Ch156 GHLCS
الراية العسكرية هي روح الجيش —-
وعندما تسقط الراية ، فهذا يعني نهاية الحرب —-
{ خسروا… خسروا }
و عاد الصداع يهاجم شو هانغ
أمسك بإطار الباب وهو يتنفس بصعوبة ، وتقدم خطوتين
إلى الخارج ، ثم اصطدم فجأة بشخصين كانا يركضان بجنون و سقط الثلاثة معًا على الأرض
أحدهما يرتدي زيّ الجيش التابع لـ دوان ييلين ، ومن رتبته بدا جندي عادي
جيوبه مليئة بساعات وخواتم ذهبية وأشياء أخرى ، وقد
ارتسم الرعب على وجهه، وعليه جروح واضحة
أخذ يعيد ما سقط من جيوبه بارتباك ، حركاته ملتوية
ونظرته زائغة ، كأنه فقد توازنه العقلي
و حين لاحظ نظرة شو هانغ ، صرخ فيه بشراسة :
“ ما الذي تنظر إليه ؟!
إن نظرت مرة أخرى ، سأطلق عليك النار !”
فجأة أمسك شو هانغ بمعصمه وقال:
“ أأنت… أأنت جندي دوان ييلين ؟ لماذا أنت هنا ؟
هل… هل انتصرتم في المعركة ؟”
: “ اتركني !”
كان أحد الجنديين منشغلًا بالتقاط الخاتم الذهبي ، بينما
الجندي الذي أمسكه شو هانغ تمتم وهو يرتجف:
“ أي معركة ؟
اليابانيون سيدخلون المدينة قريبًا… أنا لا أريد أن أموت…”
حدّق شو هانغ فيه :
“ أنت هارب ، أليس كذلك ؟ هربت من… من ساحة القتال ؟”
بدا أن الهارب قد تعرف على شو هانغ ، دحرج عينيه ساخرًا وقال :
“ آهاا … كنت أتساءل من تكون — اتضح أنك أرنب القائد دوان هاه ؟
يا لها من صداقة عميقة ... لم تهرب حتى عندما اندلعت الحرب .”
وبعد سخريته ، همّ بالمغادرة
عندها اشتعل غضب شو هانغ فأمسك بياقته، ودفعه إلى
الحائط ، وقبض على عنقه :
“ أنا أسألك ! أجبني !”
عندها فقط أدرك الهارب أنه ورّط نفسه
حاول سحب مسدسه ، لكن شو هانغ ضغط على معصمه بقوة
في هذه اللحظة فهم أن هذا الشاب النحيل يملك قوة مخيفة
تغلبت غريزة البقاء عليه ، فبدأ يتوسل فورًا :
“ أ-أنا لا أريد أن أموت !
لدي زوجة وأطفال في البيت !
على أي حال… على أي حال هناك الكثير من الجنود ،
لن يفتقدوا واحد مثلي !
دعني أذهب… أرجوك دعني أذهب …”
أما الشخص الآخر فحاول هو أيضًا إخراج سلاحه ، لكن شو هانغ ركله بعيدًا
وعندما رأى الهارب أن الوضع يزداد سوءًا ، ترك رفيقه خلفه
دون كلمة واحدة ، وفرّ هاربًا ، غير آبه حتى بالمال الذي سقط منه
شو هانغ غارق في نية قاتلة ، وقال ببرود :
“ أخبرني ، أين دوان ييلين ؟
من المستحيل أن يكون تحت قيادته حثالة مثلك .”
شعر الهارب المتبقي بقرب الموت ، أو لعل ما رآه في ساحة
المعركة قد شوّه عقله قليلًا ، فضحك وقال:
“ القائد دوان… القائد دوان كان قويًا فعلًا ، أليس كذلك؟
لكنه مات في النهاية… أنا لست غبيًا ، لا أريد أن أفجّر نفسي
مثله وأموت دون جسد كامل !
لا أريد أن أُدفن مع هذه المدينة الخربة !”
وبعد أن أنهى كلامه ، انفجر ضاحكًا ، لكن ضحكته كانت
غريبة ومجنونة ، كضحكة مختلّ عقلي
ما إن سمع شو هانغ ذلك حتى ارتخت يداه فورًا
شحب وجهه حتى صار أبيض كالورق ، ونظراته تاهت ، كأنه لم يفهم ما قيل له
تشنجت أعضاؤه الداخلية ، وشُلّت عضلاته وعظامه ،
وبدأت اليد التي تمسك بالسلاح ترتجف من تلقاء نفسها،
خارجة تمامًا عن سيطرته
{ أن يموت دون جسد كامل —-
أن يموت دون جسد كامل —-
أن يموت دون جسد كامل —- }
كانت هذه الكلمات الأربع سامة ، كالشياطين والأشباح التي اقتحمت عقله ،
تدور فيه بلا توقف ، وتترك شو هانغ يعاني صداعًا يمزّق رأسه
“…خسر؟ مات؟” تمتم شو هانغ
خاف الهارب أن يعود ليخنقه ، فبدأ يومئ برأسه بجنون ، بل وزاد يؤكد قائلًا :
“ رأيته بعيني يُفجَّر ويموت — أقول لك —- ههتشو انتهت
لقد حسمت أمري و الطريقة الوحيدة للنجاة الآن هي
الاستسلام لليابانيين… هههه … نعم ، اليابانيون…”
كان هذا مقززًا فعلًا
فأطلق شو هانغ رصاصة على الحائط بجانب رأسه، فتساقط
الغبار وظهر ثقب كبير في الجدار
و حين أدرك الرجل أن شو هانغ مستعد فعلًا للقتل ، توتر الجو على الفور
: “ قائدك مات ، وأنت ما زلت حيًا ”
ارتجف الهارب من رأسه حتى قدميه ، وأفرغ كل ما في
جيوبه من ذهب وفضة وحُلي، ثم جثا على ركبتيه وقال:
“ أ-أنا مخطئ ! سأعطيك كل هذا !
اعفُو عني… أرجوك اعفُو عني ! أرجوك ! وإلا…
وإلا فسأعوّض ذلك — سأعود إلى ساحة المعركة الآن!”
ضغط شو هانغ فوهة المسدس مباشرةً على جبينه ،
وشد على أسنانه بقوة ، كأنه يسحق جذورها ، ثم عصر كلماته عصرًا :
“ وهل سينفع هذا ؟
بسبب أوغاد مثلك خُسرت هذه المعركة !”
كاد الهارب يبلل نفسه رعبًا
خُيّل إليه أنه يرى عيون رفاقه القتلى في ساحة القتال
مفتوحة تحدق فيه ، فسرت قشعريرة في ظهره ، وقال بصوت مرتجف :
“ طالما لن تتركني أموت ، فـ… فدعني أفعل أي شيء
أنا مستعد لكل شيء !”
بدأت تنساب رائحة مريبة خفيفة ، لقد بلّل الهارب بنطاله ،
وبكى بانهيار مقزِّز
أنزل شو هانغ مسدسه ببطء ، ورفع رأسه ينظر إلى الشمس
المعلّقة في السماء وقال:
“ قلتَ للتو… إنك تريد الاستسلام لليابانيين أليس كذلك؟”
: “ لا، لا، لا!” وبدأ الرجل يصفع وجهه بنفسه : “ كنت أثرثر !
أنا أراجع نفسي ! أنا مخطئ !”
وحين رأى أن خدّي الجندي تورّمت ونزفَت لثّتاه، قال شو هانغ بهدوء :
“ إذًا اذهب .”
لم يجرؤ الهارب على التقاط أنفاسه ، وظل يحدّق في شو هانغ بعينين واسعة
وبعد مراقبة حذِرة ، نهض ببطء واستعد للهرب
لكنه ما إن ركض بضع خطوات حتى اخترقت رصاصة مؤخرة رأسه
سقط على الأرض وعيناه مفتوحة … مات وعيناه مفتوحة
و خلف الجثة الساقطة ، شو هانغ يمسك بالمسدس الذي انتزعه منه
تناثر الدم على نصف وجهه ، صوته بارد كقاع الهاوية :
“ الخونة الهاربون من ساحة المعركة… موتهم ليس خسارة .”
جذبت رائحة الدم عند مدخل جينيان تانغ بعض الذباب،
و غراب يقف على السور
و كأن روحه قد سُلبت ، تخطّى شو هانغ الجثة ودخل جينيان تانغ مترنّحًا ، كطفل نسي فجأة كيف يمشي
بصره مشوّش وفارغ
يكبت في صدره غضب خانق ، كأن قنبلة سامة مزروعة في قلبه ، جاهزة للانفجار في أي لحظة
مشى بضع خطوات بيأس ، ولم يلاحظ حتى تشان يي
الواقفة أمامه بقلق ، فواصل التقدّم بلا وعي
رأت الدم على وجهه والمسدس في يده ، فارتفع حاجبا تشان يي وقالت بقلق:
“ سيد العائلة ؟ سيد العائلة انتبه لي! ما بك؟
سيدي الشااااب ! سيد العائلة !”
شدّته ونادته ، لكنه كآلة فقدت السيطرة تمامًا
لم يسمع ولم يجب ، بوجه بارد وعينين شاردة ، اندفع إلى الأمام بلا تمييز
تابعته تشان يي وهو يمشي ، تركض خلفه وتدعمه وتحميه ،
خوفًا من أن يسقط أو يصطدم بشيء ، حتى وصل معها إلى حديقة تشييوان
و ما إن تجاوز العتبة حتى سقط إلى الأمام
اندفعت تشان يي وأمسكته بقوة ، فسقطا معًا على ركبتيهما
— تقيؤ
تقيأ كمية من الدم على طريق الحصى
“ سيد العائلة !”
“ سعال، سعال… سعال…!” و لم تكن مرة واحدة كافية ،
و تقيّأ الدم عدة مرات متتالية
و كان في الدم لمحة سواد خفيف
انحنى شو هانغ وهو يتقيأ حتى اصطدم رأسه بالأرض ،
ارتجف ظهره كله وارتعشت كتفاه ، وتشنّج بطنه
لم يكن ما يخرجه كثيرًا في كل مرة ، لكنه كان يشعر كأنه
يسعل روحه
لم تجرؤ تشان يي حتى على الربت على ظهره ، ولم تعرف
أين تضع يديها : “ ما الذي يحدث ؟ ما الذي يحدث ؟
سيدي الشاب … أرجوك ، أرجوك لا تُخِفني …”
حين كان شو هانغ يتقيأ الدم ، شعر أن الدم لا يخرج من
معدته ، بل من قلبه ، لأن قلبه كان ينقبض ، والألم يزداد شدة
{ الأمر غريب فعلًا ،،،، فهذه ليست المرة الأولى التي أُواجه فيها الموت …
لقد رأيت مشاهد أبشع بكثير حين أُبيدت عائلتي كلهم
ذقت منذ زمن طويل ألم الفراق بين الحياة والموت
فما المختلف هذه المرة ؟ }
لكن هذه المرة كانت مختلفة بوضوح
فكل جزء من جسده ، حتى شعره ، كان يصرخ ألمًا
وأثناء سعاله ، انقطع السلسال حول عنقه بلا سبب ،
وسقطت قلادة الفراشة في بركة الدم
أثر تركته له أمه و أخفاه دوان ييلين من أجله ، وبسببها
ضُرب من عمّه تشياو داوسانغ
التقط شو هانغ القلادة وأمسكها في كفه
{ القلادة ما زالت هنا ، لكن ذلك الشخص… رحل }
: “ ها… ها…” بعدما تقيأ كل ما فيه ، استدار وسقط على
طريق الحصى ، محدقًا في الشمس
ذهنه فارغ ، وطعم المرارة يملأ فمه
مسح بقبضته الدم ورفعها أمام عينيه : “… هذا رائع فعلًا "
لم تفهم تشان يي ما يحدث ، وكانت في غاية القلق :
“ أنت مريض وتهذي ... ما الذي هو رائع ؟ هل عاد إدمانك؟
كنت بخير قبل قليل…”
ارتفع صدر شو هانغ وهبط بعنف ، وشعر بحرارة في حلقه
ورغم أنه غطّى فمه في الوقت المناسب ، إلا أن الدم تسلل
بين أصابعه ، وانساب الدم على عنقه
هزّ رأسه : “…لا بأس… أنا… شُفيت… تمامًا…”
كان يعلم أنه شُفي — في هذه اللحظة ، شُفي كليًا —-
لأن شيئًا أشد ألمًا من الإدمان قد ظهر بالفعل
حين كان مدمنًا ، كان يتمنى الموت فورًا
أما الآن ، فلم يعد يريد حتى أن يموت
حتى الأشباح لها وعي
يتمنى فقط أن ينزل عليه عقاب من السماء ، يمحو روحه في
لحظة ، من دون أن يترك رمادًا أو نفسًا
{ فهكذا… لن يؤلمني }
كان ممددًا على طريق الحصى الذي سخنته الشمس حتى
احترق جلده قليلًا
لم يرغب أن يتحرك ، ولم يستطع النهوض
شعر كأنه شجرة ميتة منذ ألف عام في صحراء لا نهاية لها ،
أو كجلد إنسان يابس ، يتمايل تحت شمس حارقة ورياح قاسية ، بلا روح
{ هل أسمع بكاء ؟ من الذي يبكي ؟
كأنه صدى آتٍ من القرن الماضي .. }
مدّ يده ليغطي عينيه ، لكنه لم يبكِي
كانت محاجره جافة ومؤلمة ، كأن الرمل دخلها
{ آوه… إنها تشان يي … }
غطّى شو هانغ عينيه وقال بصوت واهن :
“ تشان يي… حتى هو رحل "
تجمدت تشان يي في مكانها : “سيدي الشاب ؟”
وبعد لحظة أدركت فداحة الخبر ، فغطّت فمها بعدم تصديق : “ أنت لا تقصد… دوان… لا، لا يمكن !”
ذلك الدوان ييلين المتغطرس ، الذي حبسه أربعة سنوات،
وسحق اليابانيين ، وأرعب الأعداء المتربصين بههتشو
وأجبر الأجانب المتعجرفين على الانكسار والخضوع…
الجميع كان يظنه إله حرب لا يُقهر
وحتى شو هانغ كاد يصدق ذلك ، يظنه لا يُهزم أبدًا ،
أو قادرًا دائمًا على قلب الهزيمة إلى نصر
{ كيف يمكن أن يموت هكذا ببساطة ؟ }
و فهم شو هانغ فجأة السبب
{ لقد كنتُ فعلًا أكثر الناس شؤمًا —- كل من يرتبط بي ،،،،
لا بد أن تكون نهايته سيئة … }
ضحك —- تشققت شفتاه ،
وتسرب الدم
كان المشهد موجعًا للقلب
: “…رحلوا… كلهم رحلوا… ههههه… أخبريني ، ما الفرق بيني وبين متسول ؟”
: “ سيدي الشاب أنا ما زلت هنا ! لن أتركك !”
لكن هذا التعهد الجاد لم يعد له أي معنى في أذن شو هانغ
الشمس الحارقة سلبت الرطوبة من جسده ، و سلبت حيويته
ومع مرور الوقت ، ظل ممددًا بلا حراك ، كجثة
وبعد زمن طويل ، خرج صوته المبحوح كأنه ضجيج قادم من عمق قبو — ونبرته المكبوتة كآخر ذيل لصوت آلة إرهو
لم يكن هذا ما ينبغي أن يكون عليه إنسان حي، بل يأس وضياع كاملين
: “… تشان يي ساعديني في جمع أغراضي "
: “ ماذا تريد أن تفعل ؟”
: “ أريد أن… أصعد إلى السجادة الحمراء مجدداً .”
———
في النهاية ، انتصر اليابانيين في هذه المعركة
و في خيمة الحرب اليابانية ،
الجنرال الياباني كوروميا نانيوا يحصي خسائر المعركة
ويعقد اجتماع مع سبعة من مساعديه ، ومشاعره مختلطة :
“ في هذه المعركة كانت خسائر جنود إمبراطوريتنا اليابانية فادحة جدًا
لولا أننا انتصرنا في النهاية ، لكنتُ قد ارتكبتُ السيبوكو لأشكر الإمبراطور !
كم بقي لدينا من المؤن والذخيرة ؟”
خرج مئة ألف جندي إلى ساحة القتال ، ولم يبقَى منهم الآن
سوى أقل من ثلاثة آلاف
مجرد ذكر هذا العدد أمام الآخرين يبعث على الخزي
أجاب أحد المساعدِين فورًا : “ لقد نفذت القنابل تمامًا ،
واستخدمنا آخر ما لدينا من رصاص للتعامل مع الأسرى .
لكن لا تقلقوا ، فالذخيرة التي اشتريناها من الولايات
المتحدة في الطريق ، وستصل إلى ههتشو الليلة .”
كوروميا نانيوا : “ حسنًا ، دوان ييلين ميت على أي حال ، وجنوده إما قُتلوا أو هربوا ،
لا فرق إن كان لدينا سلاح أم لا … ” أناني إلى أقصى حد
لا يفكر إلا في سلامته — و بعد أن حشا مسدسه
بالرصاصات الثلاث الوحيدة التي يحملها ، نهض وشدّ
بنطاله وقال : “هيا ندخل المدينة ونبحث عن مكان ،
الليلة يجب أن نحتفل !”
العودة من نصر عظيم تجعل المرء راغبًا في حياة من السكر واللهو
وبينما يتحدثون ، دخل جندي من الخارج : “سيدي الجنرال،
يوجد جندي صيني يريد مقابلتك .”
{ جندي صيني ؟ أليسوا مجرد أسرى؟ } فكر كوروميا نانيوا قليلًا ، ثم ضحك وقال لمساعده : “ انظر ! يا لها من صدفة !
كنا نفكر أين نحتفل ، وها هو شخص يأتي إلينا بنفسه . لنسأله .”
ابتسم المساعد باعتذار : “ فكرة ممتازة ، لكني سمعت أن
مئات المدن حول ههتشو أصبحت خالية
لا نعرف أين نذهب .”
عاش كوروميا نانيوا في الصين سنوات طويلة ، وكان مطلعًا على شؤونها
شبك يديه خلف ظهره ، وقال بنبرة يملؤها الحنين :
“ أتيتُ إلى ههتشو قبل بضع سنوات — وقتها كان يوجد
رجل صيني ذكي جدًا ، بارع في التجارة ، لقبه جين —-
و كانت لعائلته حديقة جميلة ، وكان لديهم شاب يجيد غناء الأوبرا الصينية
أنت تعلم أنني أحب الأوبرا الصينية كثيرًا ، لكن للأسف
خسرتُ أمام دوان ييلين حينها ، وغادرت ههتشو قبل أن
أُكمل الاستماع ،
بعد عودتي إلى اليابان عقدتُ العزم على انتزاع ههتشو من
دوان ييلين من جديد !
واليوم ، أخيرًا ، نلتُ ما أردت !”
فكر المساعد قليلًا ، ثم أصدر أمره : “ لا تدعوا ذلك
الشخص يدخل بعد !”
دخل الجندي الهارب إلى الخيمة بوجه متملق ، وما إن رأى
كوروميا نانيوا حتى انحنى بعمق وقال : “ سيدي ! سيدي !
أبارك لكم النصر ! جئتُ خصيصًا لتهنئتكم !”
: “ أتيتَ خصيصًا لرؤيتي . إن لم يكن لديك ما يستحق ، فسأعاملك كأسير .”
ابتسم الهارب حتى تجعد وجهه : “ جئتُ لأستسلم لكم!
حكمتكم وشجاعتكم تفوقان بكثير ذلك الدوان ييلين
أنا معجب بكم أشد الإعجاب — أرجو أن تسمحوا لي بخدمتكم !”
هذا الرجل هو نفسه الذي هرب من شو هانغ
في الأصل كان ينوي الهرب وحده ، لكنه غيّر رأيه لاحقًا
أدرك أنه لن يذهب بعيدًا بمفرده ، وأنه إن وقع في يد
اليابانيين فلن ينجو — فقرّر أن يجرب حظه
وخاصةً حين رأى شو هانغ، تبلورت في ذهنه خطة جديدة
كوروميا نانيوا يعلم أن أغلب الصينيين ماكرون ، لكنه لم يكن أحمق
و بنظرة واحدة أدرك أن هذا الرجل مجرد تابع حقير ،
من أولئك الذين يقفون على السياج ويميلون حيث تميل المصلحة ، بلا مبدأ ولا ذكاء
لم يكن من النوع القادر على حبك المؤامرات ، فاطمأن قلبه على الفور :
“ أنت؟ ههههه … وما الذي تجيده ؟”
قال الهارب بسرعة متملقًا:
“ أعلم أن سيدي قد انتصر ، ولا بد أنكم تبحثون عن مكان للاحتفال !
لا يوجد في هذه المدينة مكان يليق بكم سوى جينيان تانغ
يوجد شخص لا يزال يقيم فيه ، وهو ليس شخصًا عادي .
حتى القائد دوان كان يحب الاستماع إلى غنائه للأوبرا ،
أظن أن هذا المكان هو الأنسب لتكريم سيدي !
أرجو أن تعفوا عني لقاء هذه الخدمة !”
لم يتوقع كوروميا نانيوا أن تأتيه الأمور بهذا التوافق الغريب —- ما كان يفكر فيه تحقق فورًا :
“ أوه ؟ هل السيد جين هو من أرسلك ؟”
انحنى الهارب ككلبٍ تابع :
“ السيد جين؟ لا… السيد جين مات قبل سنوات —
هذا الرجل هو المالك الحالي للحديقة —
وكما تعلم دوان ييلين احتل ههتشو لسنوات طويلة ،
وبالطبع سيطر على هذا المالك أيضًا —-
لقد كان المالك مكرهًا أشد الإكراه !
إلى أن جاء سيدي اليوم وأنقذنا من هذا المصير !”
هذا الهارب يملك قلبًا أسود حقًا — فقد كان حاضرًا حين
وقعت مذبحة جينيان تانغ وكان يعرف شيئًا عن ماضي شو هانغ
ورغم أن هذه المجموعة قد تم نفيهم لاحقًا إلى أطراف
بعيدة بأمر دوان ييلين ، إلا أن الهرب من ساحة القتال لم يكن أول مرة يفعلها
فقد سبق له أن هرب من وحدة أخرى ، وقتل جندي بلا أب ولا أم وانتحل هويته ليبقى حيًا ، ثم عاد إلى ههتشو بعد تقلبات كثيرة
لم يتخيل أبداً أن هذه التفاصيل التافهة ستنقذه في مثل
هذا اليوم ، فمضى ينسج الأكاذيب ويمطر كوروميا نانيوا بالتملق :
“ ههتشو الآن مدينة خالية ، ولا مكان يليق بإقامتكم سوى حديقته —-
سواءً أحببتم الاستماع إلى ‘ المحظية السكرانة ’، أو ‘ربيع قاعة اليشم’، أو ‘عشاق الفراشات’، فستستمتعون الليلة كما تشاؤون !
ما رأيكم أن تستعدوا ، وأنا أتولى قيادتكم ؟”
تحمس كوروميا نانيوا بما سمع ، لكنه شعر بقليل من الريبة ،
{ أليس هذا الاهتمام مبالغًا فيه ؟ هل هي حيلة ؟ }
لكنه ما لبث أن فكّر ثانية — { قائد ههتشو مات ، والجيش
الياباني يعاني نقص الذخيرة والمؤن ، أما الجيش الصيني فقد انهاروا تمامًا
وحتى لو كان خداعًا ، فماذا يستطيع ممثل أوبرا ومجموعة من العزّل أن يفعلوا ؟ }
اقترب المساعد وهمس في أذنه :
“ سيدي الجنرال ذلك الرجل صاحب الحديقة لم يهرب من المدينة ، بل بقي ليستقبلنا —-
يبدو صادقًا في رغبته بالاستسلام لإمبراطوريتنا اليابانية
وإلا لكان هرب منذ البداية ——
وإن أعجب الجنرال به، يمكننا أخذه معنا إلى اليابان
حينها ستستمع إلى الأوبرا كل يوم ، أليس كذلك ؟”
ضحك كوروميا نانيوا بصوت عالٍ ، وربت على المسدس في
جيبه ، وقد اطمأن قلبه ، ثم خرج وهو يقول :
“ حسنًا !
ليس من المناسب أن يدخل الجيش بأكمله إلى المدينة .
ليبقَى الآخرون في مواقعهم . أيها المساعد ، خذ فريقين ،
ولنذهب نستمتع قليلًا !”
يتبع
تعليقات: (0) إضافة تعليق