Ch69 GHLCS
يُعرف الشهر القمري الخامس عند الناس باسم الشهر السام —
كثيرون يسمعون هذا الوصف فيضحكون ويعدّونه مجرّد خرافة
لكن في هذا اليوم تحديدًا ، كل منزل يعلّق أمام بابه نباتات السموم الخمسة ،
ويشرب الناس نبيذ الريالغار،
ويطّلون أجسادهم بالزنجفر حماية من الشر ،
عندما بدأت مدينة ههتشو تستيقظ من سباتها ،
دوّى صوت المفرقعات الاحتفاليّة ،
فأيقظ كل الناس الناعسين
و انطلقت عدّة سيارات فورد من منزل عائلة يوان ، متّجهة نحو منزل عائلة قو
السيارات مزيّنة بحروف السعادة ، تتدلّى منها باقات الزهور ،
أمّا السيارة التي في المقدّمة فكانت ترمي النقود والحلوى
بين الحين والآخر ، فيركض الأطفال خلفها ضاحكين ، يرافقونهم بالغناء
غطّت بقايا المفرقعات الحمراء الطرقات الثلاث الممتدّة
من منزل عائلة يوان إلى منزل عائلة قو ، كأنّها بتلات زهور متناثرة
وقيل إنّ جميع المفرقعات في المدن الأربعة المجاورة قد نفذت بسبب هذا الزفاف
وبما أنّ العروس هي ابنة غرفة تجارة بينغيون، فقد كان
الزفاف بطبيعة الحال مختلفًا عن سواه
أكثر من عشرة مراكب تجاريّة راسية عند الميناء أطلقوا
الألعاب الناريّة في وقت واحد ، فكان المشهد مهيبًا يخطف الأنفاس
حتى العجوز المتّكئ على عصاه ، ضعيف السمع وواهِن الجسد ، أفزعه هذا الضجيج
و تمايل باب منزله وسأل :
“ زفاف من هذا الذي يقام بهذه الضخامة ؟”
وحين قيل له إنّه مجرّد حفل زفاف ، نقر بلسانه غير مصدّق،
وقد أخافه هذا البذخ المفرط
فرق أوبرا تشنغ و مي وشانغ المدعوّين من العاصمة ،
و فرق رقص التنّين والأسد التي استُقدمت بتكاليف باهظة
من قوانغدونغ وقوانغشي،
السحرة الغربيّين القادمون مع أوّل قطار ،
الطهاة المشهورين من أفخم المطاعم ،
وسادة تغيير الأقنعة في أوبرا سيتشوان الجوالة — كلّ فنان
يساوي وزنه ذهبًا كان قد جُمِع على يد مفوّض الرقابة العسكري
يضمّ قصر مفوّض الرقابة العسكري ثلاثة أفنية ،
و في كلّ فناء مسرح ، تتعاقب العروض واحدة تلو الأخرى ،
فتغمر المكان أجواء صاخبة مفعمة بالحياة
وكان الناس يقولون إنّ مجرّد الحصول على دعوة لحضور
هذا الزفاف يُعدّ إنجازًا يفخر به المرء طوال عمره
مغني فرقة مي : “ تبدأ عجلة الجليد بالدوران فوق الجزيرة ،
ويظهر الأرنب اليشمي ويشرق من الشرق من جديد.
تنفصل عجلة الجليد عن الجزيرة ، ويصفو الفضاء ،
والقمر الساطع يعلو في السماء ،
مثل تشانغ إي تغادر قصر القمر ~~”
و بعد هذا المقطع من مسرحية ' المحظيّة السكرانة ' ،
حتى دوّت التصفيق
بل إنّ بعض عشّاق الأوبرا تسلّقوا الجدران ، واكتفوا بسماع جملة واحدة ليرضوا
في الأيام العاديّة ، لم يكن أحد يجرؤ على مثل هذا التصرّف ،
لكن اليوم كان مفوّض الرقابة العسكري في غاية السعادة ،
فاسترخى الحرس أيضًا ، وعمّ المكان تساهل نادر
حين وصل شو هانغ كانت قو فانغفي ويوان يي قد أنهوا
بالفعل جولة من تبادل الأنخاب
في هذا اليوم ارتدت قو فانغفي تشيبسامًا قرمزيّ وحذاء
أسود ذا كعب عالٍ ،
وربطت شعرها إلى أعلى ،
وحول عنقها تدلّت سلسلة ذهبية بتصميم زهرة البرقوق ذات التسع لفّات ،
بدت كأنّها هدية من الحماة لابنة زوجها المستقبلية
و ما إن سمعت بدخول شو هانغ ، حتى تقدّمت نحوه وكأس النبيذ في يدها ،
تبتسم ووجنتاها لا تزالان محمرّتين قليلًا من أثر الكحول، وقالت :
“ السيد الشاب شو تأخّر ، وعقاب المتأخّر كأس واحد "
بمجرّد أن رآه يوان يي ، سارع لاستقباله :
“ أخيرًا وصلت . تعال ، تعال واجلس .”
أخذ شو هانغ الكأس و شربه دفعة واحدة ، ثم قال:
“ أنتما نجما اليوم ، فكيف أرفض الشرب ؟
لكن لا يزال في قاعة الطبية مرضى لا أستطيع تركهم ،
لذا لن أبقى طويلًا ، أحضرت هديةً بسيطة اعتذارًا .”
خلفه ، كان أحد الخدم يحمل صندوق من خشب الماهوغني
وما إن فُتح الغطاء ، حتى لفت الأنظار تاج عنقاء ذهبيّ ،
تتداخل فيه ألوان الأزرق الملكي والبنفسجي
“ يا إلهي ، هذا كنز حقيقي!”
“ الطبيب شو كريم حقًّا…”
“ هذا ذهب خالص… تسك تسك…”
لم يلحظ أحد دخول شو هانغ ، لكن ظهور تاج العنقاء جعله محور الأنظار فورًا
ورغم أنّ قو فانغفي رأت الكثير من النفائس من قبل ،
إلّا أنّها صُدمت بهذا التاج ، وامتلأ وجهها دهشة:
“ هذا… هذا ثمين إلى حدٍّ لا يُصدّق !”
: “ ليس الأفضل ، وإلّا لما تجرّأت على إخراجه .” قال شو
هانغ بابتسامة خفيفة، وقد ارتاح لرؤيتها معجبة به
في هذه اللحظة ، خرج يوان سِن من القاعة الرئيسية ،
حيث كان يشرب مع أصهاره ،،،
لم يتقدّم كثيرًا ، بل استند على إطار الباب ، وضيّق عينيه ،
يهزّ رأسه وهو يمضغ كمية من الفول السوداني
التقت نظرته بنظرة شو هانغ مباشرةً ، وتبادل الاثنان نظرة غريبة عابرة
لم يكن أيّ من الضيوف يعلم أنّ حملة القضاء على قطاع
الطرق السابقة — بكلّ شدّتها — كانت في الحقيقة قصة
مشتركة بين هذين الرجلين
نظر يوان سِن إلى شو هانغ بابتسامة زائفة — كان يراه مجرّد
أرنب يربّيه دوان ييلين ، لكنّ في الوقت نفسه شعر أنّ هذا
الرجل ليس بسيطًا ، وإلّا لما تجرّأ على دخول قصره بلا خوف
ولسببٍ ما، وبمجرّد تلك النظرة ، أحسّ كأنّ عيني شو هانغ
الصافية قد اخترقته ، فسرت قشعريرة خفيفة في ظهره
عبس يوان سِن : “ مزعج للنظر فعلًا…”
ثم استدار وعاد إلى القاعة ليواصل الشرب مع الآخرين
سحب شو هانغ بصره وقال ليوان يي :
“ لقد سلّمت الهدية ، وسأعود الآن "
: “ هكذا فقط ؟ ستغادر ؟”
: “ اعذرني على قلّة الذوق ، لكن يوجد حالة طارئة في
القاعة الطبّية .” انحنى شو هانغ معتذرًا ، ثم غادر قصر
مفوّض الرقابة أمام أعين الجميع
وعندما رأى يوان يي شو هانغ يخرج من القصر ، شعر —
لسببٍ لا يعرفه — براحة مفاجئة
فزع من هذه الفكرة —- لكنّه اضطرّ للاعتراف بوجود ظلٍّ من العتمة في قلبه
منذ مقتل الحاكم صار ينظر إلى شو هانغ بعين الشكّ —-
و كصديق —- لم يكن مستعدًّا لاعتباره مشتبهًا به —-
لكن كونه الابن الوحيد في العائلة ، لم يكن بوسعه إلّا أن
يفكّر أيضًا في سلامة عائلته
{ لذا وقبل أن تنكشف الحقيقة ، ما دام شو هانغ يبتعد عن قصر مفوّض الرقابة ،
فسيكون كلّ شيء على ما يرام }
بدأ الضيوف يعلو صخبهم ، ودُفع يوان يي من قِبل أصدقائه عائدًا إلى مأدبة العرس.
كان هذا الزفاف مهرجانًا مبالغًا فيه من الخمر واللحم ،،
ومع غروب الشمس خلف الأفق ، كان الجميع قد ثملوا
وتشابكت الرؤوس ، فإذا نظر أحدهم حوله رأى لكلّ شخص
ثلاثة ظلال ، ولم يعد يميّز من يعانقه
ومع ذلك ، ظلّوا يقرعون الكؤوس وينادون بعضهم بـ”إخوتي”
امتلأت الآذان بأصوات اللهو ، وصيحات الحثّ على الشرب ،
وغناء الأوبرا ، والضحكات المتداخلة
وفي النهاية ، لم يبقَى في الذاكرة سوى شخص واحد برداء
أحمر ، يقف على المسرح ويغنّي مقطع
من ' سولين نانغ ' :
“ المودّة بين البشر تُخلق من العدم ،
فمن يقدر أن يغيّرها ولو قليلًا ؟
أنا أدنى منها شأنًا ،
هي تعاني الجوع والبرد ، وأنا مدلّلة .
قسّموني إلى كنز من المرجان —
و أراحوا لها نصف حياتها في عشّ العنقاء ~”
في هذه اللحظة ، حتى عازف آلة الـ ' جينغهو ' قد بدأ يقشّر
بذور البطيخ ويثرثر بلا اكتراث
ولم يعد الممثّلون يعلنون تبدّل الفصول ، بل يهمهمون
ببضع جُمل بسرعة
فمهما بلغت كلفة الفرقة ، حتى الآلهة تسأم من الاستماع طوال اليوم
ومع سقوط آخر نغمة ، انسحب ممثّلو الفرق الثلاث تباعًا،
واعتلت خشبة المسرح عروض السحر الغربي
عندها فقط استعاد الناس نشاطهم ، وعادوا للتنافس في الشرب من جديد
وبحسب العُرف ، فإن ممثّلي الأوبرا الذين يُحسنون الغناء ينالون المكافآت
واليوم ، وقد كان مفوّض الرقابة العسكري في ذروة سعادته ، جاءت المكافآت كبيرة إلى حدٍّ مذهل
بعد وفاة القيّم لاو يانغ رُقّي خادم يُدعى لاي إير ليساعد في شؤون القصر
كان مجتهد ، لكن له عيبًا واحد : ولعه بزيارة بيوت الدعارة ، ولا سيّما الذكورية منها
جمع لاي إير جميع ممثّلي الأوبرا في غرفة صغيرة ، وأخذ
يتفحّص بعدسة ماكرة عدد من الممثّلين بثيابهم الزرقاء
وفجأة وقعت عيناه على ممثّلٍ يرتدي زيًّا أحمر فاقع ،
بدا كمن غنّى قبل قليل ' السولين نانغ '
كانت عيناه حادّتَين ، وشعر لاي إير بدفءٍ يسري أسفل معدته
تظاهر بالجدّية ، ووزّع بسرعة أموال المكافآت على الآخرين، ثم صرفهم
وبعدها قال لذلك الممثّل :
“ انتظر لحظة ... السيّد قال إنّك غنّيت بإتقان ، وسيمنحك
مكافأة خاصّة .”
أومأ الممثّل وبقي مكانه
انتظر لاي إير حتى غادر الجميع ، فأقفل الباب ، وابتسم
ابتسامة خبيثة ، وقال بنبرة فاسدة :
“ دعني أسألك… هل تريد المكافأة ؟”
أجاب الممثّل : “ أريدها .”
: “ التفكير وحده لا ينفع ، عليك أن تُعبّر !” و جلس لاي إير
على الكرسي ، وباعد بين فخذيه قليلًا ، ثم ربت على ساقيه :
“ تعال ، لا يوجد هنا غيرنا — دعني أعتنِ بك
وعندها ستأتي مكافأة المال طبيعيًا .”
ظهر الاضطراب على وجه الممثّل : “ هـ-هذا… هذا غير
مناسب…”، فتراجع خطوتين ، وكأنه يريد الهرب
تغيّر وجه لاي إير فورًا ، وضرب الطاولة بعنف :
“ ماذا ؟ أيها الوضيع ! لا تغتر بنفسك !
أنا فقط أشفق على أمثالك من الساعين خلف المال
وأمنحك لمحة من الحياة الطيبة
لو كان غيرك ، لما نظرت إليه أصلًا !”
أنزل الممثّل عينيه ، وتحركت حدقتاه يمينًا ويسارًا ،
فزاد ذلك من اضطراب قلب لاي إير الشهواني
وسرعان ما رقّ صوته وقال:
“ لا تقلق ، لا تخف ... أنا الآن شخص مقرّب من مفوّض الرقابة العسكري !
إذا أرضيتني ، سأطلب منه أن يسمح لك بترك هذه المهنة
البائسة والعثور على عمل محترم ،،
أليست هذه حياة جيدة ؟”
بالطبع لم يكن هذا سوى هراء —— لم يكن لدى لاي إير أي
قدرة حقيقية على تحقيق هذا الكلام ؛ كل ما أراده هو
استغلال ضعف مكانة الممثّل و كسب ليلة بلا مقابل ،
و واثق أنه لن يجرؤ على إثارة المتاعب
وبينما يتحدث ، رفع طرف رداء الممثّل ووضعه عند أنفه يشمّه ،
فاستثارته الرائحة بشدة حتى كاد يطرحه أرضًا :
“ ممّا تخجل ؟ دعنا نفعلها
أضمن لك أنك ستحب هذا النشوة…”
ظلّ الممثّل صامتًا طوال الوقت ، لكنه حين سمع ذلك ، تكلّم فجأة :
“ لكن… يوجد الكثير من الناس يدخلون ويخرجون
ماذا لو سمعنا أحد ؟”
فرح لاي إير عندما رأى تردده يلين ، وقال على عجل:
“ لا تخف ، لا تخف !
لقد أمرت الخدم بالذهاب إلى أماكن أخرى
لن يزعجنا أحد لفترة !”
لوى الممثّل جسده، واحمرّ وجهه : “ حقًا ؟”
كان لاي إير يعشق رؤية الشبان المتنكرين بزيّ النساء ،
وما إن رأى مظهره الشهي حتى فاضت شهوته ،
مثل ضفدع لم يذق لحم البجعة قط
: “ حقًا، يا قلبي و روحي ! إن كذبت عليك ، فلك أن تأخذ حياتي !”
لم يشعر لاي إير بأي خجل وهو يتفوه بهذه الكلمات السخيفة
و عند سماع هذا ، اختفت فجأة كل مظاهر الخجل من
وجه الممثّل ، وتحول وجهه إلى برودٍ تام ، كأنه شخص آخر تمامًا
حتى صوته ونبرته لم يعودا ناعمين ، بل أصبحا صافيين حادّين ، يحمل لمحة من البرودة
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيه ، وقال:
“ حسنًا… هذا ما قلته أنت .”
يتبع
تعليقات: (0) إضافة تعليق