Ch157 GHLCS
أُضيئت أنوار المسرح في تشييوان من جديد ، وارتفعت الستارة ——
دخل اليابانيون الحديقة علنًا ، كأنهم يدخلون فناءهم الخلفي
جالوا في المكان وهم يصرخون ويضحكون ، من دون أن
يلقوا أي اعتراض من صاحب الحديقة
نُقلت آلة الغرامافون الكبيرة من القاعة الجانبية ،
ووُضعت أسطوانة أوبرا
المقدّمة طويلة — و أُخرجت كل براميل الخمر من القبو ،
وتعالت الضحكات
أخذ كوروميا نانيوا رشفة من كأسه ، وجلس ينتظر ظهور البطل
…
في غرفة الملابس خلف المسرح ،
شو هانغ قد انتهى من الزينة — وضع مكياج الأوبرا عملية
دقيقة للغاية : تمليس الوجه بالبودرة ، رسم الحواجب ،
شدّ غطاء الرأس ، ارتداء الأزياء…
و كل خطوة تستغرق ساعة أو ساعتين
لُصقت قطع الشعر الدائرية على جبينه ، وانتشر لون
الحمرة عند زوايا عينيه ، والتصق المسحوق والحبر بجلده الشاحب
جمال غير حقيقي ، جمال متقن إلى حدّ الإبهار
لم يكن شو هانغ ينظر إلى مكياج المسرح بجدية من قبل
و كان يُجبر عليه ، ولم يكن يطيق أن ينظر إليه ولو لثانية
لكن اليوم —- حدّق طويلًا في المرآة ،
مدّ يده إلى علبة دهن الشفاه ، غمسها ، فتلألأت شفتاه
بالأحمر القاني ، كأن فيهما مسحة دم
هيئة آسرة ، وجسد عليل
تقدّمت تشان يي و مشّطت شعره الطويل ، وكان تنهدها أطول من خصلاته
شو هانغ بهدوء :
“ تشان يي، اذهبي أنتِ ... سأفعل الباقي بنفسي .”
نهض ، ومشى ببطء إلى خلف الستار ، أخذ المروحة
المذهّبة من يد تشان يي — فتحها ، فإذا باثنين من زهور
الفاوانيا مرسوم عليها
و مرّر أصابعه النحيلة عليها ، ثم رفع الستار وصعد إلى
الخشبة على وقع الموسيقى —-
و صفّر اليابانيون صفير الإعجاب
المسرحية الأولى [ المحظية السَكرانة ]
بدأت عجلة الجليد على الجزيرة بالدوران ، وظهر الأرنب اليشمي
بزغ الأرنب من الشرق ، وغادرت عجلة الجليد الجزيرة ،
فأضاء العالم على نحوٍ خاص
شو هانغ قادر على أداء أي نوع من الأوبرا
أتقن أوبرا بكين ، وأوبرا يوي ، وأوبرا كونتشيو
و كان دوان ييلين يحب الاستماع إلى غنائه ، لكنه لم يحظَى بسماعه مرات كثيرة
{ والآن —- لن يسمعني بعد اليوم ... لم تعد هناك فرصة }
تقلّبت الأكمام ، وضيّق كوروميا نانيوا عينيه وصاح :
“ جيد !”
كان ملمًّا بقواعد الأوبرا ، يعرف متى يهتف ومتى يصفّق
{ بقاء مثل هذا المؤدي الرائع على قيد الحياة نعمة من السماء !
ولو أُتيح لي الفرصة حقاً —- سأصطحبه بالتأكيد إلى ما
وراء المحيط ، ليغني ويرقص مع آلة الغيشا وأجلس أشاهده }
كان العرض ممتع إلى حدٍّ مفرط ؛
من [ المحظية السَكرانة ] — إلى [ حلم في الحديقة ]
ثم [ إعدام سو سان ]
هؤلاء الجنود القادمون من بلاد مجاورة افتتنوا بسحر
الصين الغامض والجميل
رائحة الخمر ملأت أبصارهم ، فبدأوا يهزّون رؤوسهم ،
ممتنّين لأنهم ما زالوا أحياء
رمى كوروميا نانيوا إبريق الخمر نحو الخشبة ، فسقط عند
قدمي شو هانغ مباشرةً ، وقال ضاحكًا :
“ تغنّي جيدًا —- هيا ، تذوّق خمرنا الياباني ، وبعد أن تنتهي
اشربه وغنِّ لي ' عشّاق الفراشات ' "
كوروميا نانيوا يفكّر في هذه المسرحية منذ سنوات طويلة،
ولم يبقَى له سوى الاستماع إلى مشهد البكاء عند القبر
انحنى شو هانغ — التقط إبريق الخمر ، فتح الغطاء وأخذ رشفة
لم يكن حلوًا كالنبيذ الصيني — أومأ برأسه ، وعلى وجهه ابتسامة خفيفة
— تبدّلت الأسطوانة ، هذه المرّة أوبرا يوي — بلحن حزين إلى حدٍّ موجع
و على المسرح ، تحوّل شو هانغ إلى تشو يينغتاي
عينان حزينة فارغة ، تحدّقان في المسافة
ركع ببطء على الأرض ، وسحب من كمّه المروحة المذهّبة ،
كفراشة انكسرت أجنحتها
“ أبي يُجبرني على الزواج — عربة الزفاف الحمراء الفخمة عند الباب ،
الأخ ليانغ ذهب من أجلي ،
كيف يمكنني الذهاب إلى عائلة ما مرتدية فستان الزفاف هذا ؟ "
تسارع جريان مياه نهر شيبي — ارتجف شو هانغ قليلًا ،
ولوّح بالمروحة في يده كجناحي فراشة ، ثم أمال رأسه بخفّة :
“ الأخ ليانغ — سأشيخ إلى جانبك — سأمسك يدك إلى الأبد
بجوار شاهد القبر الأسود ، سأضع شاهدًا أحمر ،
حتى تجفّ البحار وتفنى الصخور ، سأرافق ليانغ شانبو في الحياة والموت—”
كانت الصرخة الأخيرة حادّة ، عالية إلى أقصى حد —
نافذة بقوة مذهلة ، كأن قلب ممتلئ بكل هذا الوجع لا يجد
متنفسًا له إلا في هذا الصوت الواحد
صفّق كوروميا نانيوا ، وشارد ذهنه { كم سيكون رائعًا لو أن
شخص بهذه الرشاقة ، مرتديًا هذا الزي البهيّ ، يغنّي بين ذراعي }
وبينما يغرق في هذا الخاطر ، اعتدل في جلسته ، وهمّ أن
ينادي شو هانغ للنزول ، فرأى فجأة المروحة المذهّبة أمام
شو هانغ تُغلَق ببطء ، ويظهر من خلفها فوهة سوداء لبندقية ——
محاولة اغتيال ——-
سحب كوروميا نانيوا مسدسه من جيبه فورًا ، وأطلق
رصاصة وهو يرتمي جانبًا
تداخل صوتا الطلقتين ، فبديا نشازًا قاسيًا في هدوء حديقة تشييوان
خفَض كوروميا نانيوا رأسه ونظر ، فرأى الرصاصة قد أصابت
الأرض عند قدميه ، بفارقٍ ضئيل للغاية — نجا بأعجوبة
تدحرج شو هانغ بسرعة ، ثم قفز عن المسرح ، ووقف في
مساحة مفتوحة تبعد نحو عشر خطوات أمام كوروميا نانيوا
مدّ يده ، نزع تاج الرفراف عن رأسه ومزّقه ثم رماه بقوة على الأرض
شعره الطويل مبعثر ، وعيناه حادة كالسيف
هذا التحوّل المفاجئ أيقظ من كانوا يستمعون للأوبرا
بعضهم حطّم كؤوس الخمر ، بعضهم قلب الطاولات ،
آخرون داسوا الكراسي ، ورفع بعض الجنود حرابهم
وفي اللحظة نفسها ، اندفع الجنود اليابانيون من خارج
الحديقة ، وحرابهم مشرعة ، ليحيطوا بكوروميا نانيوا
ويحموه ، موجّهين رؤوس سيوفهم نحو شو هانغ ——
بعد أن نجا كوروميا نانيوا من الرصاصة ، ألقى نظرة حوله
{ لم يكن خلفه أحد —- إنه وحده فعلًا }
قال وهو يرفع حاجبيه :
“ أيها الوغد ! تجرؤ على مهاجمتي ؟
هل سئمت من الحياة ؟”
و كان ردّ شو هانغ طلقة أخرى ——
هذه المرّة —- أمسك كوروميا نانيوا بجندي وجعله درعًا
أمامه و تناثر الدم على وجهه ، ثم رمى الجندي جانبًا بلا رحمة
وفي الوقت نفسه ، ألقى شو هانغ مسدسه بعيدًا
لم يكن فيه سوى ثلاث رصاصات أصلًا ؛ استُهلكت اثنتان الآن ، والثالثة حين قتل الهارب سابقًا
يدرك جيدًا أنه محاصر ، وأن العدد ليس في صالحه
و لم يكن هناك داعٍ لحرب نفسية أمام عدوّ لا يُقهرون
القتال المتلاحم هو الطريق الأقصر
و لو كان في السابق ، لربما حسب شو هانغ — ذلك الشاب الماكر — كل خطوة بعناية ، واستغل ما تبقّى لديه من أدوات
لكن اليوم… لم يكن يهتم
لم يتوقّع أصلًا أن ينجو هذه الليلة
صرخ كوروميا نانيوا وقد بلغ به الغضب نهايته :
“ أنت… أنت هنا لتثأر لدوان يلين ؟!”
نظر شو هانغ إليه —- ببرودٍ قاتم :
“ من يسيء إلى ههتشو — يُقتل —-
صحيح أنني أرى أنكم لوّثتم تشييوان — لكن… من
المؤسف أنني لا أملك خيارًا أفضل .”
تأمّل كوروميا نانيوا جسده النحيل البائس ، ثم أمر بازدراء:
“ تجرّأ على إهانة جنرال ياباني ؟
قتله بالرصاص إهدار للذخيرة !
تقدّموا و ثبّتوه بالسكاكين في الأرض — أريد أن أقطّعه إربًا!”
: “ مفهوووووم !”
و أحاط الجنود اليابانيون بشو هانغ ، وحرابهم تلمع بضوء
بارد يخترق العيون
طعنه سكين من الخلف ، فأمسكه شو هانغ بيده العارية ،
وقاوم بكل ما أوتي من قوة
فتح المروحة المذهّبة ، استدار ، وقطع بها حنجرة الجندي
الياباني ، فاندفع الدم عاليًا لعدة أقدام
لقد صُقلت حافة المروحة لتصبح نصلًا
ما كان قبل لحظات أداة للزينة ، صار الآن سلاحًا قاتلًا مخيفًا
انقضّ الجنود عليه دفعة واحدة
لمس شو هانغ الأرض بأطراف قدميه ، قفز في الهواء ،
وغرس السكين الذي انتزعه في صدر جندي آخر
قاتل بجنون ، وبدا شجاعًا حدّ التهوّر ، لكن خلال لحظات
تحوّل إلى جسدٍ مغمور بالدم ، يغطي وجهه وملابسه
ولم يتوقّف الأمر عند هذا
حراب كثيرة سقطت عليه من اليمين واليسار ، حتى شعر بالعجز ، وتلقّى طعنات متتالية
قطرات الدم المتساقطة من رؤوس السكاكين تصبغ أزهار
تشييوان وأشجارها بلونٍ أحمر قاني ،
وسرعان ما بدأت الهزيمة ترتسم على جسد شو هانغ …..
يتبع
الفصل التالي الفصل السابق
تعليقات: (0) إضافة تعليق