا، وفي النهاية ضرب رأسه بخفة :

“ إذًا من تحب ؟ 

مثل… مثلما أحبك أنا، وأحب الأخت تشان يي.”


لم يُجب شو هانغ فورًا ، فرفع الراهب الصغير رأسه ينظر إليه بفضول


رفع شو هانغ عينيه إلى السماء


النجوم تلمع كأنها آلاف العيون تحدّق فيه


لم يسمح لنفسه أن يكذب تحت هذه النظرات


مدّ يده ، وعانق الراهب الصغير على صدره ، وربّت على ظهره بلطف :

“هل تعرف لماذا يكون كثير من الرجال الأقوياء مستعدين 

للقتال في المقدمة حتى لو ماتوا في ساحة المعركة ؟

بالنسبة لبعض الناس ، الأمر دفاع عن الوطن ، لكن هذا تفكير قلّة قليلة ذوي طموح عظيم

أما لعشرات الآلاف من الجنود ، فغايتهم صغيرة جدًا… 

أن يحموا من يحبّون .”


شعر الراهب الصغير براحة شديدة تحت يد شو هانغ

و شيئًا فشيئًا ، لم يعد الضجيج مخيفًا


و بدأ النعاس يتسلل إليه ، وكانت كلمات شو هانغ تدور في أذنيه ، لكنه لم يفهمها حقًا


تابع : “ عندما يقاتلون حتى تلطّخهم الدماء ، يستطيعون أن 

يلتفتوا ويروا اتجاه بيوتهم — 

حياة أحبّتهم معلّقة على جدرانهم من لحم ودم، لذا 

يشدوّن على أسنانهم ويقاتلون حتى الموت ،

لكن إن كانوا يدافعون عن مدينة خالية ، بلا أي تعلّق … 

فسيحرقون سفنهم ، ويموتون معاً ، ليصبحوا مجرد كومة 

رمل في ساحة المعركة .”


تنهد شخص ما في رياح الليل 


: “ لا بدّ للإنسان أن يكون لديه ما يخشاه ، وما يتطلع إليه ، 

حتى يقاتل ليعود حيًّا .”


و عند هذه الكلمات ، كان الراهب الصغير قد بدأ يشخر بهدوء 


النجوم في السماء صامتة ، لكنها تلمع بسحرٍ أشد


ابتسم شو هانغ ابتسامة خفيفة ، وحمل الطفل النائم بين 

ذراعيه ، وجلس بصبر في الفناء 


كان يحرس هذا الليل الطويل المقفر ،

وهذه الحديقة المهجورة ،

وهذه المدينة العتيقة المتروكة …...


ويخوض حربًا… بلا نهاية معروفة ….


يتبع


فهمتوا صح —- خزان أحزان —- 

  • فيس بوك
  • بنترست
  • تويتر
  • واتس اب
  • لينكد ان
  • بريد
author-img
Fojo team

عدد المقالات:

شاهد ايضا × +
إظهار التعليقات
  • تعليق عادي
  • تعليق متطور
  • عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق

X
ستحذف المقالات المحفوظة في المفضلة ، إذا تم تنظيف ذاكرة التخزين المؤقت للمتصفح أو إذا دخلت من متصفح آخر أو في وضع التصفح المتخفي