Ch24 جبلها، بحرها
بطبيعة الحال كانت الأيام الصافية والمشمسة رائعة ،
الشيء السيئ الوحيد فيها هو أنهم كانوا مضطرين للخروج للجري
ولم يكن العيش في نانلين مريح حقًا:
حين يبرد الطقس ، يبرد بشدة ، مع أمطار وسماء كئيبة تمتد لأيام متواصلة ،
كأن الرطوبة الباردة تتسلل إلى العظام
وحين يشتد الحر ، ترتفع درجات الحرارة فجأة ، فيتعرق الجميع بغزارة بعد الجري تحت الشمس
لقد خاضوا بالفعل اختبارين هذا الفصل
وكما هو متوقع ، حصلت يو يو على المركز الأول في المرتين ،
بينما ظلت تشي تانغ تحوم حول المركز العاشر في الفصل ،
متسللة بصعوبة إلى المئة الأوائل على مستوى الدفعة
تانغ { يُعد ذلك… تقديرًا لا بأس به على الأرجح }
صوت لاو فانغ لطيف للغاية : “ تشي تانغ أخبريني لماذا لا
يستطيع والداكِ الحضور إلى اجتماع أولياء الأمور ؟
هذا الاجتماع مهم جدًا، خاصة لكم أنتم طلاب السنة الأولى
في السنة الثانية سيتم تقسيمكم إلى مسارات العلوم والآداب ،
لذا نرغب أيضًا في التحدث مع أوليائكم بشأن مستقبلكم .
ما لم تكن هناك ظروف خاصة ، يجب أن يحرص والداكِ على الحضور .
عودي إلى المنزل وتحدثي مع والدكِ ، وحاولي إقناعه
بالمجيء الأسبوع القادم حسنًا؟”
لم تقل تشي تانغ شيئًا طوال الوقت
ويبدو أن لاو فانغ قد اعتاد بالفعل على طلاب غير متعاونين
مثلها ، فتنهد بعجز ، ثم واصل الحديث عن بعض الأمور
الأخرى ثم سمح لها بالمغادرة
سارت تشي تانغ وسط الحشود في الممر ، تفكر في هذا
الاجتماع ' المهم جدًا ' لأولياء الأمور
ثم رأت يو يو تنظف ممسحات السبورة قرب باب الفصل —
و كان غبار الطباشير يرقص تحت أشعة الشمس
لاحظت يو يو تعبيرها عندما اقتربت ، فتوقفت عن تحريك الممسحات
: “ ما الأمر؟”
لم تعرف تشي تانغ متى بدأ ذلك ،
لكن الآن كلما لم تكن سعيدة — حتى لو لم يظهر شيء على
وجهها — كانت يو يو تلاحظ دائمًا ، ثم تسألها بنفس هذه النبرة بالضبط ——-
وعندما تشعر بسوء شديد ،
فإن تشي تانغ لا ترغب أبدًا في الرد
تبعتها يو يو إلى داخل الفصل ، وضعت ممسحات السبورة جانبًا ، ثم سحبت كرسي وجلست
سألت مجدداً : “ ما الأمر؟”
لم تتكلم تشي تانغ —- فكرت في يو يو — { من المؤكد أن والديها لن يحضرا اجتماع أولياء الأمور } —
وبمجرد أن خطرت هذه الفكرة في ذهنها ، أصبحت أقل
رغبة في التحدث عن الأمر
—————————-
في اليوم التالي كان عطلة نهاية الأسبوع، لذا لم يكن لديهم دوام
فعادت تشي تانغ إلى المنزل لتأخذ ملابسها ، وأخبرت والدها عن اجتماع أولياء الأمور
ربما لأنها كانت تقضي وقتها دائمًا في المدرسة ، فلم يكن لديها وجود يثير غضبه ،
أو ربما كان والدها نفسه في مزاج جيد لسبب ما،
لكن وعلى نحو مفاجئ ، وافق فورًا —-
وفي يوم الاثنين ، جاء بالفعل إلى المدرسة ——-
بدا والدها تشي تشانغ في مظهر حسن ، يتمتع بوسامة تقليدية ولافتة
حتى وإن كان في منتصف العمر قد انغمس في شتى
الرذائل ، من الشره إلى إدمان الكحول ، ومن الشهوات إلى القمار ،
فإنه عندما يرتدي بدلة ، يظل يبدو مميزًا للغاية
وعندما يتحدث مع الناس ، يستطيع الدردشة في أي موضوع تحت الشمس ،
لذا غالبًا يكون الانطباع الأول عنه أنه رجل واثق وبارع —-
“ عندما كنت شابًا ، قدتُ فريقًا هندسيًا ، ونفذنا الكثير من
مشاريع البناء ... تعرفون برج اللؤلؤ في مدينة N…”
كان تشي تشانغ كحال كثير من الرجال في منتصف العمر
الذين جنوا بعض المال في حياتهم ،
و يحب التحدث عن أمجاد أيامه الماضية بأسلوب مبالغ فيه —-
ويلقي أرقام الصفقات بملايين الدولارات وكأنها أمور عادية
و في الحقيقة لم يكن لديه عمل يُذكر خلال العامين الماضيين
في سنواته المبكرة اشترى عدة منازل بأمواله ،
والآن هو يعيش على الإيجارات التي يحصل عليها منها —-
نعم كان يعيش ببذخ،
لكن من يعلم إلى متى يمكنه الحفاظ على هذا الأسلوب المترف ؟
راقبته تشي تانغ بنظرة باردة وهو ينفخ صدره تباهيًا
و في هذه الأثناء كان معظم أولياء أمور الطلاب قد وصلوا بالفعل ،
لكن بما أن مشرف الفصل لم يحضر بعد ، فقد تجمع الجميع يتحدثون فيما بينهم
و كان صوت تشي تشانغ الأعلى بينهم ،
حتى أن الآخرين التفتوا إليه لا شعوريًا
كان يتحدث بحماس مع والدين جالسين بجانبه
لم يكن هناك أحد في مقعد يو يو —
فبالفعل لم يأتِ والداها
لمحت تشي تانغ أن تشي تشانغ ألقى نظرة نحو يو يو
وعرفت أنه على وشك أن يسأل شيئ
وكما توقعت ، قال:
“ لم يأتِ أحد من عائلة زميلتك في المكتب .”
كان يستطيع أن يرى أن وضع يو يو المادي صعب ،
وكانت نظرته مليئة بالازدراء والاستخفاف
رأت تشي تانغ موقفه بوضوح ،
ولسبب ما اشتعل الغضب في صدرها ،
فاتكأت على الطاولة وقالت ببرود :
“ هي الأولى على مستوى الفصل —- . في كل اختبار ، دائمًا
تحتل المركز الأول .”
ومع ذلك ، قال تشي تشانغ بصوته المتعجرف ذاته:
“ الأولى ؟ هذا ليس بالأمر المفيد
تعلمين — كونكِ دودة كتب لم يعد ذا فائدة كبيرة هذه الأيام
الآن، كل خريجي تلك الجامعات المرموقة لا يعرفون فعل أي شيء .
وفي النهاية ، قد ينتهي بهم المطاف مجرد عمّال كنس في الشوارع .”
لم يكن يملك في الأصل قدرًا كبيرًا من التعليم ،
لكن في شبابه مرّ بفترة ازدهار قصيرة ، حتى إنه أسّس
شركته الخاصة وجعل مجموعة من طلاب الجامعات يعملون لديه ،
لذا بطبيعة الحال لم يكن يُعير كل هذا الكلام أي قيمة تُذكر
ومع استمراره في الثرثرة عن ماضيه ،
اجتاح تشي تانغ شعور حاد بالضيق
لم تكن تفهم كيف استطاع الحفاظ على عقدة التفوق هذه كل تلك السنوات
فقالت ببرود :
“ هل يمكنك أن تتوقف ؟ الجميع يستمع إليك الآن .”
كان تشي تشانغ يهتم بسمعته اهتمامًا بالغًا ،
ولذا ما إن سمع تعليقها حتى اشتعل غضبًا فورًا ،
عبس بحاجبيه وضرب الطاولة
: “ راقبي نبرة صوتك عندما تتحدثين مع والدك !
ماذا كنتِ تدرسين طوال هذه السنوات بحق الجحيم ؟
حتى لو ربيتُ كلبًا كل هذه السنوات لكان على الأقل قادرًا
على مساعدتي في بعض الأمور ،
أما أنتِ فلا تستطيعين حتى قول كلمة لطيفة…”
كان دائمًا هكذا ،
يصرخ في وجهها متى شاء — دون اعتبار للمكان أو الموقف —
كل ما كان يهمه هو مزاجه فقط
لاحظت تشي تانغ أن الجميع يحدقون بهما،
فاشتعل غضبها من الإحراج
كادت تردّ قائلة ' إذًا لماذا لا تُنجب كلبًا وتربيه '
لكنها عضّت لسانها في اللحظة الأخيرة
{ لو ردّيت عليه الآن ، فمن المؤكد أن والدي سيضربني ..
وليس الأمر وكأنه لم يحدث من قبل }
حين كانت في المرحلة الإعدادية ،
ضربها مرة أثناء اجتماع أولياء الأمور
لم تعد تتذكر بالضبط ما الذي قالته وأغضبه ،
لكنها تتذكر جيدًا أن ذلك الاجتماع انتهى بشكل كارثي ——
لم يستطع المعلم حتى التحدث عن أي شيء آخر ،
إذ انشغل فقط بمحاولة تهدئة المشكلة مع والدها
لم تكن تريد أن يتكرر شيء كهذا مرة أخرى ،
كما لم تكن تريد أن تصبح موضع سخرية الجميع
كتمت تشي تانغ استياءها ،
ونظرت لا شعوريًا لترى حاجبي يو يو معقودين بقلق —-
ثم حوّلت نظرها بعيدًا ،
لم تنظر إلى أحد ،
ولم تقل شيئ
ولأن تشي تشانغ لم يتلقَّ أي رد منها ،
لم يهدأ غضبه ،
بل استمر في إطلاق الشتائم والإهانات بلا توقف ——
مهما كان الشخص وسيمًا ،
فعندما يُظهر هذا الجانب من نفسه ،
فإنه لا بد أن يبدو بلا قدر من الوقار ——-
و الوالدان اللذان كانا يتحدثان معه قبل قليل ابتعدا عنه ،
وبدآ يتهامسان مع الآخرين بدلًا من ذلك
لحسن الحظ دخل المعلم لاو-فانغ في تلك اللحظة ،
فاضطر الطلاب جميعًا إلى المغادرة
لم ترغب تشي تانغ في البقاء هنا ولو لحظة واحدة ،
فخرجت دون أن تلتفت إلى الخلف
تبعتها يو يو مباشرةً ،
لكن الاثنتين سمعا الضحكات الخافتة خلفهما ،
وبعض الكلمات المتقطعة :
“ والدها… يا لها من مهزلة…
لا بد أنه يضربها…
لهذا لا تعيش في المنزل…”
تنهدت تشي تانغ تنهيدة عميقة { مزيد من القيل والقال
والشائعات من هذا النوع } —-
السماء بلون أزرق داكن ،
وفي هذه اللحظة دوّت أصوات الأجراس فاختلطت معًا في ضجيج صاخب
كانت يداها المدفونتان في جيبيها تعبثان بأصابعها بلا وعي
{ مرّ الوقت أسرع… أرجوك مرّ أسرع ….
دعني أكبر فورًا ، دعني أتحرر منه الآن }
قالت يو يو فجأة من جانبها :
“ لنكن في الفصل نفسه في السنة الثانية أيضًا .”
نظرت إليها تشي تانغ وخُصلة من الشعر تمايلت أمام عينيها
يويو: “ وفي السنة الثالثة .”
فكرت قليلًا ثم أضافت:
“ أما بالنسبة للجامعة…”
قاطعتها تشي تانغ:
“ لن أتمكن من دخول أي جامعة ستذهبين إليها .”
: “ إذًا لنذهب إلى المدينة نفسها.
طالما أننا قريبان من بعضنا .”
ظل تعبير تشي تانغ خاليًا من أي انفعال :
“ وما الجيد في أن نكون قريبين؟”
: “ لقد قطعتُ لكِ وعدًا .”
{ أي وعد ؟ } استغرق الأمر من تشي تانغ وقتًا طويلًا حتى
تتذكر تلك الجملة التي قالتها يو يو يومًا ما، وكأنها مزحة:
{ ' سأعيلك ' }
بالنسبة لتشي تانغ ——
مهما بدت يو يو جادّة وهي تقول ذلك ،
فإنه سيبقى دائمًا مجرد مزحة
فمهما فكرتِ في الأمر من أي زاوية،
فهو يظل أمرًا مضحكًا —
{ من الذي يعيل صديقته أصلًا ؟
وأيضاً … إلى متى يمكن أن تدوم صداقة في المرحلة الثانوية ؟
بعد دخول كل واحدة منا إلى جامعة مختلفة ،
ربما تنتهي صداقتنا ببساطة ... }
يتبع
الفصل التالي الفصل السابق
تعليقات: (0) إضافة تعليق