Ch76 GHLCS
كان من المفترض أن يعود دوان ييلين إلى شياوتونغ غوان ،
لكن عند وصوله إلى ناصية الشارع، أدار المقود فجأة
وتوجّه بالسيارة إلى قاعة هيمينغ الطبية ——
وبالنظر إلى الوقت ، الفجر قد اقترب ،
وبسطات الإفطار قد بدأت تُنصب واحدة تلو الأخرى —-
لم تكن القاعة الطبية قد فُتحت رسميًا بعد — فدخل من
الباب الخلفي ، فلم يجد في الداخل سوى فتى أدوية و ثلاثة يغلون العقاقير
وما إن رأوه حتى وقفوا وقالوا :
“ سيدي القائد "
: “ أين هو ؟”
أجاب أحد فتية الأدوية :
“ هو في الداخل يعتني بالمريض ... السيد الشاب سهر عليه
طوال الليل ، حتى احمرّت عيناه من شدّة السهر .”
نظر دوان ييلين إلى قدور الدواء المتصاعدة بالبخار ، ثم سأل:
“ كان هنا طوال الليل ؟ ألم يخرج إلى أي مكان ؟”
الفتى باستغراب:
“ بالطبع هو هنا ، وأين يمكن أن يذهب غير ذلك ؟”
: “ كنتَ معه طوال الوقت؟”
: “ كنتُ في الخلف أُعدّ الدواء ، ولا يمكن الاستغناء عني ،
أدخل كل ساعة لأحضره إليه — السيد الشاب هو من تولّى
الوخز بالإبر ودهن المراهم — لم يأخذ استراحة واحدة .”
{ ساعة ؟
يقع قصر مفوض الرقابة وقاعة هيمينغ الطبية في طرفي مدينة ههتشو ، شرقها وغربها ،
وهما أبعد نقطتين عن بعضهما —- السير بينهما ، حتى مع
اختصار الطريق ، يحتاج إلى نصف ساعة ذهابًا
أما بالسيارة ، فلا بد من الالتفاف عبر الطريق الدائري
الخارجي ، ويستغرق ذلك ربع ساعة على الأقل لكل اتجاه
ما لم يكن يملك أجنحة ويطير من السماء، فمن المستحيل
أن يكون الفاعل شخص من القاعة الطبية }
دوان ييلين يتحدث مع فتى الأدوية كمن يقول بسرّ ،
و حين خرج شو هانغ من القاعة الداخلية وهو يحمل شاش طبي و وبعد أن سمع الحديث ، قال بهدوء :
“ يبدو أن اليوم مثير للاهتمام فعلًا —- الجميع قلق بشأن
مكاني ، حتى أنت جئت تسأل .”
أدرك دوان ييلين أنه سمعه ، وخشي أن يكون قد ضايقه ، فسايره وسأله:
“ ولِمَا ؟ هل هناك غيري سأل عنك ؟”
أحرق شو هانغ الشاش المستعمل وقال:
“ يا لها من مصادفة ، جاء خادم من عائلة يوان إلى القاعة
الطبية قبل قليل — ظننتُ أنه جاء لطلب دواء ، لكنه في
الحقيقة كان يتأكد فقط من كوني هنا ——
ومن تعبير وجهه بدا أنه لا ينبغي أن أكون هنا "
جلس دوان ييلين على مقعد خشبي قريب
بعد انشغاله طوال الليل ، بدت عليه علامات الإرهاق
فقال بصوتٍ منخفض :
“ سيد عائلتهم أُصيب إصابة خطيرة ، لذا …”
لوّح شو هانغ بيده ، وأشار إلى الفتى أن يخرج ، ثم تقدّم
بنفسه ليتفقد قدور الدواء :
“ إذًا اشتبه بي لأنني كنتُ على خلافٍ سابق مع يوان سن "
فتح دوان ييلين فمه كأنه يريد أن يقول شيئ ، لكنه في
النهاية ابتلع الكلمات التي قالها يوان يي عن الاشتباه بـ شو هانغ
واكتفى بقوله :
“ أنا أعلم أنك لستَ كذلك "
بعد أن أضاف شو هانغ بعض الأعشاب ، رفع عينيه وقال بهدوء :
“ وماذا لو قلتُ إنه أنا ؟”
نهض دوان ييلين من مكانه فجأة ، وحدّق فيه بصدمة ، ثم
قال بصوتٍ متماسك :
“لا تمزح!”
ابتسم شو هانغ ابتسامة خفيفة ، لا خوف فيها ولا اضطراب :
“ جئتَ تسألني إن كنتُ هنا اليوم ، أليس هذا دليلًا على أنك تشكّ أيضًا ؟
إذًا دعني أقول لك هذا : سواءً في الماضي ، أو الآن ، أو في
المستقبل ، إن سألتني ، فإجابتي ستكون دائمًا نعم ،
إن وثقتَ بي، فأنا بريء ، وإن لم تثق ، فأنا مذنب في نظرك،
ولك أن تفعل بي ما تشاء .”
عيناه صافية ، لا تعكّر فيهما أي ذرة تردّد حتى ،
لكن هذا جعل قلب دوان ييلين يضطرب
و المعنى كان واضح جدًا
شو هانغ سلّم له خيار الحياة والموت
لم يكن يومًا ممّن يبررون أو يكثرون الكلام ، لكن بجملٍ
قليلة فقط ، جعل دوان ييلين يشعر بالذنب ، كأن هذا الشاب قد ظُلِم ظلمًا كبيرًا
دوان ييلين { ذكيّ… ذكي إلى حدٍّ مخيف .. كأنه تحوّل إلى روحٍ ماكرة }
تنهد :
“ أنا فقط أردتُ توضيح الأمر ، حتى لا يكثر اللغو من حولك .
لا تشغل بالك .”
مدّ يده كأنه يريد مصافحته ، لكن شو هانغ نظر إليه ببرود ،
ثم استدار ودخل الغرفة ، تاركًا له ظهره ونظرة رفض واضحة
وقف دوان ييلين في مكانه ، لا يدري يضحك أم يبكي
{ إرضاؤه حين يغضب… مهمة شاقة فعلًا … }
لكن حين يكون المرء وحده ، يصبح تفكيره أوضح —-
{ يوان يي يشتبه بشخص قريب مني ... وربما لم يكن ذلك بلا أساس
فهو شخص شديد الملاحظة ، ولا بد أنه أمسك بدليل ما
وإن لم يكن هناك دليل آخر ، فمجرد التفكير بهذا يكفي
لو كان القاتل شخص عادي — حتى وإن خطّط للهجوم اليوم ،
لانتظر حتى عمق الليل ، بعد انصراف الضيوف —-
لكنّه اختار التوقيت قبل وصولي مباشرةً — الوقت مثالي ...
كان يستخدم الضجة لطمس آثاره
إن لم يكن ذلك مصادفة …
فلا بد أن القاتل من المقرّبين —— }
رفع يده إلى صدغه ، وشعر بصداع حاد
{ على أي حال ، دائرة الاشتباه قد ضاقت كثيرًا }
————
يوان سن ممدد على سرير المستشفى —
وحين استيقظ ، لم يعد قادرًا على فعل أي شيء…
سوى أن يرمش بعينيه
في كلّ مرة تُبدَّل فيها الضمادات ، كان يتأوه بضع آهات متقطّعة : “آه… آه…”
الألم واضح ، لكنّه لم يعد قادرًا على قول أي شيء آخر
وكلّ من جاء لزيارته لم يفعل سوى التنهد ، وهزّ الرأس ، ثم المغادرة بصمت
جسده مشلول ، أمّا عقله فما زال حاضرًا ،
كأن روحه قد سُمّرت داخل تابوت
هذا العذاب… لا يمكن وصفه بالكلمات
{ شو هانغ ، شو هانغ… }
كلّما خطر هذا الشاب في بال يوان سن ، لا يستطيع سوى
التحديق بعينين تشتعل غضب ، ويرتجف جسده كله
———
قام دوان تشانغتشو بفرز الممتلكات المسروقة التي عُثر
عليها في قصر عائلة يوان ، ودوّنها في تقريرٍ مفصّل ،
ثم رفعه إلى مجلس الوزراء
وسرعان ما صدر قرار المجلس
أُقيل يوان سن من منصبه ، و مداهمة أملاكه ، وصودرت ثروته ، وزُجّ بجميع شركائه في السجن
في الأصل ، كان من المرجّح أن يُحكم عليه بالإعدام ،
لكن بالنظر إلى حالته الراهنة ، رأى مجلس الوزراء أن ما نزل
به عقاب كافٍ ، فقرّروا طيّ الملف وترك عائلته يواجهون مصيرهم بنفسهم
وبمساعدة دوان ييلين ، لم تُدان بقية عائلة يوان ، ونجوا
من التورّط في القضية
لكن في النهاية ، لم تكن الثروة والمجد سوى حلمٍ عابر
وسيعيشون ما تبقّى من أعمارهم في فقر
شابت خصلات كثيرة من شعر السيدة يوان في ليلة واحدة،
وبكاؤها المتواصل كاد أن يعمي عينيها
أمّا العجوز يوان ، فقد ازدادت مواظبتها على تلاوة السوترا،
لكن صحتها واهنة ، وكاد يُغمى عليها مرارًا
وبين رعاية يوان سن والاعتناء بنساء العائلة ، كان يوان يي
مضطرًا أيضًا لمتابعة أدلة القضية
تراكمت عليه شؤون المنزل الصغيرة والكبيرة ، فهزل
جسده وخسر كثيرًا من وزنه
اليوم ، وبعد أن أطعم يوان سن دواءه وتركه ينام ،
توجّه يوان يي إلى جناح العجوز يوان ، أغلق الباب ، وركع أمامها مباشرةً
أسرعت العجوز تطلب منه أن ينهض ، لكنه رفض ، وقال بألمٍ عميق:
“ جدّتي… أما زلتِ ترفضين الكلام ؟”
تجمّدت يدا العجوز يوان في مكانهما ، ثم بدأت ترتجفان تدريجيًا ، و سقطت مستندةً إلى السرير
لا مهرب من الكارما —-
كانت لا تريد لـ يوان يي أن يتألّم في هذه الحياة ، لكنها لم
تتوقّع أن يمتدّ حريق بوابة المدينة ليحرق كلّ من في البركة
{ كيف لنا أن تنجوا ؟ }
تنهدت وقالت بصوتٍ واهن:
“ يا بني… هذه الأمور قذرة ومروّعة إلى حدّ أن جدّتك لا تريد الحديث عنها "
اشتدّ فكّ يوان يي وقال بصوتٍ مبحوح:
“ إن لم تخبريني ، وأجبرتِني على ألا أُقاضي القاتل
فسأقتله بيدي !”
: “ لا! لا يجوز!” ارتعبت العجوز إلى حدّ أنها كادت تركع أمامه :
“ ستنال الكارما إن فعلت ذلك… الانتقام…”
: “ أبي وصل إلى هذه الحال ،” يوان يي بعينين محمرّتين:
“ ألا يحقّ لي — بوصفي ابنًا ، أن أعرف الحقيقة ؟
أنتِ دائمًا تتحدثين عن الكارما
إن كانت هذه هي الكارما التي تستحقّها عائلة يوان ، فاشرحي لي السبب !
على الأقل… لأموت وأنا مرتاح الضمير !”
و أخرج يوان يي من صدره دبوس الشعر الذهبي بنقشة
' السنونو الطائر بين زهور الفاوانيا '
لم يهديه بعد إلى قو يانغفي
وفي هذه اللحظة ، وضعه في كفّ العجوز يوان ، وقال بنبرة حاسمة :
“ جدّتي إن لم تتكلمي الآن ، ولا تريدين أن تري دبوسًا ذهبيًا
آخر مغروسًا في جثتي… فتفضّلي بالكلام !”
لا يمكن إخفاء الحقيقة إلى الأبد
احمرّت عينا العجوز يوان ، وانهمرت دمعتان
بالنسبة لها، كان نبش الماضي جرحًا لا يقلّ إيلامًا
لكن ما الذي بقي ليُخفى ؟
العائلة قد تمزّقت إلى هذا الحد ، ولم يعد هناك ما لا يمكن قوله
احتارت من أين تبدأ ، فكان لا بدّ أن تبدأ من دبوس الشعر
مرّرت أصابعها عليه ، وصوتها بدا وكأنه يخترق الزمن ،
عائدًا إلى سنواتٍ بعيدة ——- :
“ في الحقيقة… هذا الدبوس الذي أملكه ليس سوى تقليدٍ رديء ...
صنعتُه بعد أن رأيتُ دبوس غيري ...
أمّا الدبوس الحقيقي بنقشة ’السنونو الطائر بين الفاوانيا‘…
فكان بديعًا ونفيسًا إلى درجة أنني ما زلت أذكره حتى اليوم ،
حتى ريش السنونو الذهبي كان واضح ، وخيوط الفاوانيا
الذهبية كانت أدقّ من الشعرة…”
رغم تقدّمها في السن وضعف ذاكرتها ،
إلا أن عينيها لمعت وهي تتحدّث عن دبوس الشعر ،
كأن المشهد ماثل أمامها الآن
“ كان من صنع سيّدٍ ثريّ أحبّ زوجته حبًا عظيمًا ….
وفي عيد ميلادها ، ولأن اسم تلك السيدة كان ’جين يانتشاي‘ — وكانت تعشق الفاوانيا أكثر من أي شيء ،
صُنع ذلك الدبوس… ’السنونو الطائر بين زهور الفاوانيا‘ "
{ جين يان تشاي … الدبوس الذهبي… مخبّأ في فناء جينيان تانغ }
كان يوان يي لا يزال متشكّكًا بنسبة النصف فقط ،
لكن بعد سماعه هذه الكلمات ،
شُلّ جسده تمامًا ، وسقط جالسًا على الأرض، عاجزًا عن النهوض …..
يتبع
جين يعني الذهب ،
يان يعني السنونو ،
وتشاي يعني دبوس الشعر ——
تعليقات: (0) إضافة تعليق