Ch97 GHLCS
في ضواحي المدينة تمتلك القنصلية اليابانية بيتَ شايٍّ
مخصّص لاستقبال الضيوف المهمّين ، ولذلك يبقى خاليًا
طوال العام في الغالب
و في هذه اللحظة ، داخل الغرفة الخاصة في الطابق
العلوي من بيت الشاي ، كان جسدان متراكبين فوق حصير
التاتامي — يتصبّبان عرقًا
أحدهما كمن يحرث الأرض ، والآخر كمن ينسج الحرير
الحرّاث عجوز قبيح ، أمّا الناسجة فجميلة
و ما إن انطلق التأوه الخافت حتى عاد كل شيء إلى السكون
و ارتدى العجوز ملابسه ، فتح الباب ، وغادر ——
بقيت المرأة ممدّدة على التاتامي وقتًا طويلًا ، ثم جلست ببطء ،
فتحت النافذة لتبدّد الرائحة ، وبعد ذلك— ومن دون أن
ترتدي أي ملابس —أشعلت سيجارة وبدأت تدخّن
بعد لحظات ، فُتح الباب مجددًا ، ووقف شاب عند المدخل
لم تلتفت إليه
كانت تعطيه ظهرها ، تحدّق خارج النافذة ، لا حزن في
ملامحها ولا فرح :
“ كينجي عد وأخبر الجنرال : إن أراد السيطرة على جبهة
الجنوب الشرقي ، فعليه أولًا مهاجمة ههتشو —-
وإن أراد استخدام أسلحة البحث ، فقد أعددتُ بالفعل
خطة لاستخدامها .”
وقف كينجي لحظة عند الباب ، ثم دخل ، التقط الملابس
الملقاة على الأرض ، وألبسها إيّاها
بعدها —— احتضنها من الخلف بقوة
: “ كيكو ! سأصطحبكِ معي ! لا يهمّني حتى لو لامني الجنرال!
لا أريد أن أراكِ تضحين بنفسك من أجل المهمة…
كيكو إن أومأتِ فقط سأبذل كل ما أستطيع لأُبعدكِ عن هذا المكان !”
تركت كوروميا كيكو جسدها بين ذراعيه — عارية ، ومع
ذلك لم يظهر عليها أي خجل
و حدّقت من النافذة ، حيث يمكن رؤية إفريز معبد فاشي على الجبل البعيد
{ لهذا السبب اخترت بيت الشاي هذا بالذات .. }
تحتفظ بذلك الشخص في قلبها ، بينما جسدها غارق في
أكثر الأفعال دناءة —أفعال تشبه التدنيس
ومع ذلك ، لم يكن بوسعها التوقّف
فقط تذكر صورته ، وهي تُجبر نفسها على تحمّل هذا
الانحطاط ، كان يمنعها من التقيؤ
سقط رماد السيجارة على التاتامي
تحرّكت عينا كيكو فدفعت يدي كينجي بعيدًا :
“ لن أغادر "
خارت قوة يدي كينجي فجأة :
“ بسببه ؟
بسبب ذلك الراهب الذي لا يمكنه أن يكون معكِ ؟”
أغمضت عينيها قليلًا
أدارها كينجي نحوه وأمسك كتفيها بإحكام :
“ كيكو ! هذا لا يستحق ! أنتِ تحبينه ، وكل ما تفعلينه هو
التحديق بالمعبد من بعيد ،
هو لا يعرف حتى ما تشعرين به ،
من الأفضل أن تتخلي عن حبٍّ لن يُردّ أبدًا !”
: “ التخلّي…” تمتمت كوروميا كيكو — ثم ابتسمت بمرارة :
“ ما تقوله يشبه أن تطلب مني كسر عظامي وسلخ جلدي ،
أتظنّني أستطيع فعل ذلك ؟”
: “ إذًا عليكِ أن تحصلي عليه— مهما كلّف الأمر !
يجب أن تفهمي — ههتشو ستقع في نهاية المطاف تحت
سيطرة الإمبراطورية اليابانية — وعندما يأتي ذلك اليوم
هل تظنّين حقًا أن راهبًا سيظلّ قادرًا على النجاة ؟”
انطفأت السيجارة في يدها فجأة
أدارت كوروميا كيكو وجهها ببطء ونظرت إلى كينجي بنظرة
قاسية تحمل شيئًا من القسوة
: “ لن يصيبه أي مكروه ، ولن أسمح أنا بذلك أيضًا "
ضرب كينجي بقبضته على التاتامي : “ هو يعاملك كما
يعامل الجميع ،، هل تعلمين ذلك؟”
: “ لا، الأمر مختلف ...” انكمشت كوروميا كيكو و جسدها
العاري يرتجف ارتجافة خفيفة وهي تبتسم : “ جميع
الكائنات الحيّة ليست سوى كائنات حيّة ،،،
أمّا أنا، فأنا أنا … حتى لو رآني مختلفة قليلًا عن الآخرين
فذلك وحده يكفيني .”
: “ إذًا ستواصلين فعل هذا ؟”
: “ أنا أخشى أن أُفزِعه ... هو بدأ يبتسم لي أصلًا… قريبًا ،،
قريبًا جدًا ،،، سيشعر بأنني مختلفة "
لم يعد للكلام جدوى — لذا عضّ كينجي على لسانه وخرج غاضبًا
كان في عينيه لهيب مكبوت يريد أن ينفجر — و ما إن خرج
من بيت الشاي حتى نظر نحو الجبل ، وشعر بغضب يتصاعد في صدره
كينجي { كلّ شيء هنا في فوضى — فلماذا يستطيع بعض
الناس الانسحاب إلى الجبال والغابات ، يعيشون بهدوء وسلام ،
بعيدين عن متاعب الدنيا ؟
إن كانت الحياة لا تُحتمل للبعض ، أفلا ينبغي أن تكون
كذلك على الجميع ؟ }
ابتعد وملامحه قاتمة
وفي قلب هذه العاصفة الصغيرة ،
الراهب تشانغ لينغ—الذي لا يعلم شيئًا عمّا جرى—يرتّب غرفة تأمّله
و عندما نظّف تحت السرير ، وجد منديل
وعندما رتّب خزانة الكتب ، رأى أثر شفاه حمراء على زاوية كتاب
وحين نظّف منضدة الشاي ، وجد سوارًا من المرجان الأحمر منسي
تجمّد تشانغ لينغ لحظة —- { متى امتلأت غرفتي فجأة بكل
هذه الأغراض النسائية ؟
ويبدو أنّها جميعًا تعود إلى الشخص نفسه …
قالت إن اسمها ' وينهوي ' …. }
كان ذلك حين استفاقت من سُكرها ، وابتسمت بعذوبة
وهي تسند ذقنها بيدها
وأثناء نشر الوسادة لتجفيفها ، لمح تشانغ لينغ خصلة شعر
أسود علقت بها
نزعها برفق ، وظلّ يتأمّلها وهي في كفّه
ركض الراهب الصغير من الخارج وهو يبتسم :
“ يا معلللللم !”
ارتبك تشانغ لينغ ودسّ خصلة الشعر في كُمّه دون وعي ،
ثم استدار : “ أنت دائمًا متعجّل ... هل أنهيت واجباتك اليوم أصلًا ؟”
: “ نعم!” و ارتمى الراهب الصغير في حضن تشانغ لينغ
و داعبه : “ يا معلم عمّا كنت تفكّر قبل قليل وأنت واقف هنا ؟”
: “ لا شيء ...” ربّت تشانغ لينغ على رأسه : “ مؤخرًا… تلك
المتبرّعة لم تعد تأتي "
رفع الراهب الصغير رأسه وسأله بشيء من الذنب :
“ التي ترتدي الأسود ، الجميلة ؟”
قرص تشانغ لينغ خدّه : “ نعم ، لعلّها لم تعد بحاجة إلى
السُكر بعد الآن… وهذا أمر جيّد "
تنفّس الراهب الصغير الصعداء —- لم يجرؤ على القول إنه
هو من أبعد تلك المتبرّعة بأربعة من الأبيات الشعرية ،
تنفيذًا لما قاله المتبرّع شو
{ كثيرون من الرجال والنساء المؤمنين يأتون ويذهبون ،
لكن هذه هي المرّة الأولى التي يتذكّر فيها معلّمي امرأة بعينها — و تلك المتبرّعة جميلة فعلًا —
حتى أنا يسرّني رؤيتها ، فكيف معلّمي }
ضحك بخفّة كفأرٍ صغير ، وتدلّل في أحضان تشانغ لينغ
⸻
رغم أن شو هانغ كان في يوم راحة ، ولن يذهب لمعاينة
المرضى ، فإنه استيقظ مبكرًا كعادته ، وتوجّه إلى الجبال لجمع الأعشاب
وعندما عاد، كانت الخادمة تشان يي تساعده على تبديل
ملابسه ، وهمست له بصوت خافت :
“ هذا الصباح ، كان يوجد أناس يسألون في كل مكان وهم
يحملون صورة السيد شين — و عندما وصلوا إلينا ،
صرفتهم ، لكنني شعرت أن هناك من يراقبنا من الخارج .”
لم يحتاج شو هانغ إلى التفكير طويلًا
{ لا بدّ أنهم من عائلة تشانغ
قادرين على تتبّع مكانه ، لكن للأسف… تأخروا
فالشخص المعني قد غادر بالفعل }
سألت تشان يي مجددًا :
“ هل لدى سيد العائلة أي تعليمات؟”
ابتسم شو هانغ وقال بنبرة رضا :
“ تزدادين ذكاءً يومًا بعد يوم ... فهمتِ ما أريده قبل أن أتكلم .”
عبست تشان يي قليلًا :
“ أميتابها، حتى لو كنتُ سمكة كوي أمام بوذا لتعلمتُ تلاوة
السوترا بعد سماعها مرات كثيرة ،،
ردك يا السيد الشاب شو تجعلني أبدو كأنني حمقاء "
ضحك شو هانغ :
“ حسنًا أنتِ سيئة المزاج فقط — في هذه الأيام لا حاجة لتوصيل الدواء ، حتى لا تُلفتي الانتباه
الوصفة التي أوصلتِها سابقًا تكفي المعلّم شين في الوقت
الحالي — دعي شياو يان يتكفّل بالباقي .”
تفاجأت تشان يي:
“ هاه ؟ ألا نحتاج إلى إبلاغ سيد الأشباح بأن يراقب السيد شين عن كثب ؟”
ابتسم شو هانغ مجددًا:
“ لقد مدحتُ ذكاءك للتو ، فلماذا عدتِ غبية مجدداً ؟”
رمشت تشان يي وفكرت قليلًا ، ثم اتّسعت عيناها فجأة:
“ آه—إذا لم نُوصل الدواء ، ولم نخبرهم بضرورة إيقافه في
هذا الوقت ، أليس هذا تلميح غير مباشر بأن هناك من
يترصد لنا، وأن عليهم توخي الحذر؟
آه! لهذا طلب مني السيّد الشاب أن أُرسل الوصفة قبل أيام !”
أومأ شو هانغ برأسه بخفة
كان واثقًا أن شياو يان سيفهم الإشارة ويدرك الفارق الدقيق،
أما شين جينغمو، فغالبًا لن ينتبه لذلك
ولهذا، من الأفضل ألا يُثقله بالأمر
{ إنها مجرد مسألة وقت قبل أن تكتشف عائلة تشانغ مكان شين جينغمو …
ولا يمكنني إبقاءه في فناء جينيان تانغ …
وإلا سيصبح هدفًا مباشرًا لعائلة تشانغ،
وسيؤدي ذلك إلى كشفي أنا أيضًا ،
وهو أمر لا يخدم خططي المستقبلية }
تمتمت تشان يي:
“ كنت أظن أن سيد الأشباح شخص سيئ ، ولم أتوقع أن
يكون طيبًا إلى هذا الحد !
أما عائلة تشانغ… آه، لا يمكن الحكم على الناس من مظهرهم حقاً ،
السيد شين جينغمو يشبهك ، رغم ما عاناه في الماضي ، إلا
أن الأيام الجيدة قادمة !”
شو هانغ بهدوء :
“ ربما "
بعد أن بدّل ملابسه ، التقط المقص ، واستعدّ لتقليم
النباتات الموجودة قرب النافذة
{ وردة فاتنة لكنها باهتة —
خيزران الحظ المتعالي ….
وصندل أحمر صغير الأوراق ، ثقيل العبء
من أين أبدأ ؟ }
نظرت تشان يي يميناً ويساراً و بدت عليها الحيرة :
“ يا سيد العائلة جميع هذه الأصائص لافتة للنظر ، أيّها تريد
إصلاحه أولًا ؟”
تحرك المقص بين السيقان والأوراق ،
كطبيب غربي يستعدّ لعملية تشريح
لم يقطع إلا بعد أن استقرّ قراره
قال وعيناه تلمعان بدهاء :
“ الأبسط هو الأسهل في التعامل ...
لنبدأ بالزهرة التي تبدو جميلة إلى هذا الحد .”
يتبع
فهمتوا صح ؟ ~
تعليقات: (0) إضافة تعليق