Ch74 GHLCS
كان صراخ يوان يي كافيًا لإيقاظ كل من في القصر ——
تحوّل حزن السيدة العجوز يوان و السيدة يوان إلى فرحٍ مفاجئ
كما أسرع دوان ييلين إلى السرير ، وتحسّس النبض بنفسه
وكما هو متوقع — لا يزال حيًّا
{ الطيبين عمرهم قصير ، أمّا الأشرار فيعيشون آلاف السنين }
فأصدر أوامره فورًا لعدد من الجنود :
“ أسرعوا ، خذوه إلى المستشفى ! استخدموا سيارتي "
حمل الجميع يوان سِن على عجل وخرجوا به من قصر المفوض العسكري
وفي هذه اللحظة ، انحنى دوان ييلين وهمس في أذن الملازم تشياو سونغ :
“ خذ فرقتين وراقبوه مراقبة لصيقة طوال الوقت —
و لا تسمح بحدوث أي خطأ ، ولا تدع أحد يقترب منه ،
حتى لو أراد الطبيب إجراء عملية، عليك أن تقف وتراقب بنفسك !”
: “ مفهوووم !” أدرك تشياو سونغ خطورة الأمر ، فلم يجرؤ على التهاون
تنحّى الجمع جانبًا فورًا ليفسحوا الطريق
وبينما السيارة تبتعد ، دوّى صوت جندي يصرخ مرتين ، ثم ركض وهو يلهث :
“ الأمر سيّئ أيها القائد!”
كان دوان ييلين على وشك الانفجار غضبًا :
“ ماذا أيضًا ؟ هل مات شخص آخر ؟!”
: “ لا، لا… الشاب يوان جنّ فجأة — ضربني ثم هرب من
الباب الجانبي مع رجاله !
قال… قال إنه ذاهب للإمساك بالقاتل !”
: “ هو يعرف من القاتل؟!”
: “ لا أعلم…”
رفع دوان تشانتشو يده وصفع الجندي بقوة ، فدار نصف دورة في مكانه :
“ أحمق ! إن هرب سأقتلك أنت أولًا ! لماذا تقف هنا ؟
اذهبوا وطارِدوه فورًا !”
حين رأى الجنود شدّة غضب دوان تشانتشو ارتعبوا
ففرّوا وهم يشهرون بنادقهم ، خشية أن يُقتلوا إن تأخروا خطوة واحدة
ومع كثرة الداخلين والخارجين من قصر المفوض العسكري ،
حتى الستائر الحمراء المعلّقة على الجدران سقطت أرضًا ، ودُهست حتى تمزّقت
الستائر متصلة باللوحات الخشبية ، وقد جُرّت بعنف ، فمال
نصفها ، وبدا القصر بأكمله في منظر مثير للسخرية
وتم مرافقة نساء عائلة يوان جميعًا الموكب إلى المستشفى
أمّا الضيوف ، فقد شعروا بسوء الطالع و هربوا واحد تلو الآخر
و بعض الخدم انتهزوا الفوضى ، سرقوا ما استطاعوا من ممتلكات القصر ، وهربوا
ولم يبقَى سوى قلة من المخلصين ، عادوا إلى غرف الخدم واختبأوا في صمت
تحوّلت المأدبة إلى فوضى عارمة
طاولات وكراسٍ مقلوبة
قطع خزف محطّمة في كل مكان
كأن شجرةً عظيمة سقطت ، فتبعثر معها كل شيء
انقلبت الجنة جحيمًا
أين ذهب مجد الأغنياء و رهبة ذوي السلطة ؟
كم كان عظيمًا هذا المكان اليوم ، وكم صار بائسًا الآن
في لحظة واحدة ، تحوّل الباب من مكتظّ بالناس إلى مهجور تمامًا
ألقى دوان ييلين نظرة إلى الخلف ، وقال بنبرةٍ لا تخلو من السخرية :
“ هذا المشهد يعطيني إحساسًا غريبًا… كأنني عدتُ بضعة
أشهر إلى الوراء ، لأشهد سقوط وانغ رونغهو مجدداً .”
لم يكن تعبير دوان تشانتشو ثابتًا مثل يليين ،
أشهر من العمل المضني جعلته نحيلًا ، خديّه غائرة ،
و حتى محجري العينين ، فبدت نظراته حادّة على نحوٍ مخيف
ارتجف طرف فمه وقال:
“ سيكون مصير يوان سِن أسوأ من وانغ رونغهو
آمل ألّا يستيقظ في المستشفى !”
كان في كلماته قصد صريح للقتل
دوان ييلين بهدوء:
“ تشانتشو لم يحن وقت موته بعد "
لو لم تقع جريمة القتل اليوم ، لربما لم يكن ليحظى يوان سِن بنهاية حسنة حتى عبر الإجراءات الرسمية
لكن بعد ما حدث ، ومع تراكم القضايا السابقة ، لم يعد بالإمكان تجاهل الأمر
ردّ دوان تشانتشو ببرود:
“ سأفعل ما يجب عليّ فعله .. أمّا الباقي… فهو لك "
و لوّح بردائه ، ثم غادر مع رجاله
دوان ييلين { هذا الأخ الأصغر …
لقد تجاوز الحدّ
ولم يعد بالإمكان السيطرة عليه بعد الآن
لم يعد من المناسب البقاء هنا أكثر … }
و بدأ بتوزيع المهام على من تبقّى من رجاله ، وقال:
“ خُذ فريقك وأعِد تفتيش القصر مجدداً .
اجمعوا كل دليلٍ مشبوه
بعد ذلك تواصلوا مع دائرة الأمن للتحقق من كل شيء
وختم الممتلكات .
أمّا البقية ، فانسحوا المدينة كاملة .
يوان يي ليس شخصًا يتصرّف بلا سبب
قد يكون القاتل ما يزال قريبًا .”
أجابوا بحماس ، وتفرّق كلٌّ إلى مهمته :
“ مفهووووووم !”
ظنّ دوان ييلين أن يوان سِن قد نُقل للعلاج ، فقرّر التوجّه
إلى المستشفى للاطمئنان
لكنه ما إن خرج من الباب ، حتى لمح عند الدرج المؤدي
إلى المدخل ظلًّا يجلس في صمت ، تغلّفه لمحة حزن خافتة
و إلى جوارها عدد من كبار السن ، يهمسون لها بالنصح
بإلحاح ، ثم يهزّون رؤوسهم ويمضون ، تاركين إيّاها وحدها
الوقت هو الهزيع الأخير من الليل ، وصوت المنادي الليلي
يتردّد واضحًا في هذا السكون
ذلك النداء البعيد حمل معه برودة موحشة ، جعلت القلب يشعر بالتوهان والوحشة
خفّف دوان ييلين خطواته ، وخلع معطفه ، ثم وضعه برفق
على كتفيها من الخلف ، وقال :
“ الآنسة قو ، لماذا لا تعودين إلى المنزل مع والديك ؟”
رفعت قو فانغفي رأسها قليلًا
لم تكن تبكي كما تفعل سائر الفتيات ، بل اكتفت بخفض
نظرها نحو الفانوس أمامها، شاردة ، كأنها غارقة في أفكار بعيدة
بحسب عادات مدينة ههتشو القديمة ، إذا نزلت مصيبة
بعائلة العريس قبل الزفاف ، يعُدّ هذا نذير شؤم على
العروس ، ويُقال إنه يجلب النحس لزوجها
حتى لو لم تهتم عائلتا قو ويوان لهذه الخرافة ، فإن ما جرى
اليوم سيجعلها ، بلا شك، مادة للسخرية في أرجاء المدينة كلها
كيف يمكن لابنة عائلة ثرية أن تتحمّل مثل هذا العار ؟
خلفها قصر موحش خاوٍ ، وأمامها فانوس مكسور
أمّا مستقبلها ، فكان كشمعةٍ في مهبّ الرياح ، لا يُدرى متى تنطفئ
قو فانغفي : “ القائد دوان…”
صوتها خافت ، فأفزع دوان ييلين
ضعيف ، مثقل بحزنٍ جارف :
“ أريد فقط أن أسألك أمرًا واحد
ما حدث اليوم… هل كان مدبّرًا عن قصد ، أم أنه جرى بإنصاف وعلانية ؟”
التقى دوان ييلين بنظرتها المشتعلة دون أي مراوغة ، وقال بثبات :
“ نعم ، كان مدبّرًا ، لكنه لم يكن تلفيقًا .”
ابتسمت ابتسامة باهتة وقالت :
“ إذًا… لهذا اخترتم هذا اليوم تحديدًا ؟”
: “ أنا آسف .”
نهضت قو فانغفي — تمايل جسدها قليلًا ، لكنها تماسكت
ووقفت مستقيمة ، رافعة ذقنها بخفة
ورغم احتقان عينيها بالاحمرار ، ظلّ في عظامها صلابة لا تنكسر
قالت :
“ من حقي أن ألومك ،، أيّ امرأة في هذا العالم ستفعل ،،
أريد أن أضربك ، أن ألعنك ، أن أفرغ كل غضبي فيك
أعلم أنك لن ترد ، وأنك ستتركني أفعل ما أشاء ،،
لكن… أيّ حقٍّ لي في ذلك ؟
ففي أعماقي ، أنا أعرف أنك لم تخطئ ، بل كنت على صواب
وفوق هذا… أنا مدينة لك بفضلٍ سابق ،
كيفما نظرتُ إلى الأمر ، فليس هذا ذنبك .”
لم يكن كلامها مفاجئ ، لكن نبرتها وطريقتها كانت ممتلئة بالشكوى المكبوتة
رياح الليل باردة
لمست ذراعها ، وعضّت على أسنانها لتخفي الارتجاف ، ثم جلست من جديد على الدرج
دوان ييلين:
“ لماذا تركك والداك هنا وحدك ؟”
أجابت بهدوء:
“ أنا التي لم أذهب معهما . طلبا مني إلغاء الزواج .”
{ اتّضح إذًا… أن قو فانغفي تحب يوان يي بعمقٍ لا يُنكر }
انحنى دوان ييلين ليلتقط المعطف الذي سقط ،
وأراد أن يضعه على كتفيها مجدداً ، لكنها رفعت يدًا واحدة ومنعته
قالت ببرودٍ عنيد:
“ القائد دوان أقدّر نيتك الطيبة ، لكن من السخف أن
تضعني في هذا الموقف ، ثم تشفق على نهايتي .”
عضّت شفتها السفلى، عنادها متجذّر حتى العظم،
رافضةً أن تقبل من دوان ييلين أيّ قدرٍ من الشفقة
أعاد دوان ييلين المعطف إليه وقال:
“رغم أن الفجر بات قريبًا ، إلا أن بقاءك هنا وحدك غير آمن"
قالت قو فانغفي وهي تضمّ ركبتيها إلى صدرها ، متكوّرة ككرة صغيرة ، وعيناها معلّقتان بالفانوس :
“ سأنتظر هنا حتى يعود . عندما يرجع ويرى هذا المكان خاليًا… سيحزن .”
توقّف نداء الحارس الليلي
————
يوان يي بعد أن أصاب جندي وقاد رجاله بعيدًا ، يطارد في
أزقّة المدينة ، يتصبّب عرقًا
كان شياو جينغ يتبعه من الخلف ، لا يجرؤ على التأخّر
لكن يوان يي ظلّ يركض صامتًا دون أن يقول كلمة ، فلم
يجد شياو جينغ بدًّا من أن يسأله :
“ سيدي الشاب لا يمكننا أن نبحث هكذا بلا هدف ، كذبابٍ بلا رأس
عليك أن تخبرنا كيف يبدو ذلك الشخص وإلى أين ذهب .”
أجاب يوان يي بسرعة وهو يركض :
“ لا أعرف شكله ، لكن لا يمكن أن يكون قد ابتعد كثيرًا
رأيته يخرج من القصر !”
رفع شياو جينغ صوته : “ ماذا ؟!”
لكن يوان يي لم يرد
فجأة انعطف يمينًا إلى زقاق جانبي ، ركض بضع خطوات ، ثم قرفص على الأرض
المكان الذي قرفص فيه ضريح صغير لإلهٍ برأس كلب
في داخله موقد صغير ، اعتادت بعض العجائز أن يضربن
فيه الأرواح الشريرة في الأعياد
تفحّصه يوان يي بعناية ، ثم فجأة قلب الموقد بأكمله ،
وداس الرماد بقدميه
و بدأ ينبش داخله ، ليكتشف أن جزء كبير من القماش
الأحمر لم يحترق تمامًا
ضرب يوان يي الأرض بقوة : “ إنه هو !”
{ كان القاتل قريبًا مني إلى هذا الحد…
ومع ذلك ، تركته يفلت مني ! }
يتبع
تعليقات: (0) إضافة تعليق