Ch36 Toya
الليل هادئ وساكن
و تمّ الاتصال بسرعة — بدا صوت يان تساي مرتاح ، ونبرته خفيفة :
“ مرحبًا ، من المتصل ؟”
قال باي شينغتشو بأدب :
“ مرحبًا ، أنا باي شينغتشو.”
طَق ——-
من دون تردد ، أغلق يان تساي الخط ~
باي شينغتشو: “…؟”
بعد لحظة ، اتصل مجددًا
هذه المرة تغيّرت نبرة يان تساي تمامًا :
“ ماذا تريد ؟
من يتصل في هذا الوقت من الليل بلا أي ذوق ؟”
صمت باي شينغتشو قليلًا ، ثم قال:
“ هل تنام عادةً في الثامنة ؟”
انفجر يان تساي:
“ أنام متى أشاء !!! خصوصًا بعد سماع صوتك ، يأتيني النعاس فورًا .”
كانت نبرته حادة ، مليئة بالعداء—ازدراء صريح بلا إخفاء
عبس باي شينغتشو حاجبيه ، وتوقّف إصبعه فوق زر إنهاء المكالمة الأحمر
و في النهاية ، لم يُغلق الخط
بعد لحظة ، ضغط بأصابعه على حاجبه وقال بأسنان مشدودة :
“…آسف .”
ربما لم يتوقع يان تساي هذا الرد ، فسعل بإحراج ،
وخفّت حدّة صوته قليلًا:
“ حسنًا ، قل ما تريد . لا تضيع وقتي .”
لم يلفّ باي شينغتشو ويدور ، وسأل مباشرةً :
“ ما الذي قصدته بكلامك ذلك اليوم ؟”
يان تساي:
“ أي يوم ؟ وأي كلام ؟”
باي شينغتشو:
“ في التجمع . عندما قلتَ : لا تجعله يبكي مجدداً .”
“…”
برد صوت يان تساي مجددًا وهو يسأل:
“ وما الذي تريد الوصول إليه ؟”
لم يُجب باي شينغتشو
سخر يان تساي ببرود:
“ اشتقتَ إليه الآن ؟
ماذا ؟ بعدما عاد إلى منزله ولم يعد هنا ليخدمك، شعرتَ
فجأة بالفراغ ؟”
تجاهل باي شينغتشو السخرية ، وسأل فقط:
“ متى بكى ؟ هل كان ذلك بسببي ؟”
عدم تفاعله أربك يان تساي قليلًا
و بعد صمت قصير ، قال أخيرًا :
“ حسنًا . بما أنك تذكّرتَ تلك الجملة ، فلا بد أنك تتذكر الجملة التي قبلها .”
سأله باي شينغتشو :
“ وما هي؟”
قال يان تساي:
“ دعه يذهب ،
أنتما الاثنان غير مناسبين لبعضكما .”
عبس باي شينغتشو بجبينه قليلًا :
“ ولماذا ؟”
يان تساي:
“ كل شيء بينكما غير منسجم — وما قصتك الآن أصلًا ؟
انفصلتما منذ سنوات ، ثم تتصل بي لتسترجع الذكريات ؟
هل تظن فعلًا أنني سأصدق أنك ما زلتَ تندم على حب ضائع ؟
… انتظر لحظة ، أنت لا تخطط لاستغلاله في أمرٍ مشبوه ، أليس كذلك ؟”
: “ لا—” عبس باي شينغتشو بحاجبيه و على وشك التوضيح ،
حينها سمع يان تساي يتنهد ويتمتم بسخط
: “ آهههخ حقًا !!! لا أفهم ماذا رأى شيا شينغهي فيك
كان متعلّقًا بك تعلّقًا أعمى
و مرت سنوات
حاولنا جميعاً نصحه مرات لا تحصى،، وها هو يعود
ويتورّط معك من جديد .”
سأل باي شينغتشو :
“ كان متعلّقًا بي؟”
: “ وإلا فبماذا تفسّر ذلك ؟” ضحك يان تساي بسخرية :
“ أتظن أنك أنت من كان المتعلّق ؟
ألا تميّز أصلًا من كان دافئًا ومن كان باردًا ،
و من كان يلاحق ومن كان يُلاحَق ؟
أنت لم تكن تحبه من الأساس ، فلماذا لم تتركه وشأنه ؟”
عندما انفصلا آنذاك ، قال شيا شينغهي شيئًا مشابهًا :
— إنه لم يكن يشعر بحب باي شينغتشو —-
لم يفهم باي شينغتشو ذلك يومها ، وكان كبرياؤه يمنعه من السؤال
أما الآن ، وهو يستعيد الماضي ، فقد سأل أخيرًا
:“ كيف لم أكن أحبه ؟”
هذا السؤال وحده أشعل كل الغضب المكبوت في صدر يان تساي، فانفجر الكلام منه دفعة واحدة :
“ تسمي هذا حبًا ؟
هل قلت له يومًا واحدًا إنك تحبه أو معجب به ؟
هل قدّمته لأصدقائك ولو مرة ؟
كان يركض كل يوم ليُحضر لك الطعام ، ولم تقل حتى شكرًا ،
وحين مرض بسبب ذلك ، قلتَ له : ' لا أريد أن أعود إلى
المنزل لأجد شخص مريض ' هل لديك ذرة ضمير ؟”
و كلما واصل يان تساي كلامه ، ازداد غضبه ، وارتفعت نبرته انفعالًا :
“ ذلك الأحمق شيا شينغهي—أعمى وأبله— هو الشخص الوحيد الذي يُمكن أن يحبك —-
و وافق حتى على العيش معك ، وكان يطبخ لك، ويدلّلك ، ويتحمّل مزاجك ،
ويقابل برودة قلبك بقلب دافئ !”
: “ أنا…” عجز باي شينغتشو عن الكلام للحظة
أراد أن يقول شيئ ، لكن يان تساي لم يمنحه الفرصة ،
وواصل هجومه اللفظي :
“ أنت ماذا ؟
أنت تعرف جيدًا ما الذي فعلته !
وما زلت تسألني لماذا بكى ؟
سأخبرك—كان ذلك بسبب ما حدث يوم انفصالكما !
اكتشف الأمر بنفسك !”
كان يان تساي يزداد انفعالًا ، ثم أنهى المكالمة فجأة
و دوّى صوت الرنين في أذن باي شينغتشو وبقي واقفًا عند
النافذة ، ممسكًا بالهاتف طويلًا بعد أن انقطع الخط
لم يتوقع أبدًا أن يسمع مثل هذه الكلمات من صديق شيا شينغهي ….
لم يقل ' أحبك ' لأنه كان يظن أن الكلمات بلا معنى ،
ولم يعرّفه على أصدقائه لأن شيا شينغهي كان متألّقًا أكثر
مما ينبغي— و لم يشأ أن يشاركه مع الآخرين
كان يتذكّر دائمًا توصيلات الطعام ،
ولم يقل عبارة ' لا أريد أن أعود إلى المنزل لأجد شخص مريض ' إلا ذريعة —
لأنه لم يرغب لشينغهي أن يمرض مرة أخرى ، ولأنه كان يخشى
أن يرفض شينغهي فكرة العيش معًا
كان باي شينغتشو يعتقد دائمًا أن بعض الأمور لا تحتاج إلى
أن تُقال ، وأن شيا شينغهي سيفهمها وحده
لم يدرك أن صورته — في نظر شيا شينغهي—وفي نظر
صديقه أيضًا—لم تكن إلا صورة رجل بارد ، خالٍ من
المشاعر ، قاسي القلب
{ لكن… لماذا بكى شيا شينغهي يوم انفصالنا إذن ؟ }
ظل باي شينغتشو عاجزًا عن الفهم
و بدأت الذكريات القديمة تطفو على السطح
حدّق في السماء المغشّاة بالضباب ، وانخفض بصره ببطء
{ ربما كنتُ مخطئ … لكن من بيننا نحن الاثنين — شيا
شينغهي هو الأشد قسوة حقًا }
يوم الانفصال —— كان لدى شيا شينغهي عشاء في السكن مع أصدقاء
و كان باي شينغتشو يتذكر بوضوح —حتى إن
شيا شينغهي سأله قبل أن يخرج : ' هل تريد أن تأتي ؟ '
لم يكن باي شينغتشو يحب الجلوس معهم — كانوا مقرّبين
أكثر مما ينبغي— و كان شيا شينغهي يضحك معهم ، ويضع
ذراعيه حولهم ، ويشرب ويغنّي ، وينسى تمامًا وجوده ،
و كان ذلك يجعله يشعر بأنه ليس مميّز بينهم
ومع ذلك ، لم يمنعه من الذهاب
ذلك كان أقصى ما يمكنه من ضبط النفس
شعر بقليل من الغيرة فقط ، فتذرّع بأنه مضطر للذهاب إلى
المستشفى واعتذر عن المرافقة
و في تلك الليلة ، تأخر شيا شينغهي في الخارج
كان باي شينغتشو في نوبة الطوارئ ، وحيد في ليلٍ ساكن،
بينما نشر شيا شينغهي عدة منشورات في ' لحظات ويتشات ' و كلها تمدح أصدقاءه —من دون كلمة واحدة عنه
فبدافع طفولي من العناد ، نشر باي شينغتشو صورة ملفاته
القديمة الخاصة بالتقديم للدراسة بالخارج ، متظاهرًا بأنه لم يسمع اتصال شيا شينغهي
ثم في صباح اليوم التالي ، انفصل عنه شيا شينغهي—
بحسم ووضوح ، من دون أدنى تردد —وخرج من حياته
{ ينبغي لي أنا أن أكون من يبكي وقتها }
…
كان يان تساي قاسي ، لكن شيا شينغهي لم يكن أفضل حالًا
و بعد تلك المكالمة ، باي شينغتشو قد اضطرب أصلًا باسترجاع الماضي — وحين رأى شيا شينغهي لا يزال
متحفظًا وبعيدًا ، كفّ تمامًا عن مراسلته و انغمس في
العمل ، وبقي يعمل لساعات إضافية كل ليلة
مرّ أسبوع آخر ،
ولم تمضِي مدة حتى حلّت ليلة رأس السنة القمرية
امتلأت الشوارع بأجواء العيد—فوانيس حمراء ، وعبارات التهاني ، وعائلات مجتمعة
لكن باي شينغتشو ظل وحيد
والده في نوبة عمل ، ووالدته في رحلة عمل ، وهو نفسه
مُدرج في جدول المناوبات بالمستشفى
و في الحقيقة كان كل عيد يمر هكذا
انفصل والداه منذ زمن بعيد ، ولم تكن لديه أي ذكرى عن
احتفالهم معًا برأس السنة
ومن ناحية ما — كان ذلك أفضل
لا مكالمات اجتماعية مرهقة ، ولا موائد عامرة مُتكلّفة
كان قضاء رأس السنة وحيدًا أبسط بكثير
أثناء التنظيف ، ساعدت عاملة النظافة في تعليق عبارات الربيع
وكان تشي قد داس على وعاء طعامه القديم وكسره ،
فاشترى له باي شينغتشو وعاء أحمر جديد —وكان ذلك
تقريبًا كل استعداداته للعيد
أراد الجميع في القسم العودة إلى منازلهم ، فبادر بالتطوع
لمناوبة ليلة رأس السنة
عند السادسة مساءً ، أطعم تشي وتوجّه إلى المستشفى
ليلة رأس السنة في قسم الطوارئ مزدحمة على نحوٍ خاص
يحب الناس أن يقولوا : “ إنه العيد ”، وكأن رأس السنة
يجلب التسامح والبدايات الجديدة والتغييرات غير المتوقعة ،،
لكن ليس في المستشفى —— فالحياة والموت لا يعنيهما
إن كان عيد الربيع أو منتصف الخريف—يأتيان ويذهبان كما يشاءان ، بلا رحمة
و في السادسة مساءً بدأ باي شينغتشو مناوبته ، وتدفّق
المرضى واحد تلو الآخر بلا توقف
أحدهم أُصيب بنوبة قلبية من شدة فرحته برؤية ابنه ——
وآخر أُغمي عليه حين ردّ عليه حفيده بوقاحة أمام الناس ——
حالة تلو أخرى ، بلا انقطاع
وحين سنحت لباي شينغتشو أخيرًا فرصة لالتقاط أنفاسه ،
كان الوقت قد تجاوز منتصف الليل
وهكذا ، انتهى العام القديم —-
و بدأ العام الجديد— لكن بدا وكأن شيئًا لم يتغيّر
واصلت الأرض دورانها — ولم تكن شمس اليوم التالي قد أشرقت بعد
ظلّ قسم الطوارئ متوترًا وفوضويًا كما هو
و هاتفه ممتلئ بالرسائل—تهاني من المرضى وذويهم
لكن لم تكن هناك رسالة واحدة من الشخص الذي كان ينتظره
جلس باي شينغتشو إلى مكتبه ، يمرّر على ويتشات مرة بعد أخرى بصمت
ثم فجأة ، أغلق الهاتف بقوة وألقاه جانبًا
( أصدر الهاتف صوت سقوطه )
الطبيب تشانغ — الذي كان في المناوبة معه — رفع رأسه :
“ ما الأمر ؟”
: “… لا شيء ”، أجاب باي شينغتشو ببرود ، وأنزل نظره
وهو يواصل كتابة السجلات الطبية بوجه خالٍ من التعبير
{ رائع ،،،، إنه رأس السنة ولم يكلّف نفسه حتى عناء إرسال رسالة واحدة }
كان سؤال الطبيب تشانغ عابرًا—فهو معتاد على برود باي
شينغتشو— وحين رآه لا يرغب في الحديث ، أنزل رأسه وعاد يعبث بهاتفه
وللمرة النادرة ، حلّ هدوء مؤقت في قسم الطوارئ
ساد الصمت غرفة الاستشارة
ظل الطبيب تشانغ ينقر على هاتفه ، ثم رفع رأسه فجأة وسأل بتردد :
“ طبيب باي بما أن الأمور هادئة قليلًا الآن ، هل تمانع إن أجريتُ اتصال ؟”
أجاب باي شينغتشو: “ تفضل "
فأشرق وجه الطبيب تشانغ فورًا ، وفتح مكالمة فيديو وهو
يبتسم ، وقال شارحًا: “ إنها حبيبتي ، تريد أن نتحدث عبر الفيديو "
تم الإجابة على المكالمة ، وانبعث من مكبر الصوت صوت ناعم حلو : “بااااوووبي …”
استقام الطبيب تشانغ في جلسته على الفور ،
وارتسمت ابتسامة عريضة على وجهه ،
وقال بصوت دافئ: “ أهلاً باوبي ”
العشّاق لا يستطيعون إخفاء حلاوتهم أبدًا—وخاصة في رأس
السنة ، وقت لمّ الشمل ، حين يشتد الشوق بين الأزواج
الذين فرّقتهم الظروف
في البداية حاول الطبيب تشانغ خفض صوته داخل قسم
الطوارئ ، لكن مع مرور الوقت صار أكثر جرأة ،
و يكرر كلمة “باوبي” في كل جملة
“ اشتقت إليك حقاً .”
وكانت حبيبته لا تقل عنه لطفًا ، و تتحدث بنبرة رقيقة مليئة
بالاهتمام ، تسأله عن حاله ، بل وعرضت أن تحضر له وجبة ليلية
قالت: “ الجو بارد جدًا ، صنعتُ لك بعض الزلابية ،
هل أحضر لك القليل ؟”
: “ لا داعي باوبي …”، رفض الطبيب تشانغ بسرعة ، لكن
حتى رفضه كان مغمورًا بالمحبة : “ نامي مبكرًا ، لقد تأخر
الوقت ، ولا أرتاح لفكرة مجيئك وحدك .”
و امتلأت مكالمتهما بالكلمات السكرية
كان الطبيب تشانغ يبتسم بإشراق ، وكأن فقاعات وردية تملأ الغرفة
واصل باي شينغتشو كتابة السجلات الطبية ، ولأول مرة
شعر أن الانشغال في الطوارئ ربما يكون أفضل من الفراغ
ازداد الليل عمقًا ، ولم تصل أي حالات جديدة
كان الطبيب تشانغ لا يزال يتحدث عبر الفيديو مع حبيبته
أما باي شينغتشو فظل صامتًا يكتب
ثم فجأة أضاء الهاتف الذي قد وضعه جانبًا
لم ينتبه في البداية — وبعد لحظة فقط نظر إليه
وحين رأى الشاشة ، بدأ الجمود الجليدي على وجهه يذوب قليلًا
[ شياو تشي : سنة جديدة سعيدة~]
{ على الأقل ما زال لديه بعض الضمير } و انحنت شفتا باي
شينغتشو في ابتسامة خفيفة جدًا
{ بما أن شيا شينغهي بادر هذه المرة ، فربما يمكنني —على
مضض—أن أُظهر بعض الرد }
وبينما الطبيب تشانغ لا يزال في مكالمته الفيديو ، قام باي
شينغتشو بالاتصال برقم شيا شينغهي ——
يتبع
تعليقات: (0) إضافة تعليق