Ch81 GHLCS
عند سماعه النداء ، رفع الرجل رأسه فجأة : “من… من أنت ؟”
: “ شو هانغ — أنا شو هانغ — يا معلم شين هل تتذكرني ؟”
بدأت ملامح الرجل تتغير أيضًا : “ شو… شو…”
حاول شو هانغ استخدام أشياء من الماضي لإيقاظ ذاكرته : “ ههتشو ،
جينجيا تانغ ، برج زاوية تشييوان… أنت من قلت
لي إنني إذا أردت قراءة الكتب فستساعدني بكل ما لديك.
هل ما زلت تتذكر ؟”
: “ شو… هانغ، شياو هانغ؟” وكأنه أمسك بقشة نجاة ، شدّ
الرجل كمّ شو هانغ بقوة
: “ نعم !”
فتح الرجل فمه وكأنه يريد أن يقول شيئ ، لكن جسده تراخى فجأة ، وأغمي عليه
أسرع شو هانغ ليمسك به حتى لا يسقط على الأرض :
“ يا معلم شين ؟ يا معلم شين… يا الطبيب ساعدني
لنحمله إلى الداخل .”
: “ حسنًا "
بعد أن أنقذا الرجل ، أُغلقت العيادة وأُقفل الباب
حضّر الطبيب العجوز ماءً للاستحمام وملابس نظيفة ،
وساعد في تنظيف الرجل ، بينما ذهب شو هانغ ليُحضّر
بعض أدوية الإسعاف
بعد أن انتهى كل شيء ووُضع الرجل على السرير ، وجد شو هانغ أن وجهه مألوف بشكل غريب
المعلم شين — شين جينغمو —-
رغم أنه في الثانية والثلاثين من عمره ، إلا أن شين جينغمو ليس طويل القامة ، ولا ذا ملامح بارزة
و وجهه صغير ، لذا بدا أصغر من الثلاثين
في الماضي كان لا يزال يحتفظ بقليل من امتلاء الطفولة في
وجهه ، وكان يبدو أنعم من طلابه ، ولهذا كان الطلاب يحبون المزاح معه
أما شين جينغمو الممدد الآن ، فقد كان نحيلًا إلى حد أن
خديه غائران ، وتحيط بعينيه هالات داكنة ، وظهرت خطوط
دقيقة عند أطراف عينيه
تجمد شو هانغ في مكانه حين دقق النظر فيه
كان ذراعا شين جينغمو مليئين بآثار إبر بأحجام مختلفة ،
وبعضها متكدّم بالأزرق والبنفسجي من كثرة الحقن المتكررة — مشهد يبعث على القلق
و آثار سلاسل على معصميه وكاحليه، وكدمات على وجهه من السقوط ،
كما أن كاحليه ملتويين قليلًا ومتورمين ، لكن لحسن الحظ
لا توجد إصابات خطيرة
أما عيناه—تلك العينان اللتان كانت يومًا ما بلا حياة تمامًا—فقد بقيت ساكنة ،
نظراتهما متجمدة ، ومقلتا العين بلا أي حركة ، عمياء تمامًا
لم يجد شو هانغ أي إصابات ظاهرة عند الفحص
وحتى بعد فحص النبض ، لم يتمكن من تحديد الكثير ، سوى أمر واحد :
نقص الدم كان شديد على نحو مخيف
{ يا للخسارة …. هاتان العينان كانت في الأصل رقيقتين
كـماء بحيرة في الربيع ، وكل نظرة منهما كانت ناعمة إلى حد مؤلم }
حين التقى شو هانغ بشين جينغمو، كان هو المعلم الوحيد في مدينة ههتشو القادر على عزف الهارمونيكا
في ذلك الوقت كان شو هانغ قد دخل لتوه إلى تشييوان ،
وكان يُجبر على تعلّم الأوبرا كل يوم ،
وأحيانًا عندما تتاح له فرصة ، كان يختبئ في إحدى زوايا تشييوان شاردًا بنظره
وكان شين جينغمو — بصفته معلم ابن جين هونغتشانغ،
كثيرًا ما يأتي إلى القصر ، وهكذا التقيا مصادفة
آنذاك كان شو هانغ في الثانية عشرة من عمره ، وكان شين جينغمو في الثانية والعشرين
كان والدا شين جينغمو مطلّقين ، وقد تربّى على يد والدته التي توفيت مبكرًا
وبحكم طبيعته اللطيفة والخجولة ، لم يكن يجرؤ على
التعمق في شؤون العائلة داخل القصر ، لكن مع ذلك لم
يستطع إلا أن يشعر بالشفقة تجاه هذا الطفل الجريح
و عندما لا يكون هناك من يلاحظ ، كان يجلب بعض الأدوية
لشو هانغ —- ويشتري له تماثيل من الحلوى وألعاب صغيرة لإسعاده
بطبيعة الحال لم يُبدِي شو هانغ أي تعبير ، ولم يتحدث إليه
أبدًا ، لكن العداء في عينيه بدأ يتلاشى تدريجيًا
إلى أن جاء يوم أحضر فيه شين جينغمو كتاب مصور لشو هانغ
فقال شو هانغ وقتها —- : “ أريد أن أدرس الطب "
منذ ذلك اليوم ، بدأ شين جينغمو بالبحث عن كتب طبية نادرة
وبفضله ، تمكن شو هانغ من دراسة كتب الطب بجدية
بعد عامين ، أصبح السيد الشاب جين قادرًا على الذهاب
إلى المدرسة بمفرده ولم يعد بحاجة إلى معلم خاص
ومع ذلك ظل شو هانغ يجد بانتظام كتب طبية جديدة
موضوعة فوق الجدار المنخفض في زاوية تشييوان ——
و بعد ثلاث سنوات في ليلة ثلجية ، وجد شو هانغ رسالة
مدسوسة داخل أحد كتب الطبية
كتب فيها شين جينغمو أنه مضطر للذهاب إلى شنغهاي
مع والده لتتبع أصول العائلة
و بعد ذلك ؟ لم تصله أي أخبار عنه ——
وفي ذلك الوقت كان شو هانغ قد قرأ بالفعل كل كتب
الطبية المتوفرة في مدينة ههتشو
مرت خمس سنوات منذ آخر مرة سمع فيها عنه
لا يعرف كيف يمكن لمعلم لطيف وحنون كهذا أن يُعذّب حتى وصل إلى هذه الحالة
قام شو هانغ بتحميم شين جينغمو بلطف ، وأعاد دهن المرهم بعناية
ومع حركته الهادئة ، فتح شين جينغمو عينيه تدريجيًا—
وأخيرًا استيقظ
: “ يا معلم شين… هل ما زلت تشعر بعدم ارتياح ؟
هل أنت جائع ؟”
جلس شين جينغمو وهز رأسه
بعد أيام من الهرب والمعاناة ، لم يشعر بالاطمئنان إلا الآن
: “ أنت شياو هانغ… هل أنت حقًا شياو هانغ؟”
: “ نعم ...” أمسك شو هانغ بيده ، ووضعها على كفه ،
وكتب كلمة [ حظ ] على كفّه : “ هذا ما علمتني إياه سابقاً ،،
قلتَ إنه إذا كتبتها هكذا ثم قبضت يدك ، فستصبح حياتك محظوظة جدًا .”
كان شين جينغمو متأثرًا بشدة بلقاء صديق قديم ،،
ولأنه لا يستطيع رؤية شو هانغ، مدّ يده ولمس وجهه :
“ صحيح ، صحيح … لقد كبرت فعلًا "
: “ وأصبحتُ طبيب ، وافتتحتُ قاعةً طبية .”
: “ رائع ، هذا رائع حقًا… كنت أعلم أنك ذكي ومجتهد ،
لكن من المؤسف أنك كنت في مكان كهذا…”
ربّت شو هانغ على يديه وقال : “ لقد تجاوزتُ الأمر "
: “ ما دمتَ قد تجاوزته ، فلا بد أنك أصبحتَ بخيرٍ جدًا…
لقد أعجبتُ بك منذ أول مرة رأيتك فيها…
من المؤسف أنني لا أستطيع رؤية شكلك الآن…”
تلاشت ابتسامة شين جينغمو ولم يستطع إلا أن يلمس عينيه
شو هانغ : “هل هناك خطب ما بك؟”
هزّ شين جينغمو رأسه: “هذا درس… انسَى الأمر…
دعنا لا نتحدث عنه… فلن يتحسن على أي حال "
حين رآه لا يريد الخوض في الموضوع ، لم يُصر شو هانغ ،
وغيّر الحديث: “ يا معلم شين هل تخطط للعودة إلى
منزلك أولًا أم تفضل البقاء عندي ؟”
في الأصل كانت جملة بسيطة جدًا ، مجرد سؤال عادي ،
لكن وجه شين جينغمو تجمّد فجأة ،
ثم هزّ رأسه بخوف : “ لا، لا أستطيع العودة…
سيأتون للإمساك بي…”
: “ لا تقلق ، ما دمتَ معي فلن يجرؤ أحد على إيذائك .
أخبرني من الذي يريد الإمساك بك؟”
كان شين جينغمو مضطرب الكلام ، ممتلئ الوجه بالخوف،
إلى درجة أنه حاول لا شعوريًا أن ينكمش في الزاوية :
“ إنه هو — لقد خدعني —
لا أريد أن أُحبس هناك مجدداً — عيناي، أنا…”
ربما أثار سؤال شو هانغ مشاعره ، فبدا كأنه على وشك الانهيار
و لم يستطع التنفس ، وازداد شحوب وجهه
ظل يتراجع إلى الخلف ، لكنه لكونه لا يرى ، كاد أن يسقط من السرير
الانفعال المفرط أو الخوف الشديد قد يسبّبان أذى بالغًا للجسد والعقل معًا
و شين جينغمو ضعيف أصلًا ، وبدا أنه قطع مسافة طويلة وهو مصاب
و كانت مشاعره في فوضى ، ولو لم ينتبه ، لكان من السهل أن يفقد السيطرة
ورغم أن شو هانغ نادر يعالج مرضى يعانون من اضطرابات
نفسية ، إلا أنه يعلم أن الأسلوب اللطيف هو الوحيد
المجدي— وليس القسوة
: “ يا معلم ، يا معلم ، اهدأ ! لا تخف… لا تخف…” احتضنه
شو هانغ وربّت على رأسه وضغط على نقاط الوخز واحدة
تلو الأخرى ليساعده على الاسترخاء ، وقال بصوت حازم: “ أنت في أمان ،،
هذا مشفى هِيمينغ — مشفاي — و أنا الآن سيد العائلة في
مدينة ههتشو وبجانبي هذا هو المكان الأكثر أمانًا !
لن يؤذيك أحد مجدداً !”
كانت طريقة شو هانغ فعالة فعلًا و انكمش شين جينغمو
بين ذراعيه ، وتلاشى الخوف شيئًا فشيئًا ، واسترخت عضلة
تلو الأخرى من جسده المشدود
في سكون المشفى كله ، لا يُسمع سوى أنفاس شين جينغمو الثقيلة ،
كأنه نجا للتو من كارثة محققة
و بعد أن هدأ تمامًا ، مدّ إصبع صغير ، وتعلّق بكمّ شو هانغ
وقال :
“…لم يكن ينبغي لي أن أترك ههتشو من الأساس …
كنتُ غبيًا جدًا
هذا خطئي…”
شعر شو هانغ بالألم في قلبه ... شعر أن شين جينغمو قد مرّ بالكثير خلال السنوات الخمسة الماضية —-
يتبع
تعليقات: (0) إضافة تعليق